مختارات من:

الإنسان ومراحل حياته إبراهيم عبدالمجيد

إبراهيم عبدالمجيد

المؤلف: إلكساندر تولستيخ

علم نفس العمر Age related Psychology، أحد ميادين علم النفس المهمة إنه يدرس المراحل العمرية، وكيفية الانتقال من مرحلة إلى أخرى. إن فهم مراحل العمر يساعد كثيرا على فهم الإنسان لنفسه، وعلى تقدم أمثل للإنسان في الحياة. في هذا الكتاب جوانب فلسفية وتاريخية ونفسية للموضوع.

الزمان، مكان الشخصية الإنسانية!. والشخصية الإنسانية حقيقة موضوعية تتطور بتقدم الزمان، وفي الزمان نفسه، بفعل عوامل مختلفة متشابكة، وليس لمجرد تتابع السنين. علم نفس العمر يدرس تغيرات النفس ونمو وتكوين الشخصية منذ الميلاد حتى الموت. فعلم نفس العمر إذن قريب الصلة بعلم نفس الشخصية، بل ويكونان معا وحدة واحدة وميدانا كبيرا في الدراسات النفسية.

وفي هذا الميدان هناك اتجاهان شهيران للدراسة. الأول هو الاتجاه البيولوجي الذي يعلي من شأن العامل الوراثي في تكوين الشخصية عبر مراحل النمو، والثاني هو الاتجاه الاجتماعي الذي يعلي من شأن العوامل المكتسبة.

في الاتجاه البيولوجي يحمل الطفل كل بذور النمو " الطفولة والصبا والشباب.. إلخ "، ويصبح النمو النفسي عبارة عن نمو كمي لما يحمله الطفل من خصائص نفسية. هذا الاتجاه يقع على نظرية التكوين المسبق Preformism لكن عشرينيات هذا القرن شهدت نظريات تقول إن الإنسان ينمو وفقا لمحصلة ما يتعرض له، فهو ينمو كيفيا.

استمر الصراع بين الاتجاهين، حتى ظهر اتجاه ثالث، اتجاه وراثي اجتماعي، يدور محوره حول القول بأن العامل الرئيسي في التطور الإنساني هو تكيف الإنسان مع البيئة الاجتماعية، فالبيئة الاجتماعية هي العامل الحيوي في تطور أو نمو الطفل".. لكن ما هي العملية النفسية الكائنة خلف نمو الشخصية؟ ما هي القوى المحركة لنمو الإنسان؟. ماذا يفسر الانتقال من مرحلة إلى أخرى؟.. هذا ما نجد تفسيره عند عالم النفس الروسي ليف فيجوتسكي Lev Vgotsky وزملائه الكسي ليونتيف Alexei Leontiev وسيرجى روبنشتين Sergei Rubinshtein حيث النشاط النامي للفرد هو السبب الرئيسي لنموه كفرد متكامل ذي هوية. هذا النشاط يتلخص في اللعب والتعليم والعمل. هذه هي العناصر الثلاثة التي تتحكم في نمو الفرد، من لعب الطفل، حتى تعليم المراهق، إلى عمل البالغ..

الطفولة

تبدأ الحياة البشرية مع الطفولة، ودراسة الطفولة تحتل تسعة أعشار الدراسات النفسية، فما هي عناصر نمو الشخصية الأساسية خلال الطفولة؟

إن "فردية" الطفل تظهر منذ لحظة الميلاد، وبالتعامل مع التغيرات المعاكسة تظهر شخصيته، لا كتراكم كمي ولكن كعملية كيفية الطفل لا يستطيع البقاء وحده فهو لا يملك غرائز الحيوانات، لذلك فالعلاقة بينه وبين والديه مهمة للغاية. وهي تتجاوز الغاية بالمأكل والملبس إلى " الاتصال الإنساني". فلقد لوحظ أن أطفال الملاجئ أو الدور الحكومية الذين ينعمون بالغذاء والعناية بالملبس، لا يبتسمون كأطفال البيوت الذين يحظون بعناية أقل في الغذاء والكساء، ولكن لوحظ أنه حين تحمل الممرضة الطفل في الملجأ لفترات طويلة يبتسم. تنتقل إليه حرارة جسمها ويتوحد معها. إن عدم الاتصال الإنساني في تربية الطفل ينتج عنه مرض يسميه علماء النفس Hospitalism، واكتشاف أهمية الاتصال الإنساني يؤكد مقولة فيجوتسكي بأن الطفل كائن اجتماعي منذ ولادته.

وللطفل في الأسبوع السادس حركات للذراعين والقدمين وبسمات وأصوات بسيطة، تأخرها أو ضعفها يعني إصابة الطفل بالهوسبتاليزم. هذه الحركات والأصوات ترد لي ما يسمى بمركب النشاطية Activiration Complex، أو مركب القدرة على النشاط، وهذا المركب ليس رد فعل لحركات الآخرين، بل هو إرادي العمل، إذ يلاحظ أن حركات الطفل تزداد حين تقل حركات الكبار حوله وتقل حين تزداد حركتهم وأصواتهم.

بعد الآخرين، الوالدين أو غيرهما، هناك عنصر ثان في نمو شخصية الطفل، هو علاقته بلعبته. ولقد قال هيجل " إن أفضل ما يفعله الطفل بلعبته هو تحطيمها". والطفل ينتقل بعد ستة أشهر من محاولة إمساك اللعبة إلى محاولة التأمل فيها عندما يبلغ عاما من العمر.

وتشغل الطفولة المبكرة الأعوام حتى الثالثة، حيث يبدأ الطفل في الإدراك الذاتي Self Cognition ليس على طريقة الفلاسفة بالتأمل الداخلي، ولكن بالتعرف على الأشياء وتكرار حركات معينة لها دلالة. ويبدأ الطفل الصحيح بكسر اللعبة ليرى ما بداخلها، ويتعرف على محتويات البيت ويعتبرها ملكا له، وينتقل إلى عالم الإشارات واللغة والكلام فيدخل عالم العلاقات الإنسانية، وفي نهاية السنة الثالثة تبدأ أزمة أخرى جديدة إذ يتحول الطفل في ديكتاتور بعد أن يلاحظ ردود فعل الوالدين من سخط أو رضا، ويفعل دائما عكس ما يطلب منه. لكن هذه الأزمة الجديدة تمر بسهولة لأنها تذوب في نشاط جديد هو اللعب..

"اللعب " يردم الفجوة بين "ما يريد" الطفل و"ما يستطيع". الطفل الآن لا يريد اللعبة بل السيطرة عليها. يركب العربات ويقطع بها الرحلات داخل الغرفة فيخلق مساحة من النمو لقدراته وشخصيته معا باللعب.. وألعاب سن ما قبل المدرسة مهمة للغاية إذ بها يتعرف الطفل على الشرطي واللص والمدرس والطبيب فيكتسب معرفة بالعلاقات بين الأشخاص. فاللعب إذن ينمي الذاكرة والإدراك والإرادة. وهكذا حتى سن السابعة، سن المدرسة، حيث تظهر أزمة جديدة، فالطفل يريد مركزا جديدا في الحياة الاجتماعية، والطفل مشوق للغاية للمدرسة، مفتون بالزي الرسمي للتلاميذ لذلك يتحول اللعب إلى نشاط جديد هو التعليم. في المدرسة يفتقد الطفل التسامح العائلي. إنه الآن فرد بين أفراد في نظام صارم. المدرسة انتقال من حياة عائلية إلى مجتمع مدني. لذلك تمثل السنوات من 7 إلى 11 سنة مكانا مهما في تكوين شخصية الفرد، حيث يتم الانتقال من الإدراك الحسي إلى التفكير المجرد. الطفل يظهر هنا ككائن مفكر، إنه يتعلم أن يتعلم !. لكنه بعد هذه السنوات الأربع يجد المدرسة مملة روتينية، والحقيقة أنه يدخل في. مرحلة الهدوء الذي يسبق العاصفة. إنه ينتقل في مرحلة المراهقة..

ما بعد الطفولة - المراهقة

إن عبارة "لم يعد طفلا، لم يصبح راشدا" تعبر تماما عن حياة المراهقين. فالمراهقة هي مفارقة لحياة الطفولة الجميلة، لكن دون اكتمال عالم النضج، هي عتبة فارقة بين شيء يختفي إلى الأبد - الطفولة - وشيء يتوقع في المستقبل، هو اليفاعة أو الرشد Adulthood.

ومن خصائص المراهقة الخيال والخيال الخالق Creative. الخيال موجود لدى كل الناس بدرجات، وموجود عند الأطفال، فالطفل، كما قال جوته، يستطيع أن يحول كل شيء في لا شيء. والخيال يعتمد على الخبرة التراكمية، لذلك هو أكثر كثافة عند المراهقين، وله دور بارز في تكوين الشخصية، وللعلم دور في إذكاء الخيال، فلقد كان ليوناردو دافنشي يشجع على تنمية المخيلة بدراسة البقع والشروخ على الحوائط والسحب وإدراك تشابهها بالأفراد والحقول والمعارك الحربية. إن المراهقين مثاليون يتصورون القدرة على إعادة بناء العالم، ويتصورون العالم غير قادر على التعرف على مثلهم، ومن ثم ينتهي الانسجام الذي كان بينهم وبين العالم حين كانوا أطفالا.

يقال دائما إن المراهقة فترة صعبة، ولكن فولتير قال إن "الصفة" عدو "للاسم". فالصفة لا تفسر شيئا وحدها لذلك لا بد من فهم تفاصيل الصعوبة. وفضلا عن التفاصيل السابقة يفكر المراهقون في اختيار مهنة المستقبل، فهذه المهنة هي التي ستحدد مسار الشباب بعد ذلك، ولكن جوته قال " الإنسان الذي يريد أن يفعل شيئا عظيما عليه أن يتعلم كيف يحدد لنفسه شيئا يفعله". إن من يريد أن يفعل كل شيء لا يفعل شيئا. واختيار المهنة بالنسبة للمراهق ظاهرة اجتماعية وأخلاقية أيضا، فليس المهم من يرغب أن يكون الإنسان قبل التفكير في أي نوع من الناس يجب عليه أن يكون..

الشباب

الدراسات النفسية لمرحلة الشباب أقل من دراسات الطفولة أو الشيخوخة. وفي روسيا هناك معهد الدراسات الشبابية "juvenology " وهي كلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية juvenis بمعنى شاب young. فالمصطلح إذن يعني علم دراسة الخصائص النفسية للشباب. هكذا بدقة. الشباب أيضا جماعة سنيه خاصة، وفي تحديد مراحل الحياة يشار إلى الطفولة والمراهقة والنضج والشيخوخة، ولا يشار بشيء إلى الوجه الشبابي للشخصية. وهكذا يرى بعض العلماء المراهقة فترة ممتدة من 14 سنة إلى 21 سنة، والآخرون من 10 سنوات إلى 23 سنة أو من 12 سنة إلى 25 سنة ولا حديث عن الشباب. لكن تولستوي تحدث عن حياته في ثلاثة أجزاء: سمي الأول " الطفولة " والثاني " الصبا " والثالث " الشباب " وهي سيرة تبدأ بسن الخامسة عشرة، ومن جهة أخرى فإن بطل قصة " الشاب البريء " لدستويفسكي كان في الواحدة والعشرين وهكذا قد تتعقد الأمور في تحديد سن الشباب، لكن من المهم التأكيد أن الكلمة اللاتينية juveul تشير إلى ما بعد المراهقة أو بداية الشباب. ولقد لوحظ نمو. الشخصية في هذه المرحلة نوع من التسارع في النمو النفسي والجسدي، وذلك خلال الستينيات والسبعينيات مما تجاوز كل إنجازات النمو المسجلة قبل ذلك. ظهر جيل من الشباب الطوال، الأصحاء النفس والبدن بطريقة مثيرة، وتم إرجاع ذلك في الغذاء والتعليم والراديو وزواج الجماعات العرقية المتباعدة، لكن ظاهرة التسارع انحسرت في الثمانينيات، وعاد النمو النفسي والبدني لمعدلاته الطبيعية. لكن لوحظ أنه في مقابل التسارع في النمو يعاني الشباب من مرض الردة الطفولية infantilism، حيث يبدي نوعا من الكسل العقلي، والقلبي، وتصبح هذه الردة الطفولية ظاهرة اجتماعية مؤلمة. إذن كيف يكون النمو الطبيعي للشخصية ؟. يكون بالتزامن بين النمو الجسدي والنفسي. هنا تظهر حالة الطفل المدهش wonder child الذي ليس عبقريا، فالعبقري يتميز عادة في ميدان واحد مثل موتسارت في الموسيقى، وأينشتاين في الرياضة، ولكن الطفل المدهش تظهر قدراته في أكثر من ميدان معا. الموسيقى والرياضة وفنون الحرب مثلا.

والشباب يوصف عادة بالسن المثالي للزواج. فبالنسبة للمرأة يكون الإنجاب المثالي عضويا بين عمري عشرين وخمس وعشرين سنة، وهو الوقت المناسب لزواج الكثيرين وزمن الطاقة الجنسية الكبيرة عادة.

والطاقة الجنسية هنا غير الحب الذي يمكن أن ينطلق في أي وقت. كانت " هيلين " في الأربعين حين أحبت " باريس "، وكانت كليوباترا في الثلاثين حين أحبت أنطونيو، وكانت جولييت في الثالثة عشرة حين أحبت روميو.. وهكذا .

وللزواج تأثير على الشخصية ونموها الروحي، فالطفل يعطي الأب الشعور بالرجولة ويعطي الأم الشعور بالأنوثة، ويغير عاداتهما، إذ التحقا الآن بعالم الآباء، والأسرة نفسها التحقت بالعملية الخالدة لتكوين الأجيال.

ومصطلح الجيل مهم جدا هنا، وحياة الفرد هي تاريخ تكونه ونمو في مجتمع بعينه في فترة تاريخية بعينها وجيل بعينه. فالجيل الذي ينشأ وسط الحرب يختلف عن الجيلين السابق واللاحق. ولقد ظهرت مثل هذه المشكلة بحدة في الغرب بعد الحرب العالمية الأول وخلدتها أعمال هيمنجواي وإريك ماريا ريمارك وجرترود شتاين التي أطلقت على جيل الحرب الأصلي "الجيل الضائع". إن ارتباط المعرفة النفسية للشباب بالمصير التاريخي أمر مهم جدا، والمشاكل الناجمة من الموقف التاريخي لها أثرها على الجيل.

إن هذا العصر هو عصر الشباب بالنسبة لمسيرة البشرية، وفيه يرفع الإنسان شعار الشباب الدائم، لكن الإنسان في سن الثلاثين يكتشف أن تصوراته بين العشرين والثلاثين لم تكن صحيحة كلية. تتوقف الحياة عن بساطتها، وتتحطم القواعد المستقرة والبناء الداخلي للشخصية. تحدث أزمة ناجمة عن عدم الاستعداد الكافي للحياة. لكن في سن الثلاثين أيضا يكون الإنسان قد أسس نفسه واكتملت شخصيته وأصبح صادقا مع هويته True to his identity ومستعدا للتمييز بين الناس والنظر في نفسه وفهمها. يدخل الإنسان إذن في إعادة تقييم للنفس، وتحدث أزمة الثلاثين سنة من العمر والتي يبدأ بها الفرد العقد الأربعيني.

النضج

"في منتصف الطريق لحياتنا هذه الفانية " جملة كتبها دانتي في كتابه الكوميديا الإلهية وهو في الثالثة والثلاثين. هو إذن رجل ناضج ليس في أصلى العمر ولا في آخره، في المنتصف. ويشير الإغريق القدماء لهذا العمر بكلمة "Acme " أي "Peak " أي قمة الشيء حيث يكتسب الفرد هويته identity ويصبح النضج ازدهارا للشخصية. لكن إذا كان النضج خاتمة النمو للشخصية فما معنى العمر المتقدم؟ ماذا نقول عن سن التسعين حين وقف ميكلانجلو على أبواب الكوليزيوم في يوم بارد عاصف ولما سأله الكاردينال: لماذا يقف في مثل ذلك اليوم قال " أنا أتعلم". إن أنجلو يؤكد بذلك حق الإنسان في امتلاك القوة على الكمال النفسي دائما.

إن المعرفة بالمسئولية والكفاح من أجل امتلاكها هي. العامل الحاسم في النضج. وفي رواية " 15 مارس Theides of March" يربط ثورنتون وايلدر الكاتب المسرحي الأمريكي بين المسئولية والحرية ويلاحظ أن الحرية مسئولية Freedom is responsibility ولكن السؤال عن الإنسان كرباط بين الطبيعة والإرادة الحرة كان من قبل هيجل الذي قال إن الحرية كطبيعة للروح لا تكون إلا في حالة الروح الخالص بعيدا عن الضرورة الحسية، والحرية في النهاية هي ضرورة مدركة. النضج إذن يمثل قضية الحرية والضرورة، والناضج يتحول - بتعبير هيجل - من ذاتية شريرة في فردية تؤكد نفسها في العالم على قاعدة من المسئولية. وفي علم النفس فإن " المقياس " أو المعيار لا يوضع في الاعتبار فهو لا يكشف إلا عن نشاط إنساني واحد، ولكن المهم هو المنهج، أي طرق البحث، وهي هنا عديدة ومختلفة للكشف عن جوانب الشخصية. ولقد لوحظ أن الناس لا تعترف بأعمارها أو تخيفيها، وإلى المجموعة الثانية تنتمي النساء والمسنون . وهناك أيضا من يبالغون في أعمارهم، فالأطفال. لا يعترفون بأنهم أطفال، والمراهقون لا يعترفون بأنهم كذلك بل كبار، وهكذا يبدو كل الناس لا يحبون الكشف عن أعمارهم.

وفي اختبار العالمة النفسية الفرنسية بيانكازازو Bianca zazzo على أطفال بين 6 - 12 سنة وجهت إليهم أسئلة حول أي عمر يفضلون: أن يكونوا أطفالا صغارا ؟ أو في أعمارهم الطبيعية ؟ أو يكونوا بالغين؟

شمل الاختبار أبناء العمال والموظفين وأبناء الممثلين لمراكز عليا في المجتمع . في الإجابات ظهرت آثار البيئة على الاختيار. أطفال المراكز العليا قالوا إنهم يفضلون أن يكونوا كبارا. الأطفال الأكبر سنا فضلوا أعمارهم الطبيعية. أطفال الموظفين وقفوا موقفا وسطا. أطفال العمال قالوا إنهم يفضلون أن يكونوا أصغر. فسرت " زازو" ذلك بوجود " انفتاليزم " ردة طفولية أكبر بين أبناء العمال، ونمو أكثر لدى أبناء المراكز العليا.

على أي حال فإن الأوهام والشكوك تنتمي أيضا لمرحلة الشباب. وفي بحث حديث أظهر عدد من الأفراد الناضجين ما يمكن تسميته بأزمة الهوية، وهو ما يتعلق بسؤال الإنسان لنفسه عن: من هو ؟ كما يصوره الآخرون ومكانه في المجتمع والجماعة ؟ هذا مفهوم مناسب للأطفال والصبية، وهناك مغالطة في تطبيقه في حالة الناضجين، لكن لا تزال المناقشات حول تطبيقه مستمرة. ولقد لاحظ هيجل أن هناك ظاهرة مرتبطة بتغيرات العمر الخاصة بالأفراد ورصف الظاهرة بأنها مثل الاكتئاب Hypochondria. فالرجل الراشد يهتم أولا بالأشياء المادية ويفرق في تفصيلاتها إلى حد مؤلم، وحين يعجز عن تحقيق أفكاره يصيبه الاكتئاب.

إن الراشدين بين سنتي 40 - 50 سنة يمثلون المركز المتوسط بين الآباء والأطفال وهم يحتلون المركز الرئيسي في المجتمع، في العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وفي إحدى المراحل يجد الإنسان نفسه على خط حدود النضج مع الشيخوخة لكنه لا ينتمي إلى أي منهما. هذه المرحلة تسمى قبل الشيخوخة Pre - senile ولكن الإنسان هو ما يفعله بنفسه، وشخصيته إنتاج لنشاطه الخاص. هكذا يقول هردر الفيلسوف الألماني، لذلك فالشيخوخة نتاج حتمي لانعكاس مجرى حياة الإنسان. إنها ملخص أولي للحياة، لأن نشاط الحياة لم ينته بعد، رغم النشاط الخلاق للجيل التالي. ولإعادة تدعيم هوية الإنسان خلال التقدم في العمر علي أن يظهر أنشطة عملية ويحرك إرادته وخصائصه الروحية هادفا إلى " روح صحيحة " في جسد معتل يقترب كثيرا من المرض. إن الإنسان في السن المتقدمة يتأمل نفسه. ولقد قال الكاتب الروسي أوليشا Yuril Olesha" إن الحياة حتى سن متقدمة تجربة فائقة، لأنه بعد كل شيء فأنا لم أعش طويلا، ولكني عشت، وكم يكون خلابا، أن أشعر أني مرئي من الآخرين، ذلك أن قدرتي على أن " أرى " تستمر في وظيفتها كما لو كانت في الطفولة، وإنه بالشعور بالشباب، والطزاجة، أدرك نفسي اليوم شيخا، وهذا الشيخ جديد علي، فأنا لم أره من قبل، ولم أفكر أني سأراه لكنه - هذا العجوز - فجأة ينظر إلي من المرآة. إنه أمر خيالي Faurastic.

الشيخوخة.. الأسئلة الأخيرة

هي أكثر مراحل العمر تناقضا للإنسان. إنها زمن الأسئلة الأخيرة فلا فرصة هناك للأوهام. هناك في التاريخ حكايات عن كره الشيخوخة، لكن الناس الآن يبدون منسجمين مع قول أندريه موروا الساخر إن " الشيخوخة عادة سيئة لا وقت عند النشطين من الناس لها ". لكن ما هي الشيخوخة وما هو وضعها في مراحل حياة الإنسان؟

البعض يقيل إنها مرحلة ليست أفضل أو أسوأ من المراهقة أو الشباب، والبعض يرى أنها مرحلة تفكك الشخصية وعدم تكاملها: والحقيقة أنه منذ العصور القديمة والناس مغرمون بالمقارنة بين الشيخوخة والطفولة. فالطفولة " فجر " الحياة والشيخوخة " غسق الحياة " والطفل ينزع من الواقع كما قال سارتر في كتابه " الكلمات - Les mots" وكذلك مرحلة الشيخوخة، لأن التقاعد عن العمل ليس قانون الطبيعة، لكنه موقف اجتماعي في مجرى المدنية. فالشيخ هو غير القادر على العمل، هكذا تاريخيا، لكن في عالمنا المعاصر يختلف الأمر. فالشيخوخة لا تكون بين سن الخمسين والستين، بل في سن الخامسة والسبعين، ومن ثم فإن العديد من سكان العالم مسنون وخاصة في المجتمعات المتقدمة. وهكذا يعيش الناس من 10 إلى 20 سنة بعد خروجهم إلى التقاعد، ومعروف أن الذي يعمل أكثر يعيش أطول، ولا بد أن الشيوخ يقولون مع الفيلسوف الفرنسي ميشيل موينتيني Michel Montiagne ": إنه يرغب في أن يموت وهو يعمل".

لقد قال ليوناردو دافنشي إن العمل يولد الخبرة، والخبرة تولد الحكمة التي هي ابنتها، ومن ثم يجب ألا نقلل من شأن الحكمة كتكوين نفسي مهم في الشيخوخة. الحكمة هنا حالة نوعية للروح مؤسسة على خبرة الحياة الواسعة تعمل من أجل تأسيس الاتصال بين الأجيال.. فهي رؤية الماضي والمستقبل كما هي رؤية الحاضر.

إن الشيخوخة فترة محددة س الحياة تصل إلى ذروة طول العمر. هذا العمر الذي يتوقع له الزيادة عشر سنوات في عصرنا مع التقدم العلمي الأخير. وطول الحياة يأتي من معرفة الإنسان كيف يستخدمها، ولا معنى من شكوى الطبيعة فهي تدير نفسها جيدا.

ومن قبل قال سينيكا الروماني إن "الحياة كخرافة قيمة ليس لطولها ولكن لمادتها". هذه كلمات حية في علم الشيخوخة gerontology الذي لم يعد همه إضافة سنوات جديدة إلى الحياة، ولكن إضافة الحيلة إلى السنين؟

إبراهيم عبدالمجيد مجلة العربي يوليو 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016