مختارات من:

جمال العربية

فاروق شوشة

شيِّق وشائق
يخطئ بعض الناس في التمييز بين كلمتين متشابهتين هما: شيِّق وشائق. يقولون مثلا: هذا كتاب شيِّق.. والصواب أن يقال: هذا كتاب شائق، لأن كلمة شيِّق معناها مشتاق.

تقول لغتنا الجميلة: شاقني الشيء شوقا، واشتقت إليه فأنا مشتاق وشيِّق.

ويقول الشاعر الطائي:

من مبلغٌ قومَنا النائين إذ شحطوا

أن الفؤاد إليهم شيِّق ولعُ

ويقصد الشاعر بقومنا النائين أى البعيدين، وبقوله: شحطوا أي رحلوا وأبعدوا، وشيِّق في هذا البيت بمعنى مشتاق.

ويقول المتنبي:

ما لاح برقٌ أو ترنمَ طائرٌ

إلا انثنيت ولي فؤاد شيِّق

ويقول شوقي في قصيدته عن النيل:

ألقت إليك بنفسها ونفيسها

وأتتك شيِّقة حواها شيِّقُ

أما الشائق فهو بمعنى الجذاب المحبب

تقول لغتنا الجميلة:

شاقني الشيء يشوقني، فهو شائق وأنا مشوق.

ويقول العماد الأصفهاني في وصف إحدى القصائد المشهورة: هي أبيات شائقة.

ويقول أبوالحسن الخزرجي عن أحد الشعراء: وأشعاره كثيرة رائعة، ومعانيه بديعة شائقة.

إذن فكلمة شيِّق: معناها مشتاق
وكلمة شائق: معناها جذاب ومحبب

"الباء التي شغلت الناس"

الأفعال الدالة على الاستبدال - في لغتنا الجميلة

- هى: بَدَلَ، بَدَّل، تَبَدَّلَ، أَبْدَلَ، استبدل.

وهذه الأفعال وما تصرف منها تحتاج دوما إلى شيئين: مستبدل ومستبدل منه، أي إلى مأخوذ ومتروك أو مثبت ومحذوف، وفي أحدهما باء الجر. في مثل قوله تعالى:

آتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب.

من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل.

قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.

ويلاحظ المتأملون في أسرار لغتنا الجميلة أن هذه الباء ليست لازمة دوما، وليس ضروريا أن تأتي في جميع حالات التعبير عن معنى الاستبدال، فقد جاء في القرآن الكريم تسع وثلاثون آية من آيات الاستبدال وليس فيها هذه الباء، من ذلك قوله تعالى:

ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا.

عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها.

وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم.

والإجماع منعقد على أن هذه "الباء" متى وجدت فإنها لا تدخل إلا على المتروك أو المحذوف وإلا كان استعمالها خاطئا، ويقولون إن كثيرا من البلغاء والفصحاء لم يسلم من الوقوع في هذا الخطأ وإن من بينهم "شوقي" حين قال:

أنا من بدل بالكتب الصحابا

لم أجد لي وافيا إلا الكتابا

فقد انقلب المعنى الذي يقصده الشاعر - أي ترك الأصحاب وتفضيل الكتب عليهم - إلى ضده لأنه أدخل الباء على الكتب وليس على الصحاب.

ويقولون إن النقد الذي وجه إلى شوقي هو الذي دفعه إلى إعادة النظر في هذا البيت وتغييره إلى:

ملت للكتب وودعت الصحابا

لم أجد لي وافيا إلا الكتابا

فاستقام المعنى وصح التعبير.

والطريف أن أحد علماء لغتنا الجميلة المعاصرين - هو المرحوم الأستاذ عباس حسن، عالم النحو، ومؤلف كتاب "النحو الوافي" وعضو مجمع اللغة العربية في القاهرة - كان له رأي مغاير لهذا الإجماع - في دخول الباء على المحذوف والمتروك - ناقشته لجنة الأصول بالمجمع.

يقول الأستاذ عباس حسن في شرح وجهة نظره والتماس الشواهد لها والبراهين:

من معاني باء الجر أن تكون بمعنى كلمة بدل بحيث يصح إحلال هذه الكلمة محل الباء، كقوله تعالى: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى. وقولهم: ما يرضيني بعملي عمل آخر.

وتدخل الباء على الشيء المتروك كما في المثالين السابقين، ويصح دخولها على المأخوذ، فقد جاء في "المصباح المنير" - مادة بدل - ما نصه:
أبدلته بكذا إبدالا، أي نحيت الأول وجعلت الثاني مكانه.

وفي "مختار الصحاح" ما نصه في مادة بدل: الأبدال قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم، إذا مات واحد منهم أبدل الله مكانه بآخر.

وجاء في تاج العروس مادة "بدل" ما نصه: قال ثعلب: يقال أبدلت الخاتم بالحلقة إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه. وبدلت الخاتم بالحلقة إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتما.

ومثال آخر لدخول الباء على المأخوذ قول "طفيل" لما أسلم:
وبدل طالعي نحسي بسعد.

***

لكن مؤتمر مجمع اللغة العربية لم يأخذ بوجهة نظر الأستاذ عباس حسن، من أن الباء تدخل على المتروك والمأخوذ معا، ورأى أنها تتعارض مع الضبط الذي يراد للغتنا الجميلة، والدقة التي يجب أن تتسم بها قواعدها وقوانينها العامة، وإلا أصبح الأمر فوضى، ولم نعد نعرف المحذوف من المتروك في أى كلام يتضمن معنى الاستبدال.

ويبقى الإجماع في هذه المسألة هو الصواب، متمثلا في أن الباء لا تدخل إلا على المتروك والمحذوف، فإن قلت مثلا بدلت السهر بالنوم.. فالنوم هو المتروك أو المحذوف والسهر هو المأخوذ الذي أثبتته العبارة.

لوعة وعتاب
لأبي فراس الحَمْداني

تلتمع في ديوان الشعر العربي "روميات" أبي فراس، كما تلتمع "سيفيات المتنبي"، كلا الشاعرين ارتبط بسيف الدولة الحَمْداني - أمير حلب - وعاش في كنفه، على اختلاف في درجة العلاقة وطبيعة الصلة - فالأول ابن عمه وشقيق زوجته، والثاني شاعره الأثير الذي أخمل سائر شعراء بلاطه - وكلاهما سجل في شعره أصداء تلك السنوات العاصفة التي جعلت فيها الأقدار من سيف الدولة - الأمير العربي الوجه واليد واللسان الشجاع القلب والعقل - الصخرة الوحيدة الراسخة التي تتكسر عليها موجات الغزو من جيوش إمبراطورية الروم.

وكما وجد المتنبي في سيف الدولة ضالته المنشودة، بعد أن قلب البصر فيمن حوله فلم يجد إلا من تعافهم نفسه ويرفضهم حسه العروبي ووجدانه القومي.

فأصبح سيف الدولة مثله الأعلى، وتجسيد حلمه المفتقد، فقد وجد أبوفراس في سيف الدولة اليد التي امتدت إليه بالرعاية والعناية بعد أن قتل أبوه وهو في سن الثالثة، وهيأ له سيف الدولة - بعد أن استقر له الأمر في حلب - كل أسباب التنشئة على الأدب والفروسية حتى إذا ظهرت مواهبه المبكرة، وتألقت فروسيته ونجابته ولاه ضيعة "منبج" بالقرب من حلب وهو لا يزال في السادسة عشرة من عمره.

كان أبوفراس في مقدمة الصفوف إلى جوار سيف الدولة، يخوض معه غمرات الحروب، ويُبلي خير البلاء، ويكشف عن معدن بطولته الأصيل، حتى يأسره الروم وهو عائد إلى "منبج" من رحلة صيد، ويحمله جند تيودور إلى "خرشنه" ثم ينقل إلى القسطنطينية مثخنا بالجراح، ويظل في الأسر أربع سنوات، طويلة بطيئة، يذوق فيها ألم الأسر ومرارة البعاد ولوعة الحنين، ويصب هذا كله في "رومياته" التي تعد أروع ما كتبه من شعر، والتي أفسحت له مكانا في ديوان الشعر العربي إلى جوار كبار الشعراء في عصره، باعتبارها أناشيد بطولة وبكائيات حنين ووحشة واغتراب، ودموعا عاتبة يتجه بها أبوفراس إلى سيف الدولة يحثه على المسارعة إلى افتدائه من الأسر، لكن سيف الدولة يبطئ في الاستجابة، لأنه - كما يقول بعض المؤرخين والمفسرين - كان يريد فداء عاما لكل من وقع من المسلمين في أسر الروم وليس لأبي فراس وحده.

****

والقصيدة التي نطالعها الآن إحدى روائع أبى فراس التي أبدعها وهو أسير في بلاد الروم والتي تعد من عيون "رومياته". يقول لنا ديوانه إنه بعث بها إلى سيف الدولة بعد أن بلغه أن أمه ذهبت من منبج إلى حلب لتكلم سيف الدولة في أمر مفاداته، وأنه ردها خائبة. والقصيدة تقدم صورة نادرة المثال، مفعمة بالشجن واللوعة والحنين، لهذه الأم التي تفتقد وحيدها، والتي خرجت تسائل الركبان عنه، دامعة مثقلة، ثم تمتلئ القصيدة بقطرات من نزف قلبه المطعون، وهو يعاتب سيف الدولة. ويذكره بخصاله وسجاياه وبأقواله المأثورة وأفعاله، حتى للآخرين من غير قومه، فما باله وهو من هو بالنسبة إليه وشيجة قربى وصلة دم ورحم.

وتكتسب القصيدة أهميتها وقيمتها - بالإضافة إلى هذا الملمح الإنساني المفعم بالشجن والشجى - مما أنسكب عليها من رونق شاعرية أبي فراس سلاسة وتدفقا وانسيابا، وجرسا نغميا داخليا مستكنا يتواءم مع الحالات النفسية التي يتنقل بينها سياق القصيدة، وصياغة محكمة الأسر نافذة التأثير، تشف عن جمال اللغة الشعرية في شعر أبي فراس، وبعده عن كل ما هو حوشي أو مستهجن أو غريب من القول، وامتلاء شعره بتلك النفس العربية الشديدة الاعتزاز بأرومتها وبما تمتلكه من قيم وصفات ومثل عليا، وما تمثله من نموذج عربي نادر وفريد، الشعر فيه والبطولة صنوان.

يقول أبوفراس الحمداني:

يا حسرةً ما أكادُ أحملُها

آخرُها مزعجٌ وأولُها

عليلةٌ بالشآم مفردةٌ

بات، بأيدي العدى معللُها

تُمسكُ أحشاءها على حرقٍ

تطفئُها، والهمومُ تشعلُها

إذا اطمأنتْ، وأين؟ أو هدأتْ

عنَّت لها ذُكرة تقلقِلُها

تسألُ عنا الركبانَ، جاهدةً

بأدمعٍ ما تكادُ تهملُها:

"يا من رأى لي بحصن خرشنة

أسد شرى، في القيودِ أرجلُها

يا من رأى لي الدروب شامخة

دون لقاءِ الحبيب أطولها

يا من رأى لي القيود مُوثَقَةً

على حبيبِ الفؤادِ آثقلُها"

يا أيها الراكبان هل لكما

في حمل نجوى يخفُّ محملها

قولا لها إن وعت مقالكما

وإن ذكري لها ليذهلها:

يا أمتا هذه منازلنا

نتركها تارة، وننزلها!

يا أمتا..هذه مواردنا

نعلها تارة، وننهلها!

أسلمنا قومنا إلى نوبٍ

أيسرُها في القلوب أقتلُها

واستبدلوا بعدَنا رجالَ وغىً

يود أدنى علاي أمثلها

ليست تَنال القيود من قدمي

وفي اتباعى رضاك أحملها

يا سيدا ما تعد مكرمة

إلا وفي راحتيه أكملها

لا تتيمم، والماء تدركه!

غيرك يرضى الصغرى ويقبلها

سمحت مني بمهجةِ كرمت

أنت، على يأسها، مؤمَّلُها

إن كنت لم تبذلِ الفداءَ لها

فلم أزل، في رضاك، أبذلها

تلك الموداتُ كيف تهملها؟

تلك المواعيد، كيف تغفلها؟

تلك العقودُ التي عقدْتَ لنا

كيف، وقد أحكمت، تحللها

أرحامنا منك، لمَ تقطعُها؟

ولم تزل، دائبا، توصلها!

فاروق شوشة مجلة العربي سبتمبر 1991

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016