مختارات من:

د.غازي القصيبي و د. محمد جابر الأنصاري

محمد جابر الأنصاري

عندما يُنتزَع الشعرُ من لغتهِ يتمزّق الكثيرَ من رَوعته لم أستطعْ أن أنظرَ إلى العالَمِ بعَين الشّاعِر فحَسْب أفكرّ في كتابةِ سيرتي على شكل رواية حيث تمتزج الوقائع بالخيال مُحصِّلة تجربتي جملة واحدة.. التعليمُ هو مِفتاح التقدم نحن نعيش في مُجتمعاتٍ مليئةٍ بالحسَاسيةِ والخَوف اثنان من رجال الشعر والفكر والثقافة في الجزيرة العربية والخليج، يلتقيان في مواجهة فكرية مفتوحة تحاول أن تصل بأمانة إلى جذور الأشياء.

د. غازي عبدالرحمن القصيبي: الشاعر، الوزير، الدبلوماسي، الكاتب المتميز: مجيباً.

و د. محمد جابر الأنصاري: الناقد، والمفكر، والباحث، والأستاذ الجامعي سائلاً.

هل تتذكر ذلك الظرف، وتلك اللحظة من العمر عندما قلت لنفسك: "أريد أن أكون شاعراً!". وهل مرت بك لحظة من العمر قلت لنفسك فيها: "ليتني لم أكنه (الشاعر)"؟
واللحظة التي شعرت فيها كالمتصوفة، أنك والشعر شيء واحد إلى حد الفناء؟ وكدت تقول ما يشبه قولهم: أنا الشعر، ما أعظم شأني!!
- إن كانت هناك لحظة محددة هتفت، أو همست فيها: "أريد أن أكون شاعراً" فقد أفلتت من قبضة الذاكرة، وضاعت في سراديب الزمن غير أني أشك كثيراً أنه كانت هناك لحظة، أو ساعة واحدة. فقد كانت هناك لحظات كثيرة جداً عبر فترة زمنية طويلة نسبياً. عندما كتبت أول "قصيدة" كنت في الثالثة عشرة، وعندما "استقامت القوافي والأوزان"، كما يقولون، كنت في الخامسة عشرة. غير أني كنت جهوراً بالشعر، مولعا بإنشاده قبل العاشرة. كانت اللحظة، إذن، إرهاصاً استغرق خمس سنوات.

أما عن "ليتني لم أكن شاعراً"، فعاطفة لم تعبر بي حتى الآن. وأشك كثيراً أني سأتعرف عليها مستقبلاً.

بقيت شطحة "ما في الجبة إلا الشعر"، وهذه لم تجئ بعد. ولا أجرؤ على الجزم بأنها لن تجئ، فالشطحات كالزلازل، يصعب التنبؤ بها.

مرحلة الخصوبة والتوهج

قلت في كتاب "سيرة شعرية": "إن سنوات الدراسة في القاهرة كانت أخصب فترات حياتي الشعرية على الإطلاق". لعلك قصدت أنها كانت من "أمتع" تلك الفترات، للتغيير الكبير الذي مثلته الحياة الجامعية في مدينة زاهرة كالقاهرة - حينئذ - ومع أن أصدقاء شعر متفاعلين كالصديق عبد الرحمن رفيع؟.
ولكن هل أردت القول إن تفاعلك فيما بعد مع الحياة الجامعية (والثقافية) في الولايات المتحدة لدراسة الماجستير، وفي بريطانيا الدراسة الدكتوراه) لم تمثل فترات خصوبة مماثلة - لا أقصد كما وإنما كيفا؟. لماذا احتكرت القاهرة خصوبتك الشعرية أو استأثرت بمعظمها؟. هذا السؤال يقودني إلى ملاحظة أزعم أنها واردة بالنسبة لتكوينك الثقافي العام وهي أنك كشاعر ظللت عربياً خالصاً ذوقاً وتكويناً ولم يجذبك الشعر العربي الحديث (ولهذا لم تتفاعل كثيراً مع مدرسة حاوي والسياب والبياتي... إلخ). أما كجامعي ومثقف وناثر (كاتب نثر) فقد تأثرت بالمدارس والأفكار الحديثة، أعني أنك عندما تنظم الشعر فأنت صوت عربي خالص وكأنك عاشق أو فارس، أما عندما تكتب النثر فأنت إنسان معاصر "جنتلمان"، أنت صاحب عبارات مثل "في رأي المتواضع" و "المزيد من رأي المتواضع"، وأظنك توافقني أنه لا يوجد شاعر وعربي على مثل هذا التواضع! ما قولك؟.
- كان المقصود الخصب الكمي. كنت في تلك السنين أكتب، أحياناً، قصيدة كل يوم، وأكتب، أحياناً، أكثر من قصيدة في اليوم الواحد. لم يكن أسبوع يمضي دون قصيدة. وهذا الإنتاج كما يعرفه كل الشعراء، باستثناء ضحايا الإسهال الشعري، غزير جداً. إذا قارناهذا المعدل بمعدل الكتابة خلال العقدين الأخيرين من حياتي، قصيدة واحدة كل ثلاثة شهور أو أربعة، وجدنا الفارق الشاسع، غير أنني لا أستطيع سحب الخصب على ما يتجاوز المعيار العددي الخالص.

أما النقطة الثانية من سؤالك فأرى أنك مصيب فيها كل الإصابة. لقد ظلت مشاربي الشعرية عربية خالصة رغم تنوع مشاربي النثرية (والفكرية). لا أستطيع مثلاً، أن أحصي عدد الكتب التي قرأتها باللغة الإنجليزية، ولكنني أستطيع، دون صعوبة تذكر، أن أحصي الدواوين. نادر حقاً هو ذلك الشعر الأجنبي الذي استهواني واجتذبني، سواء بصفته الأصلية أو مترجماً إلى العربية.

أتصور أن السبب هو أن الشعر يختلف اختلافاً كبيراً عن النثر في قابليته للترجمة والسفر بين الحضارات. الشعر ملتصق بلغته التصاقاً وثيقاً بحيث يؤدي انتزاعه منها إلى تمزق الكثير من روعته. ومن هنا حرصت في كل شعر ترجمته من العربية إلى الإنجليزية، سواء كان لي أو للآخرين، أن يكون "قابلاً للترجمة"، بمعنى أن ينتقل من لغة إلى لغة دون أن يفقد كل مقوماته كشعر يختلف عن النثر. إن المقولة التي تذهب إلى أن "كل ترجمة خيانة للأصل" لا تنطبق على شيء قدر انطباقها على الشعر، إذا لم تصدقني فحاول أن تترجم هذا البيت إلى الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية.

نصيبك في حياتك من حبيب

نصيبك في منامك من خيال

ثم إنني مشدود إلى الموسيقى الشعرية العربية، إلى وضوحها ورنينها، وطنينها إن شئت. ومشدود إلى الصور المتراكمة في القصيدة العربية، التي تجعل منها لوحة زيتية بألف لون ولون. مشدود إلى ذلك الغنى اللفظي الذي يفتح أمامك مناجم شاسعة من الكلمات الحلوة. مشدود إلى ما التصق بالذاكرة اللاواعية العربية الجماعية من شغف بالغيوم والمطر ومتابعة لحديث العيون وخوف من تلصص الشيب في المفرق، أين أجد هذا كله خارج الشعر العربي؟!.

تبقى ملاحظتك عن التواضع، ويقتضي التواضع ألا أعلق عليها!.

الماء والنار

كثير من الشعراء بدأوا بكره مواد الدراسة غير الأدبية، ثم كرهوا بعد المدرسة والجامعة: العلوم غير الشعرية من طبيعية واجتماعية.. كرهوها لدرجة أنهم لم يستطيعوا رؤية ذلك الجانب من العالم الذي تشمله تلك العلوم (في تقديري أن خليل حاوي انتحر عندما شن مناحم بيغن هجومه على بيروت لأنه في تلك "اللحظة الشعرية" لم يبصر بين أسباب أخرى القوانين الاجتماعية والتاريخية التي كانت تتحكم في الموقف. بينما استطاع ابن خلدون أن يقابل هولاكو عند أسوار دمشق المحاصرة لأنه أدرك أن "طبائع العمران وسنن التاريخ" جاءت بهذا البدوي المغولي إلى قلب الحضارة. أقصد أن هذا عامل بين عوامل أخرى تخص كلا من الرجلين) وعودة للسؤال الأصلي: يبدو من مجمل نتاجك وسيرتك أنك استطعت أن ترى "الجانب الآخر" من صورة العالم "غير الشعرية" - وهذا ما قد يدعم رأيك القديم بأنك شاعر بين أمور أخرى - فكيف مرت بك المواد المدرسية غير الأدبية، والمقررات الجامعية غير الشعرية (هل أحببتها حقاً؟)، ثم الملاحظ أن تخصصك الجامعي النهائي في العلاقات الدولية (قانون دولي) موضوع حقوقي دقيق لا يطيقه شعراء كثيرون، أخبرنا عن سر جمعك هذا بين الماء والنار؟!.
- لأمر ما لم أشعر أبداً بأي حافز نفسي لدراسة الأدب، بعامة، والشعر، بخاصة، دراسة أكاديمية. كنت، ربما، أدرك إدراكاً غريزياً أن الشعر لا يمكن أن "يدرس" كما تدرس الجغرافيا أو التاريخ. وكنت - ربما - إنساناً هو مزيج من إنسانين: الشاعر الذي لا يطمح إلى ما يتجاوز المجد الشعري، والإداري ذي التطلعات الجموح. وبهذه المناسبة أقول إن فلاسفة الأبراج يزعمون أن في التركيبة النفسية لمواليد برج الحوت، وأنا منهم، شيئاً من الازدواجية بين الهدوء والحركة، النشاط والكسل، الطموح والقناعة، وهو رأي لا آخذه بالكثير من الجدّية.

كانت اللغة العربية، دائماً، مادتي المفضلة، تليها المواد الاجتماعية، أما الرياضيات وأخواتها فقد كنت معها على عداء شديد، متبادل!. أما القانون فهو، في نهاية المطاف، من صميم المواد الاجتماعية، ولم تشكل دراسته أو دراسة العلوم السياسية والعلاقات الدولية فيما بعد، عبئاً يذكر.

بسبب هذا الجمع بين الشعر والعلوم الاجتماعية، كنت عاجزاً عن النظر إلى العالم بعيني الشاعر فحسب (دليل هذا هو أنني لم أكن ولن أكون، أبداً، شاعراً عظيماً). في الوقت الذي كنت فيه، شاعراً، أكتب القصائد عن هزيمة حزيران، كنت، باحثاً، أعي بوضوح أسبابها وأبعادها. في الوقت الذي كنت فيه شاعراً، أعاني معضلة الإنسان، كنت دارساً تنموياً، أعرف سر المعضلة. ومن هنا، فعجبي لا ينتهي من أولئك الشعراء الذين يتحدثون في كل مجال ويفتون في كل موضوع، شأنهم شأن الفنانات الأميَّات اللائي يتحدثن عن أزمة الشرق الأوسط وجائزة نوبل والحرب الباردة.

فلأعد إلى السؤال. لم يكن الموضوع جمعاً بين "الماء والنار"، كان، في حقيقة الأمر، جمعاً بين ماء عذب، هو الشعر، وماء أقل عذوبة هو مجال التخصص الأكاديمي.

صدق التجربة

في زمن الشباب الشعري والنقدي - عندما اختلفنا أنت وأنا حول مفهوم الالتزام وأهمية الشعر القصوى في حياة الشاعر - كنت تصر على أن الشعر جانب من جوانب حياتك، وأنك لا ترى أن الشاعر يتجرد كلياً للشعر أو يعتبره همه الأول، وأنه يمكن أن يكون أشياء أخرى في الحياة بالإضافة لكونه شاعراً.
وخلال مسيرتك في الحياة أثبت هذا الرأي بالفعل، فكنت إدارياً وأكاديمياً ووزيراً وسفيراً بالإضافة إلى كونك شاعراً، ولكن تجربتك أثبتت أن الشاعر الذي جعلته يتعايش فيك مع الإداري والأكاديمي... إلخ، هو الذي كانت له الكلمة الفاصلة عندما برزت مسألة الأولويات في تقرير الهواية والمسيرة الحياتية، وأن الكلمة الشعرية كانت هي الكلمة. وأن الوجود الشعري كان هو الوجود. وأعني بالشعر هنا معناه الكياني كالتزام حياتي وكصفاء وقيمة وليس كفن محض. كيف تتفاعل مع زعمي هذا؟!.

(علماً بأنك دائم التشكك حول دور الشعر في العصر الحديث. وأذكر أنك قلت لي قبل سنوات في رسالة شخصية إنك تعتبر شعرك من درجة متوسطة - وذلك ما لا أوافقك عليه - وأنك غير طامح لمكانة شعرية كبرى).

- لا يبدو أن نقاشنا المزمن حول "الالتزام"، ذلك الذي بدأ قبل ربع قرن سينتهي أبداً، رغم محاولاتك ومحاولاتي الدائمة للتقريب بين الموقفين. مشكلتي مع "الالتزام" أني أراه صفة خارجة عن الشاعر، مسقطة عليه من طرف آخر (هو غالباً الناقد). عندما نقول إن شاعراً ما شاعر "ملتزم" فنحن نعني أنه "ملتزم" بما نعتبره نحن قيما ومثلاً يجب الالتزام بها. لا أتصور أن ناقداً يمينياً سيمجد "التزام" شاعر يساري (والأرجح أنه سيعتبره تخلياً عن الالتزام الحقيقي) أو أن ناقداً يسارياً سيمجد التزام شاعر يميني (والأغلب أن يسمى "الالتزام" رجعية، أو بورجوازية). الالتزام منحة من النقاد الملتزمين - أو القراء الملتزمين - لذلك الإنتاج الذي يتواءم مع مواقفهم السياسية والدينية والفكرية.

كنت، ولا أزال، أقول يكفيني صدق التجربة وقت الكتابة. أشعار أبي نواس في التوبة جاءت أروع من أشعار الزهاد المحترفين؛ لأنها كتبت بمنتهى الحرارة. كان المتنبي رائعاً في مدحه وهجائه لنفس الشخص؛ لأنه كان صادقاً في مدحه وهجائه لنفس الشخص. كنت، ولا أزال، أرى أن إصرارنا على "التزام" الشاعر سيزج بنا في متاهة من المعايير الأخلاقية والفكرية والاجتماعية التي لا تمت بصلة إلى معيار الفن.

أما فيما يخصني، فقد قبلت من البداية حقيقة كوني شاعراً واستسلمت لها، كما استسلمت لحقيقة أنني لن أستطيع أن أطل على الحياة إلا عبر نظارة طبية سميكة، ولحقيقة أن أحدا لن يسميني أبداً الشاعر النحيل، لم يكن ثمة حساب أرباح وخسائر لتحديد ما أخذت صفة الشاعر وما أعطت. كنت أتفاعل مع أحداث الحياة المعقدة عملاً وقولاً دون محاولة واعية لفلسفة هذا التفاعل. عندما تأتي أنت الآن وتقرر أن حقيقة كوني شاعراً كانت لها الكلمة الفاصلة - عندما تقرر بعبارة أخرى أني كنت ملتزما - فأنت تسبغ عليّ صفة من عندك، من خارج ذاتي.

لا أزال أقول لا التزام عندي إلا بعدم الالتزام!

مشروع لكتابة رواية

كتاب "سيرة شعرية" - الذي أعتقد أنه أيضاً سيرتك الذاتية إلى حد ما وليس سيرتك الشعرية الخالصة كما أشرت في المقدمة - يقف زمنيا عند حدود أربعينك من العمر. وأنت الآن قد نظمت قصيدتك "الخمسينية" أخيراً احتفاءً بهذه المناسبة السعيدة من عمرك المديد إن شاء الله. فهل لسيرتك الشعرية أن تمتد؟ تعرف أن الشاعر ميخائيل نعيمة كتب "سبعون" فهل من سيرة شعرية جديدة، نوعاً وكيفاً، لا زمناً وكما فحسب، وأعتقد بالقطع أن لديك تجارب مختلفة نوعياً عن مرحلة الأربعين وما قبلها من براءة الصبا والشباب وانطلاقتهما.
في أي مرحلة من العمر تنوي كتابة السيرة الجديدة؟ وهل ستكتب "الجزء الثاني"، وتترك الجزء الأول كما هو؟، أم تعيد صياغة ما استقدمت في ضوء ما استدبرت - إذا شئنا استعارة تعبير عمر بن الخطاب - لتكتب كتاباً جديداً يتضمن تصحيحاً أو تعديلاً للكتاب الأول؟

- صدرت الطبعة الثانية من "سيرة شعرية" بعد أن تجاوزت الخامسة والأربعين. ولا أظن أنه جد على مساري الشعري منذ ذلك الحين ما يبرر صدور طبعة ثالثة.

تبقى السيرة الذاتية، وكتابتها حلم يراودني منذ فترة طويلة. وهناك عقبتان، واحدة تتعلق بالمبدأ، والأخرى تتعلق بالتفاصيل. من حيث المبدأ: مادام لا يمكنني أن أقول كل ما أريد قوله، لأسباب لا تخفى على فطنة أحد، هل يجوز لي أن أكتفي بما يمكنني قوله؟، ثم يبقى الشكل الفني الملائم: هلى تجيء السيرة الذاتية بالطريقة التقليدية المألوفة، وهي طريقة تقتل القارئ من الملل ما لم تكن أحداث "السيرة" خارقة ومثيرة؟، أم أن هناك أسلوباً آخر؟ أراني أميل تدريجياً إلى أن الشكل الأمثل هو الرواية حيث تمتزج الوقائع بالخيال ويتاح قدر أكبر من الحرية. ما أفكر فيه أن تكون لكل مرحلة روايتها: الطالب، الأستاذ، الموظف.. إلخ، هذا مشروع في الأعماق لا يزال يعتمل، ولم يختمر.

لست خائفاً من النضوب الشعري

تحدثنا قبل قليل عن مرحلتك الخمسينية. وفي تقديري الخاص أنك ستعيش كهولة (وشيخوخة مديدة إن شاء الله) تتصف بالسعادة وخصوبة الإنتاج، لأن شخصيتك الناثرة والمفكرة ستستيقظ وتنضج أكثر مع تقدم العمر، في وقت ربما هدأت فيه شاعرية الشباب، وشباب الشاعرية كما يحدث للشعراء مع تقدم العمر، (هل حدث ذلك معك فعلاً؟!!) وفي هذه الحالة يتأزم الشاعر الذي ليس له غير الشعر، ويشعر بالعقم والنضوب والأسى، بينما أنت لديك من الزاد الفكري ما يعد بشتاء دافئ، ما تفاعلك مع "تصوري المستقبلي" هذا؟ هل تجد له أصداء أو مؤشرات وبوادر في تجربتك؟
- بعد أن صدق عدد كبير من توقعاتك، وأشير بصفة خاصة، إلى انهيار الشيوعية في أوربا الشرقية وبروز العملاق الآسيوي، لابد لي أن آخذ "تصوراتك المستقبلية" بالكثير من الجدية.

أن يكون الإنسان ذا جوانب متعددة، بالإضافة إلى الشاعرية، كما يحلو لي أن أتصور نفسي، فهذا سلاح ذو حدين. لقد قلت لي أنت نفسك أكثر من مرة إنه لابد للمرء أن يكون شاعراً فحسب، أو شاعراً قبل كل شيء إذا أراد لشعره الخلود. وكنت أصر دائماً على أنني لا أستطيع أن أكون شاعراً فحسب، بل لابد أن أكون شاعراً مع كل شيء، ولم أكن أطمع، على أية حال، في خلود شعري. ويجيء الجانب المضيء في الصورة، ما ذكرته في سؤالك، وهو ما بدأت ألحظه بالفعل، من بروز الاهتمامات الأخرى إلى السطح.

لا يراودني، الآن، أدنى خوف من كهولة ناضبة شعريا. هناك هذا الترقب الهادئ لقصيدة قد تجيء. إذا جاءت نزلت في العيون، وإن لم تجئ أشعر بأنني بركان قد خمد، أو بئر قد جفت. بسبب اهتماماتي الأخرى يستوي لدي، هذه الأيام، عندما أخلو بنفسي، أن أخلو لأكتب قصيدة، أو لأرحل بهدوء في أعماق إنسان آخر عن طريق كتابه، سواء كان كتابه شعراً، أو رواية، أو فقها، أو فلسفة.

الوعي بين النثر والشعر

لاحظت في مقالة نقدية لي نشرتها "العربي" عام 1983 أنك تمكنت من الجمع بين أسلوب الشعر وأسلوب النثر - في ظاهرة ليست شائعة في حياة الشعراء - ولكن المفارقة العجيبة التي لاحظتها في تلك المقالة أن أسلوبك في الشعر جزل رومانسي حزين - عدا شعر المداعبات الإخوانية الذي لا تهتم بجمعه ونشره إحساساً منك بأنه لا يمثلك في العمق - بينما أسلوبك في النثر سلس، فكه، خفيف، على قدر كبير من الظرف وخفة الروح (كحضورك الاجتماعى)، كيف تفسر هذا النسيج غير العادي في تكوينك الشعري والشخصي ككل؟
وقبل أن تجيب، أرجو ألا تعتبر سؤالي هذا مجرد صدى للسؤال القديم الذي سألك عارفوك وأثبته في سيرتك الشعرية: "هل لك شخصيتان متميزتان إحداهما مرحة متفائلة وهي التي نراها بيننا. والثانية متشائمة مكتئبة وهي التي نقرؤها في شعرك؟، (بعبارة أخرى) هل أنت إنسان مرح متفائل وبالتالي نستطيع أن نعتبر شعرك الحزين نوعاً من الخداع؟ أم أنك إنسان حزين متشائم وبالتالي نستطيع أن نعتبر مسلكك بيننا نوعاً من الخداع؟".

كلا. من معرفتي بك لا أعتقد أنك مخادع في أي من الحالتين، سؤالي: كيف استطعت أن تجمع بين الحالتين دون أن تكون مخادعاً!!

- الإجابة، في اعتقادي، تكمن في أن كتابة النثر عملية واعية، ظاهرة إرادية يملك الكاتب قدراً كبيراً في مسارها. بينما نجد أن كتابة الشعر، بالنسبة لي، على أية حال، عملية يتم الجزء الأكبر منها في اللاوعي. وإذا سلمنا أن هناك وعياً ولا وعياً، وهذا أبرز ما أنتجته نظرية "فرويد" دون التسليم بما بناه على الفارق بينهما من دلالات واستنتاجات، كان لنا أن نقول إن النثر يعكس الجانب الظاهر من شخصيتي، الوعي، أما الشعر فيمثل المختفي، أو اللاوعي.

يغوص الشعر ويخرج بأشياء لا يفاجأ بها الآخرون فحسب، بل أكون أنا أحياناً أول من يفاجأ بها، ومنها ذلك الشعور بالكآبة، وهو شعور لا أحس به في عقلي الظاهر، ولا في تصرفاتي.

ولكن مهلاً! لماذا تريد مني التفسير؟! أنا أرى أن التفسير الذي انطوت عليه مقالتك المشار إليها في "العربي" أفضل من أي تفسير يمكن أن يصدر مني.

الصحراء في أعماق قلبي

عندما لخصت المعنى الكامن للثقافة في شرق الجزيرة العربية والخليج قلت إنه يكمن في "جدلية البحر والصحراء"، في تلك الظاهرة البرمائية للوجود الحضاري في المنطقة: حيث أمواج البحر المنفتح على البعيد وعلى العالم كله تتوازن وتتجاذب مع أمواج الرمل الصحراوي وامتدادها الضارب في عمق الأرض الصلدة. فالموج حركة وتغيير، والصحراء ثبات وسكون وحصانة ذاتية. ومن المعنيين - الحركة والثبات - تتولد هذه الجدلية. باعتبارك أحد الشعراء والمثقفين ورجال المجتمع البارزين الذين خبروا هذه الجدلية بوجهيها البحري والبري - من "أشعار من جزائز اللؤلؤ" إلى "أنت الرياض" حيث في الديوان الأول رائحة البحر ولآلئه واضحة وفي الثاني "كأنك أنت الرياض، بأبعادها، بانسكاب الصحاري على قدميها" - كيف ترى هذه الجدلية؟. هل هي فرضية واردة؟. وكيف هو التعاطي بين محوريها: انسجام، أم تجاذب، أم تباين، أم ماذا؟
وأظنك لمست الجانب المنسجم منها عندما قلت في قصيدتك جسر المحبة:

بدو وبحارة ما الفرق بينهما؟

والبر والبحر ينسابان من مضر.

(ولكنك القائل أيضاً):

والبيد من غير حد، والمسافر حد).

هذا شعر جميل، لغازي الشاعر.

ترى ما قول غازي المفكر والمجرب الواقعي في جدلية "البر والبحر"؟
وهو يجوبها فوق جسر الحياة جيئة وذهابا، ذاكراً أنه كانت لك غرفة بحرية ببيتك في الرياض.

- أنت أكثر مني ولعا بالجدليات - البر/ البحر، الحضارة/ البداوة، التناقض/ التوفيقية، وأكثر مني إيماناً بها كمفاتيح لفهم شتى الظواهر. ومن هنا فأنت أقدر مني على التعميم. ولكني أستطيع أن أتحدث عن نفسي. أنا - ككل العرب - أحمل الصحراء في أغوار عقلي الباطن: أحمل هذا التراث الشاسع من الغيلان والسعالي والسراب والواحات. والذي كثيراً ما يطفو على سطح القصيدة. وأنا - بالذات - أحمل الصحراء في أعماق صدري بمعناها المباشر: فقد ولدت وترعرعت في أحضانها، وقضيت ليالي لا أحصيها أعد نجومها. ولذلك تستطيع أن تعتبرني كائناً صحراوياً (ولعل هذا ما يفسر ذلك "الظمأ" الذي لا يغيب أبداً عن شعري). غير أني أحمل - ككل الخليجيين - البحر في أغوار عقلي الباطن: هذا السجل الحافل من أساطير السندباد ورحلات ابن ماجد، هذا التاريخ المثير من أسماك القرش واللؤلؤ وتجار اللؤلؤ ورقيق اللؤلؤ.

وأنا، بالذات، أحمل عشقاً خاصاً مباشراً للبحر الذي لا أطيق البعاد عنه (وكنت في الرياض أجده في غرفتي البحرية التي أشرت إليها والتي تحمل كل شيء من البحر إلا الماء!) تستطيع، إذن أن تعتبرني كائناً بحرياً. هل نعود إلى برج الحوت؟!، هذا كل ما أستطيع قوله، وأترك الباقي لغيري، ليقول لي أثر الجدلية الصحراوية/ البحرية، على حياتي أو على شعري.

نحن والأزمة العربية

في أشعارك وكتاباتك إشارات عديدة إلى الأزمة العربية الشاملة التي نعانيها في المرحلة الراهنة، وحتى في شعرك غير الالتزامي، والعاطفي، أستطيع أن أؤشر إلى معاناة ظاهرة أو خفية لهذه الأزمة.
هل يمكن أن تخبرنا عن خلاصة معاناتك وتجربتك لذلك، كيف ترى المسألة كلها؟، وهل من حل؟ ومن أمل؟

هنا أنا أسال غازي "كله"، لا أسأل الشاعر أو الناثر.

- هذا "سؤال الأسئلة"!. الأزمة هي (تخلف، جهل، تعصب، في مناخ مرتبط بانعدام الحرية) والحل هو (تنمية، تعليم، تسامح، في مناخ حر). هذا ليس كشفاً، ولا إلهاماً، ولا ابتكاراً. هذا هو الدرس الذي تعلمته البشرية عبر معاناتها الطويلة خلال القرون.

ولكن المشكلة لا تنتهي هنا، بل تبدأ. التحدي هو أن تنحاز في قراراتك، كل قراراتك، إلى الحل لا إلى الأزمة. وقد حاولت في كل موقف، صغيراً كان أو كبيراً، أن أكون مع التنمية وضد التخلف، مع التعليم وضد الجهل، مع التسامح وضد التعصب، ومع الحرية وضد التسلط. إلا أن الخيار نادراً ما كان بين الأبيض والأسود، كانت هناك درجات مختلفة من الظلال. هل كانت قراراتي صائبة؟ هل كان معظمها صائباً؟ هل كان بعضها صائباً؟ علم هذا عند ربي.

ثم هناك "عذاب العذابات"، المرتبط "بسؤال الأسئلة"؟! هل أستطيع أن أقرر أني كنت جزءاً من الحل ولم أكن جزءاً من الأزمة؟ من يضمن لي أني لم أكن، بقضي وقضيضي، عرضاً في مرض: التخلف، الجهل، التعصب، التسلط؟!. ثم يسألونني "لماذا الكآبة"؟!!!.

التعليم مفتاح التقدم

تجربتك البعيدة عن الشعر تماماً، في التنمية والصناعة والخدمة العامة (إذا كنت تشاركني القول بأنها بعيدة عن الشعر في نظرك)، كيف يمكن وضعها في سياق تجربتك الحياتية الشاملة؟، هل أغنت حياتك الأدبية أم أنضبتها؟ كيف كان الشعر "يشتغل" بداخلك وأنت تشتغل بالتنمية؟.
ولو عاد الزمن من جديد هل كنت تختار مسارها مرة أخرى؟

وبعيداً عن هذا كله، ما محصلة انطباعك كمثقف عربي جرب الخدمة المدنية العامة في الوطن العربي؟

- لا شك أن قدري المهني كان معقداً بعض الشيء. هل تعرف شاعراً لديه خبرة واسعة في التدريس الجامعي، وتشغيل القطارات، وإدارة المواني والتسويق الصناعي، وشبكات توزيع الكهرباء، والطب الوقائي، والحصانات الدبلوماسية؟! يمكن، من الوهلة الأولى، أن أقول إن كل هذا لم يكن له أي علاقة بالشعر. ولكني، بعد الوهلة الأولى، أتذكر أني لم أتعلم شيئاً من هذا كله إلا عن طريق التفاعل مع الآخرين، مع البشر، والبشر، في نهاية المطاف، هم مادة الشعر الأولى، والأخيرة!.

هل كان بالإمكان لو اتخذ مساري المهني خطاً آخر، لو بقيت في الجامعة مثلاً، أن تكون حصيلة الشاعر من التجارب أغنى وأخصب؟ هذا سؤال طالما واجهته، وطالما وجه إلي، وكنت أعجز عن الإجابة، لأني أعرف ما كان، ولا أعرف ما كان يمكن أن يكون.

لو عاد الزمن من جديد، لاخترت ما أعرف. وهذا، كما ترى، من قبيل الجبن الشديد. لا الإعجاب بما كان!.

محصلة تجربتي الطويلة في الخدمة المدنية جملة واحدة لا أمل تكرارها: التعليم، بكل وجوهه النظرية والتدريبية والعملية، هو مفتاح التقدم، وما عداه باطل الأباطيل وقبض الريح.

مجتمع الحساسية والخوف

هناك انطباع مؤداه أن الحياة الفكرية العربية على المستويات الخاصة - عندما يجلس المفكرون كأصدقاء وراء أبواب مغلقة - تمتاز بالحيوية والخصوبة والجرأة وتنطوي على أفكار ابتكارية حية، بينما هذه الحياة على المستويات العامة، عندما يخاطب نفس الأشخاص الجمهور في العلن، تتصف بالرتابة والجمود والتكرار والاجترار، وأن المفكر ذاته يبدو مبدعاً مجدداً في نطاق خاصته، ويبدو عديم اللون إلى حد بعيد على مستوى الخطاب الجماهيري أو الرسمي العام، ما رأيك في هذا الانطباع من تجربتك مع أصدقائك ومعارفك من المفكرين والأدباء ورجال الكلمة ومن تجربتك مع ذاتك أيضاً؟ لماذا تحدث هذه الظاهرة إن صحت؟ هل لها علاج؟ وهل ترى أنها استمرار لأزمة الفجوة بين "ثقافة العامة" و "ثقافة الخاصة" في التراث العربي قديمه وحديثه؟ أم أنها مسألة أخطر من ذلك؟
- نحن جميعاً، خوافون. لا! هذه الكلمة ثقيلة بعض الشيء. فلنقل إننا جميعاً، حساسون، خاصة أن الحساسية، هذه الأيام، من الأمراض "النبيلة" التي يعتز بها الأطباء والضحايا على حد سوء.

لنكن منصفين. كل البشر، ما عدا المجانين، يفعلون في السر، أو مع خاصتهم، ما لا يفعلونه في العلن. بل إن العرب في الجاهلية لم يكونوا ينفرون إلا من الإثم "العلني"، فجاء القرآن الكريم يلحق ما "بطن" من الفواحش بما "ظهر" في التحريم. ولعلنا نحمل في أعماقنا شيئاً من الإرث الجاهلي في هذا المجال. إلا أنه بمقدار ما تزداد الهوة بين التصرف العام والتصرف الخاص يعاني المجتمع من ظاهرة "الفصام". وأتصور أن مجتمعنا العربي "منفصم" أكثر من سواه. والسبب هو الحساسية. وحساسيتنا معقدة إلى أبعد مدى. هناك الحساسية "السياسية": الخوف من إغضاب أهل الحول والطول، وهناك الحساسية "الدينية": الخوف من إزعاج أهل الفتوى والوعظ، وهناك الحساسية "الاجتماعية": الخوف من مس الاعتبارات العشائرية أو الأسرية أو الشخصية. وهناك ما شئت من حساسيات.

كانت المحصلة النهائية أننا تحولنا، بدرجات متفاوتة، كمجتمع، إلى "باطنيين" نظهر من الآراء ما لا نبطن. جاءت الأشياء "المضنون بها على غير أهلها" والمقصود، بطبيعة الحال، الأشياء التي تسبب إذاعتها على الناس خطراً على قائلها وجاءت "ثقافة الصفوة"، أي الثقافة التي تغضب العامة لو وصلت إليهم. والعلاج؟! لم يكتشف الطب، الطب العربي على أية حال، حتى الآن أي علاج للحساسية!!.

شخصيات وآراء

شخصيات من التراث العربي أحببتها وتأثرت بها، وأخرى لسبب أو لآخر لم يقم بينك وبينها ود؟ وشخصيات من التراث العالمي استلهمتها وأعجبت بها؟
كيف تتفاعل مع ذكر الشخصيات التالية في الحياة الثقافية الحديثة أو المعاصرة بالجزيرة العربية والخليج:

إبراهيم العريض - عبد الله القصيمي - حمد الجاسر - عبدالرحمن منيف - عبد الله الغذامي - قاسم حداد.

أسماء أخرى تحب أن تضيفها أنت؟

وبالمناسبة أشعر أن شعورك تجاه نزار قباني قد تعاوره صعود وهبوط. إن كان ذلك صحيحاً، هل يمكن أن تلخص لنا قصتك معه؟: أعني قصة ذلك الشعور في تحولاته؟

- شخصيتي المفضلة في تراثنا هي عمر بن عبد العزيز الرجل الأسطورة المأساة. أما الرجل الأسطورة فنعرفه جميعاً وقد أضافت كتب التراث إلى الرجل وإلى الأسطورة هالة كبرى من الخوارق والمعجزات. أما المأساة، فلم نسمع عنها، بعد، بما فيه الكفاية. المأساة هي معاناة الإنسان الذي حاول قلب النظام من الداخل ومات قبل الأربعين مسموماً، على الأرجح. أن يحاول إنسان قلب نظام لا يؤمن به، ظاهرة مألوفة عبر التاريخ. وأن يحاول إنسان ترسيخ النظام الذي خرج منه، ظاهرة مألوفة أخرى. ولكن أن يحاول إنسان، بمفرده، إعادة تركيب النظام الذي أنتجه، ظاهرة نادرة. كم أتمنى أن أكتب عن عمر بن عبد العزيز، ذات يوم، عملا شعريا يرتفع إلى مستواه، أما الشخصية التى أمقتها مقتاً عميقاً يتزايد عبر السنين فهي الحجاج بن يوسف (وكم توجعني المحاولات المتهافتة التي تنشر بين الحين والآخر لتصويره مجاهداً في سبيل الله!!). لو أخذنا ما نقلته المراجع التاريخية عن ضحاياه من قتلى وسجناء وحذفنا 90% من الأعداد باعتبارها من قبيل المبالغات أو الأكاذيب، واحتفظنا بالعشر الباقي لبقيت لنا صورة كالحة لرجل من أكثر طغاة التاريخ دموية وعنفاً وسوداوية وشذوذا. إنه وصمة من أشد الوصمات السوداء سواداً في تاريخنا، وتقاعسنا عن الاعتراف بهذه الحقيقة وصمة أخرى.

من الثراث العالمي أتعاطف مع شخصية خيالية هي "دون كيشوت"، هذا هو البطل الوحيد في التاريخ الذي خاض معاركه دون أن يسفك دماً أو يدمر مدينة أو ييتم طفلة!. وأكره كل هذا الحشد الهائل من "الفاتحين العسكريين"، بدءا بالإسكندر وانتهاء بهتلر!.

إبراهيم العريض: هذا الرجل هو الذي وضع الخليج على الخارطة الشعرية العربية. عندما قلت عنه، مرة، إنه كان شعر الخليج، لا مجرد شاعره، لم أكن أبالغ. عبر الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات كان العريض الصوت الشعري الخليجي الأصفى، والأنقى، والأبعد صدى. يكفينا هذا منه، ويكفيه هذا منا! ليس من الإنصاف في حقه أن نأخذ منه هذا الإنجاز، وليس من الإنصاف في حق الشعر أن نعطيه أكثر من هذا الإنجاز.
عبد الله القصيمي: بأسلوب القصيمي نفسه أقول لك إن أي محاولة أو دراسة أو تحليل أو تشريح لفكر أو إنتاج أو فلسفة أو أطروحات أو كتب أو نظريات القصيمي لن تنتج أو تظهر أو تبين أو توضح سوى مقولتين أو شعارين أو جملتين هما "اكفروا بالله" و "قلدوا الغرب". يا ضيعة العضلات الفكرية!! إن ذكر التاريخ القصيمي فسوف يذكره لهجومه الرائع على الديكتاتوريات العسكرية. وهذه هي النقطة المضيئة الوحيدة في تراثه.
حمد الجاسر: في عالم "سلق" الكتب وإنتاجها بالجملة، أعني العالم العربي، يقف حمد الجاسر راهباً حقيقياً من رهبان العلم: من تلك الصفوة التي تقضي سنين طويلة في تأليف معجم واحد، أو استكشاف منطقة واحدة. وكل تقدم في العلم لا يتم إلا بواسطة "رهبان العلم"، أمثال الجاسر. لو كان لدينا أكثر من جاسر في كل مجال فكري لتغيرت حياتنا الفكرية إلى الأفضل.
عبد الرحمن منيف: موهبة روائية حقيقية لا شك فيها. ولكني آخذ عليه مأخذين (وفي الرواية، كما في غيرها، كفى المرء فخراً أن تعد معايبه!) المأخذ الأول أن أيديولوجيته، وهي يسارية ما قبل سقوط سور برلين، كثيراً ما تدفعه لا إلى لي عنق الحقائق، وهو أمر مقبول في الفن، ولكن إلى كسرها، وهو أمر غير مقبول لا في الحياة ولا في الفن. بصفة محددة، أقول إن "مدن الملح" ليست ملحمة النفط والصحراء ولكنها كاريكاتير سياسي لهذه الملحمة. والمأخذ الثاني أن انضباطه العقائدي لا يواكبه، دائماً، انضباط فني. في رواياته تجد فصلاً من مائة صفحة وفصلاً من صفحتين (وهو، طبعاً، حر في فصوله وأنا حر في نقدي!) هل من المعقول، مثلاً، أن تحتل شخصية مسطحة أحادية الجوانب لطبيب انتهازي ثلث رواية عن ملحمة النفط والصحراء؟!!!.
عبد الله الغذامي: لا أفهم الكثير مما يقوله عبدالله الغذامي، ولا أتفق معه في الكثير مما أفهمه. ومع هذا، فإنه له مكانة خاصة في قلبي. ربما لأنه مثير للجدل، وأنا أحب الشخصيات المثيرة للجدل. ربما لأنه حول الناقد من واعظ ممل إلى نجم صحفي لامع!.
قاسم حداد: شاعرية قاسم حداد أمر لا أشك فيه لحظة. ولكن قراءة شعره لا تختلف كثيراً عن الضرب في أعماق "الفتوحات المكية"؟ وبقية طلاسم الصوفية. هذه النظرة "الصوفية" إلى الشعر لا أفهمها، ولكني أقدرها، خاصة في هذا الزمان الذي يحرص فيه الشعراء على اجتذاب أكبر قدر ممكن من الشعبية والأتباع والمعجبين.
نزار قباني: لم يطرأ تغيير يذكر على رأيي في نزار قباني. فمنذ بدأت في القراءة له، وأنا مراهق، وحتى يومنا هذا، وأنا اعتبره شاعراً كبيراً عبرّ عن هموم العصر بلغة دخلت كل بيت. الذي تغير هو نزار قباني، فقد بدأ يكرر نفسه، على طريقة هوليوود. عندما ينجح فيلم "الشبح" يصدر "الشبح 2" و "الشبح 3". ألا ترى أن معظم شعر نزار قباني في العقدين الأخيرين هو "هوامش على دفتر النكسة - 2" "وهوامش - 3"؟!

محمد جابر الأنصاري مجلة العربي سبتمبر 1991

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016