مختارات من:

مولد الفن الحديث

عدلي رزق الله

عثرت على كنز سيعينني بشكل أساسي في بحثي عن المعرفة الفنية بالإضافة إلى كنوز صغيرة أخرى, مضافاً إلى كل هذا ما سبق وعرفت من قراءاتي وزياراتي للمتاحف والمعارض, وتجربتي الفنية. الكنز هو (مغامرات الفن في القرن العشرين), 912 صفحة بالتمام والكمال. رئيس التحرير جان لوي فيرييه Jean-Louis Ferrier , بالاشتراك مع يان لوبيشون Yann Le Pichon ثم مجموعة علمية مكونة من ثلاثة أشخاص لن أثقل عليكم بكثرة الأسماء ثم ثلاثة وثلاثون اشتركوا في هيئة التحرير, ثم تسعة أسماء أخرى بين مشرف فني ومنفذي ماكيتات, ومصححان إلى آخره. بالإضافة إلى قائمة أخرى كبيرة قدمت معلومات وساهمت في تقديم الصور والوثائق, تتفرق بين متاحف ومؤسسات رسمية وغير رسمية وأشخاص جامعي أعمال فنية.

عمل جماعي نفتقده دائماً في بلادنا. الموهبة في بلادنا فردية, والقدرة فردية فمتى نتعلم العمل الجماعي والمؤسسي.. متى !! ؟ هل ستمضي حياتنا قبل أن نرى هذا اليوم.

سنرحل معاً في هذا القرن حتى نستطلع كل المظاهر الخافية والمراوغة لقرن فني ثري نستطيع أن نقول الآن إنه لا يمكن مقارنته بأي قرن آخر من القرون التسعة عشر السابقة عليه. تعالوا نستعرض معاً بعض الملاحظات الأولى ونضعها في صيغة أسئلة أو ملاحظات.

ولدت الدادا 1916 أي في منتصف السنوات العشر الثانية في القرن ومع ذلك سنرى طغيانها على الفن في نهايات القرن.
هل كل جديد يعني الجدية وعلو القيمة؟.. هل سيادة الكم وكثرته في الجديد تعطي القيمة؟
هل التتابع الزمني بشكل ميكانيكي سيعطينا فكرة واضحة عما حدث؟, أم علينا التأمل والتفكير والتمحيص بموازاة تتابع السنوات تاريخياً؟
من هم الفنانون حقاً الذين أضافوا وغيروا في تاريخ الفن؟ وما هي الحركات والمدارس التي عاشت وأثمرت؟, والعكس قائم وصحيح.
أين الفن والفنانون الهامشيون الذين ولدوا خارج إطار الحركات السائدة والمدارس التي طغى وجودها على هذا القرن؟
يهمني هنا أن أتوقف قليلاً لأقول حقيقة وليس تواضعاً مني, إن هذا العمل الذي أنا بصدد إنجازه لن يتعدى بحث فنان فرد, لا يدعي لنفسه امتلاك أدوات تسمح له بقول الكلمة (القاطعة), التي تملك كل الحقيقة, بل هي مجرد مجاهدات فنان فرد ليس مؤرخاً بأي شكل وليس ناقداً أيضاً, فأنا لا أدعي لنفسي ما لا أملك أدواته وإمكاناته.

ثورة تامة

نستطيع القول دون خوف إن القرن العشرين أحدث ثورة تامة في الفن مثلما حدث في الفن المصري القديم أيام إخناتون رغم عدم استمرار تلك الثورة أو مثلما حدث في عصر النهضة الإيطالي مقارنة بالعصور الوسطى السابقة عليه.

ولدت الحوشية وهي الكلمة التي صكها الفنان رمسيس يونان لترجمة كلمة Fouvisme وكانت التأثيرية قد ولدت في نهاية القرن التاسع عشر وولدّت خلافاً تراوح لدى البعض بين رفضها المطلق ولدى البعض الآخر للقيام بدور مهم وهو المساعدة على تغيير الذائقة الجمالية, كذلك مع بداية القرن كان جوجان, سيزان وفان جوخ أبعد ما يكونون عن الاعتراف بوجودهم الفني, كانوا يعتبرون حفنة من (الطليعيين) ولم تكن تلك الصفة قد أخذت جانبها الإيجابي الذي يدعو إلى الاحترام بعد. التعبيرية ولدت في ألمانيا.. تصدع البناء الصارم السابق ولم يعد القرن العشرون بعد ذلك إلى الوراء أبداً. بيكاسو يحصل على شهرة مدوية وعمره 26 عاماً, وكان ذلك حوالي 1907 وقد كان يعيش في العوز والفاقة قبلاً في حي مونمارتر. كان قد حقق الفترة الزرقاء والوردية. ويقتحم الفن الأفريقي الحياة الباريسية والفن الغربي الأوربي. المعجزة بيكاسو وآنسات افينيون, وولدت حينئذ التكعيبية. (النسبية) تحطم كل صرامة وتماسك الماضي.

نهاية الفن المرتبط بالتأريخ.

نهاية فن التظاهرات الضخمة.

بدلاً من (اليقين) يصك القرن (كيف, ولماذا)؟ تجاه كل شيء.

الطليعيون لن يحرموا أنفسهم دون ملل من طرح (السؤال) في مواجهة اليقين.

ما أحوجنا مع نهاية القرن إلى طرح (السؤال) تجاه اليقين الزائف لدى الفرقاء شكلاً في بلادنا والمتفقين منهجاً رغم الخناجر المسلولة في أياديهم والمشهرة في وجوهنا ووجودنا. بالألوان المائية كاندينسكي يحقق أول لوحة تجريدية عام 1910, ويصرخ قائلاً إن تفتت الذرة يعبر عما يحدث الآن في هذا العصر. فلتسقط الحوائط. فليتحلل اليقين وليحل محله الشك. لدى آخرين مثل دوشامب Duchamp وتأملات محسوبة رياضياً في الفراغ والحجم, ماليفتش Malevitch وموندريان Mondrian تغزوهما فلسفة الشك أيضاً.

ولُد الفن الحديث آنذاك.

ماتيس يقود الاستمرار ويحمل إلينا أنفاس جيوتو في التصوير مرة ثانية, وفي نهاية حياته حيث الأعمال خارقة الجمال والتلخيص للأنثى المتجردة العارية في الكولاج ذي الألوان الصريحة حيث أوراق القص واللزق. ومن يزر متحف الفن الحديث يشدهه جمال تلك المجموعة, والمعروضة باهتمام لائق وأناقة يتميز بها الفرنسيون في العرض ويقدم لنا حلاً بتخليه عن الرسم المسبق, فهو يهاجم العمل دون أي تحضير يعتمد على الخط حيث ظل التصوير قروناً طويلة سجيناً له وتقارب التصوير حينئذ من النحت الذي لا يحتمل مثل هذه الإشكالية بالطبع وتجاوزنا مشاكل بوتيتشلي وليوناردو دافينشي الرسام العظيم والمصور كذلك.

بونارد Bonnard في رسومه التي كان يحققها إثر لمحة عين خاطفة حين ولوج مكان ما, وبهذا دفع بونارد المدرسة التأثيرية إلى حدها الأقصى.

الفنان أصبح جزءاً من الطبيعة وليس محاكاة الطبيعة التي ظلت ملازمة للفن الغربي بداية من الفن الإغريقي مروراً بعصر النهضة حتى نهايات القرن التاسع عشر. وما بدا تجريدياً وصعب الفهم كان بسبب عدم معرفة طرق أبواب الذائقة الجديدة اللازمة لفتح أبواب التلقي. بول كلي يكتشف لنا قانون النمو والحياة والموت في الطبيعة وهو يعتقد - وله الحق - أن الفنان الحديث اقترب من الطبيعة أكثر من ذي قبل, وأنا شخصياً أفهم قولته جيداً لأنني اكتشفتها في أعمالي وأحيلكم إلى (زهور المحاياه) و (الإلهة الأم), ولا يخلو عمل لي من الغوص في أعماق الطبيعة, حتى النور والفراغ والهواء غير المرئي والذي أعطى الحياة في لوحاتي ويعطيها الحياة أيضاً. إنها مخلوقات حية في حد ذاتها تعيش داخل طبيعة الفن وتتوازى مع الطبيعة في الكون.

حينئذ لا بد من ذكر السوريالية حيث البحث عن الفضيحة في الفن وكسر جمود الواقع المعيش, بحثاً عن الاستمرار رغم الهدم وهو طبيعة كل هدم في الفن, وهنا لا بد من ذكر السوريالية المصرية التي كانت حركة ثورية في الفن والأدب هزت المجتمع المخملي الرصين الأكاديمي الذي كان يقوده أحمد صبري من جانب ويوسف كامل تلميذ التأثيرية التي لم يضف إليها شيئاً بل ظل هو وتلاميذه مجرد مدرسين لا يمكن ذكر إنجاز لهم بينما استطاعت السوريالية المصرية إنجاز الكثير على يد جورج حنين الذي لاقى نجاحاً في فرنسا بعد ذلك واعتبر من كبار شعراء فرنسا حتى نهاية القرن, وقد كنت شاهداً على ذلك حيث إقامتي الباريسية بين عامي1970 و1980 . كما يجب ذكر رمسيس يونان وكتاباته النظرية في الفن مجاوراً لفؤاد كامل المصور المهم. أما الإنجازات في الفن التشكيلي إبان السوريالية فقد أعطت نفسها لمحمود سعيد, والجزار, وحامد ندا. بينما سيأتي ذكر رمسيس يونان وإنجازه الضخم في السنوات العشرالأخيرة من حياته. (أنسن التجريد) كما أحـب أن أطلق على أْعماله الأخيرة.

ويلاحظ أن هذا القرن قد قدم لنا الفنان الفرد كما لم يحدث أبداً قبلاً في تاريخ الفن. ويبدو ذلك واضحاً عندما نذكر مثلاً موندريان وبيكاسو وماليفيتش وكاندينسكي وبيكون ويمكن السرد بلا توقف لعشرات المختلفين جذرياً في الرؤى والدعوة والموقف والمضمون والشكل لكنهم جميعاً حققوا إنجازاً كبيراً وبجمعهم معاً نستطيع أن نتعرف على القرن العشرين الغربي. أتخيل موزاييكاً من كل هؤلاء معاً لنتعرف ونتفهم ويتسق بداخلنا تاريخ القرن الذي هو مجال البحث والدراسة.

لكي نتفق..

ولكي نختلف..

لكن بفهم ووعي وهذا هو هدفي من تلك الدراسة الذاتية لفنان مصري عاش أغلب عمره في هذا القرن ويتمنى أن يعيش بعض القرن القادم.

قرن التحدي والجرأة والاقتحام

دو شامب يرسل مبولة على قاعدة نحتية إلى نيويورك تحت عنوان (نافورة) وكان هذا عام 1917, عام 1945 جاسبر جونز رسم علم أمريكا في لوحة, عام 1976 الفنان كريستو Christo يحقق توالا بعرض 40 كيلو مترا على حائط زائل لن يبقى. عام 1985 الفنان نفسه يحيط كوبري بونت نوف Pont Neuf لمدة ثلاثة أسابيع كاملة.

هل يعنينا ما يفعلون!؟

سؤال يعنيني دائماً, وفي الحقيقة أنا أرى أن علينا أن نعرف ما حدث وأن نقبل أو نرفض بعد ذلك ونختار لأنفسنا طريقنا الذي يطرح (سؤال حياتنا) في الفن, وقد يتلمس الإجابة عنه في أحسن الأحوال.

لكن مطمعي في هذه الدراسة هو رصد ما حدث وسأسمح لنفسي كفنان بالتعليق والتأمل والمحاورة. هذا قدر واختيار لن أحيد عنه.

عندما اختار دوشامب أن يثبت عجلة على بدال. عملٌ جاهز الصنع لم يحمل آثار نحت أو رسم. عار من الروح, الفن الفقير. متحف الزبالة. لم ير أي قرن سابق هذه الجرأة وهذا التناول الرافض للقيم الفنية الجمالية مثلما رأى القرن العشرون منذ بداية الحقبة الثانية منه. سيزار أشهر نحاتي فرنسا هذا القرن يملأ المتاحف بمخلفات السيارات المضغوطة بآلات ضخمة مكوناً منها مستطيلات عشوائية التشكيل. لكن علينا أن نلاحظ أن دوشامب ومن تبعوه لم يستطيعوا إغراء براك أو كاندينسكي أو موندريان إلى آخر تلك القائمة بترك قيم التصوير أو النحت أو الرسم كما فعل دوشامب وأقرانه.

قرن حافل بالهدم والبناء. ألا يشرح هذا ما حدث في الفن بل وما أرهص به الفن.

أطلق القرن الذهبي على القرن السابع عشر في إسبانيا حيث الثراء المنقطع النظير في الفن وعمالقته. لكن القرن العشرين كان أكثر ثراء في ناحية وأكثر انحطاطاً وفقراً في نواح أخرى.

1905 ولدت الوحشية والتعبيرية.

1908 ولدت التكعيبية.

1910 ولدت التجريدية.

1918 ولدت الدادا.

1924 ولدت السوريالية.

1948 ولدت الكوبرا.

1960 ولدت الواقعية الجديدة.

1963 ولدت التشخيصية الجديدة.

1967 ولد الفن الفقير.

في أقل من سبعين عاماً عشر مدارس كبرى غير المدارس والحركات الجانبية ذات التأثير المحدود مثل (المستقبلية) الفاشية الاتجاهات.

تعالوا نستعرض معاً بعض العمالقة.

بيكاسو, براك, كاندينسكي, جوان ميرو, ماتيس, سيزار, ماليفتش, موندريان, فرنان ليجيه, ديلوني, دوفي, سوتين, دالي و.. و.. و..و

وأصبح الفن يمكن تأريخه وتقسيمه والبحث عن الجديد والمثير كل عام. وكل عام على حدة وهذا ما تحاوله تلك الدراسة وذلك البحث.

مجتمع الكارت بوستال

عام 1900

معرض باريس الدولي.
سيجموند فرويد يصدر علم الأحلام .
أول راديو تليفون في الولايات المتحدة.
معرض باريس الدولي والمجد يحيط بالتأثيريين من كل جانب, وتجتذب وتُّغري باريس الشاب بيكاسو, رودان يحقق بوابة الجحيم. موت نيتشه ورحيله تاركاً نشيداِ لعظمة القدرة الإنسانية, وما أجمل الترجمة العربية لفيلكس فارس حيث ترجم بلغة توراتية (هكذا تكلم زرادشت).

200 يوم عرض, 83 ألف عارض, على أرض الانفاليد, ما يقرب من خمسين مليون زائر. كل زائر لديه كاميرا وهي ظاهرة اجتماعية جديدة تميزت بها بداية القرن, لاحظ أن ظاهرة (الكارت بوستال) كانت قد انتشرت حينئذ بشدة كوجه من وجوه شعبية وفجاجة استعمال الفن في المجتمع. كان الباروك كأسلوب فني والآرت نوفو Art Nouveau . لاحظ أن الجراند باليه والبتيه باليه أي القصر الكبير والقصر الصغير كانا حديثي البناء وأقيم بهما عرض علمي وآخر فني. على الطرف الآخر حيث الريف جوش Rive Gauche للسين مواجهاً للوفر محطة أورساي - تحولت هذه المحطة المخصصة آنذاك للقطارات إلى متحف شهير الآن يخص فن القرن التاسع عشر والتأثيريين - كأنهم صدى يُحدّث بعظمة كوبري الكساندر الثالث ومعرض باريس الدولي. ما يقرب من خمسة آلاف عمل تعرض بالبتيه باليه وهي أعمال من القرن الثامن عشر. أما في الجراند باليه فمعرض يمثل مائة سنة من الفن الفرنسي, وأخيراً المجد والشهرة وهالات النور لديجا, مانيه, مونيه بيسارو, رينوار, سيسليه, سواراه ومجد خاص وإعجاب يزداد يوما بعد يوم بجوجان.

بينما يقف الاستشراقي ليون جيروم Leon Gerome يعترض طريق الرئيس الفرنسي آنذاك قائلاً (هذا هو الانحطاط لفرنسا). لكن الجماهير العريضة كانت قد قبلت التأثيريين ولا مناص. رودان الذي دانت له الشهرة في سن الستين يعرض 150 قطعة نحت بالإضافة إلى عدد غير محدد من الرسوم والألوان المائية. حينئذ تسابقت المتاحف على اقتناء أعماله الحسية التي تدير الرءوس.

رودان يضع اللمسات الأخيرة لبوابة الجحيم التي كانت قد طلبت منه بتكليف من الدولة عام 1880 لتكون بوابة لمتحف فن الزخرفة. ساعدته تلميذته كامي كلوديل والتي عملت له كموديل أيضاً وعاشقة أودى بها عشقها إلى الاختلال واعتزال الحياة رغم موهبتها الخارقة والشديدة الحساسية. ويقول البعض إنها لم تكن تلميذة لرودان لكنه استفاد من روحها الشفافة في النحت, وأضاف تلك الروح إلى منجزاته مما أدى بها إلى الجنون.

لاحظ الزوار بإعجاب شديد خلال تلك الظاهرة الفنية الفريدة ومعرض باريس الدولي, الاستخدامات الجديدة للتكنيكات العلمية وإمكاناتها الباهرة. التقدم في الكهرباء واستخداماتها والتي خصص لها جناح كبير كان الضوء فيه باهراً للعيون حيث أكثر من عشرة آلاف لمبة مضاءة معاً. أول سلم كهربائي ميكانيكي والجمهور يتعجب.

السينما وشاشة كبيرة تعرض أفلام لويس لوميير Louis Lumiere . وتكلم حينئذ الصحفيون عن ولادة الفن السابع من السينما.

الفن الياباني

المعرض الدولي بباريس كان فرصة لغزو الاستامب الياباني للعالم الأوربي. لكن للحقيقة أنه منذ عام 1880 كان بعض الفنانين وخاصة مانيه, تولوز باتريك, فان جوخ, جوجان وأغلب التأثيريين قد تأثروا بالفراغ والنقوش الشرقية اليابانية وأدخلوها في لوحاتهم.

لي تعليق هنا, هل كانت تلك الاستعارات واعية لروح الفن الياباني أم كان لها سذاجة نقل النقش والحضور الجرافيكي؟ سؤال يحمل في باطنه إجابة, وسأظل دائماً صارخاً في البرية يقول : إن أي تقليد لن يعطي ثراء, بل شبهة تأثر لن تدوم, وهل دامت؟.!

لكن البعض يرى أن الآرت نوفو Art Nouveaux قد أخذ الكثير من الفن الياباني وقد يكون في هذا بعض الحقيقة, لكنني أرى أن الوظيفة الحاضرة لمنجزات هذا الفن في محطات المترو والأبواب والشرفات قد حولت مجرد النقش والزخرفة والحس الجرافيكي على يد موهوبين إلى مزاوجة وتزاوج أنقذت المنجزات التطبيقية لهذا الفن من الوقوع في مستنقع التقليد الظاهري, مثلما حدث في الاستعارات الظاهرية والمظهرية في الفن التشكيلي.

مونيه وحديقة المياه

السنوات الخمس الأخيرة وأعمال كلود مونيه التي تفجر فيها الضوء مزاوجاً اللون متقـاسـمين أدوار البطولة دون سيادة أحدهما على الآخر بل كل منهما يتحقق بفضل الآخر به ومعه وله ومنه. يعرض كلود مونيه تلك الأعمال من 22 نوفمبر إلى 15 ديسمبر بجاليري دوراند رول Durand - Rue

سنلاحظ دائماً ولدى بعض الفنانين أنهم يحققون في سنوات عمرهم الأخيرة أهم أعمالهم. هل هذا بفضل التفرغ. يعتبرون أحياناً الفنان شاباً في سن الخمسين بباريس, وأنا أعتقد ذلك أيضاً. قبل بداية القرن بثلاث سنوات عرض ادوارد مونش المصور النرويجي ـ المولود عام 1863ـ 18 لوحة عن العالم الحديث بأسلوب تعبيري قلق وحزين, وكان ذلك في صالون المستقلين بباريس عام 1990. في أوسلو يعرض لوحته المهمة (رقصة الحياة) . لاحظ تعبيرات الوجوه القلقة والتضاد بينها وبين الوجه الملائكي كأنه أيقونة للعذراء البتول.

بيكاسو يقتحم باريس

في التاسعة عشرة من عمره بابلو رويز بيكاسو Pablo Ruiz - Picasso , والذي سيصبح فيما بعد الأشهر على مدى تاريخ الفن خاصة القرن العشرين. يعرض أعماله في الجناح الإسباني بالمعرض الدولي بباريس. يحصل على عقد مريح, 150 فرنكا شهرياً من البائع للوحات بدرو ماناش Bedro Manach . الفنان الشاب يحقق أول لوحة باريسية (طاحونة الجاليت) Le Moulin De La Galetto لكن نجاحه لم يمنعه من العودة إلى برشلونة حيث العائلة وجوها الدافئ.

هكذا تكلم نيتشه

أستاذ فقه اللغة اليونانية في بال, معجب بشوبنهاور وفاجنر. الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه الصديق الحميم للموسيقى والموسيقيين, يبتعد عن جماليات الموسيقى ليلقي بنفسه في أحضان الفن كوسيلة للهروب رافضا أن يعيش مستغنياً عن غريزة البقاء. ليضع في مقابل الفن الإغريقي بجمالياته وهارمونياته برمزها الأبولوني, مستلهماً العالمية التي يدعو إليها ديونيزوس. إنه يدعو إلى القيم المعرفية. إنها الدعوة إلى أسطورة (السوبرمان). أكبر من مجرد فيلسوف, أفكاره تدعو إلى (الكينونة) والإيمان (بالعودة الأبدية) مات نيتشه في فيمار عن عمر يناهز السادسة والخمسين.

الفن يثبت لنا مظاهر الحياة المتغيرة والزائلة. رغبة في السمو. إنه ليس الحياة لكنه الفن الذي يعبر عن الحياة الحقيقية. إنه يحقق ما حاولت الطبيعة فعله. إنه يكمل البدايات الناقصة. العالم ليس مبرراً إلا بفضل ظواهر الجمال.

لكي يتحقق الفن, لكي تحدث التأملات الجمالية أيا كانت الهدف. حضور جسدي مبدئي ضروري منتش.

الفن يجعلنا نفكر في حالات الصلابة الحيوانية.. إنه سمو الشعور بالحياة. إنه استشعار بالحياة.. حقيقة العمل الفني, إنه يحفز حالة السكون لخلق عمل فني. إنه كمال الوجود.. تحقيق تطور إلى الكمال . رغبة في القوة.

قامة الفنان لا تقاس بـ(الرغبات الطيبة) التي يثيرها لكن بدرجة اقترابه من الأسلوب العظيم. هذا الأسلوب الذي يشارك عامة في عشق ووله يخشى إثارة الإعجاب. إنه ينسى القناعة, لكن الرغبة في أن يكون سيداً للأشياء المبعثرة, في أن يكون نفسه.

السعادة ليست الهدف, لكن الإحساس بالقوة. قوة جبارة للإنسان وفي الإنسانية تصريفها لنفسه. رغبة خلق. إنها طريق لا يتوقف للتفجر وهو في النهاية ليس طريق السعادة.

كل الحقائق بالنسبة لي حقائق دامية. أخلق التعاسة لنفسك وللآخرين لكي تصبحوا قادرين على الحياة الأعلى. حياة الانتصار, هنا يكون (هدفي).

عدلي رزق الله مجلة العربي يناير 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016