مختارات من:

الحكواتي مكتبة من طراز فريد

محمد الظاهر

«الحكواتي»، مكتبة تختلف عن غيرها من المكتبات، إنها مكتبة من طراز فريد، طراز يجمع بين نبل الفكرة وآلية التقدم والتطور والاستمرار، فهي لا تريد ان تحيد عن هدفها في صنع جيل قارئ منذ الصغر، كما أنها لا تريد أن تسقط في فخ التقوقع والجمود الذي يرسم أفق نهايتها وهي في بداية مسيرتها.

تدخل إلى المكتبة، فتجد نفسك محاصرا بالأطفال الذين وجدوا فيها كل ما يمكن أن ينمي هواياتهم، ويأخذ بيدهم ليصنع شخصيتهم المتكاملة.

قبل الحديث مع السيدة مي أبوغزالة، القائمة على هذا المشروع الثقافي المتميز في عالم الطفل، لفت نظري أن هناك أمهات يرافقن أطفالهن في ورشات العمل التي توفرها لهم هذه المكتبة يوميا وعلى مدار الأسبوع.

اعتقدت في البداية أن هؤلاء الأمهات قد جئن إلى المكتبة من اجل اختيار الكتب او الالعاب لأطفالهن، ولكنني فوجئت أنهن يجلسن إلى جوار هؤلاء الاطفال وهم يمارسون هواياتهم بكل حرية، وتحت إشراف مدربين ومدربات من ذوي الاختصاص.

قالت لي السيدة أبوغزالة: خلال النشاطات التي توفرها مكتبتنا، لا نسمح لأي إنسان بأن يرافق الطفل سوى أمه، وقد نتجاوز هذا الحظر قليلا بأن نسمح لأبيه أو جدته بمرافقته، إذا حالت الظروف بين مرافقة الأم له.

وحين سألناها عن الحكمة في ذلك قالت: نحن نعرف أن الامهات في هذا الزمن لا يجدن الوقت الكافي للتواصل مع أطفالهن، ونعرف مدى تأثير هذا الجفاء بين الأم وطفلها على نفسية الطفل، لذلك كان الإصرار على ألا يرافق الطفل في نشاطاته داخل المكتبة سوى الام، وهذا يعطي الطفل نوعا من الدفء والأمن وهو يرى امه إلى جانبه.

من جهة أخرى، ترى السيدة أبوغزالة ان مثل هذا النوع من النشاطات يهيئ الطفل إلى المرحلة التالية من حياته، وهي مرحلة الانتقال من البيت إلى الروضة أو المدرسة، فوجوده إلى جانب أمه خلال هذه النشاطات، يجعله قادرا على التحرك مقتربا من أمه او مبتعدا عنها، مما يجعل عملية انتقاله من البيت إلى الروضة عملية سهلة عليه.

كيف كانت البداية؟

وقبل أن ندخل إلى النشاطات والبرامج التي توفرها هذه المكتبة للطفل، كان لا بد من الرجوع إلى نقطة البداية. تقول السيدة أبوغزالة: حين اصبح لدي اطفال، وبدأت أهتم بهم وبثقافتهم، وجدت أن هناك نقصا كبيرا في الكتب العربية الموجهة للاطفال، وهذا النقص لم يكن في مجال مضمون الكتب فحسب، وإنما في جودتها وقدرتها على شد الطفل اليها، إن بعد اطفالي عما ينتج من كتب للاطفال باللغة العربية جعلني أفكر جديا في طريقة تحبب الأطفال في الكتاب، وتجعله قريبا منهم ومن وجدانهم، فقررت أن أصنع شيئا مفيدا لي وللمجتمع الذي أعيش فيه.

وتضيف: حين فكرت في هذا الامر، وجدت انني مشدودة بين قطبين، هل أريد مكتبة تعتني بالكتب ذات المضمون الجيد والتقنية العالية، وتسعى إلى الكسب المادي وهي مكتبة تجمع بين الكتاب والالعاب والقرطاسية، أم اريد مكتبة تقدم الثقافة للطفل، وتجذبه إليها، ولكنها يمكن ان تصل في النهاية إلى طريق مسدود، ويجعلها تتوقف عن تقديم رسالتها السامية والنبيلة للأطفال، خاصة اننا نعيش في مجتمعات لاتزال بعيدة عن الكتاب والمكتبات، ولا تتقن فن التواصل معهما، ولذلك كان لا بد من الوصول إلى حل وسط بين هذين النوعين من المكتبات.

الحل الوسط الذي توصلت اليه السيدة أبوغزالة، يكمن في مكتبة ليس هاجسها الربح المادي وانما القيام برسالتها النبيلة تجاه أطفال مجتمعها، فكيف توصلت اليه؟

تقول السيدة أبوغزالة: كان لا بد في البداية من تأسيس مكتبة تشتمل على الكتب التي نريد للطفل أن يتواصل معها، ثم بدأنا ندمج بين هذه الكتب وبين النشاطات التي تدعم التواصل والتفاعل مع الكتاب، وتزيد من اهتمام الاطفال بالكتب، وحاولنا تكثيف هذه الأنشطة بحيث تتيح للطفل أن يتردد على المكتبة مرتين او ثلاث مرات في الأسبوع، وحاولنا أن تكون أسعار الكتب ورسوم النشاطات في متناول مختلف طبقات المجتمع حتى لا تكون حكراً لطبقة دون أخرى.

أنشطة وبرامج

من أجل التعرف على الانشطة التي تقوم بها المكتبة، كان لا بد من زيارتها في أوقات متفرقة من أجل متابعة كل نشاط مع الأطفال أنفسهم، وتفاعل الأطفال مع الأنشطة التي تقدم لهم.

من أهم الأنشطة التي تقدمها المكتبة، القراءات القصصية المجانية، وهو نشاط تقدمه المكتبة لروادها من الأطفال كل يوم سبت، وهو نشاط أسبوعي مستمر منذ خمس سنوات، حيث تقدم لهم اكثر من قصة بالعربية والإنجليزية، كما تتم مناقشة مجموعة من الكتب العلمية والثقافية، وهو نشاط يسعى إلى ربط الطفل بالكتاب، وقد رأينا تجاوب الأطفال مع هذا النشاط، حيث قال لنا أحد الاطفال إنه يواظب على هذا النشاط منذ أكثر من ثلاث سنوات، وقد تعرف عليه وهو في السادسة من العمر ولايزال يحضره حتى الآن، وذكر لنا أن مهارات القراءة قد تطورت لديه بشكل كبير، كما أن الكتب التي يقوم بقراءتها تختلف الآن عن الكتب التي كان يقوم بقراءتها في الأيام الاولى لتردده على المكتبة.

الفن التشكيلي

إضافة إلى ربط الطفل بالكتاب، تقوم المكتبة بتقديم نشاط أسبوعي آخر، وهو نشاط فني، حيث يمارس فيه الطلاب فن الرسم تحت إشراف أساتذة مختصين بالفن التشكيلي، وتسعى المكتبة من خلاله إلى تنمية الحس الجمالي لدى الاطفال.

تقول السيدة مي أبوغزالة: هذا النشاط يحدث نوعا من التكامل مع الكتاب، خاصة ان كتب الاطفال تتميز بالرسومات التي يجب على الطفل ان يكون على تواصل معها والتعرف على جوانبها الجمالية كي يزداد تعلقه بالكتاب، كما أن هذا النشاط يرتقي بخيال الاطفال.

ومن أجل تشجيع الأطفال على الإبداع في هذا المجال تخصص المكتبة ركنا خاصا بهذه الرسومات.

وترى السيدة أبوغزالة ان مرحلة الطفولة تكون غنية بالهوايات وتقول: نحن نسعى إلى الارتقاء بالطفل من خلال الثقافة الشاملة، حيث يأخذ من كل شيء نصيبا من العلم والتجربة، لأن كل هواية في حياته ترفد الهواية الأخرى وتتكامل معها.

الأطفال الذي يشاركون في مثل هذه الورشات الفنية يقولون إنهم قد وصلوا إلى مراحل متقدمة في الرسم، ويجدون متعة كبيرة وهم يمارسون الرسم بإشراف أساتذة متخصصين في الفن التشكيلي.

الموسيقى والغناء

حين دخلنا إلى ركن الموسيقى والغناء فوجئنا بالأغنيات التي يتفاعل معها الأطفال، فقد كانت خارج توقعنا، ذلك أن الموسيقى والغناء الذي يقدم للأطفال في هذا الركن هو الغناء التراثي العربي، وحين سألنا السيدة أبوغزالة عن السبب في تقديم مثل هذا النوع من الموسيقى والغناء للأطفال قالت: نحن نسعى إلى ربط الأطفال بهذا الموروث، لأنه تراث عربي اصيل، كما أنه مفيد في تدريب الأطفال على مخارج الحروف وبناء شخصية تفخر بالانتساب إلى موروثها، وتبتعد عن التغريب الذي أخذ يطغى على جوانب كبيرة من حياتنا المعاصرة.

أتيليه الأطفال

الركن الذي يشهد ازدحاما كبيرا في المكتبة هو ركن الأشغال اليدوية الذي يمارس فيه الأطفال هواياتهم في الرسم على الخزف أو الخشب أو عمل مشغولات يدوية بأنفسهم، حيث يقومون بشراء الخامات التي يصنعون منها فنونهم اليدوية، ويمارسون هواياتهم في هذا الركن تحت إشراف أساتذة مختصين، ويعودون إلى بيوتهم وهم يحملون هذه الإبداعات التي صنعوها بأنفسهم.

الكاتب والكتاب المحلي

ومن أجل ربط الطفل بالكتاب والكاتب الأردني، تقوم المكتبة باستضافة الكتاب الاردنيين من أجل تقديم إبداعاتهم في مجال أدب الطفل لرواد المكتبة من الأطفال، حيث يحقق هذا النشاط تواصلاً وتفاعلاً بين الأطفال والإبداع الأردني في مجال أدب الطفل.

وتشير السيدة أبوغزالة إلى تجربة مميزة للكاتبة وفاء القسوس والمصمم الغرافيكي خالد الظاهر، وهي تقديم الكتاب الإلكتروني للأطفال، وتقول: نحن نعتز بتقديم مثل هذه التجربة في مكتبتنا، فهي تجربة جديدة على الساحة الأردنية، إذ يقوم الطفل بتقليب صفحات الكتاب الإلكتروني بنفسه عن طريق الماوس، ثم يقوم بالإجابة عن اسئلة خاصة بمضمون الكتاب، ويتمتع ببعض الألعاب الإلكترونية المأخوذة من اجواء الكتاب، إضافة إلى أغنية بالرسوم المتحركة تلخص الفكرة العامة للكتاب.

اللغة الصينية

النشاط المفاجئ الذي لم نكن نفكر أبداً في وجوده في المكتبة، هو تعليم الاطفال اللغة الصينية. وتضحك السيدة أبوغزالة وهي تعلق على هذا الامر، وتقول: هذا النشاط دخل إلى مكتبتنا بمحض الصدفة، فنحن نقع بجوار مركز كونفوشيوس، وقد وجدنا تجاوبا من الأطفال على تعلم هذه اللغة، ونعتقد أن الإقبال عليها مستقبلا سيكون كبيرا، خاصة إذا استطاعت الصين أن تحقق حضوراً أكبر على خارطة العالم.

آفاق النشر

كل هذه الانشطة لاتزال تشكل نقطة البداية التي حققت حضورا كبيرا في الساحة الثقافية الأردنية خلال السنوات الخمس الماضية من عمرها، ذلك أن هاجس المكتبة أن تدخل مجال النشر وإنتاج الكتب. تقول السيدة أبوغزالة: هاجس النشر موجود، ونحن نعرف أننا يجب أن نسد هذا الفراغ، خاصة أن أدب وثقافة الطفل من أصعب فنون الإبداع، وأن الساحة العربية بحاجة إلى ناشرين يقدمون كل ما هو مميز للطفل العربي، خاصة أننا لا ننافس الكتاب الأجنبي فحسب وإنما ننافس الكمبيوتر والألعاب الإلكترونية. نحن نعرف أن مهمتنا ستكون صعبة، ولكن يجب علينا أن ندرس الأمر بشكل جيد كي يكون إنتاجنا على قدر طموحنا.

تعميم التجربة

هذه المكتبة التي قدمت تجربة متميزة، تحظى باحترام العديد من الجهات الثقافية في العالم العربي، تقول السيدة أبوغزالة: لقد جاءتنا الكثير من العروض من أجل تعميم تجربتنا في إيجاد مكتبات ثقافية هاجسها تقديم كل ما هو مميز وجديد للطفل في اكثر من بلد عربي، ونحن نفكر في تعميم التجربة، لكننا نريد شركاء يقبلون السير على خطانا، فنحن مكتبة تحمل رسالة التنوير دون النظر إلى المردود المادي. صحيح أن الناحية المادية مهمة لنا من أجل استمرارنا، ولكنها ليست هاجسنا. ومثل هذه المشاريع بحاجة إلى صبر كبير كي تحقق النجاح المطلوب.

وتضيف: لقد وصلنا الآن إلى مرحلة التوازن بين الرسالة النبيلة، وضمان استمرار المشروع، وهذا امر مشجع بالنسبة لنا، ذلك اننا لم نعد نخشى ان نفشل او يصل مشروعنا إلى مرحلة الجمود كما يحدث مع الكثير من المشاريع الأخرى التي لا تستطيع أن تمول نفسها بنفسها.

اللحاق بالثورة التكنولوجية

من المشاريع المستقبلية لمكتبة الحكواتي هو ان تكون بكامل أنشطتها على الشبكة العنكبوتية، حيث يمكن لكل الأطفال في الوطن العربي والعالم التواصل والتفاعل معها عن طريق موقعها الالكتروني، وهي تسعى إلى تنفيذ مشروعين متكاملين، المشروع الأول هو بيع كتاب الطفل عن طريق موقعها الإلكتروني، والمشروع الثاني هو تحميل الكتب والأنشطة والبرامج من خلال الموقع، وهذا يساهم كثيرا في تعميم برامجها وأنشطتها، كما أنه يمكن أن يساهم كثيرا في توفير الدعم المادي لها.

أخيراً، هذا المشروع الريادي الذي أخذ اسمه من أشهر شخصية روجت للكتاب والإبداع العربي وهي شخصية الحكواتي، يمكن أن يكون نموذجا يحتذى في تقديم مشروع ثقافي متكامل يحمل رسالة نبيلة ويضمن استمرارية هذه الرسالة.

محمد الظاهر مجلة العربي نوفمبر 2009

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016