مختارات من:

حديث القرآن: عن صنفين من الناس

محمد سيد طنطاوي

صنفان من الناس كل منهما نقيض للآخر. وبين الظاهر والباطن قد يلتبس الأمر على الإنسان، لهذا يقدم القرآن الكريم تصويراً مُعجِزاً يحدد صفات كل صنف. وهذا ما يحدثنا عنه هذا المقال.

قال الله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد. وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد(سورة البقرة: الآيات 204- 207).

مقارنة بين فريقين

في هذه الآيات الكريمة تصوير معجز لحال صنفين من الناس. أولهما: يمثل الأشرار الخاسرين، وثانيهما: يمثل الأخيار المفلحين ومن عادة القرآن الكريم أنه ما تكلم عن الفجار وسوء عاقبتهم، إلا وأتبع ذلك بالحديث عن الأبرار وحسن مصيرهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم.

وهذه المقارنة بين حال الفريقين تراها في مئات الآيات القرآنية، ومن ذلك قوله- تعالى- فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى.

وقوله- سبحانه-: وجوه يومئذ مسفرة. ضاحكة مستبشرة. ووجوه يومئذ عليها غبرة. ترهقها قترة. أولئك هم الكفرة الفجرة.

وقوله- عز وجل-: إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم.

إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الكثيرة التي جمعت في حديثها بين حال الجاحدين وحال الشاكرين، وسوء عاقبة من كفر، وحسن عاقبة من آمن وعمل صالحا.

وللمنافقين صفات

والآيات التي معنا وصفت الصنف الأول بخمس صفات: الصفة الأولى حكاها- سبحانه- في قوله: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا.

وقوله: "يعجبك": من الإعجاب بمعنى الاستحسان. تقول: أعجبني هذا الشيء، أي: استحسنته وعظم في نفسي.

والمعنى: ومن الناس قوم يروقك منطقهم، ويعجبك بيانهم، ويحسن عندك مقالهم، فأنت معجب بكلامهم الحلو الظاهر، المر الباطن، لأنك في هذه الحياة الدنيا تحكم على الناس بظواهرهم، أما بواطنهم فلا يعلمها إلا الله تعالى، وهو- سبحانه- في الآخرة سيكشف عن سرائرهم الخبيثة، وسيفضحهم على رءوس الأشهاد، وسيظهر ما كان خافيا على الناس من أمرهم في الدنيا.

والصفة الثانية من صفات هذا النوع المنافق من الناس، بينها القرآن في قوله: ويشهد الله على ما في قلبه.

أي: ويقرن معسول قوله، وظاهر تودده، بإشهاد الله- تعالى- على أن ما في قلبه، مطابق لما يجري على لسانه.

وكأن هذا النوع المنافق الذي يظهر خلاف ما يبطن، قد رأى من الناس تشككا في قوله، وارتيابا في سلوكه، لأن من عادة المنافقين، أن يبدو من فلتات لسانهم، ما يدل على ما هو مخبوء في نفوسهم، فيأخذ الواحد منهم في توثيق قوله بالأيمان الباطلة، بأن يقول لمن ارتاب في صدق قوله: الله يشهد أني صادق فيما أقول.

فالمراد بإشهاد الله: الحلف به- سبحانه- أن ما في قلبه موافق لما ينطق به لسانه. ولقد فضح الله- تعالى- هؤلاء المنافقين في آيات كثيرة، منها: قوله- سبحانه- إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون. اتخذوا أيمانهم جُنّة فصدوا في سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون. ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون.

ثم بين- سبحانه- الصفة الثالثة من صفات هذا الصنف من الناس فقال: وهو ألد الخصام.

والألد: هو الإنسان الشديد الجدال والعداوة. وفي صحيح مسلم عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم.

أي: أن هذا النوع من الناس، يثير الإعجاب بحسن بيانه، ويضللهم بحلاوة لسانه، ويحلف الأيمان المغلظة، أنه لا يقول إلا الصدق، ويجادل عما قوله بالباطل بقوة وعنف ومغالبة، فهو بعيد عن طباع المؤمنين، الذين إذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، إذا جادلوا اتبعوا أحسن الطرق وأهداها.

ثم وصف- سبحانه- هذا الصنف المنافق بصفة رابعة فقال: وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها يهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد.

ولفظ "تولى" من التولي بمعنى الإدبار والانصراف عن الشيء. و"سعى" من السعي، وهو المشي الذي فيه شيء من السرعة والعجلة. وهو هنا مستعار للسرعة في إيقاع الفتنة والتخريب. والفساد: خروج الشيء عن حدود الاعتدال والصلاح، سواء أكان هذا الخروج قليلا أم كثيرا. والحرث: مصدر حرث. أي: إثارة الأرض وتقليبها لإعدادها للزراعة، والمراد به هنا: ما نتج عن ذلك من زروع وثمار.

والنسل- كما يقول القرطبي-: ما خرج من أنثى من ولد سواء أكان ذكرا أم أنثى. والمعنى: وإذا أعرض عنك هذا النوع من الناس وولاك ظهره، أسرع في الإفساد بين الناس وتفريق كلمتهم، وإتلاف ما يقع تحت يده من الزروع والثمار والحيوان، وما به قوام الحياة والأحياء.

فإهلاك الحرث والنسل كناية عن إتلافه لما به قوام معيشة الناس، وعن إيذائه الشديد لهم. وقوله - تعالى-: والله لا يحب الفسادتذييل قصد به التحذير والترهيب لهؤلاء المصرين على إجرامهم وإفسادهم في الأرض.

أي: والله- تعالى- لا يحب الذي يفسد في الأرض، ويعمل على إشاعة الفحشاء والخراب والدمار فيها، ولكن يحب الذين يعمرونها ويصلحونها، ويتبادلون المنافع التي أحلها الله فيما بينهم، وبذلك ترقى الأمم وتتقدم وتسعد، ويظلها الأمان والاطمئنان والاستقرار.

أما الصفة الخامسة لهذا النوع من الناس، فهي قوله - سبحانه-: وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد.

أي: وإذا قيل لهذا المنافق المغرور على سبيل النصح والإرشاد: اتق الله، واترك ما أنت فيه من نفاق وخداع وخروج عن طاعة الله- تعالى-، استولت عليه العزة- أي: حمية الجاهلية- مقترنة بالإثم ومصاحبة له، فهي ليست العزة المحمودة، ولكنها الكبرياء المبغوضة، فالمراد بالعزة هنا: حمية الجاهلية التي تحمل صاحبها على العناد والغرور والغباء.... أي: استولت عليه حمية الجاهلية، بسبب انطماس البصيرة، وسوء التفكير، واستحواذ الشيطان على قلبه، فأنساه كل ما يوصل إلى الصلاح والاستقامة. و"أل" في لفظ "العزة" للعهد. أي: العزة المعهودة المعروفة عند أهل الجاهلية، التي تمنع صاحبها من قبول النصيحة.

وقوله- سبحانه-: فحسبه جهنم ولبئس المهاد بيان لسوء عاقبة من هذه صفاته. أي: إذا كانت هذه هي حالة المعرض عن النصح أنفة وغرورا وتكبرا، فكافيه جنهم جزاء له، ولبئس المهاد، أي: الفراش الذي يستقر على جهنم، بسبب فجوره وفسوقه عن أمر ربه.

والتعبير عن جهنم بالمهاد الذي هو المكان المهيأ للنوم: من باب التهكم والاستهزاء بهذا النوع المغرور من الناس.

نماذج من المنافقين

هذا، وقد أورد المفسرون روايات في سبب نزول هذه الآيات، منها: أنها- نزلت في رجل يدعى الأخنس بن شريق الثقفي، هذا الرجل أقبل على النبي- صلى الله عليه وسلم-، فأظهر الإسلام، وزعم أنه يحبه، وأقسم بالله على ذلك، إلا أن هذا الرجل كان منافقا خبيث الباطن، فإنه حين خرج من عند النبي- صلى الله عليه وسلم- مرّ بزرع لبعض المسلمين، فأحرقه وقتل بعض الحيوانات، فنزلت في شأنه هذه الآيات.

ومن المعروف عند أهل العلم: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فكل من انطبقت عليه هذه الصفات، تحققت بشأنه هذه الآيات.

ونحن نرى في زمننا هذا أنظمة فاسدة، قادها أفراد تنطبق عليهم هذه الصفات كل الانطباق، فهم ألسنتهم خلابة، وقلوبهم فاسدة، وبواطنهم غادرة، وإفسادهم لم يكن في الأرض وحدها، بل كان لا الأرض، وفي الجو، وفي البحر، وفي كل بقعة وصلوا إليها، فهم قد أحرقوا آبار البترول التي تأتي بالخير للناس، ولوثوا مياه البحار بما وضعوه فيها من سموم، وأفسدوا الهواء النقي بدخان أسلحتهم الغادرة، ولم يستمعوا إلى نصح الناصحين، بل أخذتهم العزة بالإثم، فكان مصيرهم بسبب بغيهم وغدرهم: الهزيمة الماحقة التي أتت على بنيانهم من القواعد، والتي أدت بأمتهم إلى الخذلان والخسران، وذلك جزاء المنافقين الظالمين الماكرين.

وصدق الله إذ يقول: ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنّا دمرناهم وقومهم أجمعين. فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون(سورة النمل: الآيات 50- 52).

نوع آخر من الناس

وإذا ما تركنا هذا الصنف المنافق من الناس، واتجهنا إلى الصنف الآخر، رأينا الإيمان الصادق في أسمى صوره، ورأينا الإخلاص لدعوة الحق في أسمى ألوانها، ورأينا التضحية من أجل إعلاء كلمة الله- تعالى- في أنقى مظاهرها وأصفاها. استمع إلى القرآن الكريم وهو يصف لنا هذا الصنف الثاني من الناس فيقول. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعبادومعنى "يشري نفسه": يبيعها ويبذلها في طاعة الله وإعلاء كلمته.

وتحقيق ذلك: أن المكلف قد بذل نفسه، بمعنى أنه أطاع الله- تعالى-، وحافظ على فرائضه، وجاهد في سبيله، من أجل أن ينال ثواب الله- تعالى- ومرضاته، فكان ما بذله من طاعات بمثابة السلعة، وكان هو بمنزلة البائع، وكان قبول الله- تعالى- منه ذلك وإثابته عليه في معنى الشراء.

وقوله: ابتغاء مرضاة الله: الابتغاء معناه الطلب الشديد للشيء، والرغبة القوية في الحصول عليه.

أي: ومن الناس نوع آخر يخالف النوع السابق، لأنه قد باع نفسه وبذلها في طاعة الله، طلبا لرضوانه، وأملا في مثوبته وغفرانه.

فهذا النوع التقي المخلص من الناس، يقابل النوع المنافق المفسد الذي سبق الحديث عنه. ثم ختم- سبحانه- الآية بقوله: والله رءوف بالعبادأي: رفيق بهم، ومن مظاهر ذلك أنه لم يكلفهم بشيء فوق طاقتهم، بل كلفهم بما هو في مقدورهم من أفعال، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، مع تقصيرهم فيما أمرهم به أو نهاهم عنه.

هذا، وقد أورد المفسرون روايات متعددة، في سبب نزول هذه الآية، منها: أنها نزلت في شأن صهيب بن سنان الرومي- رضي الله عنه-، وذلك أنه بعد أن أسلم بمكة، وعاش بها زمنا، أراد أن يهاجر إلى المدينة المنورة، بعد أن هاجر إليها النبي- صلى الله عليه وسلم - وكثير من أصحابه. فمنعه المشركون من ذلك، وقالوا له: لقد جئت إلينا صعلوكا فقيرا، وأنت قد أصبحت من الأغنياء بيننا، فإن شئت الهجرة فاترك لنا أموالك التي جمعتها خلال إقامتك بيننا.

فلما رأى تصميمهم على ذلك أعطاهم أمواله، ابتغاء السماح له بالهجرة، فنزلت في شأنه هذه الآية الكريمة: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رءوف بالعباد. وعندما قرأها النبي- صلى الله عليه وسلم- على أصحابه، وأخبرهم بأن صهيبا في طريقه إليهم مهاجرا من مكة إلى المدينة، خرج عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ليستقبله خارج المدينة، فلما التقى به قال له: "ربح البيع يا صهيب"، فقال له: وأنتم لا أخسر الله تجارتكم، وماذاك؟ فقال له عمر: لقد أنزل الله في شأنك قرآنا يتلى، وقرأ عليه هذه الآية.

وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد بيّن لنا في هذه الآيات الكريمة صنفين من الناس: صنفا منافقا خاسرا، وآخر تقيا رابحا، لكي نتبع طريق المتقين الرابحين، ونهجر طريق المنافقين الخاسرين ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير.

نسأل الله- تعالى- أن يرينا الحق حقا وأن يرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلا وأن يرزقنا اجتنابه.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

محمد سيد طنطاوي مجلة العربي مارس 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016