مختارات من:

اركبوا دراجاتكم!

رجب سعد السيد

ظهيرة شتوية رائقة.

أرصفة المحطة شبه خالية، وعربات الترام تزحف داخلة، أو تتأهب للمغادرة في تكاسل. تيارات من الهواء المحتمل البرودة تتصارع في الميدان، ولكن في تقطع؛ والشمس طيبة، تغري المارة المعدودين بالتلكؤ وهم يعبرون الميدان.

قضيت الصلاة، فبدأ توافد المصلين من جامع القائد إبراهيم. فتحت الأبواب النازلة إلى الجمعية الاستهلاكية تحت أرض الميدان، وارتفعت أصوات بعض باعة الصحف والباعة الجائلين الذين يتاجرون في المستلزمات النسائية الصغيرة. جرت سيارات أكثر حول الميدان. كفت الشمس عن تدفئة المكان.. فماذا يدعوني إلى الاستمرار في السكون إلى ذلك التآلف المشرق الذي تفكك وتساقط؟.

دسست صحيفتي في جيب معطفي الداخلي، وهممت بأن أترك صديقي بائع الصحف العجوز إلى مقهاي المطل على الميناء الشرقي، لآخذ فنجان قهوة الجمعة، وأثرثر مع من يتصادف وجوده في المقهى من المعارف والأصدقاء. خطوات قليلة، فكرت خلالها في نوع الفاكهة الذي طلبت زوجتي مني شراءه، وداهمني خوف جعلني أتخشب في مكاني... مرت بجانبي، حتى أن مقودها لامس معطفي...

دراجة في الميدان!

كان يمكن أن تصطدم بي فتطرحني أرضا.. كان يمكن أن تكسر بعض عظامي.. إنها- في الأقل- قد روعتني، واقتحمت علي حدود اطمئناني إلى الأمور المحكومة بالروتين والاعتياد.

لم أكن وحيدا في ذلك. اشترك كثيرون في موجة الاضطراب التي دفعت بها الدراجة إلى الميدان. وكنت من قلة تمكن منهم رد الفعل، فالتفتوا يستنكرون ويحاولون أن يوقعوا براكب الدراجة ما يملكون من عقاب.

صحت: يا مخبول!.. يا بائس!

ولكنه لم يكن ليسمعني. كان يكاد يختفي وسط المارين والواقفين بميدان محطة الرمل بعد صلاة الجمعة. ولكن حالة السخط لم تكن عامة. كان بعض الرجال والأولاد يضحكون ويشيرون إلى راكب الدراجة، ويصيحون بما يؤكد معرفتهم به، واستطعت أن أميز في صياحهم مطالبتهم له بأن يغني. وكان هو سادرا في إثارة الفزع، حتى تحول الميدان إلى شبه دائرة، تراجع البشر إلى حدود محيطها، وأخلوا القلب لراكب الدراجة. رأيت وجهه وهو يمر بالموقع الذي كنت أقف فيه. لم تكن فيه ملامح المختلين، وكانت ابتسامته طبيعية.. كان وجهه كله مملوءا بالفرح؛ وكان يلوح، كزعيم، بيده؛ وأحيانا يترك المقود تماما ليلوح بيديه معا، خصوصا عندما يمر بالمواقع التي يتجمع فيها مريدوه الذين كانوا لا يكفون عن مناداته باسمه ليغني.

لم أعتن بالإنصات إلى الأصوات المتداخلة لأتبين الاسم. ولم يكن يهمني أن أعرف اسم هذا الذي يطغى بمركبته ويحيل الميدان إلى ساحة سيرك.

لا مناص من الاعتراف بأن سلوكي كان مختلفا عن المعتاد تجاه مثل هذه الوقائع.. فقد ظللت واقفا أتابع المشهد المستمر، متعللا- في البداية- بمراقبة سلوك البشر إزاء مصدر للفوضى، ونسيت المقهى والقهوة وفاكهة زوجتي.

كان قد بدأ يبالغ في ألعابه، فيصعد بقدميه على مقعد الدراجة، وجسمه مقوس فوقها. وكان من السهل على تماما أن أركز اهتمامي في ملامح وجهه المريحة، والعينين المطمئنتين على العالم باتساع غريب.

تزايد عدد المتابعين، وكان فيهم من يراعون أناقتهم الشتوية، ويحرصون- مثلي- على انتقاء ربطة العنق، حتى في جولة نهار الجمعة. وكان عدد الوجوه المبتسمة يرتفع. واكتشفت أنني أبذل جهدا لأمنع ابتسامتي، متحصنا بأفكاري الثابتة عن اللاشعور الجمعي. وفور أن اكتشفت ذلك ابتسمت، وتسربت من ذاكراتي دراجة تتهادى في شارع شبه مظلم قرب فندق (نيو كتراكت)، وعليها اثنان: فتى وفتاة. الفتى يقود بمهارة، والفتاة إلى الخلف منه، تحيط خصره بذراعيها، وتحط بجانب رأسها على صفحة ظهره. دأبا على انتزاع نفسيهما من المجموعة، وأمضيا ليالي الرحلة الشتوية يجوبان شوارع أسوان، المجهولة لهما، فوق دراجة.

ثم وجدتني أتسلل، في منامتي، نازلا درجات السلم القليلة.. حجرة بئر السلم، والمفتاح يعالج الباب في مشقة، ثم المصباح اليدوي يمسح أركان الحجرة المظلمة. ها هي.. كما هي.. تستند إلى الجدار البعيد وقد فرغ إطاراها المطاطيان من الهواء، والسلاسل تلتف حول أسلاك الإطار الخلفي تكبله إلى عمود حديدي بارز من الجدار. الولد يقترب من الشباب ويلح في طلبه لها، وأنا أتشبث بحمايتي له منها.. أنا لا أرى إلا شوارع تغص بمحركات مجنونة. أستغل سلطتي لأحرمه منها، ولكن السنوات التي يتقدمها تجعله يزداد إصرارا، وأضبطه مرات عديدة في حجرة بئر السلم يتفحصها ويحاول تخليصها. أفهمته أكثر من مرة أنها لم تعد تصلح للركوب، وقد تسرب الصدأ إلى قلبها. قال: أعطني فرصة وسترى!. حماس غريب وأفكار واضحة سليمة كفيلة بأن تعيدها إلى هيئتها الأولى. قال أيضا: ستكون نموذجا فريدا بين دراجات المدينة.. سأعطيها اللون نفسه الذي كان لها أيام كنت تركبها: الأبيض!. وكان يعرف أنه يداعب مواطن الضعف في قضيتي. أنا الذي حدثته عنها وهو صغير. أنا الذي قلت له إن أبي أهداها لي، تنفيذا لوصية أبيه الذي فقد وظيفة موزع برقيات لأنه لم يكن يملك مؤهلاتها: قيادة الدراجة!. يقول الولد، يتهمني: لكن جدي الأكبر أوصى لي بها!.أعود متمسكا برفضي، عابسا، ويقيني أنه سيفلح، ذات يوم، في إخراجها من الحجرة المظلمة لتجري بين صفوف السيارات في طرقات المدينة المشبعة بالأتربة والعوادم.

لا تخفى علي مهارته. تبدو- تحته- امتدادا له، فتتسرب إليها صفة الحياة. كان يتوقف فوقها، ويجبرها على الاستسلام في اتزان يدوم لحظات قبل أن يعاود الحركة بها في الميدان.

أصبحت أخشى أن تكون جولات طفولته الأولى لاتزال عالقة بذاكرته، فيستردها ليثبت أنه جزء من تاريخ الدراجة الأسيرة.

لماذا أصبحت أبتعد عن تلك الأيام الجميلة؟

لم تمر بي متعة أصفى من جولاتي بها في الطريق الموازية لترعة المحمودية. وقبل أن أتركها- دون قيد- في الدكان أسفل بيتنا القديم في غيط العنب، كنت أمسح كل جزء فيها لأزيل دقائق الغبار، وألمع الجرس المعدني، وأضع الشحم على التروس والجنزير. وكانت طقوس عنايتي بها امتدادا للمتعة التي تهبها لي.

هل صحيح أني فقدت استعدادي للاستمتاع؟

من الذي واجهني بهذه الدرجة من الحدة؟

لماذا- إذن- لا تريده أن يتذكر مشاركتك بعض سياحاتك فوقها؟.. حدائق الشلالات- الكورنيش- قصر رأس التين- حديقة الحيوان- مباريات كرة القدم في ملعب البلدية.

خلعت فيما بعد- متعمدا- الكرسي الصغير الذي كان يجلس فوقه على الماسورة الأمامية الممتدة من كرسيك إلى عمود المقود. كنت تقود وتعلمه ألا يخاف. جاء دورك الآن لتخاف، ولترى، مع نظرات الأسف والأسى في عينيه، ما تفسره أحيانا بالضيق من وجلك، وأحيانا بالإشفاق عليك.

بدأ الغناء... صوت عريض بادي الفرح.

هم يعرفون جمال صوته، فكانوا يطلبونه منذ دخل إلى الميدان بدراجته.

أصابتني الحيرة، ثم الضيق، وأنا أحاول تتبع معنى لما يغني. لغة أقرب بلى الهندية. يغني بلغة سرية تحمل رموزها حمائم صوته. لا يبدو أن جمهوره يطرب لغنائه، ولكنهم يلبون دعوة الحمائم إلى شلالات مجهولة من النشوى.

كان صديقي بائع الصحف العجوز يغني. انتقلت إليه عدوى السعادة. وكان يردد، من خلال ابتسامة طيبة: إنه المغني.. إنه المغني!!.

كان هو أقرب آدمي يمكن أن أسأله عن معنى الكلمات. ولكني أعلم تماما أنها بلا معنى، فلماذا أسأله؟. ثم إنني صرت أكثر استجابة للصوت، ويمكنني أن أتنازل الآن عن التشبث بأن تكون الكلمات واضحة ذات دلالة.

وكان راكب الدراجة يخص العجوز بإيماءة كلما مر بركنه في الميدان، فيبتسم العجوز كالأطفال، فهل تراه - هكذا- يهتم بالتفكير في سؤال كسؤالي؟.

ولكني فوجئت بأن بائع الصحف العجوز كان، مثلي، عاجزا عن تبين ما يقول راكب الدراجة؛ إذ لكزني في كتفي وهو يلفت نظري: إنه اليوم في غير حالته الطبيعية.. لماذا ترك الغناء الهندي؟!... ماذا يقول المهووس؟!.

نجح العجوز في زحزحتي، أكثر، إلى بؤرة الاهتمام بالصوت.

كان المغني يمد كل الحروف في فوضى عجيبة. ألف، ثم راء ثم كاف، وباء طويلة مشتبكة بواو جماعة شديدة الامتداد. الآن، اتضح فعل الأمر: اركبوا. وكان من السهل- نسبيا- اكتشاف أن الكلمة الثانية: دراجاتكم.

اركبوا دراجاتكم!

وكانت الدعوة تستغرق لفة كاملة من أدائه الاستعراضي. سمعتها أكثر من مرة قبل أن يتزايد إيقاع إلقائه، ويزداد معه وضوح الكلمتين. ثم تزايدت سرعة الدراجة، وهو يردد دعوته في إصرار غريب، ويشير إلى الناس بسبابته، محذرا أو مؤكدا. توقف المتفرجون عن المشاركة بالاستخفاف. استوقفتهم كلمتا الدعوة وعلامات الجد، بل الرعب، التي كست وجه راكب الدراجة، والحزن الواضح المتسرب إلى عينيه، ثم رنة الرجاء الدافئة في صوته. ربما كان يبكي، ولكني لم أر دموعه، بل فوجئت بالمشهد يتساقط في حالة اضطراب شديد، وأفراد من الشرطة يندفعون إلى راكب الدراجة، فينتزعه أحدهم من دراجته، ويقتادها آخر. ويتقدم الموكب خارجا من الميدان، والمغني في حالة من الاستسلام، يكاد يختنق من شدة ضغط الجندي على أعلى قميصه. مروا ببائع الصحف، فحياه المغني: إيه ياعم السيد!.. لك عندي ثمن صحيفة الأمس!.

ثم منحني ابتسامة مع هزة رأس رقيقة، وتوقف بين حراسه، لحظات، يسألني:- (هل تكون شاهدي؟!).

كان يمكن- تحت تأثير الدهشة- أن أعتقد أنه يحدث شخصا غيرى، شخصا يعرفه ليكون معه بهذا الود، ويطلب منه مثل هذا الطلب. ولكني لم ألتفت حولي أو ورائي لأعرف بد من- غيري- يتحدث.. كنت موقنا من أنه يقصدني أنا. وكنت مهتما بملاحظة بطاقات صغيرة ملونة تغطى مساحات محدودة متناثرة من أرض الميدان، ينحني أفراد الجمهور يلتقطونها.. لم تظهر إلا بعد أن توقف العرض وقبض الشرطيون على الممثل الوحيد. ذكرني رجل من الواقفين بجواري، في حماس شديد، بل في غلظة:- (لا تخذله.. لقد طلب عونك.. اذهب إليه قبل أن ينتهي بين أيديهم!).

تخليت عن رغبتي في التقاط بطاقة، وأسرعت وراء مجموعة الشرطة والمغني. دخلت وراءهم إلى نقطة الشرطة القريبة التي تشبه البيت الزجاجي. كنت أسمعهم، قبل دخولهم بلى النقطة، يسبونه، فلما دخلوا به، بدأوا في صفعه، والضابط الصغير المسترخي خلف مكتبه لا يبدي أي اهتمام. أشار في اتجاهي غير مبال. سألني صف ضابط:- ( لماذا أنت هنا؟).

قلت: أنا معه.

انتفض الضابط يسأل: مع من؟.

قلت: مع هذا! عاد يسأل: هل تعرفه؟

قلت: نعم..إنه المغني.. راكب الدراجة!

تخلى الضابط عن كسله تماما، وسألني في حدة: من أنت بالضبط؟!

قلت: طلبني فجئت معه!

خبط مكتبه بقبضته، وزعق في: من أنت؟.. أين هويتك؟!

أخرجت بطاقة الهوية وأعطيتها له. تفحصها بعناية، ثم لانت لهجته نسبيا، وهو يقدم لي البطاقة، ويقول: يا سيدي، أنت رجل محترم، هل تعرف هذا الإنسان؟!.

قلت: كما قلت لك!

قال: هل تعرف أنه سارق؟ اعتاد أن يسرق أي دراجة يجدها أمامه!

هل يعجبك ما يفعله؟ إنه لا يكف عن إزعاجنا.. يوقف حال الناس ويعطل الدنيا!

نطق راكب الدراجة: أنا لا أسرق، أنا لا اختفى بها، ثم إنني أعيدها في كل مرة!

سألني الضابط: أنظر، هل هذا منطق؟!

واستمر راكب الدراجة: لن يتكرر هذا، أعدك.. سأجد طريقي إلى دراجتي. نعم.. لدي واحدة، بيضاء، محبوسة في بئر السلم. سأعرف كيف أتخطى الصعاب إليها. هذا هو حلمي!

أرعدتني كلماته. تحولت إليه مذهولا، ووجدتني أسأله متشككا:

- (من أنت؟!.. ماذا تقول؟!).

سارع الضابط يقول: ها أنت ترى.. إنه يدعي البلاهة.. ثم انظر.. ها هو يضيف إلى موقفه سوءا.. إنه يوزع هذه البطاقات!!

ونثر الضابط فوق المكتب عددا من البطاقات الملونة التي رأيتها تغطي أرض الميدان. تقدم إلى راكب الدراجة، وصفعه على قفاه، وهو يصيح به:- (ما هذا يا ابن الكلب؟ اركبوا دراجاتكم! اركبوا دراجاتكم! ماذا تريد من هذا؟ منشور سياسي؟ !).

وقهقه بشدة.

وكنت لا أزال آسير تشككي وذهولي، أحاول أن أقرأ في وجه المغني أي صلة له بصفحات أسراري. لقد أطل على جزء من التفاصيل، فهل يعرفها كلها؟.

وكان لا بد أن أسأله مشددا: هل تعرفني؟ قل.. هل تعرفني؟!.

ولمحت- بعد أن سألته- أطراف الخوف تعبث في قلبي.

رد قائلا: ألم تأت معي؟ إنك نصيري!

فتأكدت من خوفي، ومن رغبة واضحة في الندم على تسرعي بالمشاركة منذ البداية. وكأن الضابط أدرك اضطرابي الداخلي، أو رآه منعكسا في وجهي، فاقترح يساعدني: لك أن تنصرف يا سيدي، اتركه لنا!!

وبدون أن أرد، انسحبت خارجا محاذرا أن تلتقي عيناي بعيني المغني.

أصابني إحساس بالإجهاد، فكانت خطواتي أبطأ من المعتاد، وكأن. أثقالا تتدلى من أطرافي ورقبتي وكتفي. كان العالم بائسا، ولدي استعداد هائل للتخاذل والبكاء .. وتأكدت من أنني تخليت عن قهوة الجمعة، ورفضت البحث عن فاكهة زوجتي. وطاشت خطواتي فلم أعرف أي وسائل المواصلات أختار لتنقلني إلى فراشي. لسعت البرودة وجهي وكفي، فلجأت إلى جيبي معطفي المتسعين. وجدت أصابعي ضيقا في الجيبين. كانا خاويين. قبضت على ما بالجيبين. أخرجت قبضتاي أوراقا ملونة.

رجب سعد السيد مجلة العربي ابريل 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016