مختارات من:

زائير مرثية للبلاد المنهوبة

محمد المنسي قنديل

ماذا حدث لجبال القمر ومن الذي سق كنوز الملك سليمان؟. ما الذي جعل واحدة من أغني بلاد إفريقيا تعيش تحت حد الكفاف وتشعر بكل هذا الخوف؟ الخوف من بقاء الوضع الحالي ومن تغييره، الخوف من البيض الذين استغلوهم ومن السود الذين استبدوا بهم .لقد ساهمت زائير في كل مرحلة من تاريخ العالم. ساهمت في بناء العالم الجديد حين اختطفت الآلاف من سكانها كي يعملوا عبيدًا أرقاء في المزارع والمصانع، وفي الثورة الصناعية عندما استخدم النحاس المستخرج من مناجمها في تطوير وصلات الكهرباء، وفي العصر الذري حين أصبح اليورانيوم القادم منها عنصرًا أساسيًا في توليد الطاقة الذرية. ورغم ذلك بقيت خارج التاريخ. تخلصت من الاستعمار البشري ولم تتخلص من الاستعمار الفكري. دخلت دائرة مفرغة من النهب الذي يقود للفقر، والديكتاتورية التي تولد القمع. وأصبحت في النهاية بلدًا لا يملكه أهله.

الغابة أبدية.والمدينة مؤقتة.

هذا هو الانطباع الذي تشعر به مع خطواتك الأولى في كينثاسا. تراجعت الغابة قليلاً، وتخلت الأشجار العملاقة عن جذورها، حتى تفسح الطريق أمام هذه العاصمة الغارقة في الخضرة والبؤس. إنها تنام على مجموعة من التلال المتماوجة، ويمر تحت أقدامها نهر استوائي شرس. "زائير" هو اسم النهر، واسم الدولة، واسم العملة المحلية. الرئيس نفسه يخلط بين اسمه الشخصي واسم الدولة حين يقول أنا زائير، وزائير أنا!

من اللحظة الأولى والجميع يطلبون منك نقودًا، لا لشيء إلا لأنك غريب ولأن لونك مختلف بعض الشيء.في صالة المطار قال لنا ضابط الجوازات في لهجة صادقة:

- ماذا في حقائبكم..هل هناك ممنوعات؟

لم نكن ندري أي ممنوعات يقصد بالضبط، قلنا:

- لا توجد إلا ملابسنا وبعض الأوراق.

قال بنفس الحزم: لن أفتحها ولكن لن أفرج عنها قبل أن تعطوني نقودًا، أريد أن آكل شيئًا، وأن أشرب بعض البيرة.

ولدهشتنا، ولأن هذه كانت الحالة الأولى التي نواجهها في أي مطار، فقد أعطيناه بعضا من الدولارات. ولابد أن الخبر قد طار بطول المطار وعرضه، أن هناك أحمقين من العرب يدفعان نقوداً. وفي الحال حاصرونا بالأيادي الممتدة، والكلمات المتوسلة، والتهديدات الخفية. رفض جندي المطار خروجنا قبل أن ندفع، وطلب السائق أجرة خيالية حتى يوصلنا للفندق، وفرض البعض نفسه علينا بدعوى حمايتنا من النشالين والمتسولين. مسألة مخيفة تجعلك تشعر أنك لست في عاصمة دولة، ولكنك وقعت داخل بيت من بيوت العنكبوت.

الجميع يطلبون نقوداً. هذه هي القاعدة، مهما بلغت المستويات. يتساوى في ذلك جنود الحراسة، والموظفون المسئولون في وزارة الإعلام الذين جعلوا روحنا تخرج قبل أن يستخرجوا لنا تصريح التصوير، وكبار ضباط الجيش الذين أصبحوا يتمركزون في كل الأماكن المهمة ويمنعون التصوير قبل أن يقبضوا. اللصوص في الأسواق، وموظفو المراسيم، والشحاذون، والقرويات الساذجات داخل الأحراش. وهناك مثل يقول إنه لا يوجد مستحيل في زائير. كل شيء وله ثمن.

لومومبا..المثالية تغتال

في طريق المطار يقابلنا أول شاهد من شواهد الذاكرة. برج عال لم يكتمل، ويبدو أنه لن يكتمل، لأن العاصمة مليئة بعشرات من المشروعات التي لم تكتمل. وهذا البرج بالذات أقيم تخليدًا لذكرى الزعيم الوطني باتريس لومومبا- صورة من صور الشعور بالذنب أم بكاء التماسيح يذرفها القاتل على ضحيته؟- ارتفاع البرج 150 مترًا وكان من المفروض أن يكون في قمته مطعم دوار يرى المدينة كلها، وفي أسفله متحف يضم ذكريات معارك الاستقلال ضد الاستعمار البلجيكي. ويبدو أن اكتمال المشروع كان أكثر مما يطيقه الجنرال موبوتو سيسي سيكو كوكو ناجنيدو دا زابانجا، وهذا هو اسم الرئيس الرسمي، ومعناه الذي لا يخاف ولا يعرف سوى النصر. . وهلم جرا.

في الستينيات في هذا القرن، عندما بدأت إفريقيا تحلم باستقلالها، لم تكن زائير قد غيرت اسمها بعد. كانت لا تزال تحمل اسمها القديم "الكونغو"، وكان لومومبا واحدًا من الزعماء الحالمين الذين قادتهم مثاليتهم إلى نهاية دموية مروعة، وتلقى الطعنة من أقرب الأصدقاء إليه.

إن كل شيء هنا يذكرك بلومبرمبا، شارع المطار الممتد الذي يحمل اسمه، البرج الناقص، البيت الأبيض الذي يطل على النهر والذي كان يقيم فيه، وجود موبوتو ذاته في الحكم منذ 26 عامًا. كان لومومبا واحدًا من الوطنيين النادرين الذين حصلوا على تعليم عال في ظل الاحتلال البلجيكي. فمنذ أن أحكم الاستعمار قبضته على البلاد في عام 1908 لم يسمح بأي نوع من التطور. وكان عدد خريجي الجامعة عند الاستقلال في 30 يونيو 1960 لا يتجاوز ثمانية أفراد. وفاز لومومبا في أول انتخابات شعبية وحصل على أعلى الأصوات، ولكنه تنازل عن الرئاسة ل "كزافوبو" الذي كان أكبر منه سنا واكتفى بأن يكون هو رئيسًا للوزراء.

بعد أيام قليلة من الاستقلال أعلنت منطقة "كاتنجا" الغنية بالنحاس انفصالها عن الدولة وكان "تشومبى" ربيب تجار المعادن السابقين المرتبطين بالاستعمار البلجيكي على رأس هذا الانفصال.

كذلك أعلنت منطقة جنوب الكاسيا بقيادة كالونجي انفصالها.

كان الموقف خطيراً، وحاول لومومبا أن يتحرك سريعا لإنقاذ البلاد من قبضة هؤلاء العملاء، ولكن رئيس الجمهورية "كزافوبو" تقاعس عن ذلك. بدأ يجري اتصالات سرية بالانفصاليين وبالإدارة الأجنبية القديمة. ووقع الخلاف بينه وبين لومومبا فأصدر قرارًا بإقالته من الحكومة. وأصدر لومومبا قرارًا، بعزلة من رئاسة الجمهورية. وعندما أحس كزافوبو أنه سوف يخسر معركته أمام البرلمان سارع بحله وعلق الدستور وطرد لومومبا.

كان موبوتو في هذا الوقت يلعب لعبته الشخصية. ان عسكريًا أيام الاحتلال. ثم ترك الجيش واحترف الصحافة. وتقابل معه لومومبا وأعجب بذكائه وضمه إلى الوفد الذي كان يتفاوض في بروكسل وبعد الاستقلال عينه سكرتيراً خاصاً له. وتم استدعاء كل العسكريين للعودة إلى الخدمة، فعاد موبوتو ورقاه لومبا مرة أخرى إلى رتبة "كولونيل"

ولكن موبوتو لم يكن يدين بالولاء إلا لنفسه. رفض أن يعاون لومومبا وألف مجلسًا عسكريًا يساعد "كزافوبو" على حكم البلاد، وكان أول قرار أصدره هو القبض على لومومبا الذي اضطر إلى الفرار إلى قبيلته في منطقة الكاسيا. وبدأت مطاردة محمومة خلفه قبل أن يغادر البلاد. وعندما حاول أن يعبر النهر متجها إلى زامبيا وجد موبوتو واقفًا في انتظاره كي يقبض عليه ويضعه في السجن.

كان موبوتو وكزافوبو أذكى من أن يقوما معا بقتل لومومبا. ولكنهما مثل يهوذا وبيلاطس البنطي قررا معًا أن يتخلصا من دمه وأن يسلماه إلى عدوه اللدود تشومبي. وهكذا قيد الزعيم الوطني الذي كان حلم أمته في الاستقلال والحرية مغلولا بالسلاسل إلى منطقة "كاتنجا". وتولى "تشومبي" تعذيبه بنفسه، حتى أنه أسمل عينيه قبل أن يطلق عليه الرصاص في النزع الأخير. بعد ذلك أذاعوا السيناريو التقليدي من أن لومومبا حاول الهرب إلى زامبيا وأطلق عليه أحد الحراس الرصاص وأظهروا إحدى السيارات المسروقة على أنها كانت وسيلة الهرب.

أكذوبة مكشوفة. ولكن الأوغاد سادوا وقسموا كل شيء فيما بينهم، ثم اختلفوا على القسمة وبدأ التناحر الدموي فيما بينهم. حمل موبوتو قميص لومومبا وقبض على كزافوبو ومنعه من مغادرة البلاد حتى مات من وطأة المرض. ووصلت قوات الأمم المتحدة وانضمت إليها قوات الحكومة المركزية كي تهزم تشومبي. وغرقت البلاد في حمامات من الدم وحملات الثأر. وعاد تشومبي ليمسك الحكم ثم اضطر مرة أخرى إلى الفرار وبرز موبوتو ليقود انقلابا ضد الجميع لينفرد بالسلطة، وليترك تشومبي ليموت في أحد سجون الجزائر، ويصبح هو الحاكم المطلق الذي يلعب على كل الحبال..يغازل الشيوعية، ويفاوض المعسكر الغربي، ويفرض قوة شخصيته على القبائل المتناحرة، ثم يتحول إلى ديكتاتور مطلق يصم أذنيه عن كل نداءات المعارضة، ويكون طبقة من أشد طبقات الحكام فسادًا في إفريقيا.

سود وبيض

عندما تهبط إلى شوارع العاصمة. يمكنك أن تقرأ تاريخها اليومي. وكينشاسا واحدة من أكثر المدن صراحة في العالم. إنها تكشف عن آلامها منذ النظرة الأولى. أهم شوارعها هو "30 يونيو" ذكرى الاستقلال. يضم أهم معالم المدينة: البنوك والمحلات التجارية ومكاتب الطيران. والبنايات الفخمة التي تعود في معظمها إلى زمن الاستعمار. لم تضف إليها إلا مبان قليلة جداً. لعل أهمها ذلك المبنى المرتفع الذي يضم شركة زائير لتصدير المعادن "سوزاكوم". فزائير واحدة من أغنى البلاد بالثروات المعدنية. ويوجد فيها حوالي 43 معدنا أهمها الذهب والنحاس واليورانيوم والماس. ورغم نفوذ هذه الشركة، إلا أنها مثل أي مؤسسة وطنية في زائير تتعرض للابتزاز المستمر.. مرة يبتزها الرئيس بنفسه حين يطلب منها تحويل مبالغ ضخمة لحسابه الشخصي، ومرة أخرى حين تخدعها الشركات المتعددة الجنسيات، وتشتري منها اليورانيوم الذي اكتشفته على أساس أنه قصدير.

ويضم الشارع أيضا عدداً من القواعد الحجرية الخالية من أي تماثيل أو نصب تذكارية. لكنها كانت ترمز للعهد الماضي قبل أن يأمر الرئيس بإزالتها.. أزال تمثال ملك بلجيكا ليوبولد الأول الذي وقع الاحتلال في عهده، وتمثال المكتشف ستانلي الذي اكتشف البلاد وقاد إليها المستعمر. وحتى الآن لا يوجد ما يشغل هذه المنصات ربما لأن موبوتو لم يترك الفرصة لظهور بطل غيره.

على عكس هذا الشارع يوجد الشارع الآخر الذي يضم أكبر تجمع للأفارقة. شارع كزافوبو الذي يؤدي إلى واحد من أفقر الأحياء في العالم، حيث تتلاصق الأكواخ بسقوفها المعدنية التي تشوي ساكنيها بما تشعه من حرارة. لا يوجد فيها أي نوع من أنواع الخدمات، لا ماء ولا كهرباء ولا مجار، تنبعث منها الروائح الكريهة ويبدو الأطفال الهزالى والنسوة الضامرات على أبواب البيوت. إنهم وقود الأزمات الاقتصادية وضحايا النهب المستمر. وسوف تكون المقارنة صارخة مع حي "بيزا" الفاخر الذي يضم منازل وقصور البيض الفاخرة بما حولها من حدائق وحمامات سباحة وما يقف على أبوابها من حرس خاص.

وفي المساء تغرق أحياء السود أو "السيتي" كما يطلق عليها في الظلام الحاد. وتوقد بائعات خبز "المانويك" ذبالات مرتعشة في الضوء..ويخرج الفقراء كي يملأوا الساحات بالرقص الصاخب.. يستبدلون. بكل أحلام الأيام الخائبة رقصات عنيفة تستمد إيقاعاتها من زمن الغابة. أنهم أناس لا يعيشون على هامش المدينة فقط ولكن على هامش الحياة أيضًا. طعامهم يعتمد على شجرة وحيدة هي شجرة "المانويك" يطبخون أوراقها ويطحنون جذورها كي يصنعوا منها نوعًا من الخبز القابض للمعدة الذي يعطي إحساسًا زائفًا بالشبع.يأكلون السمك القادم من النهر أحيانًا.أما في أغلب الأحيان فإن مصدر البروتين المتاح الم هو ديدان النخيل..يجمعونها ويقلونها في الزيت ويؤكدون للجميع أن طعمها جيد ولذيذ.. لقد قدمها لنا البعض حتى نتذوقه ولكن الأمر كان يحتاج إلى تدرب طويل..

الغابة هي مصدرهم الرئيسي للغذاء. يتسللون إليها كل صباح ليقوم بجمع الخضراوات والفاكهة وقد تعودوا على أكل كل الأنواع وهي ما زالت نيئة فلا يوجد وقت للانتظار. إذا لم تجمعها أنت سبقك غيرك تمامًا كما يحدث مع معادن الأرض الثمينة عندما تؤخذ من باطن الأرض في حالتها الخام حتى تباع بأرخص الأسعار في أسواق أوربا.. إنها بلد خام..تعيش على هبات الطبيعة. تماما مثل أيام البشرية الأولى عندما كانت تعيش مرحلة جمع الطعام دون أن تصل إلى مرحلة إنتاج الطعام. ألم أقل لكم إن المدينة مؤقتة والغابة أبدية.

متوسط دخل الموظف لا يتجاوز 51 دولارا كل عام. ومعظم الموظفين يسيرون عشرات الكيلومترات من مساكنهم البعيدة خارج المدينة حتى مقار أعمالهم حتى يوفروا أجرة المواصلات وبذلك فهم يخرجون من الصباح المبكر جدًا ولا يعودون إلا بعد أن يحل الظلام. المستشفيات لا تملك شيئًا تقدمه للمرضى. ويقولون إنه لكي تمرض في زائير يجب أن تكون غنيا حتى تشفى وإلا فالموت مصيرك. المدارس معطلة منذ عامين لأنه لا توجد ميزانية للصرف ولا توجد أجور للمدرسين. الجامعة معطلة أيضا لأنها تثير كثيرا من المشاكل السياسية. ومن الطبيعي أن يستشري الفساد والرشوة في جميع المؤسسات الحكومية. ولكن هذا لا يوازي ما تفعله الطبقة القريبة من الحكم والتي تقلد أوربا في كل شيء.

ما عدا اللون بالطبع. موبوتو نفسه تقدر ثروته بحوالي 15 مليار دولار ويمتلك قصرًا في فرنسا وآخر في المغرب وثالثا في يوغسلافيا. ويقف على نهر "زائير" قارب فاخر فوقه طائرة هليوكوبتر على استعداد لنقله إلى أي مكان إذا قرعت القارعة. ففي ظل حكمه المطلق لا يستطيع أحد أن يحاسبه. وهناك واقعة مشهورة عندما اتصل بشركة المعادن "سوزاكوم" وطلب منها أن تحول لحسابه مبلغ 150 مليون دولار دفعة واحدة. ولم تستطع الشركة إلا أن تطيع أوامره. وعندما أثيرت هذه المسألة في مؤتمر صحفي عالمي وسأله أحد الصحفيين عن مصير هذا المبلغ قال:

- "نحن لسنا مثل الديمقراطيات الغربية. أنا هنا زعيم قبيلة. وصلتي بقبائلي مباشرة وهم يطلبون مني أشياء لا يمكن الرجوع فيها لأجهزة الدولة". هكذا.. زعيم قبيلة. مثلما كان أحد الحكام العرب يسمى نفسه "كبير العائلة". والغريب أنهما كانا من أشد الأصدقاء ولعل هذا ما جعلهما يرددان نفس الكلمات.

أيام الغضب

هبطنا إلى كينشاسا بعد ثلاثة شهور من العاصفة العاتية التي مرت بها كان يسودها نوع من الهدوء الهش.عيون السود مليئة بالتحفز. ووجوه البيض تشي بالقلق.كانوا يدركون بشكل أو بآخر أن الأفارقة قد سبروا غورهم ونزعوا رهبتهم التاريخية من نفوسهم وأن هناك جولة أخرى قادمة.

كانت المحال التجارية تعاود فتح أبوابها. وبعضها ما زال مغلقا يحمل آثار الحرائق والهدم. والبيض الذين هربوا على عجل بدأوا يتجولون في حذر وسط طرقات المدينة لا يبعدون عن سياراتهم ولا يغادرون بيوتهم ليلاً. قال لي قاسم خزعل رئيس تحرير مجلة المعرفة اللبنانية وأحد أعضاء الجالية اللبنانية: "لم نتصور أن يحدث الانفجار بهذا الحجم. لقد تعودنا على مشاهد الاحتجاج والمظاهرات التي يقوم بها المواطنون.. ولكن الأمر تغير إلى هذه الصورة المدمرة عندما أصبح الجيش طرفاً في الموضوع..".

بدأ الأمر عندما تأخر دفع مرتبات رجال الشرطة وقطاعات كبيرة من الجيش. ورغم أن دفع المرتبات لا يتم بانتظام. لكن الأمر تحول إلى زئير صارخ عندما مر العسكريين.صرخوا واحتجوا.. وفي منتصف الشهر كانت الحكومة قد دبرت المبالغ اللازمة ولكن العسكر رفضها وطالبوا بمضاعفة رواتبهم ثم بدأوا هجومهم على المدينة.على منازل البيض، الأوربيين، واللبنانيين. الإسرائيلون كانوا قد أحسوا بنذر العاصفة فانسحبوا مبكراً. أغلقوا متاجرهم وجمعها رعاياهم قبل حدوث الاضطرابات.

ورغم أن المدينة تفتقد إلى الإحساس بالأمن منذ زمن. وتوجد أبواب إضافية من الحديد على المتاجر وعلى أبواب الشقق الصغيرة إلا أن الهجوم كان كاسحًا. انتزعوا الأبواب الحديدية.. وإذا لم يستطيعوا كانوا ينقبون الجدران أو يشعلون النار في المبنى كله بما فيه. وكان هجوم الجيش مركزًا لا يستولي إلا على النقود والجواهر والأجهزة الكهربائية. ثم انتقلت روح التمرد إلى الجميع. خرج الفقراء من أكواخ الصفيح يبحثون عن نصيبهم من الغنيمة.. وبدا كأن هناك نوعًا من التنسيق بينهم وبين جيشهم الباسل. يهجم الجيش أولا ليأخذ "الزبد" ثم يطلق النار في الهواء فيهجم الأهالي لأخذ ما تبقى.. كانت المقاومة معناها الموت واغتصاب النساء. قال لي رجل أعمال مصري يملك مصنعًا صغيرًا للبلاستيك. قلت لهم إننى لست أبيض وإنى إفريقي مثلهم. وساعدنى على إقناعهم لونى الأسمر وأوشكوا على الانسحاب بالفعل لولا أن خادمي الأسود الذي كنت أعتقد أنه وفي صاح فيهم " لا تتركوه أنه سيد سييء" وهكذا عاودوا الهجوم من جديد وحملوا إحدى الأرائك كنت قد خبأت فيها خمسين ألف دولار.. " وقال لي طبيب لبناني اشترط أن يبقى اسمه طي الكتمان: " لقد نجحت في الوصول إلى السيارة أنا وزوجتي وكان معنا كل مدخراتنا ولكنهم حاصرونا في شارع جانبي وهددوني باغتصاب زوجتي أمام عيني إذا لم أعطهم كل ما معي.. واضطررت لإعطائهم كل شيء.. حتى الآن لا أصدق أنا وزوجتي أننا نجونا من قبضتهم.. " وأكد لي عميد الجالية اللبنانية: "لقد كنا حسني الحظ فلم تغتصب لبنانية واحدة بينما اغتصبت أكثر من خمسين امرأة أوربية "..

كان زمام الأمن قد أفلت تماما. وانتشرت الحرائق في كل مكان. ونهبت كل المتاجر الكبرى. وكلما دفعت الحكومة برجال من الأمن انضمت بدورها للنهابين. حتى رجال الحرس المدني الذين تعودوا على القتل دون تفاهم، قتلوا وسرقوا في نفس الوقت. وكان موبوتو يستعد للهرب على ظهر يخته الفاخر. ولكن القوات الأجنبية تدخلت. أرسلت بلجيكا وفرنسا فرقتين من رجال المظلات رابضوا وسط الشوارع الرئيسية للعاصمة ولم تهدأ الجموع إلا بعد أن شاهدت وجه المحتل الأبيض يعود من جديد.

ولمدة خمسة عشرة يوما ظلت كينشاسا مدينة أشباح. رماد الحرائق والأدخنة. الأسواق متوقفة والشوارع خالية. وتحدث موبوتو أخيرًا كي يؤكد أن هذه الأحداث قد أثبتت تمسك الشعب به كرئيس مدى الحياة. وأعلن عفوه العام عن كل العسكريين الذين تمردوا-. بل وسمح لهم أيضا أن يبيعوا كل الأشياء التي نهبوها. وهكذا تحولت معسكرات الجيش إلى أسواق للبيع والشراء. وخرج البيض من مكامنهم بعد أن كانوا قد هربوا أولادهم وزوجاتهم وثرواتهم. ذهبوا يحاولون شراء أثاثهم والبحث عن مقتنياتهم؟. وكان الأمر مضحكا أن تتحول المعسكرات إلى أسواق للحرامية وأن يتم ذلك بمباركة رئيس الجمهورية. قال لي السفير المصري فكري نخلة: "لقد كانت مصر تقدم نوعًا من المعونة العسكرية لزائير وتقوم بتدريب رجال الحرس المدني. ولكن هذا الجهاز تحول إلى أداة للقمع الدموي وأصبح مكروها من جميع أفراد الشعب وسارعت مصر بسحب بعثتها العسكرية. لقد كانت المأساة مروعة. وفتحت السفارة أبوابها لعشرات اللاجئين من اللبنانيين والعرب الذين تدفقوا عليها يطلبون المأوى والحماية وقد امتلأت حديقة السفارة بالنساء والأطفال الذين افترشوا كل مكان.."

استسلم موبوتو أخيرًا، ووافق على أن تتكون بضعة أحزاب بجانب حزبه الواحد. وفي الحال تكون حوالي 80 حزبا تمثل الاتجاهات السياسية والعرقية. وأعيد افتتاح المؤتمر الوطني كي يناقش جوانب الأزمة التي قاد إليها الحكم المطلق.. وحتى الآن لا أحد يصدق أن الجنرال العجوز يمكن أن يتنازل عن السلطة بسهولة وسوف يفعل المستحيل كي يفتت المعارضة.. إنه يحاول أن يمتص غضبة الشعب. وأن يتخلص من قيود الدول الغربية التي تحاصره وتمنع عنه المساعدات ويلعب على كل فرصة متاحة للمناورة فهل يستطيع الإفلات؟

الوجه العربي لزائير

اللبنانيون هم الأغلبية العربية في زائير. قذفت بهم أتون الحرب الأهلية اللبنانية. وساعدهم على الاستيطان هنا معرفتهم باللغة الفرنسية. استطاعوا التأقلم وأثبتوا مهارتهم التجارية التي اشتهروا بها.

ولكنهم الآن يعيشون تحت ظل مناخ الخوف والقلق مثل غيرهم من البيض. معظمهم يعيش بدون زوجته وأولاده بعد أن رحلهم خارج البلاد. يحملون كل نقودهم السائلة في حقائب تصحبهم في كل مكان. لا يأمنون أن يتركوها في البيوت حيث الخدم السود. ولا في البنوك لأن البنوك في زائير أصبحت لا ترد ما يودع فيها إلا بطلوع الروح وبعد أن تأخذ إتاوة ضخمة على كل "شيك" يصرف.

قال قاسم خزعل رئيس الجمعية العربية الثقافية: "لقد حاولنا أن نقيم علاقات طيبة مع الأفارقة وأن تكون نواة لتوطيد العلاقات بين إفريقيا والعالم العربي، لذلك فقد أنشأنا الجمعية الثقافية عام 1984 وبدأت بحوالي 16 شخصًا. واستطعنا أن نجمع التبرعات وأن نشتري قطعة من الأرض نقيم عليها أول مدرسة عربية في كينشاسا. وتحتوي على عشر قاعات للتدريس بالإضافة إلى الملاعب والحمامات. في الصباح كنا نعلم الأطفال العرب حتى مرحلة البكالوريا. أما بعد الظهر فكنا نستقبل الأفارقة الراغبين في تعلم اللغة العربية..".

المدرسة خالية معطلة عن العمل. رحل الأطفال بعيدًا بعد أحداث العنف ويشعر اللبنانيون بمناخ الكراهية الذي يحيط بهم. وقد تسبب بعض أفراد الجالية اللبنانية في توليد هذا الشعور إلى حد ما. فقد قلدوا البيض في كل مظاهر الثراء والاستعلاء على الأفارقة.. كما أنهم يعانون من منافسة الإسرائيليين الذين انتشروا في كل أرجاء الحياة التجارية في زائير. وهم يقيمون العراقيل في وجه كل ما هو عربي معتمدين على صلاتهم الوثيقة بالحكومة..

عميد الجالية اللبنانية قال لنا: "لقد قامت الكويت بمبادرة طيبة عندما منحت زائير خمسين سيارة إسعاف مجهزة بكل الإمكانات. إنها لمسة إنسانية في بلد يشكو من تدني الخدمات الصحية إلى درجة الصفر. ولكن الحكومة الكويتية فعلت ذلك في صمت ودون أي دعاية أو إعلام. لو أن إسرائيل قدمت عُشر هذه المساعدة لأقامت الدنيا وأقعدتها.. لماذا لا يستغل الإعلام العربي هذه الفرصة؟..".

لم نكن نملك جوابا. ولكن هذا هو شأن الحكومة الكويتية حتى في أحلك الظروف. لا تعرف يدها اليسرى ماذا أعطت باليمنى دون مَنّ ولا تعال ولا طنطنة.

الإسلام هو الدين الثالث في زائير. حوالي 4 ملايين مسلم. وقد أنشأت هيئة "الكوفيرا" أو الجمعية الإسلامية الإفريقية. ويقول السيد عبدالله سارد رئيس تحرير جريدة صوت الإسلام التي تصدر باللغة الفرنسية: "إننا في حاجة بلى أن نزيد علاقتنا بالعالم العربي والإسلامي. يأتي إلينا بعض الدعاة من شيوخ الأزهر. يوجد إثنان منهم في مسجد الرسول الأعظم في كينشاسا وهم يقومون بالتدريس وتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن. وكان هناك أربعة مشايخ أخرون يعملون داخل البلاد ولكنهم رحلوا بعد الأحداث الأخيرة. ويعطينا الأزهر كل عام ست منح دراسية ونأمل في زيادتها كما أن هناك عشرين طبيبًا مصريا في منطقة الشمال حيث يوجد تجمع المسلمين وهم يساعدون في رعاية المرضى. مصر هي الدولة الوحيدة التي تهتم بأحوال المسلمين هنا حتى الآن، ونحن ندرك ظروفها الصعبة ولكننا نريد من بقية الدول العربية أن تمد لنا يد المعاونة كما فعلت أخيرا حكومة الكويت.."

الجميع ينتظرون رحيل الخوف حتى يبدأوا من جديد. مازال الأمان مفقودًا، والسير في الشوارع خطرا. وقد أخبرني السفير المصري أن السفارة قد تعرضت للسرقة ثلاث مرات. وكان حراس السفارة من الزائيريين الذين كانوا شركاء اللصوص في كل مرة.

طوبى لروح الأسلاف

تأخذك الغابة إلى قوانينها الأبدية.تترك قشرة الحضارة خلفك كي تدخل روح القبيلة. ويصبح مصيرك خالصًا للأسلاف. وسط الأشجار العملاقة والسافانا الخداعة تختفي الدولة. تذوب سلطتها.ولا يبقى معلقا بالعاصمة المركزية غير شريان النهر.. نهر الكونغو القديم.. أو لولابا..أو زائير.. ثلاثة أسماء لنهر واحد..

في القرن الخامس عشر ظهرت مملكة الكونغو.. مملكة الفن التلقائي الذي ما زالت آثاره موجودة حتى الآن.. في الأقنعة والتماثيل والطواطم. سحر الشكل البدائي الذي فوجئت به أ!ربا على ضفاف النهر العظيم.. ضاعت المملكة وبقيت شواهد الفن وبقي الفنانون التلقائيون مثل روح سحرية مازالت تورث حتى اليوم. إنهم فنانون. يحولون الخشب والصخر والنحاس إلى تمائم وتعاويذ وتماثيل ناطقة بكل الأساطير القديمة وحاملة كل رموز الكون..

لقد ضمت هذه المملكة الأجناس الأربعة التي مازالت تشكل التركيبة السكانية لزائير المعاصرة حتى اليوم والتي يبلغ تعدادها 40 مليون نسمة. لعل أشهر هذه الأجناس وأكثرها طرافة هم "البيجميمود". لقد رأيتهم أنا وزميلي المصور في لمحة خاطفة. ظهروا بسرعة واختفوا بنفس السرعة. ونحن نعبر إحدى الغابات المفتوحة. مجموعة لا تزيد على الخمسة أشخاص. لا يرتدون إلا ما يستر عورتهم. ويمسكون حرابا تقاربهم في الطول. ووجوههم مليئة بالأصباغ الملونة. كانوا كما وصفهم "هيرودت" تمامًا في تاريخه "هؤلاء الناس الذين لا يزيد طولهم على الذراع وقبضة اليد" وقد قال إن مكانهم هو صحراء ليبيا حيث يوجد نهر صاخب مليء بالتماسيح. ولابد أن المؤرخ الشهير قد شاهدهم حيث يعملون كغلمان في قصور مصر القديمة. وكان الفراعنة يطلقون على هذا النوع من الأقزام السود اسم "آكا" ومازال هذا الاسم متداولا بينهم إلى الآن. وعددهم لا يزيد على 200 ألف قزم يعيش أغلبهم بجانب البحيرات العظيمة.

أما ثاني المجموعة فهم أهل الشمال الذين عبروا الحدود قادمين من السودان. وهم يكونون الطبقة الأرستقراطية بين سكان الغابة. لم ينسوا بعد أن أجدادهم جاءوا إلى هذه المنطقة كغزاة. ثالث المجموعات العرقية هي "النيلولتك".. أكثر الأجناس طولا. ويعطيهم هذا نوعا من الكبرياء والإحساس بالذات. ورغم أنهم مجموعة صغيرة نسبيا إلا أنه يتم اختيار رجال القوات المسلحة والحراسات الخاصة منهم.

والمجموعة الرابعة والتي تكون الغالبية العظمى من السكان هي "البانتو" ويبلغ تعدادهم حوالي 20 مليونا وتنتشر قبائلهم في ثلثي البلاد. وهناك العديد من اللغات واللهجات المحلية تبلغ 360 لغة والفرنسية هي لغة التفاهم بين الجميع خاصة سكان المدن الكبرى. وللغة العربية نصيب من اللسان الزائيري خاصة بين المسلمين الذين يسكنون شرق البلاد.

كانت مملكة الكونغو تمثل أقصى مراحل النمو في إطار المجتمع الرعوي. وكان اقتصادها متكاملاً يقوم على المقايضة وبعض الصناعات الضرورية مثل نسج الأقمشة. تقوم بينهم وبين البلاد المجاورة علاقات تجارية عادلة في أغلب الأحيان ولعل هذا هو سر الدور النشط الذي قام به التجار العرب المسلمون الذين جابوا القارة الإفريقية من شرقها إلى غربها حاملين معهم روح الإسلام وسماحته.

وعلى طول نهر الكونغو كانت تنتشر عادة "المقايضة الصامتة" وتتم وفق ترتيب لا يتغير. يأتى التجار وهم يحملون بضائعهم ثم يقومون بدق الطبول لإعلام السكان المحليين أنهم قد جاءوا. وكان السكان يعيشون في حفر يعتقد أنها التي كانوا يستخرجون منها الذهب. وكانوا يرفضون الخروج في وجحد التجار الأجانب. لذا فقد اعتاد التجار أن يرتبوا بضائعهم على حافة النهر ثم يتواروا عن الأنظار. وعند ذلك يخرج السكان المحليون ليضعوا كمية من الذهب بجوار كل كومة من السلع ثم ينسحبوا. وإذا ما وجد التجار أن ذلك يرضيهم فإنهم يأخذون الذهب ويدقون الطبول إشارة بلى رحيلهم وانفضاض السوق.

لقد ظل هذا النوع من المقايضة القائمة على التراضي قائما حتى جاء الأوربيون فانتزعوا ما يريدون بقوة البارود. فقد اكتشف البرتغاليون الكونغو عند مصب النهر في المحيط الأطلنطي وهم في طريقهم إلى رأس الرجاء الصالح في أواخر القرن السابع عشر. وفي الحال بدأت عملية النهب المنظم للذهب وخداع القبائل وزادت وطأة الأمر بعد اكتشاف أمريكا وحاجتها إلى الأيدي العاملة. وكما يقال لقد بنت أوربا العالم الجديد بواسطة السطو على أناس العالم القديم في إفريقيا. من هذه النقطة بدأت رحلة التخلف- التي مازالت مستمرة حتى الآن. إن إفريقيا هي أغنى قارة في العلم بالثروة المعدنية المدفونة في أراضيها ومع ذلك فهي أفقر قارة وتبلغ ديونها للعالم الخارجي 275 مليار دولار.

ماذا كسبت الغابة إذن من المدنية المعاصرة غير الفقر والعبودية؟..

الغابة تخسر

من المؤكد أن الغابة القديمة تعود مرة أخرى. عندما احتل الاستعمار البلجيكي البلاد في عام 1908 استطاع أن يفرض سلطته على الغابات الشاسعة. وأمر زعيم كل قبيلة أن يعبر طريقا يمتد من قريته لمسافة 15 كيلو مترا في اتجاهين. ومن التقاء هذه الطرق والمحافظة عليها تكونت شبكة متصلة من الطرق البدائية تغطي كل الغابات. ولكن بعد الاستقلال أهملت هذه الطرق تماما وزحفت عليها أعشاب السافانا حتى اختفت وعادت الغابة لعزلتها القديمة. بل إن الطريق الرئيسي الذي كان يصل بين العاصمة كينشاسا ومنطقة شابا (كاتنجا سابقا) وهي المصدر الرئيسي للنحاس قد أوشك أيضا على الاختفاء. في الستينيات كانت السيارة الصغيرة تقطع هذا الطريق في يومين أما الآن فإن الشاحنات المجهزة لعبور الغابات تقطعه في مدة لا تقل عن ثمانية أيام.

ويبلغ الأمر ذروته في المجاعة التي تحس بها بعض الأجزاء في مواجهة الغنى الفرط الذي تحس به الأجزاء الأخرى. فالمنتجات الزراعية التي تنتج بوفرة في شرق البلاد من المستحيل نقلها إلى غرب البلاد ولذا فإن من السهل على مدينة كينشاسا أن تستورد طعامها من جنوب إفريقيا من أن تنقله من مناطقها الزراعية في الغرب..

حتى النقود فقدت سلطتها في الغابة. وعادت المقايضة تقوم بدورها القديم. وعندما تعتزم بعض البعثات الأجنبية الدخول إلى الأدغال فإنها تحمل معها بعض البضائع مثل الصابون والأقمشة كي تقايضها باحتياجاتها من الطعام. الغابة هي الملاذ الأخير بعيدًا عن البيض الذين سلبوا الإفريقي ثروة الأرض وثروة البشر. وحولوا هذا البلد الهائل الذي تبلغ مساحته نصف أوربا. ويعادل مساحة كل من اليونان وإيطاليا وسويسرا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وهولندا. والذي يضم 80% من الغابات في أراضيه. وتتنوع جباله من الجبال الملتهبة بالبراكين والمعادن المنصهرة، والجبال الباردة القمم التي يطلق عليها جبال القمر والتي كتب عنها رايدر هيجارد روايته الشهيرة "كنوز الملك سليمان.. " حولوا هذا البلد بلى عملاق كسيح.

المستكشف التعس

"كانوا جميعا في حاجة للهرب من التعاسة التي لا يستطيعون حملها"..

هكذا وصف أحد المؤرخين كل الرحالة والمستكشفين الذين خاضوا في أدغال إفريقيا. لقد هربوا فيها من حياتهم الشخصية فاكتشفوا منابع أنهارها وأسرار أدغالها ومكامن كنوزها الخفية ثم أحضروا لها الاستعمار في نهاية المطاف.

ولعل هذا الوصف لا ينطبق بنفس الدقة على أحد بقدر ما ينطبق على هنري مورتون ستانلي أعظم مستكشفي إفريقيا كما يطلق عليه الجميع. لقد كان في حاجة ملحة كي يهرب من طفولته التعسة ويثبت لنفسه وللعالم أنه لم يكن ليولد بهذه الطريقة إلا ليكون عظيمًا.

كان ابنا غير شرعي. تبرأت منه أمه وأسرته وألقت به إلى أحد الملاجىء. وتعود هو على الهرب وتعودت أسرته على أن تغلق الباب في وجهه كل مرة. كان يبحث عن مكان يلقي فيه جذوره ولكنه لم يجد. وانعكس ذلك على ولائه لكل الدول التي خدم تحت ظلها سواء كانت إنجلترا أو أمريكا أو بلجيكا. لم يكن له وطن محدد ولم يصدق أنه في يوم من الأيام سوف تكون هناك أماكن شاسعة في إفريقيا- تحمل اسمه وتخلد ذكره.

في نهاية القرن التاسع عشر كان الاهتمام بالكشوف الجغرافية يشبه بلى حد كبير الاهتمام الموجود الآن بكشوف الفضاء. وكان استكمال صورة إفريقيا على الخرائط وخاصة منابع النيل مسألة بالغة الإثارة بالنسبة للعقل الأوربي. وفي عام 1865 اختفى الرحالة الشهير ليفنجسون وهو يحاول اكتشاف المنبع الحقيقي للنيل وأثارت هذه القضية جدلا طويلا. وكان ستانلي أيامها يعمل مراسلاً مغمورًا في صحيفة "النيويورك هيرالد" ويبحث عن دور يقوم به، واستطاع أن يقنع أصحاب الصحيفة بتمويل بعثة تقوم بالبحث عن الرحالة يكون هو على رأسها. وكانت هذه هي بداية رحلاته الثلاث إلى إفريقيا.

كان سيدًا قاسيا كما وصفه الجميع. قاد الحمالين الأفارقة آلاف الأميال تحت رحمة السياط.

عبر بهم البراري والمستنقعات وفخاخ الموت بلا توقف. واستطاع أن يعثر على ليفنجسون المفقود بالفعل بالقرب من بحيرة فيكتوريا. ووقع الخلاف بينهما على الفور. كل واحد منهما كان. يحمل طابعًا متنافرًا عن الآخر. ولكن هذا لم يمنع ستانلي من أن يؤلف كتابه الشهير "كيف وجدت ليفنجسون؟ "الذي جعله واحدًا من الأبطال..

عاد إلى أوربا ولكن عدوى الاستكشاف كانت قد انتقلت إليه وعزم هو أيضا على حل اللغز.. من أين ينبع النيل؟.. وبدأ على الفور في تمويل رحلته الثانية وغادر إنجلترا متوجها إلى زنجبار حيث جهز أكبر قافلة شهدتها الكشوف الجغرافية. وغادر زنجبار وفي صحبته 356 حمالاً إفريقيا وثلاثة من الإنجليز وساروا لمدة ألف يوم دون كلل ودون مبالاة بكل الذين سقطوا موتى خلال الرحلة.

النهر الجبار

بدأت الرحلة بالدوران فوق سطح بحيرة فيكتوريا للبحث عن منبع لنهر كبير وجبار يمكن أن يكون بداية لنهر النيل. لم تكن الرحلة بالسهولة التي تصورها. وأوشكت قواربه على الغرق في هذا البحر الداخلي الأزرق. وكان رجال القبائل لا يكفون عن مهاجمته وكان هو يرد عليهم بنفس الدرجة من الوحشية. حتى عثر على أكبر الأنهار التي تنبع من البحيرة فبدأ منه رحلته معتقدًا أنه أخيرًا، قد وجد نهر النيل.

ببطء شديد اكتشف ستانلي أنه يضع قدميه على بقعة لم تطأها قدم أوربي من قبل وقاده النهر إلى نهر آخر أكثر عنفا وشراسة. وكتب يقول في مذكراته "مهما كان الغموض الذي يحيط بي فإن أمامي نهرا وحشيا ورائعا وعليّ أن أتبعه حتى نهايته".. ولكنه لم يتمكن من ذلك. كانت الشلالات الصاخبة والشديدة الانحدار تواجهه في كل مرحلة من رحلته.وكان على البعثة أن تهبط من السفينة كي تسير على الطريق البري.

كان يحمل معه سفينته التي أصبحت شهيرة فيما بعد "مس أليس" وكانت تفك وتركب من جديد. دخل ستانلي عالم الغابة.. عبر أرض الأقزام السود.وشاهد صفوف الجماجم والعظام في أرض آكلي لحوم البشر. سار وسط قبائل غاضبة، وأخرى خائفة. ظل يتنقل بين البر والنهر هو وبعثته وهم لا يدرون إلى أي وجهة يقصدون. تساقطوا من الأمراض التي تلاحقهم والجروح التي تمزق أقدامهم.. عبروا شلالات سبعة مازالت معروفة حتى الآن باسم شلالات ستانلي. وكانت هذه أشد مراحل الرحلة رعبا فقد كان دوي الرعد الهائل مع كل شلال يجعل الرجال يتمردون ويرفضون التقدم وكان ستانلي يرغمهم في كل مرة على مواصلة الرحيل.

في عام 1887 وصلت البعثة إلى امتداد النهر الاستوائي غير النهائي.. إلى المكان الذي سوف تبنى فيه فيما بعد مدينة ستانلي فيل. وظهرت في الخرائط صورة نهر الكونغو العظيم. أو لولابا كما كانوا يطلقون عليه، وبدت مملكة الكونغو من الداخل التي طالما نهبت أوربا ذهبها ورجالها دون أن تستطيع الوصول إلى أعماقها السوداء كما فعل ستانلي..

"نزلنا نحو نهر لولابا وجازفت بنصف إحساس أننا أمام نهر جديد لايمت للنيل بصلة، وأرض غريبة لم يطأها أبيض. وفي الليل والنهار كنا مذهولين بسبب قرع الطبول التي تعلن عن وصولنا. كانت المخاطر متساوية في الذهاب من شاطىء إلى شاطىء تماما كالقفز من طاسة القلي إلى النار مباشرة ومع ذلك كنا نواصل التجديف خلال هذه الجزر المتناثرة واثقين من أنه عند نقطة ما سوف نجد المحيط الذي يصب فيه هذا النهر..".

وبعد أربعة أشهر من السير المرهق استطاع ستانلي بالفعل أن يصل بلى نهاية النهر وأن يشاهد السفن البرتغالية في ميناء "بانانا" لم يكن باقيا معه من أعضاء رحلته إلا حوالي مائة شخص فقط. مات 256 شخصا والإنجليز الثلاثة ولكنه كان قد اكتشف مملكة الكونغو الشاسعة. ووجد سفينة تعود به إلى بلاده.

في إنجلترا حاول ستانلي المستحيل مع الحكومة البريطانية حتى تنتهز الفرصة وتقيم خطا للسكة الحديد يقودها إلى أعاق هذه البقعة الخصبة من إفريقيا واستغلال ما بها من ثروات ولكنهم لم يكونوا يثقون فيه. وأسرع ستانلي ليعرض خدماته على الملك ليوبولد الثاني ملك بلجيكا الذي لم يتردد لحظة واحدة في قبول العرض وعاد ستانلي إلى إفريقيا للمرة الثالثة كي يقود خطى الاستعمار البلجيكي.

المشروع الحلم

تغير اسم النهر أكثر من مرة. ولكنه لم يفقد صفته كنهر استوائي عنيف. تتدفق التيارات بين ضفتيه ويكتسب لونا داكنا خليطا من حمرة الأرض وخضرة الغابات.. قال لنا أحد الصيادين ونحن نركب أحد القوارب: "إنه مليء بكل أنواع السمك. حتى أسماك المحيط تهرب إليه. ولكنه مليء بالموت أيضًا..

" طوله أربعة آلاف وسبعمائة كيلو متر.وهو بذلك خامس أنهار العالم من حيث الطول بعد النيل والأمازون والميسيسبي واليانجستي. ولكن من حيث غزارة المياه الموجودة داخل حوضه ومسطحه المائي هو الثاني بعد الأمازون.

يبدأ صغيراً بالقرب من قرية صغيرة هي "موسفي" ثم يتحول بعد خمسة آلاف كيلو متر إلى عملاق إفريقي يصب بكل عنف في المحيط الأطلنطي عند ميناء "بانانا". وخلال هذه الرحلة يتراوح بين الضيق والاتساع. فهو يضيق عند مستنقعات نازيلو ليبلغ 30 مترًا، فقط.. ثم يتسع بعد ذلك إلى 650 مترًا عند كينشاسا العاصمة. ويكوّن بعد كينشاسا بحيرة يبلغ اتساعها 15 كيلو مترا تمرح فيها أنواع مختلفة من التماسيح.

على هذا النهر أقيم السد الذي تعلق عليه إفريقيا أمالها "سد إنجا العظيم" إنه أحد أحلام الاستقلال القديمة. بدأت الدراسات حوله منذ عام 1885. أي منذ معاهدة برلين التي قسمت إفريقيا بين الدول الأوربية ولكن الاستعمار البلجيكي وقف في وجه أي محاولة للتطوير فقد كان من المتوقع أنه إذا تم بناء هذا السد بمراحله الثلاث فسوف يوفر 380 بليون كيلووات من الكهرباء وهو ما يوازي 10 أضعات كهرباء السد العالي.

كان بناء السد غاية في الصعوبة. فبجانب المشاكل الفنية كانت هناك مشاكل الطبيعة الوعرة. ففي تلك المنطقة كانت تنتشر أنواع من حشرات النحل تسبب لدغتها للإنسان العمى الكامل. وظلت هذه الحشرة تمثل عائقًا ضد أي اقتراب من الموقع. ولكن مع تقدم استخدام المبيدات الحشرية تم تطهير هذه المنطقة وهكذا تحولت هذه القطعة من الغابة إلى خلية نحل بشرية. جاء العمال والمهندسون من كل مكان فى العالم وامتلأ الصمت بهدير الرافعات والماكينات واستخدم 250 ألف طن من الديناميت لتحويل مجرى النهر وتمت المرحلة الأولى عام 1974 وهي توفر 350 ألف كيلووات من الطاقة.

السد الآن علامة على النوايا الطيبة التي لا تؤتي ثمارها.. فهو يحتوي على اثني عشر "توربينا" لا يصلح منها للعمل إلا اثنان فقط. يعمل أحدهما لتغطية حاجة البلاد ويبقى الثاني للاحتياط..والكهرباء رخيصة في كينشاسا رغم أن كل شيء غير ذلك باهظ السعر. وهكذا تحول النهر إلى طاقة معطلة كانت كافية لمد الطاقة إلى إفريقيا الوسطى وتنزانيا وموزنبيق وأنجولا وزامبيا..

من هنا يأتي دور المشروع - الحلم الذي تسعى مصر لتحقيقه بالتعاون مع زائير. يقول السفير المصري فكري نخلة: "إننا نحاول أن يعمل هذا السد بكامل كفاءته لأنه أضخم سد في إفريقيا. وهو واحد من أضخم السدود في العالم. وقد وضع بنك التنمية الإفريقي مبلغ 10 ملايين دولار لدراسة جدوى هذا المشروع. وهو يتمثل في ربط سد زائير بالسد العالي عن طريق خط كهربائي عملاق يخرج من جسم هذا السد إلى دولة إفريقيا الوسطى، ثم تشاد والسودان ومصر وبذلك يتوحد أكبر مصدرين للطاقة في إفريقيا، ومن خلال ربط شبكة السد العالي بأوربا يمكن نقل الطاقة إلى بقية البلاد العربية وأوربا.

أنه المشروع الذي يمكن أن ينقل إفريقيا إلى القرن الواحد والعشرين. لقد استنفد هذا المشروع كثيرًا من الجهد وزاد من عبء المديونية على زائير ويمكن إذا أعيد تشغيل هذا المشروع أن يغطي هذه المديونية كلها.."

إنه واحد من عشرات الأحلام المؤجلة في إفريقيا..

ظلام الغابة

انتهت رحلتنا وكان موعد طائرتنا عند الفجر وأصر إخوننا اللبنانيون على وداعنا إلى باب المطار. وأصروا أيضًا على استئجار حارس مسلح كي يجلس في السيارة وقد شهر سلاحه خارج نافذتها.

كانت العاصمة الخائفة تبتعد ببطء. والأضواء تختفي في ظلمة الغابة. والخوف المسيطر على الجميع يجعل الشوارع مثل ساحة معركة مهجورة انهزم فيها كل الأطراف.. فهل يستعدون لجولة ثانية.. أم أن هناك طريقا للخلاص ينجو فيه الجميع؟!.

محمد المنسي قنديل مجلة العربي نوفمبر 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016