مختارات من:

الكويت: عطاء ما قبل الغزو وهموم ما بعد التحرير

علي منير

مسيرة الكويت المستقلة كانت مسيرة باهرة وخاصة بالنسبة لحجمها وموضعها وموقعها في منطقة الخليج والوطن العربي. وقد عرفت الكويت عبر تاريخها الطويل بأنها مجتمع الحرية والحياة الديمقراطية والتضامن والتكافل الاجتماعي.

ومنذ أن تدفقت عائدات البترول على الكويت أخذت الدولة تتجه في سياستها نحو إقامة مجتمع الرفاهية وهو ما تعكسه الخطط الخمسية للإنماء في الدولة.

إلى أن جاء الغزو العراقي الغاشم ليدمر كل جميل في الكويت، ذلك العدوان الذي داس كل القيم فخرب وسرق ونهب واغتصب.

عندما كان العدوان الغاشم يجر أذيال الخزي والعار بعد هزيمته النكراء على أرض الكويت كان الحقد والانتقام هو معوله الأساسي فلم يترك على الأرض الطيبة إلا الدمار والخراب.

ومع كل ذلك فقد أظهرت المأساة بكل ما احتوت عليه من كوارث حقيقة الإنسان الكويتي. أبرزت المأساة وطنية الإنسان الكويتي وصلابة معدنه وتضحياته الحقيقية سواء كان ذلك خلال فترة الاحتلال أو بعد التحرير. والحق أن الكويت "لؤلؤة الخليج" لم تكن حزينة كما هي الآن.

مضت أيام المحنة ولكن الجروح ما زالت غائرة. كل يوم من أيام الاحتلال يمثل جرحاً: جرح الأخوة، وجرح العروبة، وجرح الجوار. ولكل جرح نوع من الألم. أسئلة المستقبل تؤرق كل كويتي. أسئلة معلقة في الفضاء كسحابة الدخان التي لا تريد أن تنقشع. في داخل كل فرد كويتي أثر من هذه السحابة، سؤال حائر: لماذا كان الثمن فادحا لهذه الدرجة؟

التاريخ يحترق

على شاطئ الخليج خارج متحف الكويت الوطني تقف سفينة قديمة. إنها "ألبوم" رمز لعشرات السفن التي ركبها البحارة الكويتيون واجتازوا بها الخليج، وعواصف المحيط الهندي وصولا حتى شاطئ الصين. كانوا بحارة أشداء واكتسبت السفن شيئا من شدتهم حين ضموا أخشابها وأحكموا صواريها. بنيت هذه السفينة من 50 عاما كي تقف بجوار المتحف تحمل ذكرى كفاح الآباء، حتى جاءت قوات الاحتلال العراقي ووجهت إليها نيران مدفعيتها حتى دمرتها تماما. لم يبق من السفينة إلا هيكل محترق تساقطت منه المسامير الضخمة كأنها هيكل لحيوان خرافي مسكين تساقطت أسنانه.

كانت هذه إحدى محاولات حرق التاريخ الكويتي الخاص وطمس معالمه. وامتد هذا إلى متحف الكويت الذي أنشئ في عام 1957 في أحد قصور الكويت القديمة وهو قصر "دسمان" ثم افتتح المقر الجديد للمتحف عام 1983 وضم إليه مبنيان تاريخيان هما "بيت البدر" وبيت السدو".

كان هذا المتحف هو الذاكرة الحقيقية للتاريخ الكويتي فقد أعد فيه قسم خاص للتراث الشعبي الكويتي، ويعطي صورة صادقة عن الشخصية الكويتية:

عاداتها وملابسها وأدوات زينتها وفنونها الشعبية، كذلك يضم المتحف قسما خاصاً للآثار الإسلامية التي اكتشفت في أرض الكويت وقبة سماوية مجهزة بأحدث الأدوات بجانب أدوات الفلك القديمة والخرائط والمخطوطات.

وعندما داهمت قوات الاحتلال الكويت أدرك المسئولون عن المتحف أهمية الحفاظ على ما فيه من مقتنيات فأسرعوا بإغلاق أبوابه ووضعوا عليها الأقفال الضخمة وحاول العراقيون البحث عن المفاتيح ولكن أحداً من المسئولين لم يتعاون معهم. وحضر المدير العام للآثار والمتاحف بالعراق - وأشرف بنفسه على الجنود وهم يقومون بتحطيم الأقفال باستخدام المطارق الثقيلة. وبدأت عملية نقل المقتنيات التي كانت تمثل ثروة قومية نادرة، وقبل أسبوع واحد من التحرير كانت النيران تتصاعد من المتحف في محاولة من القوات العراقية لحرق كل شيء.

ولعل أكثر ما يثير الحزن هي تلك المجموعة الخاصة والنادرة من مجموعة الفن الإسلامي التي كانت تمثل جانبا من المتحف الوطني. كانت ثمرة جهود أحد عشاق هذا الفن: الشيخ ناصر صباح الأحمد الذي جمع حوالي 20 ألف قطعة تمثل كل صور ازدهار وتطور الفن الإسلامي: أوان خزفية وبللورية ومخطوطات وآلات نادرة ومجموعة نادرة من السجاد الفاخر بالإضافة إلى مكتبة تضم كل الكتب التي كتبت عن الحضارة الإسلامية بمختلف اللغات.. لقد تم سلب هذه المجموعة التي كونها حس عاشق للحضارة وحولها اللصوص إلى السوق الدولية السوداء التي تباع فيها الآثار المسروقة. وسوف يكشف التاريخ أن كبار المسئولين والعسكريين العراقيين هم الذين يقومون ببيع هذه التحف النادرة دون أن يدركوا قيمتها.

محاولة لحرق جسور المستقبل

ولم تمتد أصابع قوات الاحتلال لتقضي على رموز التاريخ فقط، ولكنها حاولت أيضا أن تقطع الجسور التي تصل بين الكويت ومستقبلها والقضاء على، كل إنجازات النهضة التعليمية والثقافية بها وحرمان الأجيال القادمة من حقها في المعرفة والتطور.

كانت الكويت تعلق أهمية كبيرة على العملية التعليمية كأساس لمواجهة عالم الغد. وقد بلغ عدد الطلاب المسجلين في المدارس من الحضانة حتى التعليم الثانوي حوالي نصف مليون طالب وزودت المدارس بسخاء بقاعات الدرس الحديثة المجهزة بالوسائل التعليمية والأجهزة المكتبية. وحصلت الميزانية المخصصة للتربية والتعليم على حوالي 7.4% من الميزانية العامة للدولة وهي نسبة مرتفعة تشير إلى ارتفاع نصيب الطالب من هذه الاعتمادات.

كانت هذه المدارس هي إحدى أهداف قوات الاحتلال، حيث اقتحمتها المدرعات وحولتها إلى مقار للجنود وانتزعت منها كل الأجهزة التعليمية وأجهزة الكومبيوتر والأثاث. كذلك تعرض التعليم الفني والتدريب لنفس الدرجة من التدمير. كان في الكويت أربع كليات للتعليم التطبيقي، وأربعة مراكز للتدريب المهني. وقد تم تزويد هذه المؤسسات بأحدث الأجهزة التي أنتجتها التكنولوجيا العالمية وقد سرقت كل هذه المعدات.

ولعل مأساة الجامعة تجسد مأساة التقدم والغد الذي كانت تحلم به الكويت. كان عمر الجامعة قد بلغ 22 عاما؛ تضم تسع كليات تقدم من خلالها المعرفة والثقافة إلى 14106 طلاب. ويمكن القول إن جامعة الكويت كانت واحدة من أهم جامعات الخليج وأكثرها تقدما، فقد كانت تحمل مفهوماً خاصاً لخدمة المجتمع جسدته في قيام كلياتها المختلفة بتوفير برامج التعليم المستمر للتأهيل الحر كما شاركت بالبحوث في كل المشاكل القومية التى واجهتها الكويت واجتذبت العديد من الباحثين من أوربا وأمريكا للقيام بتجاربهم في معامل الكليات المتقدمة وشاركت في مجال تبادل البحوث مع مؤسسات وجامعات عالمية..

ماذا حدث لتلك الجامعة الرائدة؟

إن كلمات مثل نهب، وتدمير، واغتصاب لا تكفي لبيان ما حدث للجامعة. لقد بدأت عملية نقل منظمة لكل المعامل والأبحاث وأجهزة التدريس وأثاث قاعات الدرس والمكاتب والسجاد وأجهزة التكييف إلى بغداد، ثم ألقيت المواد الحارقة لالتهام كل ما يبقى ثم سلطت مدفعيتها على المباني الرئيسية بها، شيء أشبه بغزو التتار لأهل بغداد القديمة، ولكن التتار هذه المرة كانوا قادمين من بغداد.

واستولوا أيضا على قلب الجامعة النابض الذي يتمثل في مكتبتها وفى ذاكرة أجهزة الكومبيوتر الخاصة بها. ويقدر تقرير اليونسكو ما فقدته جامعة الكويت بحوالي 95% من قاعدة معلوماتها وال 5% الباقية هي ما يحوزه أعضاء هيئة التدريس في بيوتهم. لقد تم نقل 98% من معدات الجامعة إلى العراق، ولا تقل القيمة الإجمالية لهذه المعدات عن مائة مليون دينار كويتي.

نفس المأساة حدثت لمكتبة الكويت المركزية التي أنشأتها الدولة عام 1935 في قلب مدينة الكويت واحتوت على 90 ألف مجلد. وحوالي 8 آلاف عنوان من النسخ النادرة وأرشيف ضخم من الأشرطة السمعية والبصرية. لقد قام وكيل وزارة الإعلام العراقي بزيارة المكتبة قبل الغزو بشهرين ليرى نظام العمل بها وبعد ذلك وفي ظل قهر الاحتلال أشرف بنفسه على نقلها إلى بغداد.

وعن خسارة المكتبة يقول تقرير هيئة اليونسكو في أسى:
"لا يمكن تقدير خسارة هذا الإرث النفيس بثمن. فهي مواد تتعامل مع جوهر التطور الإنساني: أي كيف يمكن للإنسانية أن تصبح أكثر ثقافة وأكثر معرفة. ونحن لا نستطيع في الواقع أن نفهم السبب الذي تم من أجله هذا التخريب الواسع النطاق. ومن الواضح أن نقل هذه المواد إلى بغداد مثل جزءاً من سياسة استهدفت النزول بوضع الكويت من دولة ذات سيادة إلى محافظة تابعة للعراق. ومن المؤكد أن من نقلوا هذه المواد لا يدركون القيمة النادرة لما قاموا بسرقته. إن قيمة الأثاث والمعدات التي تم نقلها والأضرار التى لحقت بالمباني (والتي تعادل 300% من قيمة إقامتها من جديد) تتضاءل أمام خسارة المواد الثقافية والمعرفية.

كانت الكويت تمثل منارة ثقافية بحق. وكانت الثقافة تقوم بدور حيوي في المجتمع الكويتي، فهي تؤكد وجه الكويت العربي الأصيل من ناحية، ومن ناحية أخرى تضم روابط الوصل بين بقية أجزاء العالم العربي دون مبالاة بالخلافات السياسية. وكان كل ما تنتجه الكويت من صحف ومجلات ومطبوعات هو نتاجا للمناخ الديمقراطي الذي ساد هذا البلد بحيث أصبح واحة للمفكرين العرب وأرضا خصبة لكل بذور الثقافة العربية الأصيلة فتلألأت في سماء الكويت أسماء عمالقة العلم والثقافة والسياسة في العالم العربي.

لقد حاول الغزو العراقي أن يمحو هذا الدور الثقافي ويطفئ إشعاع تلك المنارة، أراد أن يحول الكويت إلى بلد معزول، مجتث الروابط مع غيره من البلدان، وهكذا تعرضت كل دور النشر والصحف للنهب، سرقت كل المطابع الحكومية والخاصة ونقلت كل معدات الطباعة وأجهزة الكومبيوتر وآلات التصوير وحتى مخازن الورق وقطع الغيار لم تنج من النهب.

احتراق مصادر الثروة

ثم تبقى الكارثة الكبرى، كأن كل ما مر من الكوارث السابقة لم يكن كافيا، الكارثة التي لحقت بمصادر الثروة الأساسية في الكويت.

لقد احتلت الكويت مكانة متقدمة بين دول العالم المنتجة للبترول وكانت تعتبر الرابعة عشرة على العالم كما أنها تعتبر الدولة الثانية من حيث الاحتياطي البترولي المخزون في أراضيها والذي ذكر العلماء والمختصون أنه كان كافيا لتزويدها بالبترول لمائتي سنة قادمة.

واستطاعت الكويت أن تحقق تكاملا في عملياتها البترولية بدءاً من الإنتاج والتكرير والصناعات التحويلية والنقل، وكانت من أوائل الدول البترولية التي حققت التنوع في مصادر الدخل القومي للبلاد حيث أصبحت استثماراتها المالية تزيد على دخلها من البترول.

وأنشأت الكويت مؤسسة البترول الكويتية في عام 1980 لتنظيم القطاع البترولي والعمل على تحقيق تكامله وتطويره، ونجحت المؤسسة في التنسيق بين شركات البترول الوطنية العاملة في مجالات العمل البترولي وهي: شركة بترول الكويت، وشركة البترول الوطنية، وشركة ناقلات البترول الكويتية، وشركة صناعة الكيماويات البترولية، وفي الكويت أربعة موانئ للبترول أكبرها ميناء الأحمدي ثم ميناء الشعيبة، وميناء عبدالله وميناء الزور (ميناء سعود).

فماذا حدث لهذه الصناعة المتكاملة؟

يقول تقرير حديث للأمم المتحدة إن الضرر الذي ألحقه العراق باقتصاد الكويت "يبدو أنه لا يمكن تقديره، في حين أنه سيستمر لفترة طويلة قادمة. فالأخطار تهدد الحياة من جراء آبار البترول المحترقة والذخائر التى لم تنفجر".

كارثة تشيرنوبل

ووصف "آرت فان ديمونت" مدير جماعة "إيرث ترست" البيئية كارثة إشعال العراق في 600 بئر بترول كويتية بأنها تعادل كارثة مفاعل تشيرنوبل السوفييتي. إذ أخذت الدرافيل والأسماك تطفو فوق سطح مياه الخليج قبالة سواحل الكويت. وهناك أيضا آثار خطيرة لهذه الكارثة البيئية على الحيوانات البرية والطيور المهاجرة التى أصبحت تسقط من السماء ميتة بعد اختراقها سحب "السناج" السوداء.

وتحولت القطط البيضاء في شوارع الكويت إلى اللون الرمادي واكتست الأغنام باللون الأسود وتغطت المساحات الخضراء حول الحقول البترولية بطبقة من السخام تشبه الأسفلت كما نفقت الحيوانات من الأبقار والأغنام والحمير بمناطق قريبة من الكويت العاصمة لتغذيتها على أعشاب ملوثة. وتهدد أعمدة الدخان المنبعثة من حرائق آبار البترول والمشبعة بذرات البترول المحترق الآلاف من طيور النحام والخرشنة والزقزاق والبجع التي يتأثر نظامها الغذائي بشكل مباشر بهذا التلوث البيئي.

ويخشى العلماء على المدى الطويل من أن تتسبب حرائق آبار البترول في تلوث المياه وسقوط أمطار حمضية وتلف المحاصيل إذا تأثرت بها الريح الموسمية المقبلة من الشرق، وقد سقطت بالفعل أمطار سوداء على باكستان.

وتقول فرق أمريكية لإطفاء الحرائق إن هذا الأمر قد يستغرق 18 شهراً. وتلتهم النيران ستة ملايين برميل من البترول يوميا تساوي 120 مليون دولار وتزيد أربع مرات على حجم إنتاج الكويت من النفط قبل الغزو.

ويشكل البترول المتدفق غير المشتعل بركا من الوحل الكثيف اللزج يزيد حجمها في بعض المناطق مرتين على حجم ملعب كرة القدم ويغمر البترول الطرق التي تخترق حقول البترول في ميناء الأحمدي وفي بعض الأماكن يمتد لعمق 25. 1 متر في الأرض.

ولكن الخطر الأكبر الناجم عن هذه الكارثة البيئية هو تلك السحب الدخانية التي تحجب 69% من أشعة الشمس فوق الكويت وتؤثر على صحة المواطنين وتسبب العديد من الأمراض الصحية كضيق التنفس والربو والإسهال لدى الأطفال الرضع.

لقد ترك العراقيون صناعة البترول الكويتية في حالة خراب شديد بعد أن فكوا معظم أجزاء ومعدات مصافي تكرير البترول ونقلوها إلى بغداد وتصل تكاليف إصلاح هذا القطاع إلى ما يوازي عشرة مليارات دولار.

أما موانئ الأحمدي وعبد الله، والشعيبة، والزور فقد نالها من الأضرار الناجمة الكثير من التخريب العراقي المتعمد وخاصة من جراء الألغام والذخائر العراقية التي لم تنفجر وحطام السفن في أحواض هذه الموانئ.

ويشير تقرير دولي إلى أن "هذه الألغام سوف تصيب سكان الكويت مهما كانت أنماط سلوكهم الاجتماعي بما في ذلك السكان الرحل الذين ينتقلون موسمياً عبر الحدود الكويتية وسوف يستمر الخطر إلى مرحلة طويلة مقبلة".

سرقات في كل مكان

كان للكويت تجربة رائدة في استخلاص الطاقة الكهربائية من مصادرها الطبيعية عبر عمليات فنية معقدة تجري داخل محطات توليد القوى الكهربائية وقدمت الدولة الدعم للكهرباء حتى تصبح هذه الخدمة موجودة في جميع المرافق وبأقل تكلفة على المستوى العالمي.

واستطاعت الكويت تقطير مياه الخليج المالحة بالتسخين والتكثيف والتبريد. كما تم اكتشاف مصادر عديدة للمياه الجوفية العذبة وبذلك استطاعت أن تتغلب على الظروف المناخية الصعبة فإن الكويت تمكنت من إنتاج المحاصيل الزراعية بكميات وفيرة. كما زاد عدد المزارع الحيوانية ومزارع الثروة السمكية لتلبية احتياجات السوق المحلية وخفض حجم الاستيراد الخارجي من هذه المنتجات.

لقد تعرضت القطاعات الحيوية للبنية التحتية في البلاد إلى تخريب ونهب منتظمين، حتى أن التقرير الدولي يؤكد أن الاحتلال العراقي لم يترك قسما من سكان الكويت أو قطاعاً من اقتصادها بدون أذى.

وبدءاً بها قام به جنود الاحتلال من سرقة للمحال التجارية وتجريد الشوارع من المصابيح إلى حفر الشوارع المعبدة إلى تدمير مطار الكويت الدولي ونهب حديقة الحيوانات بالإضافة إلى نهب البنوك وخاصة بنك الكويت المركزي الذي أخذ منه العراقيون 1.3 مليون أوقية من الذهب قيمتها 500 مليون دولار.

ولا يمكن أن ننسى أن الكويت كانت أحد بلدان العالم القليلة التي تقدم الخدمات الصحية على أعلى مستوى لكل المقيمين على أرضها دون مقابل. أنشأت الكويت العديد من المستشفيات والوحدات الصحية وكلية الطب وبنك الدم وكذلك وفرت وحدات الطب النووي في جميع المستشفيات واحتلت الخدمات في القطاع الصحي في الكويت المرتبة الثالثة في خطة الإنفاق الحكومي بعد قطاعي الأشغال العامة والتعليم.

والآن يعاني هذا الجهاز الحساس من التدهور. فقد قام العراقيون تباعاً بتجريد الكويت من موجوداته الصغيرة والكبيرة وقد نشرت منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" تقريراً ذكرت فيه أن الجهاز الطبي الكويتي قد دمر تماما خلال فترة الغزو حتى أصبحت الرعاية الطبية في الكويت بحاجة إلى إعادة بناء وتجهيز من جديد.

وقدرت تكاليف إعادة الشبكة الكهربائية إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الغزو بأكثر من مليار دولار فضلا عن النقص الحاد في العمالة المطلوبة، وتصل الخسائر الكلية في الموانئ والمطار والخطوط الجوية الكويتية إلى أكثر من ملياري دولار في حين ستتكلف استعادة أسطول النقل المكون من 560 ألف عربة أكثر من خمسة مليارات دولار. ولا ننسى أن الخطوط الجوية خسرت 15 طائرة من أصل 33 طائرة وإذا لم تستطع الحكومة الكويتية استرداد ما خسرته من الطائرات من شركات الطيران التجارية، فإن هذا سيجعل تكلفة إعادة تجهيز الصناعات الجوية تبلغ (750) مليون دولار.

وتعرضت التجربة الزراعية التي كانت في طور النمو إلى الدمار أيضا. فقد جرى خلال الاحتلال نقل أو ذبح معظم المواشي التي يقدر عددها ب (350) ألف رأس والدواجن التي يقدر عددها ب 28 مليون دجاجة.

وتعرضت شركة الأسماك الكويتية لخسائر فادحة حيث جرى نهب المصنع التابع لها كما جرى تدمير وإغراق القوارب التي يملكها الصيادون على يد القوات العراقية ولم تسلم النوادي الرياضية الكويتية من نهب العراقيين.

هل يعود العمران إلى لؤلؤة الخليج؟

يا له من سؤال يطوف بذهن كل عربي؟.

كل الذين عرفوا تجربة الكويت في النمو والعمران يتمنون من أعماق قلوبهم أن يعود للكويت وجهها المشرق القديم.

لقد شهدت الكويت توسعاً عمرانيا هائلا خلال سنوات قليلة حتى إنه يصعب حصر الإنجازات العمرانية التي حدثت قبل الغزو. فقد استحدثت الضواحي السكنية الجديدة والطرق الدائرية والجسور والساحات والأنفاق والمجمعات السكنية. ووضعت الحكومة الكويتية خطط التطوير السكاني وأخذت بمبدأ إنشاء المدرسة السكنية الجديدة كالتي في منطقة الصبية والخيران، وقام المجلس الأعلى للسكان الذي يرأسه سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بدور هام في هذا الشأن مستهدفاً حل مشاكل المواطنين الراغبين في سكن مناسب لهم.

ومن أبرز الإنجازات العمرانية ما شهدته منطقة قصر بيان من إقامة قصر المؤتمرات الذي استضاف مؤتمر القمة الإسلامي الخامس الذي يرأسه سمو أمير البلاد في يناير 1987 وكان هناك قصر العدل ومبنى مجلس الأمة وغيرها من الصروح المعمارية الشامخة في الكويت.

والآن، لقد اضطر أكثر من ثلثي السكان الكويتيين إلى الفرار من البلاد خلال فترة الاحتلال الغاشم فى حين اضطر حوالي المليون من الفنيين والعمال الأجانب الذين كانوا يشكلون الدعامة الأساسية لقطاع الخدمات إلى ترك وظائفهم والعودة إلى بلادهم، وأدى هذا إلى تشتت العائلات وتفرقها بين الدول المختلفة بعيداً عن الوطن الأم ولهذا آثار نفسية خطيرة ستظهر بوضوح خلال الفترة المقبلة.

ومن المآسي التي شهدتها كويت ما بعد التحرير مأساة ضحايا الغزو الغادر من الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن استقلال وطنهم والجرحى والمصابين والمعاقين نتيجة وحشية النظام العراقي وقسوته البشعة. فقد شهدت الكويت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان خلال فترة الغزو من قتل واعتقال وانتهاك للعرض والشرف ومصادرة وتدمير للممتلكات وترحيل وعقاب جماعي.

وتحررت الكويت

ومرت الأيام والأسابيع وعادت الكويت إلى أهلها حرة آمنة كما كانت دائما بفضل الله سبحانه وتعالى وفضل مقاومة وصمود شعب الكويت ونضاله وأيضا بفضل الأخوة والأصدقاء، وبفضل تأكيد الجميع على تحقيق الشرعية الدولية. لقد كان للشعوب العربية والإسلامية والعالمية موقفها المشرف الذي لن ينساه شعب الكويت أبد الدهر.

ولقد شهدت الكويت خلال فترة ما بعد التحرير حركة بناء واسعة ونشاطات شعبية وحكومية متعددة من أجل إعادة الكويت كما كانت دائما لؤلؤة الخليج وما زالت أيدي أبناء شعب الكويت تحاول ترميم البناء وإعادة صياغة المجتمع الجديد بكل ما أوتي لها من قوة.

لقد أدركت حكومة الكويت مدى الصدمة، ولكنها لم تقف أمامها مكتوفة الأيدي. فمنذ اليوم الأول للتعمير. بدأت حركة إعادة الحياة الطبيعية وإصلاح ما أتلفه المعتدي الغادر.

وهكذا. وبعد أشهر المعاناة. تعود الكويت حرة. قادرة. صانعة للسلام والأمن. تحتضن بين جناحيها كل القيم التى لم تتخل عنها لحظة، قيم الحق والشرعية في ظل قيادة أميرها صاحب السمو الشيخ جابر الأحمد الصباح وسمو ولي عهده الأمين رئيس الوزراء الشيخ سعد العبدالله الصباح.

العالم .. والغزو

قصر الموت

لم يتوقف التخريب الذي مارسته القوات العراقية عند المؤسسات ولكنه امتد إلى الإنسان الكويتي بالقتل والتعذيب في محاولة لبث الخوف في نفسه وانتزاعه من أرضه، ولقد أنشأ العراقيون مركزاً جهنميا للتعذيب يشرف عليه ذوو المعاطف الزرقاء ويعني ذلك رجال المخابرات العراقية الذين لا يعرفون الرحمة والذين يخاف منهم العراقيون أيضا إلى درجة الرعب، كان هذا المكان هو قصر النايف الذي كان مقراً للشرطة الكويتية ثم تحول إلى مكان للتعذيب.

لقد كان قصر النايف هو أول مكان دخلته المقاومة الكويتية بعد التحرير، كان رجال المخابرات قد فروا على عجل وتركوا خلفهم معدات التعذيب بالكهرباء والأسلاك التي تلتف حول الضحية. وحبالا متدلية من المراوح حيث كانوا يشنقون الناس وكانت بقع الدم الجاف تملأ المكان.

مجلة: الإندبندانت

أضرار أدبية

يمكن تصنيف الأضرار التي لحقت بالمؤسسات الثقافية الكويتية إلى عدة مستويات تتراوح ما بين العدم التام الذي نتج عن نقل محتويات هذه المؤسسات بالكامل وتدمير وإتلاف مبانيها وبين إتلاف هذه المحتويات بحيث لا يستفاد منها فيما بعد. وأيا كانت درجة الضرر من الناحية المادية فالضرر الأكبر والأفظع من الناحية الأدبية هو الشلل التام الذي أصاب مكونات النظام الثقافي في دولة الكويت وحرمان ملايين المثقفين العرب من رحيق إنتاجه الفكري وما يقدمه لرواد مؤسساته من خدمات ثقافية.

الوثيقة المقدمة لمؤتمر وزراء الثقافة العرب الذي عقد في القاهرة

مكتبة نادرة تنجو

ولأن حب الكتب سمة أصيلة في الكويتيين فلم يكن غريبا أن يقتني الأشخاص الموسرون مجموعات شخصية ضخمة. وتشغل إحدى هذه المجموعات عددا من الشقق المتجاورة ويشرف صاحبها بنفسه على فهرسة مجموعته. هذا المنزل الخاص تم تفريغه تماما خلال فترة الاحتلال، ولحسن الحظ أن من قاموا بالسطو كانوا يبحثون عن الذهب والفضة وعندما فتحوا الخزانات ووجدوا فيها كتبا تركوها!!.

تقرير هيئة اليونسكو

علي منير مجلة العربي سبتمبر 1991

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016