مختارات من:

لأول مرة في التاريخ إحصاء شامل للأنواع على الأرض

أحمد خضر الشربيني

«كم كان حجم سفينة نوح عليه السلام»؟ ظل هذا السؤال يراودني دائما كلما قرأت دراسة جديدة حول حجم التنوع الحيوي على الأرض، أو عدد الأنواع الحية التي تعيش على كوكبنا. وآخر وأدق هذه الدراسات، والتي شارك في إنجازها فريق من علماء برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة، وجدت أن عدد هذه الكائنات المذهل يقدر بنحو ثمانية ملايين وسبعمائة ألف نوع (مع هامش خطأ قدره 1.3 مليون نوع أكثر أو أقل).

وقد وجد العلماء أن حوالي 6.5 مليون نوعِ تعيش على اليابسة، و2.2 مليون (حوالي 25 في االمائة مِنْ المجموعِ) تسكن في أعماقِ البحار والمحيطَات. وبينت الدراسة - التي شاركَ في إعدادها ديريك تيتنسور من مركز مراقبة الحمايةِ العالميِ في برنامجِ البيئةِ التابع للأُمم المتّحدةِ (Unep-wcmc) في كمبريدج بالمملكة المتحدة - أنّ 86 في المائة من كُلّ الأنواع التي تعيش على اليابسة و91 في المائة من تلك التي تعيش في أعماق البحارِ والمحيطات لَمْ تُكتَشفْ أو تصنف حتى الآن.

ورقم الـ 8.7 مليون نوع، الذي أعلنه علماء هيئة إحصاء الحياة البحرية Census Of Marine Life في الدراسة التي نشرت بدورية Plos Biology، استند إلى تقنية تحليلية مبتكرة ضيقت إلى حد بعيد نطاق التقديرات السابقة. وحتى الآن كانت التقديرات لعدد الأنواع التي تعيش على كوكبنا تتراوح بين ثلاثة ملايين ومائة مليون نوع, ويقول رئيس فريق العلماء البروفيسور كاميلو مورا، الأستاذ بجامعتي هاواي ودالهاوسي في هاليفاكس بكندا: «إن مسألة كم عدد الأنواع التي تعيش على الأرض قد فتنت العلماءَ لقرونِ. والجوابِ، الذي اقترنَ ببحوثَ آخرين حول توزيعِ الأنواع ووفرتها، مهمُ جداً الآن لأن مجموعة كبيرة من النشاطات والتأثيرات البشرية تعجّل بتسارع انقراض الأنواع. وربما ستختفي أنواع عديدة حتى قبل أن نعرف بوجودها، أو بكينونتها الفريدة وتأثيراتها على الأنظمة الإيكولوجية، وإسهامها المحتمل في تحسين الرفاه الإنساني».

وبينما يشير البروفيسور بوريس وورم، الأستاذ بجامعة دالهاوسي وأحد المساهمين في إعداد الدراسة، إلى أن: «هذا العملِ يَستنتجُ العددَ الأكثر أساسية لوَصْف محيطنا الحيوي الحيِّ، فإذا كنا لا نعَرفَ - حتى بمعايير الكم (1 مليون؟ أو 10 ملايين ؟ أو100 مليون؟ ) - تعداد الناسِ في كل دولة، فكَيْفَ نُخطّطُ للمستقبلِ»؟

ويضيف: «وينطبق الأمر نفسه على التنوع الحيوي. فالبشرية ألزمت نفسها بحماية الأنواع مِنْ الانقراضِ، لكننا حتى الآن لا نملك أدنى فكرة حقيقية عن العدد الفعلي للأنواع التي تعيش على كوكبنا».

ويُلاحظُ البروفيسور وورم أن القائمةَ الحمراءَ الأحدث التي أصدرها الاتحادِ الدوليِ لصون الطبيعةِ قد قامت بتقييم 59.508 أنواع، وصنفت 19.625 منها على أنها أنواع مهدّدَة بالانقراض. أي أن القائمةَ الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة، وهي الدراسة المتواصلة الأكثر تَطَوُّراً في مجالها، تُراقبُ أقل مِنْ 1 في المائة مِنْ الأنواعِ على كوكبنا.

وقد نشرت نتائج هذه الدراسة في دورية Plos Biology إلى جانب تعقيب مطول كتبه اللّوردِ د. روبرت ماي، الأستاذ بجامعة أوكسفورد والرئيس السابق للجمعية الملكية بالمملكة المتحدةَ، أشاد فيه بالمقاربة الجديدة والمبتكرة التي انتهجها الباحثون».

وكتب اللورد ماي: «إنها وصيّة رائعة لنرجسية البشرية. فنحن نَعْرفُ أن عددَ الكُتُبِ في مكتبة الكونغرسِ الأمريكي في الأول من فبراير 2011 كَانتْ 22.194.656 كتابا، لكننا لا نَستطيعُ أن ندرك- حتى على المستوى الكمي- عدد الأنواع المُتميّزة مِنْ النباتاتِ والحيواناتِ التي نَتشاركُ عالمنا معها».

وأضاف: «إننا ندرك على نحو متزايد أنّ مثل هذه المعرفةِ مهمةُ للفَهْم الكاملِ للعملياتِ الإيكولوجية والتطوّريةِ التي خَلقتْ، والتي تكافح من أجل الحفاظ على، الثروات البيولوجية المتنوّعة التي هي إرثنا. وهذا التنوع الحيوي أكثر من مجرد جمالِ وأعاجيب، فهو أهم من ذلك بكثير. وهو يُسندُ أيضا خدماتَ النظم الإيكولوجية، التي - بالرغم من أنها لا تحسب بالمعايير التقليدية للناتج المحلي الإجمالي - تعتمد عليها البشرية».

254 عامًا من التصنيف

في العام 1758، وضع العالم السويدي كارل لينيوس ونَشرَ النظامِ الذي لايزال معمولا به حتى الآن لتَسْمِية ووصف الكائنات والأنواع. وفي السَنَواتِ الـ254 اللاحقة، تم تصنيف حوالي 1.25 مليون نوعَ- مليون نوع تقريبا تعيش على اليابسة و250 ألف نوع تعيش في أعماق المحيطاتِ- وأدخلت إلى قواعدِ البيانات المركزيةِ (ويعتقد أن 700 ألف نوع أخرى قد تم تصنيفها لكنها لم تدخل بعد إلى قواعدَ البيانات المركزيةَ).

وحتى الآن، كان أفضل تقدير لإجمالي عدد الأنواع على الأرض يستند إلى تخميناتِ الأكاديميين وآراء الخبراءِ، الذين تباينت تقديراتهم وتراوحت ضمن مدى يبدأ من ثلاثة ملايين ويصل إلى 100 مليون نوع؟

وقد قام د. مورا ود. وورم، سوية مَع زملائهم ِ في جامعة دالهاوسي د. ديريك تيتنسور، ود. سينا آدل ود. آلاستير سيمبسون، بتنقية العدد التقديري للأنواع ليصل إلى 8.7 مليون من خلال تحديد النماذج الرقمية ضمن نظامِ التبويب التصنيفي (التي تُجمّعُ أشكالَ الحياةِ في تراتبية هرمية الشكل، تبدأ من أسفل إلى أعلى من نوع Species، ثم جنس Genus، ثم فصيلة Family، فرتبة Order، فطائفة Class، فشعبة Phylum، ثم مملكة Kingdom وفوق المملكة Domain).

ومن خلال تَحليل التَجميعات التصنيفية للـ 1.2 مليون نوعِ المعروفة اليوم في كتالوج الحياة Catalogue Of Life والسجلِّ العالميِ للأنواعِ البحريةِ World Register Of Marine Species ، اكتشفَ الباحثون عِلاقاتَ عدديةَ موثوقةَ بين المستويات التصنيفية الأعلى الأكثر اكتمالا ومستوى النوعَ.

ويَقُولُ البروفيسور آدل: «اكتشفنَا أنّه من خلال استعمال أعدادِ مِنْ المجموعاتِ التصنيفية الأعلى، فإنه يُمْكِنُنا أَنْ نَتوقّعَ عددَ الأنواعِ. وتنبأت هذه المقاربة بدقة بعدد الأنواع في عِدّة مجموعات مدروسة جيداً مثل الثديياتِ والأسماكِ والطيورِ، الأمر الذي زاد من ثقتنا في هذه الطريقةِ».

وعندما طبقت على ممالك الحياة الخمسه لحقيقيات النوى (حقيقيات النوى Eukaryote هي مجموعة من الكائنات الحية ذات بنية خلوية معقدة، تتميز بأن المادة الجينية فيها تكون محصورة ضمن نواة مغلفة بغشاء. وتضم حقيقيات النوى خمس ممالك حية) على الأرض، وجدت هذه المقاربة أن:

1- هناك 7.77 مليون مِنْ نوعِ الحيواناتِ (953,434 نوعا منها تم وصفها وتصنيفها).

2- هناك 298 ألف نوع من النباتاتِ (215.644 نوعا منها وُصِفَت وصنفت).

3- هناك 611 ألف نوع من الفطرياتِ Fungi (التي تتضمن أنواع العفن Moulds وعيش الغراب أو المشروم Mushrooms) (43.271 منها وُصِفَ وصنف).

4- هناك 36.400 نوع من الأواليات Protozoa (كائنات وحيدة الخليةِ حقيقية النوى تظهر خواصا تترافق عادة مع الحيوانات، أهمها الحركية والتمايز) (8,118 نوعا منها وُصِفَ وصنف).

5- هناك 27.500 نوع من الطلائعيات الصبغية Chromists (تَضْم، على سبيل المثال، أنواعا مثل الطحالب البنية Brown Algae، والدياتومات Diatoms، والعفن المائي Water Moulds) (13.033 نوعا منها وُصِفَ وصنف).

المجموع: 8.74 مليون نوع من حقيقيات النوى تعيش على الأرضِ.

وضمن إجمالي الـ 8.74 مليون نوع، هناك ما يقدر بنحو 2.2 مليون (زائد أَو ناقص 180 ألف نوع) نوع بحري من كُلّ الأنواع، منها 250 ألف نوع (11 في المائة) تم تصنيفها وتوصيفها. وعندما أنهى عمله رسميا في أكتوبر 2010، عرض مشروع إحصاء الحياة البحريةِ Census Of Marine Life تقديراته المتحفظة لعدد الأنواع التي تعيش في أعماق البحار والمحيطات والتي بلغت أكثر من مليون نوع.

ويقول العالم الأسترالي أيان بوينر رئيس لجنة التسيير العلمية في مشروع إحصاء الحياة البحرية: «مثل علماء الفلك، يستخدم علماء أدواتَ وأجهزة وتقنيات جديدة متطوّرةَ للنَظْر إلى الأماكنِ التي لم تصلها عين من قبل، وأثناء مشروع إحصاءِ الحياة البحرية الذي استمر 10 سَنَواتِ، كان بوسع المِئات من المستكشفين البحريينِ الاستمتاع بالتجربةُ الإنسانيةُ الفريدةُ وامتياز مُصَادَفَة وتَسْمِية حيواناتِ جديدِة على العِلْمِ. ومن الواضح أننا سنستمتع على الأرجح بعصر الاكتشافات لعدّة سَنَوات قادمة».

أما البروفيسور ديريك تيتنسور، وهو باحث مشارك في الدراسة ويعمل أيضا في برنامج مايكروسوفت للبحوث وفي المركز العالمي لمراقبة صون الطبيعة التابع لبرنامجِ الأُمم المتّحدةَ للبيئة، فيقول: «إن الجُهد الهائل الذي يبذل لإدخال كُلّ الأنواع المعروفة في قواعدِ بيانات التصنيفية مثل كتالوج الحياةِ والسجلِّ العالميِ للأنواعِ البحرية يجعل تحليلَنا ممكنا.. ومع نمو قواعدِ البيانات هذه وتحسّنُها، فإن طريقتنا يُمْكِنُ أَنْ تُنقّى وتحدثُ وتُجدّدَ لتَزويدنا بتقديرات أكثر دقة لعدد الأنواع على كوكبنا».

بينما يؤكد باحث مشارك آخر هو د.آلاستير سيمبسون أننا: «بَدأنَا للتو نكَتشف التنوع الهائل للحياةِ من حولنا، وأغنى البيئاتِ للتنقيب عن أنواعِ جديدِة يُعتقد أنها الحيود المرجانية، وقيعان البحار والسبخات الاستوائيةِ الرطبةِ. لكن أشكالَ الحياةِ الأصغرِ لا تقتصر شهرتها على مكان بعينه. فبعض الأنواعِ المجهولة تعِيشُ في الفناءات الخلفية لبيوتنا - بالمعنى الحرفي للكلمة».

ويقول البروفيسور جيسي أوسبل نائب رئيس مؤسسة ألفريد سلون والذي شارك في تأسيس مشروع إحصاء الحياة البحرية: «هناك نصف مليون من أنواع الفطر والعفن تنتظر اكتشافنا لها، وتقدم أنواع قريبة لها للبشرية الخبز والجبن. وبالنسبة لاكتشاف الأنواعِ، فإن القرن الحادي والعشرين قَدْ يَكُون قرن الفطريات».

ويذهب البروفيسور أوسبل إلى أن سر لغز وجود ذلك القدر من التنوع يكمن في مفهوم أن الطبيعةِ تَمْلأُ كُلّ فجوة، وأن الأنواع النادرة تنزعُ للاستفادة من تغير الظروف. وفي تحليلِه، يَقُولُ اللّوردَ ماي إن المنافع العملية للاكتشاف التصنيفي عديدة بالفعل، مستشهدا بتطويرِ فصائل جديدة من الأرز في سبعينياتِ القرن الماضي, استنادا إلى تهجين بين النوعِ التقليديِ للأرز ونوع آخر اكتَشَفِ في البريةِ. والنتيجة: 30 في المائة محصول حبوبِ أكثرِ، وأعقب ذلك جهود كبيرة لحِماية كُلّ التَنْويعات البرّية مِنْ الأرزِّ، «وهو أمر لم يكن ليحدث لو لم نكن نملك المعرفة التصنيفية الملائمة». وهو يقول: «بالنظر إلى المشاكلَ المرتقبةَ المرتبطة بسعينا لإطعام أعداد متزايدة من سكان كوكبنا، فإن المنافع المحتملة لتعزيز مثل هذه الاكتشافات تبدو واضحة».

واستنادا إلى التكاليف والمتطلباتِ الحاليةِ، تَفترض الدراسةَ أن توصيف وتصنيِفُ كُلّ الأنواع الباقية باستخدام المقاربات التقليدية سيتطلب بحدود 1,200 سنةِ مِنْ العملِ بأكثر مِنْ 300 ألف متخصص في علم التصنيف بتكلفة تقريبيةِ تقدر بنحو 364 بليون دولار أمريكي. ولحسن الحظ، فإن تقنيات جديدة، مثل التشفير الخيطي للحمض النووي Dna Barcode، يمكن أن تُخفّضُ بدرجة كبيرة من التكلفةَ والوقت اللذين سيحتاج إليهما التعرفِ على نوعِ جديدِ.

ويخلص البروفيسور مورا إلى أنه: «مع تسارع دقات ساعةِ انقراضِ العديد مِنْ الأنواعِ، أَعتقدُ أن الإسْراع إلى جردِ أنواعِ الأرضِ يَستحقُّ أولويةَ علميةَ واجتماعية وحضارية أكبر. ومن شأن الاهتمام المتجدد بالمزيد من عمليات الاستكشاف والتصنيف أَنْ يَسْمح لنا بالإجابة عن هذا السؤالِ الشديد الأساسية: ما الذي يعيش على الأرضِ»؟.

تصنيف لينيوس

أول من بدأ في تصنيف الكائنات إلى مراتب منظمة كان الفيلسوف اليوناني أرسطو (322 - 394 ق.م)، وتلميذه ثيوفراستس هو أول من قام بوضع نظام تصنيف للمخلوقات الحية. فقسم المخلوقات الحية إلى حيوانات ونباتات, ثم صنف الحيوانات تبعا لوجود الدم الأحمر، وفي مرحلة لاحقة صنفها تبعا لأشكالها. أما النباتات فقد صنفها حسب حجمها وتركيبها إلى أشجار وشجيرات وأعشاب.

وقد قام العالم السويدي كارلوس لينيوس (1707 - 1778) بتوسيع نظام تصنيف أرسطو، واستخدم نفس طريقة تصنيف أرسطو تبعا للفروق بين المخلوقات في الشكل والسلوك والبيئة، ومنذ تصنيف لينيوس اعتمد نظامه باعتباره أول نظام رسمي للتصنيف.

مبادئ لينيوس في التصنيف

التسمية الثنائية: هي طريقة لينيوس في تسمية المخلوقات وتسمى التسمية الثنائية. التسمية الثنائية تعطي كل نوع اسما علميا مكونا من جزأين هما: اسم الجنس، واسم النوع. وقد استخدمت اللغة اللاتينية كأساس للتسمية.
والتسمية الثنائية يكتب الحرف الأول من اسم الجنس حرفا كبيرا، بينما تكتب بقية الأحرف صغيرة.

مستويات التصنيف

النوع Species يعرف بأنه مجموعة من المخلوقات الحية المتشابهة فالشكل والتكيف، قادرة على التزاوج بينها وإنتاج جيل خصب في الظروف الطبيعية.
أما الجنس Genus فيعرف بأنه مجموعة من الأنواع أكثر ترابطا وتشابها وتشترك في أصل واحد.
الفصيلة Family وهي المرتبة الأعلى بعد الجنس وتتكون من أجناس متشابهة ومتقاربة فيما بينها.
الرتبة Order وهي تضم عائلات متقاربة.
الطائفة Class تضم رتبا ذات علاقة مع بعضها البعض.
الشعبة Phylum تضم طوائف متشابهة.
المملكة Kingdom وكانت تعد أوسع مراتب التصنيف، لكن مرتبة أخرى أضيفت وهي مرتبة فوق المملكة Domain.

أحمد خضر الشربيني مجلة العربي اغسطس 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016