مختارات من:

نحن والتليفزيون.. ومفترق الطرق

المحرر

منذ بدايات العقد الستيني بدا جهاز التليفزيون يدخل البيت العربي.


لم يعد هذا الجهاز من الكماليات، أصبح من الضروريات الحياتية، حوله تتجمع الأسرة، ومنه يحصل أفرادها على الخبر والمعلومة والفن والثقافة والتسلية بالقول والصورة معا.

خلال السنوات القليلة الماضية، لم تعد محطات الإرسال الوطنية المحلية هي المصدر الوحيد لكل ما يزهر على الشاشة الصغيرة. بدا البيت العربي يتابع ما يدور في العالم كله عندما يبث له من خلال أدوات التقنية الحديثة ما ترسله محطات إرسال قد تبعد عنه بعدة آلاف من الأميال، فلم تعد محطة الإرسال الوطنية المحلية هي المصدر الوحيد للبث. تعمل بجوارها الآن محطات آخى أجنبية. لا شك أن هذا التنوع الكبير سيزيد من ارتباط الأسرة والفرد بهذا الجهاز.

لهذا الارتباط إيجابيات، كذلك له سلبيات.

تتحدد إيجابياته بهذا التنوع الكبير للأخبار والمعلومات ولجميع فنون العلم والثقافة. لا شك أن هذا التنوع سيقرب بين الشعوب ويزد من قدرة الأفراد على الوصول إلى المعلومات.

ولكن تأتي سلبياته بتعدد وتنوع واختلاف القيم والتقاليد التي تدخل في نسيج بعض البرامج والأفلام، والتي لا تناسب ذلك التجمع الأسري أولا تناسب مع النسق القيمي للإنسان العربي.

كذلك قد يكون ذلك التطور الجديد لوسائل الاتصال مؤثرا على قواعد تربوية تحاول بشكل أو بآخر زرعها وترسيخها في أبنائنا، قواعد تربوية ترمي إلى دفعهم إلى القراءة مثلا أو إلى الانخراط في أعمال عامة أو إلى العناية بفنون الرياضة.

المهم الآن أننا أمام مفترق طرق، علينا أن نهتم بكل ناتج للتقدم التقني، ولكن علينا كذلك أن نوجد التوازن الذي لا يجعلنا فريسة له، بل أسيادا متحكمين فيه.

في المقالين التاليين، يتقدم كاتبان برأيهما عن علاقة الطفل بالتليفزيون، وهو موضوع لا شك يشغل العديد من الآباء والأمهات خاصة بعد التطورات الأخيرة الأخرى المرتقبة للشاشة الصغيرة.


ابني مدمن "تليفزيون"
بقلم: دينا توفيق


ابني مدمن تليفزيون. فتلك هوايته المفضلة، ولكنها تسبب له مشكلات وأضرار صحية، فهو يقف الساعات الطويلة في سعادة بالغة يتابع برامجه.

تلك كانت شكوى إحدى الأمهات، وهي شكوى عامة تزعج كل أم. فتلك الآلة السحرية لا تلتهم فقط الوقت الذي يمكن أن يقضيه صغيرك في القراءة أو ممارسة هواية مفيدة كالرياضة مثلا، بل تتسبب في متاعب للعين، وذلك إن لم تراع المسافة بينه وبين جهاز التليفزيون ناهيك عن الإرهاق من جراء السهر أمامه. وكذلك تعرضه لمتاعب نفسية نتيجة مشاهدة ما لا يجب أن يشاهده وما لا يلائم سنه.

القدرة على الانتباه تقل

ولكن بالإضافة لكل تلك الملاحظات هناك دراسات علمية حديثة تؤكد أن مشاهدة التليفزيون لمدة طويلة تصيب الطفل بحالة من عدم القدرة على التركيز لمدة طويلة وكذلك تجعله لا يتمتع بالصبر.

وأيضا من خلال أحدث الدراسات الأمريكية اتضح أنه قد بات ملحوظا ذلك التراجع المتزايد في معدلات الانتباه لدى الأطفال بشكل عام مع مرور السنوات، وهذا يرجع أساسا في التليفزيون. فهو يقوم عادة بعرض رسائل إعلامية ومشاهد لا تزيد على 40 ثانية أو أقل، وذلك للديناميكية السريعة في إيقاع العرض التليفزيوني، وهذا يعني أن الطفل يجد بعد ذلك صعوبة بالغة في التركيز لمدة تزيد على تلك الثواني المعدودة.

ومن خلال أحدث استطلاعات الرأي التي أجرتها إحدى الصحف الإنجليزية على 664 مدرسة، اتضح أن الأطفال يقضون ساعات اليوم أمام التليفزيون حسب المعدلات التالية: 6 أطفال من كل عشرة أطفال في العينة يقضون أمام التليفزيون وقتا يفوق ما يقضونه أمام المدرسين في المدرسة. وكذلك 6 أطفال من كل 10 أطفال يشاهدون أكثر من 44 ساعة أسبوعيا مقابل طفلين من 10 أطفال يشاهدان ما يفوق السبعين ساعة أسبوعيا.

وهناك طبقا لذلك الاستطلاع 90% من الآباء لا يوجد لديهم التزامات مفروضة على أطفالهم أو قوانين منزلية خاصة بمشاهدة التليفزيون، وكذلك للسهر أمامه وما يشاهدونه فيه.

كم ساعة أمام التليفزيون؟

بالتأكيد لا يوجد عدد نموذجي لساعات التعرض للتليفزيون، ولكن للقضاء على تلك المشكلة من المفروض أن نبدأ بمعرفة عدد الساعات التي يقضيها الأبناء أمام التليفزيون، وذلك بنوع من الاهتمام الخاص مع التدوين خلال الأسبوع.

وبعد ذلك نقرر ساعات التعرض التي نشعر أنها تلائم الطفل، ثم محاولة تخفيضها مع مرور الوقت، خاصة مع اكتشاف الأضرار الإشعاعية للاقتراب من شاشات التليفزيونات الملونة.

أي برامج يشاهد الطفل؟

في تلك الأثناء نراعي النوعية التي يمكن أن يشاهدها الطفل والحرص على أن تكون النسبة الكبرى فيها للبرامج التعليمية التي تكون لها فائدة خاصة للأبناء.

ونتساءل عن كيفية خفض ساعات التعرض للتليفزيون ؟ فلننتبه أولا لعنصر الانتقاء، فنعلم الطفل كيف يخطط لما يريد أن يشاهده من برامج التليفزيون، وبذلك نمنحه القدرة على الاختيار والتحديد المسبق، بالإضافة للعنصر الثاني وهو المنع، فلو علمت أن هناك برنامجا لا يصح أن يشاهده طفلك ولا يلائم سنه يمكن أن تصرفه بهدوء بالنوم المبكر أو بإغلاق الجهاز واقتراح قضاء السهرة في قراءة كتاب أو اللعب ببعض ألعاب التسلية.

والخطأ، كل الخطأ أن تلقي الأم بابنها أمام شاشة التليفزيون لتلهيه عنها.

لا تجعليه ينفرد بالتليفزيون

وهناك عدة نصائح من الممكن توجيهها لكل أم وأب يريدون حماية أطفالهم من الأضرار التي تسببها المشاهدة المستمرة للتليفزيون، فيمكن تحديد يوم في الأسبوع لا نشاهد فيه التليفزيون على الإطلاق، وكذلك لا ينصح المتخصصون بجعل الطفل يشعر بانفراده بالتليفزيون، كتخصيص جهاز يوضع في حجرته، لأن ذلك لا يجعل هناك فرصة للتحكم فيما يشاهده وما لا يشاهده. وأيضا مدد التعرض. بالإضافة لنصيحة أخيرة يجب أن نتلافى تناول الطعام أمام التليفزيون، فعادة تجمع الأسرة حول المائدة والسمر معا لن تتم إن كان الطعام يقدم أمام التليفزيون.


التليفزيون.. وعادة القراءة عند الطفل
بقلم: الدكتور راشد حمد العوده

تعتبر القراءة من الأساسيات التي لا بد للفرد من امتلاكها ويسعى المربون إلى غرسها في نفوس التلاميذ لمساعدتهم على بناء شخصياتهم ومعارفهم من خلال ما يقرأون وما يتفاعلون به مع ما يقرأون. كيف يؤثر التليفزيون على هذه العادة ؟، وهل يكون ذلك بالسلب أم بالإيجاب؟

والقراءة في حد ذاتها مفتاح المعارف والعلوم، وعلى الرغم من أن التكنولوجيا الحديثة أسهمت بجانب كبير في إيجاد كمية كبيرة من المادة المقروءة، فإنها قدمت شيئا عجيبا لصرف النظر عن القراءة وتقليل اهتمام الأفراد بالقراءة إلى زيادة الاهتمام بالمادة المشاهدة.

ومن الأشياء التي قدمتها التكنولوجيا الحديثة أجهزة التليفزيون والبث التليفزيوني وجهاز الفيديو وأشرطته ويعتبر جهازا التليفزيون والفيديو من التقنيات الحديثة التي غزت المنازل بدول الخليج العربي وأسهمت مع عناصر أخرى كظهور البترول والتطور الاقتصادي والعمراني في إحداث تغييرات واضحة في نمط الحياة الاجتماعية بين أفراده الذين هم جزء لا يتجزأ من أفراد الوطن العربي الكبير، كما أن منطقة الخليج العربي لا تخلو من أفراد من الوطن العربي سواء من شماله ( سوريا ) أو جنوبه ( اليمن ) أو غربه ( المغرب وموريتانيا ).

أكثر من جهاز تليفزيون

لقد دخل هذان الجهازان حياة كل فرد في منطقة الخليج، وأدبا بالطبع إلى إحداث تغييرات في نمط حياة الأفراد ونشاطاتهم اليومية حيث إن تشغيل هذين الجهازين من السهولة بمكان لدرجة أن الطفل الذي لم يبلغ السنة الرابعة من عمره يمكنه أن يشغلهما أو يحركهما ويستخدمها. وفرض هذان الجهازان على كل رب أسرة أن يتعددا حتى أصبحا أكثر من جهاز إلى أن يضاهيا عدد الأفراد والغرف الموجودة في البيت. ولقد عزا أحد الباحثين في هذا المجال انتشار هذين الجهازين في البيت الخليجي إلى اعتبارهما مصدرين رئيسيين للترفيه والتسلية والمتعة.

ثم دللت على هذه النتيجة السيدة هالة العمران من البحرين إذ ذكرت أن الطفل البحريني يقضي خمس ساعات يوميا في مشاهدة التليفزيون وتعلم عادات خاطئة وليس عادات إيجابية كالقراءة والتعلم مثلا.

ويضيف الباحث صالح عزب أن الفيلم الأجنبي يشغل وقتا طويلا ( الهندي والإنجليزي ) من البث التليفزيوني في معظم دول الخليج كالبحرين وقطر والإمارات، ويأتي اختيار الفيلم سيئا ولا يتناسب وبيئة ومعايير السلوكيات الإنسانية لشعوبها ( الإسلامية العربية ).

ومن جانب آخر يشر مورداك البريطاني - 1973 - حول الموضوع بأن برامج التليفزيون والفيديو تدعو إلى استهلاك الوقت واللعب بينما المدارس تدعو إلى العلم والعمل والإنتاج مدللا بقوله على أن المدارس تخاطب العقل، وبرامج التليفزيون والفيديو تخاطب المشاعر وتلهب العواطف.

مسئولية الأسرة المسلمة

أما مروان كيجك في كتابه " الأسرة المسلمة أمام التليفزيون والفيديو " - 1986 فقد ذكر أن تلك الأفلام التي يشاهدها الشباب المعاصر لا تساعدهم على تحمل المسئولية التي ينبغي أن يتحملوها كشباب مسلمين.

ورأي الدكتور عبد الرحمن الشاعر بهذا الصدد مفاده أن مشاهدة برامج الفيديو والتليفزيون كانت السبب في عزوف الكثير من الطلاب عن القراءة الحرة وارتياد المكتبات.

ومن خلال العرض السابق فقد اتضح أن لهذين الجهازين أخطارا جسيمة على عادة القراءة عند الناشئة، والأفضل هو الاتجاه نحو بث برامج من خلالهما تشجع على القراءة. والأمر الآخر هو الابتعاد عنهما لتوليد الميل للقراءة مع الاقتناع التام لدى كل مسئول عن التربية العامة والخاصة بأن ما يحصل من فائدة من خلال القراءة والاطلاع أفضل بكثير مما يشاهد من خلال التليفزيون والفيديو، ففي القراءة إبحار في أفكار الآخرين من عباقرة وفلاسفة ورواد التاريخ والسياسة والاقتصاد، أما ما يحصل عليه من الفيديو أو التليفزيون فهو ضياع للوقت أو انحراف في السلوك.

المحرر مجلة العربي يوليو 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016