مختارات من:

المكان يتسع للجميع

محمد إبراهيم الشوش

قراءة في أدب الطيب صالح

ربما كان السودان واحدا من أكثر البلاد الإسلامية تأثرا بالجو الروحاني والاعتقاد في الأولياء، وعندما نتأمل أعمال الأديب العربي الكبير الطيب صالح سوف نرى كيف استطاع أن يحول هذه المؤثرات إلى قوى إيجابية إنسانية منتزعة من إيمانه العميق.

التأثير الديني الروحاني من أقوى المؤثرات الشعبية حضوراً في الأدب السوداني ولا يمكن لأديب سوداني يصدق في التعبير عن بيئته- بغض النظر عن موقفه الشخصي أو المذهبي- أن يتغاضى عن هذا التأثير الجامح. فالأدب الحق إنها يعبر عن واقع معيش ولا يحاول أن يستعيض عنه بواقع مزيف. والشعور الديني، في كل صوره وانعكاساته، شعور متغلغل في نفوس السودانيين. والثورة المهدية نفسها ما كان يمكن أن تنجح في إزالة نظام كالحكم المصري التركي، يملك القوة والعتاد والسلاح، إلأ بقوة الإيمان الديني، واستثارة الحمية الدينية ضد مظاهر الفساد لإداري والخلقي. وقد ظل يحكم هذا الشعور الديني منذ القرن السادس عشر الطابع الروحاني ونظام لمريدين والقوة الخارقة الكامنة في الأولياء والصالحين لا الجانب الفقهي العلمي، لأن ذلك الجانب بما فيه من تمثل ملموس ومحسوس ومثير للخيال، كان أقرب إلى وجدان الجماهير، وأكثر قدرة على إشباع احتياجاتهم الروحية. كما أن الاعتقاد بوجود قوى تتمتع بقدرات خارقة قادرة على قهر كل قوة دنيوية بمنحهم الملجأ والسند في مواجهة قوى مادية لا قبل لهم بها ولا يجدون لها تفسيرا. ولم يقتصر ذلك على السودان بل تعداه إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي في ذلك الوقت.

الصوفية ومشاعر الجماهير

لقد انتشرت الطرق الصوفية كالقادرية والسمانية والشاذلية والختمية. وقد قدمت تفسيرات عدة لهذه الظاهرة منها ما رآه آبو العلا عفيفي، من أن تفشي ظاهرة الطرق الصوفية منذ القرن السادس عشر وحتى مطلع القرن العشرين، مرده إلى ضعف علماء الفقه والشريعة. يقول. "آدرك الصوفية أن الدين قد أصبح في عرض الفقهاء جملة رسوم وأوضاع لا حياة ولا روحانية فيها. وهذه الرسوم وإن أرضت ظاهر الشرع وأشبعت عقول المشرعين المفتونة بتقعيد القواعد وتعميم القوانين... لم تكن لترضي باطن الشرع ولا تشبع العاطفة الدينية عند الصوفية. " ويؤيد هذا الرأي الدكتور يوسف فضل في مقدمته لكتاب "طبقات ود ضيف الله" إذ يقول في حديثه عن البيئة الفكرية الدينية في عهد "الفونج". نخطى إذا ظننا آن الصراع (بين الفقهاء أو علماء الظاهر، والمتصوفة أو علماء الباطن كان يعبر عن نشاط خلاق متميز أو فكر لماح. وكيف يتأتي ذلك ومملكة الفونج الإسلامية تستند إلى موروث فكري ضئيل، اضعفته العزلة، وغلبت عليه روح التدين الصوفية، فتضاءل عدد الأكفاء من العلماء، وافتقد صراعهم مع الأولياء الاصالة والعمق، وحتى ما وصلنا من أمثلة لتلك الخصومة ينحو إلى نصر الأولياء على العلماء".

وأكثر ما كان يمتز ذلك الشعور الديني الجماهيري السائد، اعتقاد الجمهور في الأولياء الصاحين، وقدرتهما على الإتيان بالمعجزات، وتحقيق الكرامات، بحكم ورعهم وزهدهم وتقواهم، مما يجعل دعواتهم وشفاعاتهم مقبولة. وقلما كان ود ضيف الله يترجم لولي دون أن يذكر: "وكانت لا ترد له شفاعة" أو "وأعطاه الله القبول التام". وكان طبيعيا في إطار الأمية المتفشية حينذاك، والشعور بعدم الاطمئنان، وفقدان الحماية، أن يرتمي المريدون من جمهرة العامة في أحضان الأولياء، وأن يعتقد الغالبية منهم أن مخالفة الولي قد تعود عليهم وعلى أطفالهم باللعنة والضرر، وأن الولي لما يتمتع به من بركة وسلطان روحي هو خير واسطة بين العبدوربه، وأن صاحب هذه البركة حيا كان أو ميئا قادر على أن ينقذ ويشفع لمن يتوسل إليه. ومما لا شك فيه أن البعض قد استغل هذا التعلق لنيل مكاسب مادية عن طريق الدجل والشعوذة، إلا أن جمهرة الأولياء وشيوخ الطرق، كانوا يمثلون في الغالب قوة روحية تبعث بعضم الاطمئنان والأمن في النفوص الخائفة المضطربة. كما كانوا مصدر خير للضعفاء والفقراء وملاذا لهم من غدر الحكام وظلم السلاطين وكوارث الطبيعة ومآسي الحياة. كما كانوا قوة كبرى في نشر تعاليم الدين الإسلامي في أجزاء كثيرة من آسيا وإفريقيا. ولا يحسب عليهم أن عددا كبيراً من أتباعهم ومريديهم كانوا ينسبون إليهم الكرامات، وخوارق العادات. والقدرات التي تفوق طاقات البشر كالإخبار عن الغيب، وتحقيق المعجزات التي كانت تمتلئ بها كتب المتصوفة.

ولقد كان السودان- ربما بسبب عزلته عن التيارات الثقافية والحركات الإصلاحية والسلفية- آكثر تآثراً بالجو الصوفي المتفشي في العالم الإسلامي. ولم تفلح دعوة الإمام المهدي في اجتثاث عقيدة الأولياء من نفوس السودانيين، أو القضاء على الطرق الصوفية، أولا لآنه برز من صفوفها واستعمل أداتها في الدعوة، ولآن القدر لم يمهله طويلاً لتثبيت دعوته في النفوس. وقد انخرط السودانيون بصورة تكاد تكون إجماعية في سلك الطرق الصوفية. وتشهد قباب الأوليا وأضرحتهم المنتشرة في شمال السودان وأواسطه، حتى يومنا هذا، بسيطرة الإيمان بالأولياء، وكراماتهم.

المؤثرات الصوفية في الأدب

ولقد كان طبيعيا في إطار التلاحم بين الأديب السوداني الأصيل وبيئته أن يكون التراث الديني الصوفي من أبرز المؤثرات وأكثرها حضوراً. ونجد هذا الأثر واضحا في أعمال كبار الكتاب والشعراء في السودان، يأتي على رأسهم الشعراء حمزة الملك طنبل في العشرينيات، والتيجاني يوسف بشير في الثلاثينيات ومحمد المهدي مجذوب ومحمد محمد علي في الأربعينيات والخمسينيات.

بيد أن الأثر الديني الصوفي يظهر بصورة أكثر وضوحا في أعمال الطيب صالح القصصية والروائية عنه في أعمال كل هؤلاء، وربما كان ذلك بحكم الإطار الفني، للرواية أو القصة، والذي يفسح المجال للتناول المباشر أكثر مما يتاح للشعر. والطيب صالح في تمثله لهذا الأثر الديني الصوفي في أعماله الفنية يمنحه قوة إيجابية إنسانية منتزعة من إيمانه الديني العميق، ويتجاوز به المشعوذين إلى التسامي بهذا التعلق الروحي ليكون منارة للخير ونصرة الضعيف وإحقاق الحق وإطلاق طاقة الحب التي هي عصب الحياة. فالذين يسلط الضوء عليهم مثل ود حامد والحنين ونصر الله وبلال هم الفقراء الزهاد المنقطعون إلى عبادة الله. وهم لا يدعون لأنفسهم قدسية تبيح لهم استغلال الناس وخداعهم، ولايطمعون في شيء من عرض الدنيا، وكل ما ينسب إليهم يحمل الخير، ويدعو إلى الخير، وينصر الضعيف، ويفك ضائقة المعسر. وقوتهم إنما تكمن في عمق إيمانهم بالله، وتجردهم من المطامع، لا في ادعاء قدرة ذاتية من دون الله.

ويبرز هذا الأثر الديني الصوفي عند الطيب صالح بصورة واضحة ومباشرة في قصصه القصيرة الأولى "نخلة على الجدول" و "حفنة تمر" و "دومة ود حامد" وهي العتبات القصار، التي ارتقى عليها الطيب صالح نحو أعماله الروائية الأخيرة. "عرس الزين" و "موسم الهجرة إلى الشمال" و "ضو البيت" و "مريود". ولابد أن نشير هنا إلى أن جميع أعمال الطيب صالح من قصص وخواطر وروايات وذكريات، تمثل كلا لا يتجزأ، إذ يتصل بعضها ببعض، ويكمل بعضها بعضا. وهي ظاهرة أدبية تميز الطيب صالح وتؤكد أصالته، وتجعل من المستحيل تناول أي عمل بمعزل عن أعماله الأخرى.

وفي "نخلة على الجدول" تتضح معالم الأثر الديني الصوفي في تعلق القرية بضريح الشيخ صالح ذلك الذي يمثل نقطة التقاء الناس في عيد الأضحى وما جلبته نخلة محمود من كرامات وبركة لصاحبها الذي غرسها بعد أن نبذها ابن عمه باعتبارها خالية من الأضراس لا تصلح، وتلا آيات من القرآن الكريم مثلما يفعل أبوه كلما غرس شتلة أو حصد نبتا. "ولم ينس أن يصب في الحفرة قليلا من ماء الإبريق الذي يتوضأ به أبوه تيمنا وبركة". وقد أسبغت عليه النخلة بركتها، فتزوج بعد غرسه النخلة بستة أشهر فقط، وهو الذي كان حتى غرسه لها منبوذا محتقزا من أهله، مجفوا من الحسان، متهما بالغباء والخيبة. وأنجب بعد عام، وتكون له قطيع كامل من نعجة واحدة، وصار ثريا، وأصبح يلقب بالظريف بعد أن كان يلقب بالغبي، وظلت النخلة تسبغ عليه بركتها حتى في أيام محنته. وفي النهاية كافأته على ولائه حين رفض بيعها وهو المحتاج لثمنها، ففكت كربته.

والقحط الذي عم القرية كان في اعتقاد أهلها تحقيقاً لنبوءة الشيخ ود دوليب الذي أنذر الناس بأن سيأتي عليهم يوم: "يصير فيه اللبن كثيراً تافها مثل الماء، وتصير كيلة الذرة بقرشين، ويصبح ثمن النعجة ريالين، لكن الناس كدأبهم أبدا سيضيقون بهذا الخير، فيأخذهم الله بذنوبهم".

وفي "دومة ود حامد"، وهي أكثر قصصه القصيرة ثراء بإيحاءات الصوفية، تتركز الكرامات في الفكي ود حامد، وتلعب الدومة المسماة باسمه دوراً، رئيسياً في حياة القرية وسكانها. وود حامد الذي يؤمن أهل القرية بكراماته، ويزورون ضريحه بنسائهم وأطفالهم كل أسبوع حيث يذبحون نذورهم، قد أحاطت بحياته - ككل الأولياء- أسرار ومعجزات، فقد كان وفق ما ترويه القرية عنه وليا من أولياء الله الصالحين. وكان مملوكا لرجل فاسق، فكان يتكتم إيمانه، ولا يجرؤ على الصلاة جهاراً حتى لا يفتك به سيده الفاسق. ولما، ضاق ذرعا بحياته مع ذلك الكافر، دعا الله أن ينقذه منه، فهتف به هاتف أن افرش مصلاتك على الماء فإذا وقفت بك على الشاطى فانزل. ووقفت المصلاة عند موضع الدومة.

وتتحقق الكرامات في هذه القصة عن طريق الأحلام والرؤيا الصادقة. وقد ظلت الأحلام منذ أقدم العصور تفسر- وبخاصة في المجتمعات البدائية- باعتبارها مؤشرات غيبية ذات دلالات روحانية أو سحرية. وقد اهتم العلماء والمفكرون المحدثون في الغرب اهتماما كبيراً بالأحلام. وقد شهد القرن التاسع عشر أبحاثا علمية عديدة غطى عليها جميعا سيجموند فرويد بكتابه "تأويل الأحلام" الذي صدر عام 1900 والذي يفسر فيه الأحلام باعتبارها انعكاسا للرغبات المكبوتة عند الإنسان، والمختزنة في عمق اللاوعي عنده. وفي القرآن الكريم تحمل الأحلام- إن كانت صادقة وليست أضغاث أحلام- تنبؤات مستقبلية لا يملك تأويلها إلا من أوتي علماً ربانياً وصلاحا. من ذلك رؤيا يوسف عليه السلام التي أدرك أبوه عليه السلام مغزاها في التو، وطلب إليه ألا يقصها على إخوته. وكذلك تأويل يوسف عليه السلاء لحلم صاحبي السجن. ورؤيا الملك التي فسرها يوسف عليه السلام. ومن ذلك أيضا رؤيا إبراهيم عليه السلام وهو يذبح ابنه، وتآويل ذلك أمرا إلهيا. وعبر هذا التحليل التنبؤي المستقبلي يلعب الحلم دوراً، رئيسئا في قصة الطيب صالح الطويلة (الرجل القبرصي)، ويختلط بالواقع اختلاطا يتلاشى فيه الخيط الذي يفصل بين اليقظة والمنام. في هذا الحلم يحوم الموت حول الابن في شكل رجل أعمال قبرصي بجانب المسبح، ومقعد من ضحايا الحرب داخل الفندق، وأخيراً في زي رسمي على حافة قبر الأب الذي افتدى الابن بموته.

الخلاص في الحلم

وفي "دومة ود حامد" تتراءى الدومة في الحلم كمنقذ حين يحيق البلاء ويزداد الكرب ويبدو اللاخلاص:

فهذا رجل يقص على جاره أنه رأى نفسه في أرض رملية واسعة، رملها أبيض كلجين الفضة، مشى فيها فكانت رجلاه تغوصان فيقتلعهما بصعوبة. ومشى حتى لحقه الظمأ وبلغ منه الجوع، والرمل لا ينتهي عند حد. ثم صعد تلا، فلما بلغ قمته رأى غابة كثة من الدوم في وسطها دومة طويلة. وانحدر الرجل من التل وبعدها وجد كأن الأرض تطوى له، فما هي إلا خطوة حتى وجد نفسه تحت دومة ود حامد. ووجد إناء فيه لبن رغوته معقودة عليه كأنه حلب لساعته. فشرب منه حتى ارتوى ولم ينقص منه شيء، فيقول له جاره: أبشر بالفرج بعد الشدة.

وهذه امرأة تحكي لصاحبتها: كأنني في مركب سائر في مضيق في البحر وكنت أرى نفسي على قمة موجة هوجاء تحملني حتى أكاد أمس السحاب، ثم تهوي بي في قاع سحيق مظلم، فخفت وأخذت أصرخ وكأن صوتي قد انحبس في حلقي. وفجأة وجدت مجرى الماء يتسع قليلا. ونظرت فإذاعلى الشاطئين شجرأسود خال من الورق، له شوك ذو روس كأنها رءوس الصقور. ورأيت الشاطئين ينسدان علي، وهذا الشجر كأنه يمشي نحوي، فتملكني الذعر، وصحت بأعلى صوتي: ياود حامد. ونظرت فإذا رجل صبوح الوجه له لحية بيضاء غزيرة قدغطت صدره. رداؤه أبيض ناصع، وفي يده مسبحة من الكهرمان. فوضع يده على جبهتي وقال: لا تخافي. فهدأ روعي ونظرت فإذا الشافى يتسع، والماء يسيل هادئا ونظرت إلى يميني فإذا حقول قمح ناضجة وسواق دائرة وبقر يرعى. ورأيت على الشاطى دومة ود حامد. وتقول لها صاحبتها: هذا ود حامد. تمرضين مرضا تشرفين منه على الموت لكنك تشفين منه. تلزمك الكرامة لود حامد تحت الدومة.

والحلم الثالث يتعلق بامرأة مريضة تورم حلقها فأقعدها طريحة الفراش شهرين. وذات ليلة تكاثرت عليها الحمى، فنهضت من فراشها سحرا، وتحاملت على نفسها حتى أتت دومة ود حامد. وتروي المرأة ما حدث فتقول: وقفت تحت الدومة وأنا لا أكاد أقوى على الوقوف. وناديت بأعلى صوتي:.. ياود حامد، جئتك مستجيرة وبك لائذة. سأرقد هنا عند ضريحك وتحت دومتك، فإما أمتني وإما أحييتني. ولن أبرح مكاني هذا إلا على إحدى الحالتين. وتستمر المرأة في قصتها فتقول: وتقلصت على نفسي وأنا أستشعر الخوف، وسرعان ما أخذتني نومة. وبينما أنا بين النائمة واليقظة، إذا أصوات ترتل القرآن، وإذا نور حاد كأنه شفرة السكين قد سطع حتى عقد بين الشاطئين، فرأيت الدومة وقد خرت ساجدة. وهلع قلبي ووجب وجيبا حتى ظننته سيخرج من فمي، ورأيت شيخا مهيبا أبيض اللحية ناصع الرداء يتقدم نحوي وعلى وجهه ابتسامة. وضربني بمسبحته على رأسي وانتهرني قائلا: قومي. وقسما أنني قمت وما أدري أنني قمت، وجئت إلى بيتي ولا أعلم كيف جئت. ووصلت عند الفجر فأيقظت زوجي وولدي وبناتي وقلت لبناتي: زغردن. فانكبت علينا البلد. وقسما ما خفت بعدها ولا مرضت بعدها. وهكذا ما من رجل أو امرأة أو طفل أو شيخ يحلم في ليلة إلا ويرى دومة ود حامد في موضع ما من حلمه. بل لا يقتصر الأمر على قرية ود حامد ففي كل بلد- كما يقول المؤلف- علم كدومة ود حامد يراه الناس في أحلامهم.

التقوى والغموض

وفي رواية (عرس الزين) يتمثل الأثر الصوفي الديني في شخصية الحنين وبصورة ما في شخصية الزين. الحنين يملك كل مقومات شخصية الولي الصالح: التقوى، والغموض الذي يحيط به، والحكايات والأقوال التي يتناقلها الناس عنه. تصفه الرواية بأنه كان رجلا صالحا منقطغا للعبادة. يقيم في البلد ستة أشهر في صلاة وصوم، ثم يحمل إبريقه ومصلاته ويضرب مصعدا في الصحراء. ويغيب ستة أشهر ثم يعود ولا يدري أحد أين ذهب. ولكن الناس يتناقلون قصصاً غريبة عنه: يحلف أحدهم أنه رآه في مروي في وقت معين، بينما يقسم آخر أنه شاهده في كرمه في ذلك الوقت نفسه. وبين البلدين مسيرة ستة أيام. ويحيط الغموض بحياته أيضا: لا أحد يدري ماذا يأكل وماذا يشرب. فهو لا يحمل زادا في أسفاره الطويلة.

ويسيطر الحنين سيطرة روحية كاملة على أحداث الرواية، إذ يظهر فجأة من حيث لا يعلم أحد في لحظة حرجة وخطيرة كاد فيها الزين الإنسان البسيط المهذار، أن يزهق روح سيف الدين، بعد أن فشلت محاولات ستة رجال أشداء في فك قبضته الجبارة. وبكلمة هادئة واحدة استطاع الحنين أن ينقذ سيف الدين من موت محقق ويحمي الزين من ارتكاب جريمة لم يكن يدرك مغبتها. ومنذ تلك اللحظة يتغير كل شيء في القرية: سيف الدين الفاسق الفاجر الذي عق والديه، وعجزت القرية عن إصلاحه، يتحول بعد أن رأى الموت بعينيه إلى إنسان صالح متدين. يصف هذه التجربة بقوله بأنه مات بالفعل، وفي اللحظة التي اشتدت فيها قبضة الزين على حلقه، يقول إنه غاب عن الدنيا البتة. ورأى تمساحا ضخما في حجم الثور الكبير فاتحا فمه. وانطبق فكا التمساح عليه، وجاءت موجة كبيرة كأنها الجبل فألقت بالتمساح في هوة سحيقة ليس لها قرار.

والزين، ذلك الأبله الساذج في نظر القرية، الذي تنبأ له الحنين في تلك اللحظة بأنه سيتزوج أجمل فتاة في البلد، يتزوج بالفعل الفتاة التي كان يتطلع إليها رجال يعدون في ميزان أهل الدنيا من وجهاء القرية، منهم الإمام والناظر.

والقرية التي دعا لها الحنين بالخير، يعمها الرخاء ذلك العام بصورة لا مثيل لها: ترتفع أسعار القطن ارتفاغا مذهلا، وتسمح الحكومة لأهل القرية بزراعته. وفي العام نفسه يقام معسكر للجيش في الصحراء على مقربة من القرية، يحصل على إمداداته من اللحوم والخضر والفواكه والخبز منها. وتقرر الحكومة في ذلك العام تفضيل قرية ود حامد على بقية قرى المنطقة، فتبني فيها مستشفى يتسع لخمسمائة مريض، ومدرسة ثانوية، ومعهدا زراعيا. وتسارع الحكومة إلى تنفيذ مشروع تعاوني ضخم، فتشرف البنايات العالية على القرية، وتدور مضخات المياه بقدره عشرات السواقي. وترتوي الأرض بعد الجفاف وتخضر وتمتد.

ويطلق كل ذلك خيال أهل القرية فيتحدثون في مجالسهم عن معجزات عام الحنين: يقول الثقاة منهم إن الإمام- كأنما كان يقرأ الغيب- قرأ في المسجد مساء ذلك الحادث الآية: "وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا". ويدعي بعضهم أنه شاهد شهابا منيراً في الأفق الغربي تجاه المقابر في تلك الليلة. ويتواتر في القرية أن الجليد قد سقط لأول مرة في ذاك العام، وأنجبت النساء اللاتي يئسن من الإنجاب، وعم الخصب الأرض والحيوانات. ويسبغ الحنين على الزين قوة روحية بصداقته له وشهادته له بالصلاح، فيشاع في القرية أن الزين ولي من أولياء الله الصالحين، وأنه نبي الله الخضر، أو لعله ملاك أنزله الله في هيكل آدمي زري ليذكر عباده أن القلب الكبير يخفق حتى في الصدر المجوف والسمت المضحك. ويقول آخرون إن الله يضع سره في أضعف خلقه.

وفي هذا الإطار الخرافي الذي يحيط بالزين تدعي أمه بأن الأطفال يبكون حين يولدون إلا هو، انفجر ضاحكا لحظة مولده. وتحكي للناس كيف أن جنا قد هجم عليه من داخل بيت مسكون، فحطم أسنانه كلها إلا واحدة في فكه الأعلى وأخرى في فكه الأسفل. وهكذا يتحول ضعف الزين وتشوهاته بفضل هذه الصلة الروحية إلى قوة تبهر القرية.

ومثل هذه العلاقة الصوفية التي نمت بين الزين والحنين في (عرس الزين)، تلك العلاقة الروحية المتينة بين الشيخ نصر الله ود حبيب وتلميذه بلال في رواية (مريود). يعلمه شيخه الأذان ويقول له: طوبى لمن شهد صلاة الفجر في المسجد على صوتك يا بلال. فوالله إن صوتك ليس من هذه الدنيا، ولكنه نزل من السماء.

جذور المعتقدات القديمة

في "مريود" ينتقل الطيب صالح من معتقدات جمهرة العامة في بساطتها التي تبرزها حكاياته الأولى (دومة ود حامد) و (عرس الزين) إلى محاولة التنقيب عن الأصول الأولى لهذه المعتقدات، راجعا في الطريق ذاته الذي سلكته الصوفية عبر القرون، حين انتقلت من ممارسات لقلة من الصفوة إلى نشاط ينتظم جمهور العامة. يريد بذلك أن يصل إلى أن الدعوة إلى الإصلاح الديني، كما الدعوة إلى التطور المادي، لا تكونان بمحاولة اجتثاث هذه المعتقدات قسراً. أو انتزاع الناس من أحلامهم وتراثهم، وإنما عن طريق فهم هذه المشاعر، والوصول إلى ينابيعها الروحية الأولى، ومن ثم تنقية ما شابها من الخرافة والدجل.

النقاء الديني ممكن. وكذلك التطور الحضاري ممكن، دون التضحية بالحلم الذي يمنح الحياة القيمة والمعنى. في (عرس الزين) فشل الإمام في استمالة الناس، واعتبروه مجرد رجل عاطل لا هم له غير تخويفهم وزجرهم وتذكيرهم بالموت، كما فشل الواعظ في "دومة ود حامد" في معايشة أهل القرية، مدركا في نهاية المطاف أن هؤلاء القوم لا حاجة لهم به أو بواعظ غيره. وفشل رجال الحكومة برغم التهديد والوعيد والترغيب في إزالة الدومة. فشلوا جميعا لأنهم عجزوا عن فهم هذه الحقيقة.

في (دومة ود حامد) يسأل الراوي ساكن القرية: متى تقيمون طلمبة الماء، والمشروع الزراعي، ومحطة الباخرة؟ ويجيب يروي: حين يتخرج ابن ابني من المدرسة، ويكثر بيننا الفتيان الغرباء الروح. ويسأله مرة أخرى: وهل تظن أن الدومة ستقطع يوما؟ فيجيب: لن تكون ثمة ضرورة لقطع الدومة. ليس ثمة داع لإزالة الضريح. الأمر الذي فات على هؤلاء الناس جميعا أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء: يتسع للدومة، والضريلح، ومكنة الماء، ومحطة الباخرة.

محمد إبراهيم الشوش مجلة العربي اغسطس 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016