مختارات من:

روجيه جاروديه.. مساءلة الثابت وخلق التحول

عماد عبد اللطيف

في الثالث عشر من يونيو 2012، ودَّع العالَم المفكر والفيلسوف والمناضل الفرنسي روجيه جاروديه، الذي شغل مكانة مميزة بين الشخصيات التي أثَّرت بعمق في وعي القرن العشرين. فالفيلسوف الفرنسي الذي ولد في 17 يوليو 1913 أثار الكثير من الجدل بكتاباته ومواقفه واختياراته في الحياة. وكعادة كل الشخصيات العظيمة، فقد كان يتميز بأصالة عميقة، جعلت حياته أشبه بسلسلة متصلة من التحولات.

في هذا المقال، سوف أتوقف عند إسهامين جذريين من إسهامات جاروديه التي أثرت تأثيرًا موغلا في فكر القرن العشرين وممارساته. الإسهام الأول هو دعوته الشهيرة للحوار بين الحضارات، التي أحدثت تغييرًا في الطريقة التي تُدرِك بها الثقافات الكبرى غيرها من الثقافات، وتسلك بإزائها. أما الإسهام الثاني فهو نقده الجذري للأساطير المؤسِّسة للدولة الصهيونية في إسرائيل. وقد اخترت هذين الإسهامين من بين الإسهامات العديدة الأصيلة الأخرى التي قدمها جاروديه - لأنني أؤمن بأن المفكر الحق، هو الذي يواجه - بجرأة - المسلمات الشائعة، خاصة تلك التي أصبحت تحظى بسلطة إقصائية أو عقابية، كما هو حال الأساطير اليهودية. كما أنني أؤمن أيضًا بأن المفكر النبيل هو الذي يحرص على تعزيز التفاهم والتعايش بين بني البشر؛ عبر كتاباته ومواقفه واختياراته. ومن هذه الزاوية فإن جاروديه يحتل مكانة شديدة التميز بين مفكري العصر الحديث.

جاروديه وجذور الدعوة للحوار بين الحضارات

مصطلح «حوار الحضارات» يُعدُّ حديث عهد بالتداول في العالم المعاصر؛ إذ يذكر عبدالعزيز التويجري أن جميع المواثيق والعهود الدولية التي صدرت في الخمسين سنة الأخيرة، بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة تخلو من الإشارة إلى لفظ الحوار. وعلى الرغم من غياب المصطلح فقد شهدت الإنسانية على مدار التاريخ مبادرات عديدة لصياغة العلاقة بين الشعوب والحضارات على أساس التعاون والحوار بدلا من التناحر والصراع؛ أي أن ظاهرة الحوار بين الثقافات أو الحضارات كانت موجودة بقوة عبر فترات تاريخية طويلة قبل أن يتم نحت المصطلح وصياغة المفهوم. غالبا ما كانت هذه المبادرات تصدر عن الأديان السماوية وعن المذاهب الفكرية والفلسفات العظيمة. فالقرآن الكريم يجعل التعارف بين الشعوب علة اختلافها. في حين يدعو الفيلسوف الصيني لاو تسو الدول والحضارات إلى التحاور والتواضع فيما بينها حتى تتأسس بينها الثقة. قائلا في الفصل الحادي والستين من كتابه العظيم «الطاو»:

«على الممالك الكبرى ذات القوة والسيادة،
وبهاء الملك والسطوة والسلطان،
أن تتواضع حتى تُحاذي أدنى مقام،
بين البلدان؛..
فوقوف الممالك العظمى،
موقف التواضع إزاء البلدان الصغيرة،
برهان للثقة،..
فلذلك يصير ما بين الطرفين،
مساجلة في تباين الثقة».

على الرغم من أن فكرة التعايش بين الدول، متجذرة في تاريخ البشرية، فإن مشروع «حوار الحضارات» بوصفه مشروعًا ثقافيًا ربما يدين ببزوغه إلى الدعوة التي طرحها جاروديه في أواخر سبعينيات القرن العشرين للحوار بين الحضارة الغربية من ناحية وبقية حضارات العالم من ناحية أخرى. كان ذلك في كتابه «في سبيل الحوار بين الحضارات» الذي دعا فيه الغرب للإفادة من التنوع الحضاري الهائل الذي تقدمه ويميز البشرية. وذلك بدلاً من نزعة التعالي الحضاري التي تفوِّت إمكانية التعلم من ثقافات العالم الأخرى الغنية. ومن هذه الزاوية كانت فكرة الحوار تعني تبادل الخبرات والمعارف على أساس وحدة المعرفة البشرية مع تنوعها وتكاملها. كان الحوار يعني في جذره الحقيقي «التعلم»؛ وكان الطرف المدعو للتعلم هو نفسه الذي دأب على القول إنه لا يوجد لدى الآخرين شيء يمكن أن يضيفوه إليه؛ أو لنقل يتعلمه.

لقد أدرك جاروديه أن الحوار بين الحضارات المتباينة يجب ألا يصب في مصلحة أيٍّ منها وحدها؛ وإلا زال مبرر وجوده. وقد كان حريصًا على الكشف عمَّا يمكن أن يجنيه الغرب من حواره مع الحضارات الأخرى. وهو يقول في عبارة تكاد تكون مفتاح مشروعه «إن اللاغربيين قد يعينوننا على وعي حدود رؤيتنا للعالم»، ويتمنى «أن يأتي متعاونون من إفريقيا أو آسيا ليكملوا تربيتنا. إننا (يقصد الغربيين) في عدد كبير من النقاط الأساسية متخلفون». لقد كان جاروديه مؤمنًا بأن «الحوار يفترض أن يكون كل طرف مقتنعًا بأن ثمة ما يتعلمه من الطرف الآخر». وقد أخذ على عاتقه في كتابه التأسيسي أن يقدم نماذج لما يمكن أن يتعلمه الغرب من حضارات وأديان العالم وفي القلب منها الحضارة العربية، والدين الإسلامي. وهكذا أفرد جاروديه الجزء الأكبر من الفصل الرابع من كتابه الذي جاء تحت عنوان «الأبعاد المطلوبة مجددًا» للحديث عمَّا يمكن أن تمنحه الحضارة العربية والإسلام للغرب.

يمكن النظر إلى مشروع حوار الحضارات كما اقترحه جاروديه بوصفه رد فعل على دعاوى المركزية الأوربية التي تروِّج لأسطورة أن أوربا بخاصة -والغرب بعامة- هي محور تاريخ البشرية وعقل العالم؛ ومن ثمَّ تتم إزاحة بقية ثقافات البشرية وحضاراتها نحو الهامش التابع، الذي يتأثر ولا يؤثر.

ومنذ ساهم جاروديه في إيقاد شعلة مشروع «حوار الحضارات» تعددت الفعاليات التي تصب في خدمة هذا الحوار؛ سواء أكانت مؤتمرات علمية أكاديمية أم ندوات عامة أم لقاءات دبلوماسية أم اتفاقات مشتركة أم مراكز بحثية أم منشورات متخصصة وعامة، وتوزعت هذه الأنشطة على أقطار المعمورة من أقصاها إلى أقصاها. وكان الكثير من هذه الفعاليات يخص الحوار العربي - الغربي الذي سانده جاروديه كثيرًا.

لقد أدرك جاروديه أن الحوار بين العرب والغرب هو حوار بين حضارتين كلتاهما عميقة الجذور، موغلة في القدم، ولا تنقصها أسباب الفخر والاعتزاز. لكن الحوار الحضاري لابد أن يقوم على الشعور بنقص ما، فمن يظن أنه كامل في ذاته أبعد ما يكون عن التواصل مع الآخرين. وقد أدرك جاروديه ببصيرته النافذة أن حديث الغرب مع ذاته قد استمر زمنا كافيًا، وأنه ربما آن الأوان لأن يستمع إلى الآخرين.

إن تقديرنا للدور الذي قام به جاروديه في غرس شجرة الحوار الحضاري يزداد كثيرًا، إذا وضعنا في الاعتبار أن الصراع بين الدول فيما مضى من عصور البشرية لم يكن بوابةً للفناء التام. نعم كان يُقتَّل آلاف البشر، وتُباد قرى، وتُفرَّغ مدن من أهلها؛ لكن بذرة البشر لم تكن مهدَّدة في أي وقت مضى بالاستئصال. لكن إنسان العصر الحالي الذي لم يقنع بالسيف ولا البندقية صنع بيديه من آلات القتل البلهاء ما يمكن أن يتسبب في استئصال شأفته؛ ما لا يُبقي ولا يذر. فأصبح البشر مهددين جميعا دون استثناء. وبقدر عِظَم الخطر الذي يمكن أن يؤدي إليه الصراع، يكون عِظَم الحاجة لإحلال الحوار محل الصراع. وإذا كان الفناء هو النهاية المحتومة لأيِّ صراع كوني في هذا العصر فإن الحوار يجب أن يكون سعيًا كونيًّا معززا بكل الطاقة التي تولدها غريزة البقاء.

لقد أدرك جاروديه - الذي أرَّقه تناحر البشر وتنازع الحضارات - عِظَم الحاجة للمصالحة. وعلى مدار العقود الأخيرة طرح كثير من المفكرين ورجال الدين والسياسيين دعوات ومشاريع لتجسير الفجوات بين البشر، وصياغة عالم يقوم على التعايش والتعاون. كان الحوار يطرح نفسه دومًا في هذه المشاريع والدعوات كأداة للوصول إلى هذا التعايش؛ إيمانًا بأن إرادة الحوار لا يمكن أن تنفصل عن إرادة السلام.

جاروديه ونقد الأساطير السياسية

في عام 1986 نشر جاروديه أحد أكثر كتبه إثارة للجدل الفكري بعنوان Les Mythes Fondateurs de la Politique Israélienne (الأساطير المؤسِّسة للسياسة الإسرائيلية). لم يكن الكتاب هو أول ما كتبه جاروديه عن السياسة الإسرائيلية، لكنه قدَّم النقد الأكثر جذرية للدولة الصهيونية. وقد أثار الكتاب كمًّا هائلا من النقاشات والانتقادات والاتهامات، ويبدو هذا مفهومًا في ظل النفوذ الإسرائيلي الجامح على كثير من منافذ الإعلام الجماهيري الغربية، والأمريكية خاصة. لكن ساحة الانتقاد والاتهام لم تتوقف عند صفحات الكتب أو أعمدة الصحف والمجلات، بل نُقلت القضية إلى المحاكم، وصدر حكم بالسجن لمدة عام مع إيقاف التنفيذ على جاروديه بسبب بعض ما تضمنه الكتاب. وهو حكم أعاد إلى كثير من الأذهان السلطة العقابية التي كانت تمارسها محاكم التفتيش الغربية على أصحاب الفكر في أوربا في العصور الوسطى. غير أن هذا الحكم المؤلم لم يوقف جاروديه كما لم يوقف غيره من العلماء والمفكرين النبلاء في مختلف التخصصات- عن مساءلة الأساطير بكل أنواعها، ونقدها وتفنيدها بهدف الوصول إلى معرفة دقيقة موثوق بها، بعيدًا عن الخرافات والأكاذيب. وإذا كان ثمة درس يمكن أن نتعلمه من جاروديه من بين دروس كثيرة - فهي أن العالِم الأصيل هو الذي لا يهاب سلطة غير سلطة العلم، وأن العالِم النبيل هو الذي يرثي لمصير البشرية، ويبذل قصارى جهده لكي يكون عالَمهم أقل بؤسًا ووحشية.

عماد عبد اللطيف مجلة العربي سبتمبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016