مختارات من:

قصص على الهواء

يوسف المحيميد

قصص لأصوات شابة تنشر بالتعاون مع إذاعة بي. بي. سي العربية
لماذا اخترت هذه القصص?
-------------------------------------------


بين مجموعة القصص التي تم تحكيمها لفتت انتباهي هذه القصص الخمس التي يجمعها حس إنساني ولغة جيدة وتماسك في البناء وفي الإمساك بالسرد، وقدرة على التكثيف، وصحيح أن هناك لونًا من التباين بين هذه العناصر في القصص المختارة، إضافة إلى الشخصية الخاصة لكل من الكتاب الخمسة، لكن تظل الجدة والجودة سمتين أساسيتين فيها جميعًا، وهذه هي القصص التي اخترتها:

1 - «غسالة أدهم»: بسام المسلم - الكويت

قصة مثيرة ومتماسكة، تزاوج الواقعي والغرائبي معًا، من خلال الرائحة النتنة التي يمكن شمّها من ملابس السارد، أو بطل القصة «أدهم»، فرغم أن ملابسه ناصعة البياض ومغسولة بطريقة ممتازة، إلا أن الرائحة جعلت سبع نساء موظفات، وموظفًا شابًا، يقدمون استقالتهم هروبًا من الرائحة، والسبب هو الرائحة، والتي حتمًا لم تكن رائحة حقيقية، بل هي رائحة أدهم الآدمية، بكل أخطائه ونفاقه وحقده الدفين، بل الرائحة أيضًا تحمل رائحة سجائر مديره وقهوته التركية، وليس أبلغ وصفًا لغرائبية النص أكثر من جملة: «ألبس القميص ناصع البياض، بينما رائحته كجورب لُبس مائة مرة دون أن يغسل» أعتقد أن هذا النص متميز ولافت.

2 - «موعد مع فينوس»: هديل خلوف - سورية

قصة جميلة وإنسانية بدرجة كبيرة، فيها رصد يومي دقيق من خلال بصر بطل القصة شادي، الذي يجلس في مكتبه خلف الزجاج، ويتأمل صباح المارة، والذاهبين إلى مدارسهم وأعمالهم، حتى يتورط هذا الشاب بفتاة أسماها فينوس، وجعل كل يوم ينظر إليها، فتلتفت نحوه لوهلة قصيرة، ثم يبتسم ويلوّح لها. في القصة مزاوجة ذكية، بين ساقه المكسورة وقصيدته التي لم تنتهِ، والتي يكتبها لأجل فتاته، لكن القصة تكشف هشاشة الحياة وخداعها، كما الزجاج العاكس، هل كانت الفتاة مخادعة، أم الزجاج نفسه، أم الوهم الذي ذهب فيه بطل القصة؟ ولعل أبرز ما تقوله لنا هذه القصة المتميزة، أن الحياة تبدو لنا خادعة، كخديعة زجاج عاكس ننتظر فيه أنفسنا، بينما يظننا الآخرون خلفه نحدّق فيهم.

3 - «رسالة إلى وزير»: أحمد خيري - سورية

هذه القصة ذكية، تكشف عن المأزق الإنساني، وتناقش أزمة التفكير وحرية التعبير والكتابة في العالم العربي، بل أزمة الإنسان عمومًا في وحدته وصمته. هذه القصة تقول كل شيء، إلا أنها تتخذ المواربة غطاءً فنيًا للقول الواضح الصريح، كأنما القهوة هنا، ورغوتها وفنجانها هم الأصدقاء الذين يستيقظون معه، ويودعونه عند النوم. فالرسالة التي أراد إيصالها إلى الوزير لم تصل، لكنها وصلت بذكاء إلى القارئ، وهو المنشود في النص.

4 - «البقعة الملعونة»: أحمد عبدالقادر - المغرب

قصة جيدة، متماسكة البناء، ذات لغة فنية جيدة، استثمرت صيغة ضمير المخاطب، الذي كان موفقًا إلى حد كبير، كذلك كان الكاتب موفقًا في التقاط التفاصيل الصغيرة أثناء الاستعداد ليوم العيد، كالعلاقة الحميمة والسرّية بين الطفل وملابس العيد، وهذا الحديث الدافئ بين الطفل وأشياء العيد وملابسه، وكيف نامت جميعها بجواره، وكأنها أجمل الأصدقاء، حتى ظهرت في صباح العيد، تلك البقعة الملعونة من فيتامين البرتقال التي صبغت منطقة الورك والحوض من سروال العيد الجديد، تلك اللحظة المحزنة كيف قتلت الفرحة الإنسانية المنتظرة؟!

5 - «ظهيرة»: محاسن عبدالقادر - عراقية مقيمة بالقاهرة

تصور هذه القصة الجميلة حالة إنسانية لرجل عجوز، هي ظهيرة تبدأ بتجاهل الابنة الكبرى له، وتنتهي بأن يلصق المذياع في أذنه، هي الوحدة إذن التي يعاني منها الإنسان العاشق، الذي فقد حياته، وعاش لأجل الآخرين الذين تجاهلوه في آخر العمر. قصة تعني أن النظر إلى حياتنا السابقة ومراجعتها، يجعلانا نشعر بأننا فقدنا أجمل اللحظات، وأننا لم نعش أبدًا. القصة استخدمت الحوار بشكل جيد، حيث تم توظيفه من أجل كشف المزيد من الشحنات النفسية التي تحاصر بطل القصة.


----------------------------

غسالة أدهم
بسام المسلم - الكويت



كثيرة هي الأشياء التي أكرهها في دنياي ومنها اسمي.

لا أدري لماذا لم أحبِبه يومًا. هل لأنه يذكّرني بأدوار الشر التي مثلّها الراحل "عادل أدهم"؟ نحن لا نختار أسماءنا على كل حال بقدر ما تقوم هي باختيارنا. من الأشياء التي أكرهها أيضًا تلك الغسالة الجاثمة في غرفة نومي. أذكر جيدًا يوم وصولها إلى شقتي. في صباح ذلك اليوم كنت في مكتبي أنتظر مقابلة موظف جديد فُرض عليّ من الإدارة العليا. ولو كان الأمر بيدي لاكتفيت بموظفاتي السبع أو زدت عليهنّ أخريات.

لم تخنّي التوقعات حين دخل عليّ شابّ غضّ فرحٌ بشهادةٍ بيمينه لم يجفّ حبرها. جلس قُبالتي تشع عيناه حماسًا، سلّمني شهادته، كانت من جامعة ستانفورد بِمعدّل جيّد جدًّا. وصراحة استكثرت أن يكون الأبله أمامي قد نال ذاك المعدّل بعرقه، إذ لا بدّ أنه كان يرشو أساتذته. بل أجزم أنه اشترى شهادته بمال أبيه، فالمال هناك كما هو هنا، دائمًا سيّد الموقف.

ما كان لي أن أترك حماسته تمرّ مرور الكرام. وجّهتُ إليه أسئلةً دقيقة لا يجيبها إلاّ من زاول المهنة ليعلم أنّ الأفضل له أن يبلّ درجته العلمية ويشرب ماءها قبل أن يتباهى عليّ بها. وبقدر ما كرهتُ نفسي لوأد الحماسة في روحه كنتُ مستمتعًا برؤية موتها في عينيه.

في اليوم ذاته الذي وصلتْ فيه الغسالة وبعدما فرغتُ من مقابلته أسرفتُ في مشاهدة شيءٍ من الأفلام الماجنة المحفوظة بأقراصٍ أقفل عليها درج المكتب. أقتل يومي الطويل بين مطالعتها وبين ساعاتٍ أقضيها بالحديث الفارغ مع مديري الذي أتملّقه في مكتبه. أرغم نفسي على القهقهة لتوافه حديثه، ثم أعود إلى مكتبي وأنا أشتمه على نكاته السخيفة.

وإذا أردتُ التخفيف عن نفسي ما عانيتُ من تملّقي إلى مديري طلبتُ إحدى موظفاتي السبع. أمرتها أن تغلق الباب وراءها، لأبدأ معها حديثًا أتفه من حديث مديري. ورغم علمي بتصنّعها لغنج ضحكتها، كنت أبتهج بتملّقها إليّ.

***

حين عدتُ من العمل عصرًا كانت الشاحنة المحمّلة بغسالتي بانتظاري. حملها الرجال بشق الأنفس إلى شقتي بالدور الثالث. كانت أولى مشكلاتي معها هي حجمها الكبير الذي فاق المساحة التي يشغلها باب الحمام.

«يمكنك وضعها هنا يا سيدي ثم تمد خرطومًا إلى فوهة الصرف الصحي بالحمام!»

اقترح أحدهم وهو يشير إلى مساحة شاغرة قرب مدخل الحمام. كان معنى اقتراحه أن تبقى الغسالة في غرفة نومي. ورغم غباوة رأيه لم أجد حلاًّ غيره. وبالفعل استقر قراري أن تبقى في غرفة النوم. كنتُ أحرص على تشغيلها صباحًا قبل توجهي للعمل كي لا يزعجني ضجيجها. بعد أيام لاحظت شيئًا غريبا. كنت أخرج الملابس منها نظيفة، لكن ما إن تجفّ حتى أشمّ منها رائحة عرقي مختلطة بروائح سجائر مديري وبخار قهوته التركية. جرّبت غسلها ثانيةً بزيادة كمية الصابون من دون جدوى، جاءني الفنيّ وفحصها مؤكدًا أن لا خلل فيها. مع الأيام تفاقمت رائحة ثيابي لتراكم روائح العرق عليها. ألبس القميص ناصع البياض بينما رائحته كجورب لُبس مائة مرة دون أن يغسل. في العمل لاحظتُ مديري على غير العادة يصرفني سريعًا من مكتبه. الموظف الجديد لم يعد يدخل عليّ إلا متلثّمًا بغطاء رأسه الأبيض، حتى موظفاتي صرن يستعجلن الخروج مني حين أدعو إحداهنّ إلى المكتب.

***

من عادتي أن أترك باب مكتبي مشرعًا إذا أردت الشجار عبر الهاتف، فأنا حريصٌ على أن يستمع موظفاتي وموظفي الجديد إلى مواهبي في اللعن والصراخ بصوت عالٍ ليهابوني، لذلك كنت أتصل «بوكلاء» الغسالة بشكل شبه يومي من المكتب. تشاجرت معهم ألف مرة لرفضهم معاودة إرسال الفني إليّ.

بعد أشهرٍ قليلة من شراء غسالتي المشئومة وقع ما لم يخطر ببالي. وصلت إلى العمل باكرًا قبل الجميع. لم أنم ليلتي بسبب الروائح المنبعثة من خزانة ملابسي. ذقني خشنٌ وربطة عنقي يتدلّى طرفاها على صدري. بذلتي غير مكويّة تفوح منها رائحة عرق متخمّر. في مكتبي وجدت سبع استقالات غير مُسبّبة من موظفاتي. حين جلست فوجئت بموظفي منتصبًا أمامي واللثام عليه، رمى هو الآخر استقالته بوجهي، خلاف زميلاته كان سبب استقالتهن مكتوبًا بخطٍّ عريض:

«رائحتك يا سيدي .. رائحتك لا تطاق .. الأجدر بك أن تشتري غسالةً أخرى»، رفعتُ رأسي، كان ممسكًا بمقبض الباب وعيناه تنظران إليّ بازدراء من فوق اللثام. أيقنتُ أنّ وراء ازدرائه لي إعجابًا دفينًا بقوة شخصيتي. انتظرتُ منه كلمة. لكنه بصمتٍ فتح الباب، وصفقه وراءه بِدويٍّ اهتزّ له المكتب والجدران.


----------------------------

موعد مع فينوس
هديل خلوف - سورية


لطالما سخروا من شادي.. شادي العاطفي الرقيق كالفتيات في نظرهم.. لذلك ترون شادي وحيداً في أغلب الأحيان , عندما يصادق المرء نفسه يصبح بمنأى عن سخرية الآخرين وهمساتهم .. هو اليوم وبعد فشله الذريع في العمل في بلاد الخليج يعمل في مكتب الشحن العائد لخاله .. عمل مريح جداً ومناسب خصوصاً إذا علمنا أنَّ له طاولة أنيقة في صدر المكتب وأنَّ عليه فقط أن يقوم بتوجيه العمال والقيام ببعض الحسابات والجدولة على جهاز الحاسوب أمامه..

يستقيظ باكراً جداً كي يوصله أخوه الطبيب بسيارته قبل ذهابه إلى المشفى , ساقه مكسورة من بعد قصة قشرة الموز إياها لذا فهو لا يستطيع ركوب المواصلات العامة..

لك يا ابني و الله قعود وارتاح لبين ما تطيب .. خالك ما بدو شي منك بهالظروف .. تكرر أمه هذه الأسطوانة كل صباح حتى اعتادها كفنجان القهوة و صوت فيروز..

هو لا يريد الانفراد بنفسه.. ألم تفهموا هذا بعد؟ .. مالذي استفاده من وحدته في الغربة سوى المزيد من العقد النفسية التي أضيفت إلى أطنان العقد السابقة ؟ إن صاحبي النفسيات الهشة لهم في تعاسة حقيقية .. فهم لا يستطيعون الاندماج بالآخرين ولا يستطيعون التأقلم مع ذواتهم !

هذا الصباح كما كل الصباحات الماضية .. الجلوس وراء المكتب دونما حراك وتمضية الوقت وراء شاشة العالم ( كما يسمي الحاسوب ) ريثما يأتي العمال في التاسعة .. فنجان القهوة الثاني والشرود والرسومات اللاإرادية على الورق الأبيض أمامه .. بما أنَّ طاولته كانت مواجهة لزجاج المكتب , أتاح له ذلك مراقبة الناس وهم يذهبون إلى أعمالهم .. هوذا الطفل الصغير ذو القبعة المضحكة ينتظر وأبيه باص الروضة .. يأتي في السابعة والثلث عادةً , وهاتان هما البنتان التوأمتان ذوات الجدائل بمريولة المدرسة الزرقاء تمسك كل منهما يد الأخرى .. من المؤكد أن أمهما قد أوصتهما بعدم إفلات بعضهما و إلا سيأكلهما العو ! هههههه هكذا فكر .. عندما تقترب الساعة من الثامنة يصبح المشهد أكثر إثارة .. يصبح الرصيف أكثر ازدحاماً والناس أكثر سرعة .. يرى عندها الرجل الخمسيني الذي يشكل خصره محيط دائرة .. كل ما فيه يشي بأنه موظف حكومي .. موظف حكومي مرتشي .. نعم .. فعيناه الماكرتان تفضحانه , الآن يركض كعادته إلى موقف الباص والدائرة تترجرج .. يا إلهي .. أيُّ معمل ينتج هذه النسخ كلها في هذا البلد ؟ أكاد أقسم أنّي أرى هذا الرجل 500 مرة يومياً !

هناك أناسٌ لهم مواعيد محددة كل يوم وأناسٌ لا .. مثلاً تلك الفتاة الرقيقة والواضح أنها جامعية تظهر كل يوم في موعد مختلف .. هي رقيقة كزهرة لا يعرف لمَ تذكره بفينوس , فينوس ترتدي كنزة صوفية وبنطال عصري .. تقطع كل يوم الشارع باتجاه رصيف المكتب وهنا يشيح ببصره دائماً لأنه لا يحب أن تراه ينظر إليها .. ثم يرفع رأسه بعد هنيهة ليراها قد اختفت .. اليوم قرر أن بتصرف بشجاعة ويتأملها عن قرب عله يستطيع رسم ملامحها فيما بعد .. تقترب و تقترب ..

ربّاااه .. كيف استطاعت الرقة أن تمشي على قدمين ؟ رفقاً بها أيها العالم القاسي ..

وهنا لم يصدق عينيه ! لقد توقفت لأجزاء من الثانية ونظرت باتجاهه عبر الزجاج .. أجزاء من الثانية كانت كافية لكي يلاحظها وكي يتزلزل عالمه الداخلي .. هذه الفتاة تنظر إليه !

أصبح لشادي مبررٌ آخر كي يستيقظ باكراً .. إنه على موعد مع فينوس !.. يجلس وراء الطاولة ويدير الراديو على أغنية رقيقة لفيروز ويتأمل .. كل يوم تقف لأجزاء من الثانية وتنظر تجاهه .. البارحة لوح إليها بيده فلاح شبح ابتسامة خجولة على وجنتيها وأكملت طريقها .. هو يحب الفتيات الخجولات اللواتي أصبحن نادرات في هذه الأيام.. لقد حفظ مواعيدها بدقة وصار يعدُّ الأيام كي تشفى ساقه ليعبر الحاجز الزجاجي ويهديها القصيدة التي يجهد في تأليفها في أوقات الملل

هل انشقت السماء و هُدت الجبال ؟

هل طوّت البحار و تلاشى كل المال ؟

هل انتحر القمر ؟ هل ازرّق الشجر ؟

إذن لماذا أنتِ هنا ؟ يا .. فينوس ..

*****

هل تغير وجهي ؟ هل نسيت اسمي ؟

هل توفي حظي ؟ هل فقدت عقلي ؟

هل بكى السحر ؟ هل فني السمر ؟

إذن لماذا أحببتني أنا ؟ يا .. فينوس ..

لقد صار في حياة شادي معجزة ! .. لقد اهتمت به فتاة وأخيراً ! .. هو الذي كان يعتقد بأن الفتيات يفضلن النظر إلى صرصور مقتول على النظر إليه .. لا يعرف سبب عزوف الفتيات عن الحديث معه ..

هل هو أنفه الطويل ؟ أم عيناه المنهكتان ؟ أم شحوبه المرضي الناتج عن متلازمة وراثية في الكليتين لاذنب له فيها .. ليس ذلك يا أحمق .. بل لأنك جباااان قالها له أحد أصدقائه القساة .. وعرف فيما بعد أن السبب كذلك ..

إذن لن يبقى جباناً للأبد .. هاهي ذي ساقه تتحسن وقصيدته قد بدأت تكتمل .. سينتظرها على باب المكتب و يصارحها بكل شيء , لقد تعب من التلويحات والابتسامات ..

اليوم هو الموعد .. ! ضبط ساعته جيداً ووضع الجل على شعره مع أنه يمقته وحاول جاهداً إبعاد تلك النظرة المتعبة من عينيه .. يقف الآن أمام باب المكتب .. رأى الطفل الصغير يصعد إلى باص الروضة ويلوح لأبيه .. التوأمتين اللواتي بدين أكثر قبحاً عن قرب .. الموظف المرتشي يهرول فتترجرج كرشه إذن سوف تظهر فينوس الآن ..كعادتها .. خجولة .. جميلة .. تنسدل خصلة من الشعر على وجهها فتبعدها إلى ما وراء أذنها .. تنظر باتجاهه نظرة عابرة دون أن تتوقف هذه المرة .. عطرة كزهرة .. رقيقة كما يمكن للرقة أن تكون ..

يا آنسة .. تلتفت إلى الوراء و تتوقف وبعينيها ألف سؤال .. يقترب منها ويقول : لقد ألّفت لك قصيدة !

عفواً ؟ ..

ارتبك قليلاً وقال : معك حق .. لقد تغيرتُ عليكِ بهذه الأناقة المبالغ فيها .. أنا ذلك الشاب وراء الطاولة الذي يبتسم لك كل يوم وتبتسمين له.. الحق أنك أجمل مما كنت أراك من وراء الزجاج ..

ردت بعد لحظة صمت وذهول : إنت واحد وقح و قليل أدب !

أزاحت الخصلة من على وجهها بعصبية واستدرات لتمشي حثيثة الخطى دون أن تنظر إليه ..

صعقته المفاجأة و ألجمته الدهشة واستدار هو الآخر عائداً إلى المحل ليرى انعكاسه الكامل على زجاج المحل .. انعكاسه هو باصفراره وأنفه الطويل وعينيه المتعبتين الحزينتين !.. إن زجاج المكتب من النوع العاكس فكيف كانت تراك أيها الأحمق ؟ .. لقد كان يراها هو لكنها لم تكن ترى سوى نفسها .. هي أجزاء من الثانية كانت كافية لفينوس لكي تعيد تصفيف شعرها والاطمئنان لجمالها .. لم يكن يدري أن فينوس نرجسية إلى هذا الحد!


----------------------------
رسالة إلى وزير
أحمد خيري - سورية


عندما استيقظ صباحاً كان البيت كله نائماً ، حتى الجدران كانت تغط في نوم عميق .. جهز ركوة القهوة وجلس يرتشف وحدته ، انتظر أن يستيقظ البيت ولكنه كان في سبات شتوي.

بعد أن أفرغ ركوة القهوة كلها ارتدى لباسه وخرج من البيت .. هذا البيت الذي طالما حلم فيه .. زوجة متفهمة وأطفال يلعبون وينطون .. ولكن دائماً تجري الرياح..

كانت الشوارع فارغة والهدوء يلف كل الأشياء . مشى طويلاً تحت حرارة صيف لاهبة.. في المقهى الذي يرتاده ، كان الفراغ هائلاً .. فرواده لم يستيقظوا بعد .. أخرج كتاباً من الحقيبة ووضع رأسه بين دفتيه .. أخذه الكتاب بعيداً عن صمت البيت والزوجة التي لا تستيقظ حتى الواحدة، والمقهى والشارع وعن مآسي موظفي مؤسسة الزواج، بعد حين طال أو قصر لا يدري حط على طاولته كحمامة سلام الدكتور وانيس وبأدبه ولباقته اعتذر من تطفله عليه وناوله بطاقة دعوى لعرض مسرحي .. وأكد على حضوره لأن وزير الثقافة هو من سيفتتح العرض ..

وتشكلت صورة الوزير الذي يعرفه قبل أن يصير وزيراً .. كان سفيراً في بلد بعيد جداً .. وقبل ذلك كان مسرحياً مرموقاً , اتصل به مصادفة وهو يسأل عن كتاب له سيصدر في الدار التي يعمل فيها، وكانت المفاجأة تكاد أن تعقد لسانه .. هل معقول أن هذا الشخص هو ذاته الذي يتحدث معه؟ وعندما أخذهما الحديث على الهاتف .. أعطاه عنوانه وبريده.. وأرسل له مجموعته المطبوعة .. وكانت المفاجأة الكبيرة الأخرى عندما اتصل به السفير من ذلك البلد البعيد جداً يشكره على المجموعة ويبدي إعجابه بها ..

وبهدوء تام وكما حط كحمامة أنسحب الدكتور وانيس كعصفور معتذراً مقاطعته إياه..

وشرد به الخيال بعيداً ... وهو يفكر بالوزير والسفير السابق .. ماذا سيقول له؟. أكيد سيحكي له عن الواقعة التي عاشها قبل فترة ليست بالطويلة، وأكيد بأن الوزير سوف يستمع إليه وسيصغي ويهتم بها بشكل جدي وسيسأله: متى حدث ذلك..؟ وسيسرد له القصة من يوم تم استدعائه إلى الفرع ليوم تسلمه هويته الشخصية التي حجزوها عندهم طيلة تلك الفترة.. وسيمتعض الوزير كثيراً لما حصل له، خاصة أن من كتب التقرير هو مسؤول كبير في وزارته التي يديرها، ورغم أنه شرح له أجواء القصة وحيثياتها وكيف كانت عبارة عن مزحة أراد أن يستثمرها في قصة ساخرة ... ولكنه لم يصدق نفسه أن يذهب هذا المسؤول الجديد الذي لا يعرفه ولم يسمع به من قبل قط !! إلى فروع الأمن ويدخله في متاهات يعرفها القاصي والداني من أبناء هذا الوطن.. ولكنه ذهب في النهاية وفعلها ويبدو بأن علاقاته كانت جديدة جداً مع هؤلاء أصحاب الفروع. المهم سيقول له أنه لم يخرج من تلك الورطة إلا بعد تدخل أحد الأشخاص الذي دفع مبلغاً ليس بالقليل مقابل الإفراج عنه .. ولكن على أن لا يأتي بهذه الأفعال مرة أخرى.. وطلب منه المحقق أيضاً قبل أن يعتقه أن يكف عن الكتابة بالمرة .. ليريح نفسه وغيره .. نعم سوف يسرد له للوزير هذه الوقائع التي حدثت معه وليس مع أحد آخر وفي هذه المدينة وليس في مدينة أخرى .. وهو لن يدخل بالتفاصيل بل سيتجاوز أشياء كثيرة تعرض لها.. فهو لن يذكر له: كيف وضعوه في غرفة فيها أكثر من أربعين شخصاً .. مكدسين فوق بعضهم البعض .. وكيف عامله المحقق الأول والثاني .. وتركوه بين المجرمين وأصحاب السوابق .. هو لن يأتي على ذكر هذه الأشياء وأشياء أخرى كثيرة .. وأكيد سوف يصغي الوزير بكل جوارحه لهذه القصة الواقعة التي جرت في وزارته ومن أحد مسؤوليه بالتحديد .. نعم سوف يتفهم حالته وأكيد سوف يصدر قراراً بتنحية هذا المسؤول وتقديمه للقضاء على تصرفه هذا .. وسيدعوه لتقديم اعتذار خطي وشفوي له ، كيف لمسؤول كبير أن يبعث بكاتب إلى فروع الأمن من أجل قصة لا تتجاوز الصفحتين فقط ؟؟.. ولكنه لن يتقبل منه هذا الاعتذار .. لأن ما شاهده هناك وعاشه خلال تلك الفترة لا يمكن للذاكرة أن تنساه ولا الأيام أن تمحوه .. لقد كان واقعاً أليماً ومفجعاً بحق . كيف ينسى نظرات هؤلاء الأشخاص وعيونهم الممتلئة بالشر والحقد.. وهو بينهم كالحمل الوديع الذي لا يقوى على رفع حاجبيه .. وكذلك كيف ينسى الصراصير وهي تمشي فوقه رغم برودة الغرفة والدنيا آنذاك .. لا لن ينس ولن يسامحه أبداً .. فهو لم يكن خارجاً على القانون ولم يكن مجرماً..

فهل يعقل أن يرسل كل كاتب كتب قصة أو مقالة إلى تلك الأماكن لمجرد أنه تحدث عن الواقع وعن الحياة ..؟

وفي النهاية سيشكره الوزير على صراحته وعلى كشفه لحقيقة الواقع .. وتعرية أمثال هؤلاء المسؤولين الفارغين والذين جلسوا على مناصبهم بقرار من فوق .. وهم غير مؤهلين ..

في يوم العرض ذهب لوحده ولم يأخذ أحداً معه على غير عادته.. وكله أمل على أن يلتقي بالوزير ليسرد له كل هذه الوقائع التي حصلت معه، هو الإنسان الذي يعيش في عالم بعيد عن المشاكل وعن الانتماءات الحزبية والعقائدية..

بعد نصف ساعة امتلأت الصالة، وبعد انتظار لم يدم طويلاً أعلن عن بدء العرض.. وكان المسؤول الكبير وحده مع حاشيته يجلسون في الصفوف الأولى مع زوجاتهم وزوجات الجيران ..

عندما عاد مساء كان البيت كله نائماً ، حتى الجدران كانت تغط في نوم عميق .. جهز ركوة القهوة وجلس يرتشف وحدته، بعد أن أفرغ ركوة القهوة كلها ارتدى بيجامته ودخل الفراش وهو يفكر بالبيت.. والزوجة التي تنام دون أن تسأل عن زوجها والأطفال ،.. ولكن دائماً تجري الرياح.. كما يشتهي المسؤولون والوزراء والزوجات.


----------------------------

البقعة الملعونة
أحمد عبدالقادر - المغرب


من فرط شوقك لارتداء ملابس جديدة، فإنك تنتظر على أحر من الجمر تلك الفرصة السانحة، والتي لا تتكرر إلا مرتان في السنة كرحلتي قريش. وقبل أن تلف جسدك النحيل داخل الثياب الجديدة؛ بعد دلكه بالحجر الرملي، ودهنه بالصابون البلدي، فإنك تستعجل التجرد من الأسمال البالية، ناظرا إليها بعين السخط والاحتقار، مستعجلا لها ذلك المصير المشؤوم؛ بأن تمزق قطعا صغيرة ليصنع منها" سافس*" أو تستعمل لحمل الطجين الساخن، حين إخراجه من التنور.

في البداية أسررت لها أنك ستخضعها للامتحان، إن كانت تناسبك طولا وعرضا، وبعد ذلك تتركها وشأنها، أول محك لها تعرضها على الوالدين الكريمين، فإن نالت إعجابهما، حظيت أكثر فأكثر بعطفك وحبك لها.

الأم منهمكة في دق وريقات الحناء في المهراس، تطربك دقات الدقاق المتتالية، لاسيما الدقة التي تخطىء هدفها وتصيب حافة المهراس. الأب يردد أذكار العيد قبل الأوان؛ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، الله اكبر، الله أكبر ولله الحمد.

- أمي، أبي، انظرا، إنها جميلة جدا، أليس كذلك؟

- بالصحة والعافية، اعتن بها حتى الصباح.

- أجل، أجل، سأعتني بها جيدا.

بعد أن انفردت بها، أسررت لها ثانية، أنك تحبها، فشرعت في تقبيلها.

- أممممممممممح أيتها العزيزة الغالية، أحبك كثييييييرا؛ غدا سأقدمك إلى أصدقائي، أكيد سيعجبون بك أيما إعجاب، سيغارون مني، بل ومنهم من سيحسدني ويعض أنامله الفتية من الغيرة، ويود المسكين، لوكنت من نصيبه أيتها المحبوبة المبجلة لا من نصيبي أنا.

- ......................!

- أتمنى أن تتكرر زيارتك لي في السنة أكثر من المرة والمرتين، ببساطة أنا أحبك، وأناقتك أيتها الأنيقة، تعجبني كثيرا.

ثم شرعت في فتح أزرارها، والتصقت بها والتصقت بك، فيالها من متعة ناعمة، وياله من شعور عميق ،ومديد بالفرح، يسري في الكيان مسرى الدم.

كرم الضيافة، يأبى إلا أن ترحب بها أيما ترحيب، كما لو كانت ضيفا كريما، فتغدق عليها بالتقبيل والحنان والعطف الزائد. بل إنك تقسم بأغلظ الأيمان، كما يفعل والدك لحث الضيف على المكوث بين جنبيكم يوما آخر على أيام الضيافة المعهودة. تقسم أن تبيت معك وتكون في ضيافتك. من أول نظرة، وأول لقاء حميمي، تعرض عليها أن تقاسمك فراشك، الليلة قبل الغد فلكل زمان، طقوسه ونكهتة ومتعته، فهذه اللحظات السعيدة، ليست كسابقاتها البئيسة، وربما كانت لحظات الغد المنتظرة، أسعد من هذه، التي هي طوع يديك.

فما كان منها إلا أن رضخت لرغبتك الجامحة، مستجيبة للقسم الغليظ،،كيف لها أن ترفض طلبك، وأنت تكن لها من الحب ما لم يبح به عنترة لعبلاه، وما لم يتغن به قيس لليلاه. لتأوي بها في الأخير إلى فراشك منتشيا بالفرح، وتناما قريري العيون.

الحذاء وحده الذي استثناه القسم، وآثرت أن تتوسده تارة، ثم تحتضنه تارة أخرى بيد مكفنة وقابضة بإصرار على عجينة الحناء، مثلما تقبض روحك في هذه الليلة المباركة، بعروة السعادة الوثقى، سعادة العمر السنوية، وببسالة قل نظيرها بين بؤساء العالم. ثم تغمض جفنيك مستسلما للذيذ الأحلام، مطمئنا للقطعة النقدية النحاسية من فئة خمسين سنتيما، التي تدفئ الجيب وتزيد الأحلام لذة فوق لذة.

مع أول صيحة لأول ديك، تقتلعك الفرحة من فراشك، فتضطر لقطع حبل الأحلام الوردية الجميلة، تدخل كلتا يديك في جيبك متنسما أولى نسمات الصبح العليلة، نسمات العيد، ومتحسسا القطعة النحاسية، لكن سرعان ما تخرجها، وقد صفعتك يد الخيبة المريرة صفعة شديدة، تكاد ينهد لها كيانك، وترغمك على كبح جماح فرحتك الموسمية حينا من الدهر، ريثما تشرق الشمس وتجود عليك بخيوطها الدافئة، عساها تبتلع البقعة الداكنة، التي استحوذت على منطقة مهمة من سروال العيد الجديد، على مستويي الحوض والورك ، ولسان حالك يقول: تبا للبرتقال ولفيتاميناته، تبا لي إذ لم أكترث لتحذيرات أمي: باركاك من اللتشين** راه غدا العيد سر تنعس باش تفيق بكري؟

فأين أنت من شمس أغسطس الحارقة، ومن شمس السمائم، كل يوم فيها صفيحة جمر تستعر، نعبر عليها إلى اليوم التالي...لا بأس وقد وقعت الواقعة، لعل شمس يناير الكسولة تفي بالغرض... خجولة أطلت شمس يناير المرتقبة منذ بزوغ فجر اليوم السعيد، تماما كما تمنيت. وجادت عليك، أو بالأحرى على سروالك بشعاع دافئ، لكن ما إن لامس البقعة الملعونة فيه، حتى أرخت سحابة ثقيلة الظل سدولها على الشعاع البهي، وشدت بخناقه كي يمج ما ابتلعه من البقعة العطنة الملعونة على عجل، فاسحة المجال لهذه الأخيرة، كي تتربع على عرشها الجديد صحبة قطرات مطرية أبت إلا أن تحييك، تحية العيد..ما أحلاك يا عييد..يا عيييييد ما أحلاااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااآآآآآآآآآآآآآآآآآآك.
----------------------------------
* سافس: قطعة قماش تسد فم الجرة
** اللتشين: البرتقال


----------------------------

ظهيرة
محاسن عبدالقادر - عراقية مقيمة بالقاهرة



نفخ دوائر صمته، فتبددت مخلفة بقايا أنين موجع، أشاح بوجهه عنها، وسقط في داخله.

مرت قربه ابنته الكبرى ، فناداها على عجل لئلا تفلت منه..

- ها، ما الذي تفعلينه؟

- لا شئ.

وسارت في طريقها..

- انتظري، تعال......

حاول أن يكمل ويقول شيئا آخر ، الا انها اختفت في الحجرة المجاورة تاركة الكلمات تتعثر في فمه.

نهض من مقعده الذي لازمه في السنوات الأخيرة وذهب الى زوجته في المطبخ .

كانت منهمكة في تقطيع الخضر، ناداها فلم تسمع فسأل:

- ماذا ستطبخين لنا اليوم؟

- ماذا ، ماذا قلت؟

- ماذا ستطبخين اليوم؟

- ماذا؟

لقد ضعف سمعها منذ أن توفي أخيها قبل عامين. كيف يأخذ الميت معه ملكة حياة لإنسان

حي. هل الموت أناني لهذه الدرجة؟

دلف الى الحديقة، فألفاها خرابا، رائحة براز الدجاج الخانقة تطوق المكان وبقايا أكل تناثرت هنا وهناك. لم يكن هذا ما حلم به، أرض جرداء متشققة لا حشائش تفترشها. وأعشاب برية تكتسح السواقي والأصص، ونخلات ثلاث انتصبت مثل شاهد على وجود حديقة ، لم يكن هذا حلمه.

أراد الجلوس على دكة ترابية طالما أحب ملامسة الأرض فمنعته القذارة، ذهب الى الأرجوحة وجلس بلا حاشية عليها، تأرجح بخفة، أصدرت صريرا عاليا ملأ المكان، عاود الاهتزاز مرة بعد أخرى، إلا انه سرعان ما أحس بالدوار فلم تعد أعوامه السبعين تساعده على التمتع بلحظات يسعد الجسد فيها بخفته وحركته.

أوقف الأرجوحة بقدميه واتكأ على ظهرها مدليا برأسه الى الخلف. أغمض عينيه مستسلما لخيوط الشمس وظلالات الأشجار ورائحة الدجاج النتنة. أسكرته الظهيرة وتسرب خدر لذيذ الى أوصاله، فسلم رأسه لحلم بعيد، كان قد أفلت حتى من خيالاته.

عادت به الأعوام الى بيروت حيث كان يكمل دراسته العليا، ويبسط جسده في حرية لا حدود لها. هناك عرف قلبه العشق ومنحه لحبيبة، حلم معها ببيت تملؤه الأصوات، كم كان يكره الصمت، يعشق صوت الأطفال والضحكات والموسيقى والأحاديث، ويتنصت الى الطبيعة، ويذوب في الهمس ويتلاشى فيه.

استمع الى صوت ضربات قلبه وهو يستلم برقية من بغداد " عد حالا ، أمك مريضة....." . وترك كل شئ بلا نظرة أخيرة، كان موقنا من عودته.

وجد أمه مشلولة، جن عقله، كان يعبدها لما فعلته من اجله ومن اجل أخواته. قالت

- لن تعود مرة أخرى.

- ...............

- اخترت لك زوجة، ابنة عمك، أريد أن أرى أطفالك قبل أن أموت.

- ولكن .........

واختفى صوته، واختنقت معه الأصوات الأخرى كلها.

ازدحم البيت بالأطفال والضجيج، شيد حديقة جميلة مليئة بالزهور وبالعصافير، الا انه لم يكن يسمع شيئا، سكن نفسه، ولم يكن يغادرها إلا ليزجر من يحاول الدخول إليه.

اشتدت حرارة الشمس ففتح عينيه على مواء قطة وألم رقبته، اعتدل في جلسته، فرك وجهه بكفيه كأنما لينفض عنه بقايا حلم متهرئ .

لو يعود الزمن لتعلم أن يحكي مع امرأته ويصاحب صغاره، لعرف كيف يألف البيت والحديقة، ولعوٌد نفسه أن تتخلص من سكونها.

جر قدميه ببطء متخاذل، والنعاس يلح عليه، دخل البيت، تهاوى على مقعده، رفع صوت المذياع الذي كان ملتصقا بإذنه، وغرق في ضجيج الأخبار.

يوسف المحيميد مجلة العربي يوليو 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016