مختارات من:

تجربة فريدة في الطب النفسي

محمد المخزنجي

مركز الرقعي لعلاج آثار التعذيب


مثلما دأب على اختراع حروب بلا معنى، واستنزاف الجسد العربي في الاتجاه الخاطئ دائما أضاف صدام حسين- عبر أفعال زبانيته- إلى الآلام العربية ألما جديدا، هو ألم ضحايا التعذيب الكويتيين.
وها هي ذي- في حقل الخدمات الصحية الكويتي- محاولة رائدة لعلاج هذا الألم. تعتبر الأولى من نوعها في الشرق الأوسط، ويشار إليها بالتقدير في مؤتمرات الطب النفسي العالمية.

كان الوقت مساء عندما وقفت في نافذة بالطابق العشرين أطل على مدينة الكويت لأول مرة. وكانت أضواء شارع الخليج العربي- الكورنيش- في تقوسه أمامي عند الصالحية، ثم صعوده والتفافه عند ميناء الشويخ، ترسم علامة استفهام كبيرة تحيط بمياه الخليج الذي تطل عليه المدينة. ولأن الشوارع في مدينة الكويت تنساب في أقواس مرتاحة، وتمضي في تواز محكم، فإن علامة الاستفهام المتكونة من أضواء شارع (الكورنيش) كانت تعقبها علامات استفهام أخرى بعدد الشوارع التالية.. فهد السالم.. الجهراء. فكأن المدينة السابحة في الأضواء تسطع بالأسئلة، توجهها إلى كل من ينظر إلى مشهدها الكبير وهو يدرك أنها كانت مسرحا لآخر وأفدح التراجيديات العربية: لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟

هيئ لي أن الكارثة التي فادتنا إليها ضلالات ديكتاتور مغامر، قد أحالتنا جميعا- كعرب- إلى علامة استفهام كبيرة في الزمان والمكان. فلم أحتمل الوقوف طويلاً أمام علامات الاستفهام، وانسحبت أرتب عبر الهاتف لخطوات استطلاعي الذي سأبدأه في الصباح.

في الطريق إلى المركز، محادثة مع الوزير

في صباح الكويت المنذر بالسخونة يحسن بالمرء أن يبدأ عمله مبكرا. وفي الطريق إلى مركز الرقعي لعلاج آثار التعذيب، كنت أرى الكويت لأول مرة في نور الصبح، بينما "إبراهيم" سائق التاكسي النحيف الأسمر ينطلق في شوارع فسيحة شبه خالية، شوارع استعادت عافيتها الهندسية سريعا كما استعادت عمارة المدينة عافيتها. لا شيء إلا آثار طفيفة تنبى عن الكارثة التي كانت: نوافذ بناية محروقة يوشكون على الانتهاء من ترميمها، أو سيارة معطوبة تكاد تغمرها الرمال ويأكلها الصدأ على جانب الطريق. وعندما حاذينا في طريقنا ميناء "الشويخ" عرفت أن الفندق العائم يجري ترميمه وأن المراكب الغارقة قد تم انتشالها. فهل يسهل ترميم النفس الإنسانية وانتشالها مما غرقت فيه من أسى ورعب؟ كنت أسائل نفسي بينما السائق الصومالي النحيف يدور بمهارة في مفازة الطرقات المرصوفة جيداً عند مديرية الكهرباء، وأشار إلى غايتنا التي نقترب منها: بناية منفردة من طابقين ومدخل خفيض، لها لون الآجر الطحيني وبأفاريز بيضاء وأمامها ساحة مرصوفة تتراص فيها السيارات...

"مركز الرقعي التخصصي"، ولم تحمل اللافتة أكثر من هذا، وفكرت وأنا أصعد على الدرج القليل إلى المدخل أن اللافتة صيغت بحساب سيكولوجي، بإدراك، أن جراح النفس أبعد إيلاما من جراح الجسد خاصة لدى الشرقيين الذين يخجلون أشد الخجل من المرض النفسي، واسترجعت وأنا أعبر باب المركز حديثي التليفوني مع الرجل السمح شديد التواضع، وزير الصحة الكويتي الدكتور عبد الوهاب الفوزان.

قلت للدكتور عبد الوهاب الفوزان ضمن ما قلت:

"أنت تعرف سيادة الوزير، كطبيب، مدى خجل الشرقيين عموما والعربي خصوصا من البوح بمرضه النفسي. فما بالنا عندما يكون هذا المرض مترتبا على تجربة عصيبة وجارحة كالتعذيب؟ ماذا تفعلون لحل هذا المأزق ". ورد الدكتور الوزير: "أنا أتفق معك في أن نظرة الإنسان عندنا سواء خليجي أو عربي عموما هي الخجل من المرض النفسي.. لكننا قمنا ونقوم بإبراز دور الطب النفسي كفرع مثل أي فرع من فروع الطب الأخرى. فأي إنسان يمكن أن يمر بضغوط قد تؤدي إلى أعراض نفسية يمكن أن تعالج مثل أي مرض تعالجه الجراحة أو الباطنة. وقد تم عمل حملات إعلامية لذلك وقام أساتذة من كلية الطب ومستشفى الطب النفسي بحملات لتوعية الناس والحمد لله بدأوا يستجيبون خاصة أن وجود الأسرى في غياهب السجون العراقية وما مر به الشعب الكويتي من تعذيب وإهانة إضافة إلى هتك الأعراض. كل هذا أدى إلى آلام نفسية ووجدنا أن مستشفى الطب النفسي لا يكفي فكان لا بد من وجود مركز الرقعي وهو الأول في الشرق الأوسط وتم تطعيمه بأساتذة من الدنمارك وبريطانيا وهناك اهتمام به على أعلى المستويات".

الفكرة والتكوين

الهدوء والهمس هما سمة المكان. كنت أريد البدء مع الدكتور عبد الرحمن العصفور مدير مستشفى الطب النفسي والمشرف على المركز، وقد قرأت عن دوره التأسيسي في مجلة Torture نشرة المركز الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب.

وفي الطريق إلى الطابق الثاني كنا نمر بالأبهاء الفسيحة التي تتناثر فيها كراسي "الفوتية" الوثيرة حيث ينتظر المراجعون أدوارهم، وحيث الوثارة أداة علاجية لتهدئة نفوس أرهقت. الجدران بلون رمادي فاتح، وهو مقصود أيضاً من وجهة النظر النفسية، ونباتات الظل تتوزع بغزارة على الأركان. كل شيء يهمس حتى خطوات الممرضات المسرعات في أحذية خفيفة، بينما يتحرك كالظلال هنا وهناك مرضى ينطوون على عميق الآلام، ولا شيء يصخب إلا المراجعون من الأطفال الذين تحسنت حالاتهم. وكنت قد أوصيت الزميل المصور ألا نكون معا حتى نأخذ إذنا بالتصوير من الأطباء ومن المرضى المستبصرين أو ذويهم. لقد أخطأت مجلة أمريكية خطأ فاحشا عندما صورت مرضى نفسيين غير مستبصرين في المصحات "السوفييتية"، وكان الموضوع نصرا صحفيا وجريمة أخلاقية قررنا ألاّ نرتكبها.

كان طبيعيا أن أبدأ حواري مع الدكتور عبدالرحمن العصفور عن الفكرة، قال الدكتور عبد الرحمن: "بدأت الفكرة منذ أيام الاحتلال، وقبل التحرير، بالأخبار التي كانت تجيء سواء للحكومة في الطائف أو في خارج الكويت. عما يحدث داخل الكويت كالاعتقالات والاعتداء على الأشخاص والتعذيب. وتكون اقتناع بأن هناك ضغوطا نفسية وقعت على المجتمع ككل ويجب التصدي لها. وبالتالي جاءت فكرة إنشاء مركز متخصص للتعامل مع هذه الحالات. طبعا لم يكن هناك المتخصصون العاملون في هذا المجال من أطباء نفسيين وأخصائيين نفسيين لأن الكويت والحمد لله لم يكن بها تعذيب سياسي أو ما شابه. وبعد التحرير كان لا بد لاستحداث مثل هذا المركز من الاستعانة بخبرات يكون لديها تعامل سابق مع مثل هذه الحالات. وبالتالي تم التراسل مع عدة جهات عالمية. وفي شهر يونيو قمت بزيارة لإنجلترا والدنمارك وبعد دراسة وتمحيص كانت الجهة الرئيسية التي تم التعاون معها هي ال IRCT المركز الدولي لتأهيل ضحايا التعذيب وال RCT المركز الفرعي بالدنمارك".

عالمية الفكرة، وأولى الخبرات

دق جرس النداء الآلي على مكتب الدكتور عبدالرحمن العصفور، ثمة أمر كان يتطلب وجوده في المركز فانصرف لحظات ليؤديه. وفي تلك اللحظات رحت أراجع تاريخ إنشاء هذا النوع من المراكز المتخصصة..

بعد تكاثر الأخبار الواردة عن التعذيب في سنوات الستينيات، ورصد حالات التعذيب في نفوس وأجساد اللاجئين السياسيين إلى أوربا، تكون داخل منظمة العفو الدولية اتجاه لمتابعة موضوع التعذيب. وفي ديسمبر 1973 عقد مؤتمر منظمة العفو الدولية المكرس لمكافحة التعذيب. وكان من بين توصياته: "على الأطباء ومن يرتبط بمهنة الطب رفض استخدام علمهم أو خبرتهم بأي طريقة كانت لدعم التعذيب".

ومن داخل منظمة العفو الدولية تكونت أول مجموعة طبية لمكافحة التعذيب في الدنمارك سنة 1974، كان الفريق الأول يتكون من 9 أطباء من تخصصات مختلفة، وكانت مهمتهم جمع المعلومات ممن تعرضوا للتعذيب بهدف فضح أشكاله وعواقبه. وكان هناك عدم تصديق- حتى بين الأطباء- لبشاعة التعذيب لهذا قننت طريقة للفحص وجمع المعلومات.

الحصول على الحقيقة ونبذ المبالغة

نشأ في هذا الإطار ما يسمى بعقاقير قول الحقيقة truth - drug، وكانت تجرى للمفحوصين تحليلات للبول والدم واللعاب لعمل تحليلات مختلفة. وتم توفير أدوات تصوير لتوثيق المعطيات العيانية خاصة إصابات الجلد. إضافة للفحوص النفسية والجسمية. وفي المقابلات امتنع الباحثون عن توجيه أسئلة مرشدة مثل: "هل جرى تعذيبك بالكهرباء؟" وكانت توجه أسئلة من مثل: "ثم ماذا؟" و "ماذا حدث بعد ذلك؟". وعند ذكر طرق التعذيب كانت أدق التفصيلات تسجل ويطلب من الضحية تمثيل ما حدث في جلسات التعذيب. وكان هناك دائما طبيبان أحدهما يوجه الأسئلة والآخر يلاحظ ويسجل ملاحظاته ويسمح له أحيانا بتوجيه أسئلة إضافية. أما المترجم فهو من نوع خاص interpreter يترجم المعاني وكان يفضل لو أن هذا المترجم طبيب. وكان الفحص يستغرق من 4- 8 ساعات.

وكان الأشخاص المفحوصون يتقدمون للفحص اختياريا، ودون أي مقابل، مع كفالة سرية المقابلات لمن يطلب ذلك من المتطوعين. وكانت بلدانهم كالتالي: (1) شيلي (بينوشيت) (2) اليونان (النظام العسكري) (3) شمال أيرلندا (4) إسبانيا (فرانكو) (5) الأرجنتين (النظام العسكري) (6) لاجئون عراقيون.

ومن المعلومات التي تم جمعها تم تقسيم التعذيب إلى شقين أولهما جسدي والثاني نفسي. ومن أنواع التعذيب الجسدي: الضرب- على البطن والكليتين والأعضاء التناسلية وضرب الرأس والضرب على باطن القدمين (الفلقة)، Falanga وطرق الرأس على الأرض أو في جدار والتعليق من اليدين أو الرجلين والوقوف الطويل في البرد أو الحر وإبقاء الجسم طويلاً في أوضاع شاذة (الجلوس على الركبتين ساعات طويلة) والعنف الجنسي اغتصابا أو باستخدام أدوات. هذا إضافة إلى طرق مبتكرة مثل التليفون (وفيه يضرب الضحية على أذنيه بالكفين حتى تثقب طبلة الأذن) وتعذيب الأصابع (بعصرها بين أقلام حديدية) والخنق الرطب (تغريقا في الماء) والخنق الجاف (بوضع الرأس في أكياس نايلون) [ولم تذكر بالطبع طرق التعذيب حتى الموت لأن الضحايا لم يعودوا في عالمنا ولم يخضعوا للدراسة،. أما التعذيب النفسي فمن طرائقه التي رصدتها الدراسة: التهديد (باعتقال أو اغتصاب للشخص نفسه أو آخرين)، والإخزاء (بافتعال الرعب والسخرية منه) والحرمان (من النوم أو من الطعام)، والتلطيخ بالفضلات، والتعريض للحيوانات المسعورة (وضع عقارب على الأعضاء التناسلية)، ثم.. التعذيب بمشاهدة آخرين يتعذبون.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أهداف وطموح

عاد الدكتور عبد الرحمن العصفور وعدنا إليه نسأل عن أهداف وطموح المركز الذي استوحى التجربة العالمية في هذا الشأن، وأجابنا: "أهداف المركز هي: (1) معالجة الأشخاص المتأثرين نفسيا من الغزو سواء كانوا موجودين في الكويت خلال فترة الاحتلال أو الذين كانوا خارج الكويت أو الذين خرجوا لأن رحلتهم تمت تحت ضغوط نفسية شديدة، (2) تدريب الكوادر الوطنية على تقديم مثل هذه النوعية من الخدمات النفسية التي لم يكن لنا خبرة بها (3) عمل فحوصات واستكشاف Scaning للمجتمع الكويتي وبعض قطاعاته لدراسة الآثار النفسية التي نتجت عن الغزو. وهناك اهتمام خاص بالأطفال لأنهم عماد المستقبل والتأثير عليهم ممكن أن يلازمهم في المستقبل (4) التثقيف الصحي للمجتمع من خلال وسائل الإعلام لبيان كيفية التعامل مع المرضى سواء في العمل أو البيت".

وعن نوعية من يتلقون العلاج بالمركز قال الدكتور العصفور: "المركز مفتوح لأى شخص تأثر بالأزمة كويتي أو غير كويتي لا بد أن يستقبل ويعطى العلاج اللازم ونحن لدينا دراسة تبين أن 11% ممن ينالون خدمات المركز غير كويتيين".

أما عن الطموح فقد قال مدير مستشفى الطب النفسي والمشرف عن المركز: "هناك اتجاه للتعاون مع منظمة اليونسيف لإنشاء 4 برامج خاصة بالأطفال من ناحية الفحص الميداني داخل المدارس، وكذلك لتثقيف المجتمع من خلال وسائل الإعلام، وتدريب 500 أخصائي نفسى واجتماعي داخل وزارة التربية. ونحن خلال سنتين سنستقبل الحالات المتأثرة بالاحتلال، وبعد السنتين سيظل المركز متخصصا في علاج توتر ما بعد الصدمة (PTSD).

أطباء ومرضى تعرضوا للتعذيب

الدكتور بدر ناصر بورسلي أخصائي ومدير المركز، أحالني إليه الدكتور عبد الرحمن العصفور لأكمل دورتي، واكتشفت عبر الحوار أن الدكتور- بدر نفسه تعرض لتجربة الاعتقال في السجون الصدامية، حكى عن رعب الترحيل في القوافل المعرضة للنيران، وبؤس السجون الكالحة، والحرمان، والمرض، والرعب. لكنه كإنسان طيب ومتواضع آثر أن يتجاوز تفاصيل تجربته ليعرفني بنظام عمل المركز..

قال الدكتور بدر: المركز يعالج ليس فقط ضحايا التعذيب ولكن أيضا ضحايا الحرب. ويعمل المركز بطريقة الفريق الطبي، فلا يكون القرار فرديا. فأولاً يأتي المريض ويتم فحصه لدى الطبيب النفسي فيحدد إن كان هذا الشخص مصابا بمرض له علاقة بآثار التعذيب أو الآثار النفسية للحرب أم لا، وبعد ذلك يحوله إلى الأخصائي النفسي والأخصائي الاجتماعي لاستكمال البيانات ووضع خطة العلاج. كذلك يعرض المريض على الأخصائي الباطني أو الطبيب العام على أساس إذا كان هناك تعذيب جسدي أو أمراض جسدية أخرى تتم مراجعتها. بعد ذلك يجتمع المتخصصون يوميا بعد الساعة 30،12 لمناقشة حالات المتأثرين بالأزمة والاتفاق على كيفية معالجتها دوائيا أو نفسيا أو بالطريقتين معا".

السرية مطلقة، وحق المريض محفوظ

أخذني الدكتور بلاز في جولة بالمركز حيث امتد حوارنا مع الأخصائي الاجتماعي عادل عباس الذي قدم عرضا للحالات التي يتم التدخل اجتماعيا فيها. وكانت أبرز المشاكل التي عرضها لفتا للنظر هي المأساة المزدوجة، البشعة، لمن تعرضن للاغتصاب، فالواحدة منهن عادة تعاني- معاناة هائلة- مرتين، مرة في واقعة اغتصابها، ثم مرة ثانية عندما يطلقها زوجها لأنه يجد نفسه في حالة المهان نفسيا، كرجل شرقي. وعرفت من عادل عباس أنه تم بحمد الله النجاح في وقف كثير من حالات الانهيار في أسر ضحايا الاغتصاب.

حاولنا الاقتراب من بعض المرضى، ولم تكن مفاجأة لي- كطبيب نفسي- أن أجد صداً، وممانعة، وعزوفا عن الحديث، وهذا طبيعي مع ضحايا ترك التعذيب في نفوسهم ارتياباً يحتاج إلى الكثير من الوقت لخلق ألفة. وكان الوقت ضنينا وفي هذا اليوم لم يتكلم معنا إلا مواطن كويتي وزوجته وكانا يحضران لعلاج خادمتهما السيريلانكية التي تعرضت للاغتصاب من مجموعة جنود في جيش صدام. وتولاني العجب- بعد مناظرة المرأة الضحية- من أن يكون هذا الحطام الإنساني هدفا لذئب بشري، أي ذئب، فالمرأة في نحو الخمسين، سمراء صفراء قائمة ونحيلة، بؤس حي وزادتها الصدمة بؤسا على بؤس. حاولت مناوشتها بالأسئلة لكنها كانت زائغة النظرات متحوصلة على نفسها وتضم ساقيها العظميتين كلما حاولت محادثتها. ولجأت إلى أخذ الحالة من تاريخها المرضي وتشخيصها بالرجوع إلى "الصورة الأولى" للمرض. لقد أدت بها الصدمة إلى نوع من الفصام الحاد، من النوع التخشبي Catationic Schezoph renia حيث لا بد كانت مثل تمثال شمعي لا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم تطويه ينطوي وتقعده يقعد وتقيمه يقوم ولو شكلته في وضع معين وتركته في مكان بعينه يظل على الصورة التي تركته عليها وفي المكان الذي تركته فيه. وانطلاقا من هذه "الصورة الأولى" للمرض كان واضحا لي مدى الجهد الذي بذل معها من قبل المعالجين في المركز ومن الأسرة الكويتية التي تحدث عليها. وكانت هذه العينة موجعة فالتقطت- بعد أن أذن لي- عينة أخرى من مملكة الرحمة من عمر الطفولة.

سمحت لي الأم بمحادثة "..." التي كانت تحتضن عروستها بحنان أمومي مبكر، كانت الصغيرة ذات العينين الذكيتين الأليفتين تتحدث بطلاقة قبل الغزو. ومع الحصار داخل البيوت وجو الخوف ثم رعب الحرب: صوت الطائرات والانفجارات والحرائق، بدأت تبكي رعبا وتدهمها الكوابيس وتحولت لغتها الطليقة إلى لعثمات.. الآن عادت كلماتها العذبة. وهذه عينة بسيطة وصغيرة من ألم كبير ومعقد جثم بكل ثقله على نفوس الطفولة.

ودعنا "..." وودعتنا هي وعروستها، وفي نهاية جولة اليوم الأول توقف بنا الدكتور بدر عند قسم الكمبيوتر، والكمبيوتر يؤدي في المركز مهمة نوعية مختلفة جدا عن المعتاد في المستشفيات، فهو إضافة لحفظ المعلومات وتصنيفها عن المرضى وأمراضهم، يضمن السرية المطلقة للمترددين للعلاج، فعدا الطبيب المعالج لا يستطيع أحد الوصول إلى اسم المريض لأنه يأتي ويأخذ رقما يتعامل به ولا يمكن أن يعرف علاقة الرقم بالاسم إلا المريض نفسه.

حادٌ، ومحدّد

"الدكتور عبدالله الحمادي أخصائي طب الأعصاب بمستشفى ابن سينا وطبيب عام بمركز الرقعي" هكذا عزف نفسه بتحديد وإيجاز، لكنني أضيف إلى ذلك أنه صاحب أكثر الكتب إيلاما عن التعذيب.

سألته عن حقيقة الرعب الذي لمسته فيما عرضه في كتابه الموثق بالصور عن حالات الحرق بالأحماض الكاوية فقال: "حالات الحرق بالأحماض التي ذكرتها هي مجرد تمثيل وليست إحصاء.

وحالات التعذيب تحتاج لمجلد كامل".

ومع تقدم الحديث بيننا اكتشفت أن الرجل هو كتابه، وأن حدته البادية على السطح ما هي إلا مظهر لعقلية علمية دقيقة، وأنه لم يكن مجرد مؤلف لكتاب بقدر ما كان شاهدا ومعايشا، لهذا صار الحديث معه مراجعة لما جاء في كتابه.

"... منذ البداية قام فريق من الأطباء الكويتيين ممن بقوا في الكويت بتسجيل جرائم التعذيب، في مستشفى ابن سينا على سبيل المثال، وأخذت صور لاطلاع العالم عليها" مع ملاحظة أن مجرد حمل آلة تصوير في هذه الأيام كان ممكنا أن يؤدي إلى الإعدام".

يتساءل الدكتور عبد الله الحمادي في ألم وحدة: "لماذا كان كل هذا التعذيب؟ أليس الكويتيون عربا؟ أليسوا مسلمين؟ أليسوا جيرانا؟ أو حتى مجرد كائنات بشرية؟.. إن الجلادين برهنوا على عدم إنسانيتهم".

التعذيب في دراسة

في دراسة على 108 من الضحايا الذين استقبلتهم مستشفيات الكويت في الفترة من 2 أغسطس حتى 26 فبراير 1991، أمكن التعرف على بعض هؤلاء الضحايا بينما لم يمكن التعرف على آخرين لأن التشويه كان شديدا بوجوههم وأجسادهم. وفي هذه العينة يمكن قراءة ملامح الجلاد النفسية وفنون همجيته: 19 تعرضوا للتعذيب الخفيف: خلع الأظافر والضرب. و 89 تعرضوا للتعذيب الشديد (الذي تزايد بعد مضي شهرين من الاحتلال). وكانت الآثار المرصودة كالتالي: 75 كدمات وتورم في أجزاء مختلفة من الجسد. و 13 جروح عميقة بمدى وسكاكين. و 5 ثقوب عميقة بمثقاب كهربائي عند المفاصل. و 40 حرق بأعقاب السجائر. و 6 كي بالأحماض. و 9 فقء للعيون. و 1 خلع آذان. و 17 تحطيم عظام الأطراف والأنف. و 8 قطع أجزاء من الجسد (اللسان، عضو الذكورة، الأيادي، الأنوف).

وكانت أسباب التعرض للتعذيب أحيانا بلا معنى، فقد رفض مدير مجمع "الأرديا" الاستهلاكي السيد مبارك النوت أن يضع صورة لصدام حسين في صدر المجمع، كان ذلك في الصباح والمكان ممتلئ بالناس، فما كان من الجلادين إلا أنهم أخذوا الرجل وربطوه بشجرة أمام المحل وأمروا الناس بالخروج من المجمع. وعلى مرأى من الجميع قام ضابط صدامي بتفريغ عدة رصاصات في رأس وجسد السيد مبارك النوت.

شهادات أطباء على التعذيب

لقد تدنت الأسباب وتهافتت مما يؤكد أن التعذيب كان فلسفة للقهر. ولقد جرى تطبيق هذه الفلسفة الشائهة في أجساد ونفوس البشر. وتحولت النوادي الرياضية مثل نادي الكاظمية، وحدائق مثل حديقة المشتل، وقصور مثل قصر الشيخ مبارك الناصر إلى سلخانات. وكانت السلخانات تلقي بذبائحها هنا وهناك كنوع من الردع النفسي للناس. ومن بين الناس كان الأطباء شهودا، وتلك بعض شهاداتهم:

الدكتور عبدالله الحمادي: "لقد رأيت 70 من ضحايا التعذيب 68 منهم كانوا كويتيين وأعمارهم بين 18 و 32 ولقد ميزت عدة طرق للتعذيب منها تكسير العظام وفقء العيون وقطع الألسنة".

الدكتورة سكينة عباس إخصائية نساء وتوليد من مستشفى رعاية الأم: "لقد عاينت بنفسي خمس حالات اغتصاب. ثلاث في المستشفى واثنتان في منزليهما. امرأة منهن عمرها 55 سنة ولديها بنت. وفي حملات المداهمة العشوائية للبيوت وجد الغزاة المرأة وابنتها وعندما هموا باغتصاب الابنة وصرخت الأم، اغتصبوا الأم وابنتها. وعندما أدخلت المرأة وابنتها إلى المستشفى، كان المستشفى كله يبكي تأثراً بحالة الضحيتين. وفي حالة أخرى اغتصبت امرأة عمرها 50 سنة أمام ابنها".

الدكتور محمود المطوع رئيس قسم بمستشفى رعاية الأم وكان مديرا للمستشفى: "في أغسطس 1990 كانت هناك بضع حالات اغتصاب تم تسجيلها. ثم من أكتوبر وحتى التحرير كانت الحالات تزداد. لقد كان هناك أربعة مستشفيات خاصة إضافة إلى ثلاثة مستشفيات حكومية تستقبل إصابات أمراض النساء. في مستشفانا سجلت 65 حالة اغتصاب منهن 37 كن حوامل. والعدد النهائي غير معلوم لأن هذا موضوع شديد الحساسية. وكنا نرصد مضاعفات عمليات الاغتصاب من الحمى بعد الإجهاض والنزيف والانهيار النفسي. وكان متوسط أعمار من تم اغتصابهن يتراوح بين 15-55 سنة ".

من كوبنهاجن إلى الرقعي

سبق أن التقيت بالسيد آلان ستير والسيدة ماياستير M & A.Staiher الخبيرين النفسيين الدنماركيين في علاج آثار التعذيب، كان ذلك في مؤتمر دولي للطب النفسي عقد في القاهرة، وتحاورت معهما. وعلى أرض الكويت جاء اللقاء في مركز الرقعي. وكان طبيعيا أن يكون السؤال البديهي عن الاختلاف بين سابق الخبرة وبين حاضرها. سألت الدكتور آلان المفعم بالحيوية والذي يعطي انطباعا بأنه مصارع طيب، فأجاب: "الاختلاف الذي لاحظته هنا يتعلق بما هو بعد التعذيب. فالتعذيب الذي تم هنا على يد أجهزة صدام حسين كلاسيكي في معظمه، عرفناه في العالم على مدى سنوات خبرتنا وكان يقوم بمثله تقريبا ديكتاتوريو أمريكا اللاتينية. لكن هؤلاء كانوا يحاولون إخفاء آثار تعذيب الضحايا أو دفنهم. لكن ما فعله صدام حسين هنا هو العكس، أي الرغبة في إظهار آثار التعذيب. فهو يقطع ويحرق الأجسام ويعرض ما فعله بالناس على بقية الناس لإرهابهم".

أما السيدة مايا ستير، والتي تتحدث الإنجليزية خالية من اللكنة الألمانية التي تشوب لغة زوجها: "بالنسبة لي كان العمل مع ضحايا الاغتصاب مختلفا فهن يشعرن برعب أكبر مقارنة مع ضحايا من أمريكا اللاتينية مثلاً. وهن يعبرن بصعوبة شديدة عن مأساتهن. وعلاجهن أصعب".

ومن التعذيب إلى آثاره انتقل بنا الحديث مع الخبيرين الدنماركيين وكانت الأسئلة تتوالى. ولم تكن الإجابات تأتي بصوت منفرد، كان هناك أكثر من صوت يصنع الإجابة ونحن في مركز الرقعي: الخبيران الدنماركيان وفريق العاملين الكويتيين في المركز، والمكتبة المتخصصة داخل المركز سواء كانت كتبا أو شرائط فيديو أو شرائط تسجيل.. وتكونت الإجابات.

التعذيب.. آثار قريبة وآثار بعيدة

رغم قدم التعذيب فإن خبرة معالجته طبيا (بما يعني تشخيص أعراضه في البداية) تعتبر حديثة جدا، لا تزيد على اثنتي عشرة سنة على المستوى العالمي، وأقل من سنة في مركز الرقعي. لهذا يكاد يكون برنامج التشخيص والعلاج المحلي- في الكويت- هو نفسه البرنامج العالمي.

وفي تشخيص آثار التعذيب، قسمت الأعراض إلى أعراض في أثناء التعذيب، وأعراض بعده، وأعراض بعد مضي فترة طويلة. وقسمت كل من هذه الأعراض إلى شق نفسي وشق بدني.

وفي معظم الحالات يمكن أن تكون الأعراض متلازمة Syndrome تتشابك في مرض واحد. فالضرب على الرأس يمكن أن يؤدي إلى متلازمة ما بعد ارتجاج المخ Post Concussion والضرب على الأذنين (وضع التليفون) يؤدي إلى تمزق غشائي طبلة الأذن كما في الانفجارات. والضرب المبرح يمكن أن يؤدي إلى احمرار البول نتيجة لتحطم كرات الدم الحمراء كما في حالة تحلل الدم نتيجة الضرب على القدمين Foot strike, haemolysis وربط المعصمين بالحبال أو القيود المحكمة يدمر نهايات الأعصاب كما في حالة hand cuff neuropathy والتعذيب بالكهرباء يؤدي إلى حروق متكلسة للنسيج الضام. أما متلازمة الأعراض النفسية فتشمل: (1) اضطراب النوم ومعاناة الكوابيس (2) التوتر وتغير المزاج في اتجاه الاكتئاب والعكس (3) نقص القدرة على التركيز (4) الصداع (5) تدهور الذاكرة. وعادة يصاب الضحية بثلاثة من بين هذه الأعراض معا.

العلاج متعدد الأنظمة

لعلاج ضحايا تحطمت أجسادهم وتهشمت نفوسهم لا بد من علاج نفسي وجسدي معا، اجتماعي أيضا، وممتد ليشمل أسرة الضحية أهلا وأطفالاً.

وبعد قبول العلاج يبدأ تطبيق برنامج قياسي بمقابلة المعالج النفسي للفحص وإجراء الاختبارات النفسية، ثم يجرى فحص جسدي يركز على تقييم الجهاز العصبي، ويعمل بحث للدعم الاجتماعي، وفحص عند أخصائي العظام والروماتيزم، وعرض على طبيب الأسنان، وأخيراً يتم التقييم لدى ممرضة عالية التدريب.

وإذا كان العلاج ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: نفسي Psychotherapy، وطبيعي physiotherapy واجتماعي Sociotherapy، فإن الجزء الرائد في العلاج هو العلاج النفسي. ويكون جلستين أسبوعيا وينتظم في مراحل:

1 - المرحلة الافتتاحية Opening phase وفيها تبنى جسور الثقة بين الضحية والمعالج حتى يتكلم عن آلامه (ويلاحظ أن النساء يجدن صعوبة أكثر في الحديث عن مصابهن).

2 - المرحلة الإدراكية Cognitive phase وفيها يشرح الضحية بالتفصيل أشكال تعذيبه. ومن أهم الأشياء في هذه المرحلة الكشف عن آلية ما يسمى بالخيار المستحيل impossible choice حيث يعمد الجلادون إلى تهديد الضحية بأنهم سيفعلون كذا وكذا بأطفاله أو زوجته إن هو لم يخبرهم بمعلومات معينة. ودور المعالج النفسي هنا هو أن يشرح للضحية أنه لم يختر أبدا فلم يكن أمامه أي خيار، وأنه تحت التعذيب لا يوجد اختيار للضحية. وهذا الشعور بالذنب من أهم معوقات العلاج لهذا يجب إزاحته في هذه المرحلة.

3 - المرحلة الوجدانية Emotional phase مع تقدم حديث الضحية عن التعذيب يفرغ شحنة عواطفه المرتبطة بالمعاناة، وهي مرحلة عصيبة يمكن عبورها بجعل المريض يتكلم عن كوابيسه أو بإطلاع الضحية على أشكال التعذيب مرسومة. عندئذ يبدأ الضحية في التذكر ببطء ثم يتدفق وقد يمثل الأوضاع التي تم فيها التعذيب فيخرج عواطفه السلبية المرتبطة بذلك. ومع إخراج هذه الشحنة قد تختفي الكوابيس وآلام المفاصل والوهن العصبي لأن الضحايا يتحررون من الماضي الذي عاشوا التعذيب خلاله.

4 - مرحلة إعادة التكامل Re-integration phase بعد إفراغ شحنة الإحباط، والخروج من قفص ذكريات التعذيب، يبدأ الإنسان في معايشة الحاضر الجديد وينظر إلى يومه ومستقبله، وفي هذه المرحلة يكون في حاجة إلى دعم يحول دون تقهقره ثانية إلى الماضي.

علاج أهل وأطفال الضحية

من أهم شروط تكامل العلاج هو معالجة أهل الضحية. فزوجة الضحية حتى وإن لم تعذب أو تغتصب أو تهدد، يكون اعتقال زوجها وتعذيبه خبرة صادمة للنفس traumatic experience تترك آثارا نفسية لا بد أن تعالج. وكذلك الأطفال الذين يوضعون مع اعتقال الأب، أو حتى عند زيارته في المعتقل، في حالة من التوتر والانتظار الماحق لليقين والذي يترك أيضا عواقب نفسية يحسن علاجها مبكرا.

كيف يصنعون جلادا؟!

في اليوم الأخير بالمركز، كان السؤال الذي يشغلني هو: ما هي الأصول المرضية للجلاد؟ psychophology of torturer كيف يمكن أن يكون هناك إنسان قاس إلى هذا الحد؟ حد تقطيع لحم إنسان آخر، أو تحريقه، أو سحق روحه؟. أشار الدكتور عبدالله الحمادي إلى احتمال وجود الشخصية السيكوباتية، وقال السيد آلان ستير إن الجلادين ليسوا بالضرورة سيكوباتيين في الأساس، وذكر أن إعداد الجلاد في اليونان القديمة، وفي ظل النظام العسكري، على سبيل المثال كان يتضمن آلية واحدة: اختيار المجندين صغار السن والأكثر بدائية، أي الأفتى والأجهل، وسحقهم بإطاعة أوامر تحط من قدرهم في البداية، وبعد السحق يجرى ترفيعهم بسرعة. وأعطاني السيد آلان ستير فيلما عن الأطباء الذين شاركوا بخبرتهم الطبية في التعذيب في أمريكا اللاتينية. شاهدت الفيلم على جهاز فيديو منفردا بإحدى غرف المركز وكنت أدون ملاحظات على اعترافات هؤلاء الأطباء الذين حوكموا وأدينوا بتهمة التواطؤ في التعذيب. وكانت الملاحظات كلها تعزز الرأي القائل بأن الجلاد Torturer ليس بالضرورة شخصية مريضة في أساسها بل هو إنسان عادي يتم إغراقه في وحل أن يكون جلادا بطاعة أوامر فاسدة، وعجز عن الاعتراض منذ البداية وعندما يجد نفسه قد غاص كثيرا في هذا الوحل يتوحش وينتحل الأسباب ويغدو أكثر عنفا مع ضحاياه. ثم، في النهاية، وبعد أن يغادر الواحد منهم تلك السلخانات، وتزول هالة السلطة والتسلط، يصير بائسا وهشا كحشرة تختبئ في الشقوق وتكفي لمسة من قدم، ولو عارية، لتسحقها.

أطفأت جهاز الفيديو، وغادرت الغرفة المنفردة في مركز الرقعي. وودعت زملائي الأطباء العاملين في المركز. وعلى الطرق الفسيحة المرصوفة جيدا كانت السيارة تطير عائدة بي إلى قلب مدينة الكويت. وكانت خواطري تحلق في عالم خال من حزن الضحايا وبؤس الجلادين.

محمد المخزنجي مجلة العربي اغسطس 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016