مختارات من:

العالم الذي يخدعنا: جان بودريا ووهم الصدق

أحمد أبوزيد

يخضع عالمنا المعاصر لعدد من المؤثرات التي تجعلنا نقبل بالزيف على أنه حقيقة. إنه وهم الصدق الذي يتحدث عنه هذا الفيلسوف.


خرجت فرنسا من الحرب العالمية الثانية وهي في وضع اقتصادي سيئ بعد هزيمتها العسكرية عام .1940 وقد انعكس ذلك الوضع السيئ على مكانتها الثقافية بحيث لم تعد باريس تعتبر هي العاصمة الثقافية للعالم كما كان عليه الحال من قبل. وفقد كثير من مفكري فرنسا إدراكهم للدور الحقيقي الذي يمكن أن يقوموا به للتأثير في الرأي العام العالمي. ومع أنه ظهر خلال الخمسينيات والستينيات عدد كبير نسبيا من الكتاب والمفكرين فإنهم كانوا في طبيعتهم وفي مجالات اهتمامهم أقرب إلى العمل الأكاديمي والبحث العلمي منهم إلى الفكر الحر الطليق الذي يتعرض بالتحليل لكل شئون الحياة وأحداث العالم كما يعنى بمصير الإنسان، وساعد على ذلك التقدم التكنولوجي الهائل الذي تمخضت عنه الحرب العالمية الثانية وما ارتبط بذلك من إدراك لأهمية دور رجال العلم ورجال العمل بعد أن تبدى واضحا عجز رجال الفكر عن التأثير في مجريات الأمور. وأحس الشباب بوجه خاص بالضياع بعد أن تراجع من الساحة المفكرون الفاعلون الذين يمكن الاسترشاد بفلسفاتهم وآرائهم وذلك بعد أن انحسرت الوجودية التي كانت تنادي بأهمية الحرية في مجال الاختيار الشخصي، مثلما تراجعت الفنومنولوجيا التي كانت ترى إمكان الوصول إلى الفهم الخالص المحايد للعالم من خلال الإدراك الفردي. بينما وقعت الماركسية أسيرة في أيدي الماركسيين العقائديين الذين كانوا يقصرون معظم نشاطهم على التنظير للحزب الشيوعي الفرنسي مما أثار الكثير من الشك والحذر. وقد اكتشف الكثيرون كيف أن الوجودية أدت بهم من الناحية الأخلاقية إلى طريق مسدود نتيجة لدعواها أن الإنسان هو الذي يصنع نفسه بأفعاله التي تصدر عنه بمحض حريته واختياره وأنه هو الذي يتحمل مسئولية تلك الأفعال دون أن يكون هناك معيار أخلاقي موضوعي ثابت للسلوك.

ولقد خيم على المناخ الثقافي في فرنسا في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات جو من الحيرة والبلبلة بل والفراغ الفكري بعد أن تبدى الوجه الحقيقي للماركسية نتيجة للتقرير الذي قدمه خروشوف للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي والذي فضح فيه جرائم الستالينية، ثم مؤازرة الحزب الشيوعي الفرنسي للعسكريين في حرب الجزائر ومساندته للاعتداء الثلاثي على مصر.

وقد أدى هذا كله إلى اندلاع اضطرابات عام 1968 التي ترجمت حيرة الشباب إزاء عدم وجود نظرية فكرية صلبة يستندون إليها في نشاطهم السياسي ورغبتهم في فهم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في فرنسا والعالم، كما عبرت من خلال التظاهرات وأعمال الشغب عن تمردهم على كل أشكال السلطة، بما في ذلك سلطة الآباء وسلطة الأساتذة وأسلوب التدريس ونوع المادة العلمية التي تقدم في الجامعات، كما كشفت عن رغبتهم في الاهتمام بالفلسفات والمذاهب الفكرية الثورية وضرورة العمل على التخلص من (الوهم) في السياسة، وانتشرت بينهم بالتالي فكرة أن العودة إلى التاريخ تمثل (أكذوبة) ضخمة وأن التفسير التاريخي ليس سوى أسلوب واحد ضمن أساليب وإمكانات عديدة للتأويل. وترتب على هذه الأحداث ظهور اتجاهات وحركات نظرية جديدة مثل البنائية وما بعدها، والحداثة وما بعدها، كما بدأت تطفو على السطح اهتمامات بأعمال وكتابات معينة بالذات تمثلت في إعادة النظر في أعمال فرويد ونظريته في الجنس وإعادة قراءة ماركس والاهتمام بدراسة ظواهر الحياة اليومية التي لم تكن تحظى بعناية المفكرين من الأجيال السابقة الذين كانوا يترفعون عن دراستها لأنها تخرج عن نطاق الثقافة الرفيعة.

انحسار الخيال

من أهم المفكرين الجدد الذين استجابوا لأحداث 1968 وعنوا عناية فائقة بالحياة المعاصرة ومقومات وخصائص العصر الحالي وتشخيص أمراضه. عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار الذي كرس ولايزال يكرس الجانب الأكبر من كتاباته لدراسة موقف الإنسان المعاصر من الأحداث المتسارعة التي يمر بها العالم الآن وتفاعل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتلاطمة والتغيرات السريعة والمتلاحقة التي تحدث فيه وأثر الزيادة الرهيبة والمتزايدة بسرعة فائقة في المعلومات مع انحسار الخيال والإحساس والوجدان، وكذلك أثر الزيادة في استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية وغيرها من الأنظمة السيبرناطيقية وما يعانيه الإنسان والعالم ككل من كثرة وكثافة تكنولوجيات التقنيات الدقيقة وتعدد صور الإنتاج واختفاء أو غياب كثير من الأوضاع التي يسلم الإنسان بوجودها مع أن هذا الوجود وجود غير حقيقي أو وجود زائف وخداع.

وبودريار مثال طيب للأساتذة الفرنسيين الذين ظهروا منذ أواخر الستينيات، والذين يتميزون بشكل عام بصعوبة كتاباتهم بحيث يكاد يستحيل على الكثيرين تتبع أفكارهم، لعدم وضوح أسلوبهم في التعبير عن تلك الأفكار، والانتقال السريع الفجائي من موضوع لآخر في غير ترتيب في كثير من الأحيان. ويقوم تفكير بودريار على نقد ما هو تقليدي ومألوف، كما أن تحليلاته تقع على الهامش الفاصل بين النظرية الاجتماعية والنظرية الثقافية.

والعالم الذي يريد بودريار وصفه في أعماله عالم من الوهم أو الخيال، كما أن كتاباته أقرب في أسلوبها إلى الشعر منها إلى الكتابة الفلسفية أو السوسيولوجية، فهو يميل إلى التلاعب بالألفاظ واستخدام التشبيهات المستمدة في معظم الأحيان من الفلك مما يضطر القارئ إلى الاهتمام باللغة والتراكيب اللغوية بدلا من التركيز على الأفكار. وقد يتضح لنا ذلك من قوله مثلا (إننا نترك الحقيقة ونخلفها وراءنا وندخل بدلا من ذلك إلى ما يسميه بالحقيقة المتضخمة أو الحقيقة المفرطة التي تجعلنا نختبئ من الوهم الذي نخاف منه)، وكثير من عباراته لا تقل عن ذلك غموضا كما هو الحال حين يتكلم مثلا عن (وهم الصدق) الذي يحل محل الحقيقة والواقع، وأننا نعيش في وهم راديكالي تكون فيه الأشياء على ما تبدو عليه تماما، وأن الوهم هو التجربة المباشرة التي يحصل عليها المرء من خلال الحواس الخمس، أي أنها تجربة ذاتية تشوبها بعض المشاعر ولكنها تخلو من العقلانية وهكذا. ولكنها أقوال وآراء تحتاج بغير شك إلى التفكير والتأمل. ولكن كما هو الحال بالنسبة لبعض المفكرين الفرنسيين الآخرين الذين تختلف الآراء حول مدى إمكان تتبع أفكارهم ـ وعلى قمتهم بغير شك جاك لاكان ـ فإن بودريار وجد حوله مجموعة متزايدة من الأتباع الذين (يتظاهرون) بفهم أفكاره للتدليل على ارتفاع وعمق ثقافتهم الخاصة مع أن في ذلك (التظاهر) كثيرا من الزيف والادعاء. وعلى أي حال فإن مفاهيم التظاهر والزيف والادعاء تحتل مكانا محوريا في فكر جان بودريار.

هجوم على الماركسية

وقد بدأ بودريار يجذب الانتباه إليه حين أصدر عام 1973 كتابه عن (مرآة الإنتاج) وفيه هجوم عنيف على الماركسية التي أحدثت الانقسام في الأوساط الأكاديمية.

وقد انتشر تأثير ذلك الكتاب بسرعة فائقة يشبه انتشار تأثير (الفيروس)، على ما يقول ميكائيل فوردهام في مقدمة حوار أجراه مع بودريار ونشر منذ وقت غير بعيد. وقد حاول بودريار في ذلك الحوار إلقاء الأضواء على بعض المصطلحات التي يعتمد عليها مثل مصطلح الزيف الذي يستخدمه لوصف حالة الثقافة والعالم واختفاء بعض الأساليب والأحداث وتحولها إلى مجرد وهم يتطلب التأمل. والملاحظ على العموم هو أن بعض أفكاره أفلحت في جذب اهتمام الشباب وإثارة تطلعاتهم نظرا لحداثة المصطلحات المستخدمة ولأنها ـ حسب تعبيره هو نفسه ـ غير محملة بالتراث والتاريخ وشأنها في ذلك شأن الشباب أنفسهم. وهو يعترف بأنه كان يحاول دائما أن ينأى بنفسه عن التاريخ ويتجاوز المؤسسات والنظم الثابتة الراسخة ويبتعد عن كل ما هو تقليدي ومألوف ومتعارف عليه أو مسلم به، وهذه كلها أمور قريبة إلى روح الشباب لأن أذهان الشباب ليست بالضرورة مفعمة بالثقافة.

ولكن الكتاب الذي حمل اسم بودريار إلى آفاق واسعة من القراء وجعل له (شعبية) واضحة في أوساط المثقفين هو كتابه المثير عن (أمريكا) الذي صدر عام .1986 وكان لهذا الكتاب صدى عميق في خيال الأجيال الشابة خاصة أنه اعتبر أمريكا ظاهرة متفردة بذاتها ومتميزة، وأنها تجاوزت أوربا وخلفتها وراءها إلى حد كبير جدا. فأوربا تعتبر بالنسبة لأمريكا قارة متخلفة وقد تخطاها الزمن وتجاوزتها الأحداث وأصبحت (قديمة) وبعيدة عن مسار التاريخ، لأنها محملة أكثر من اللازم بالمعنى والمغزى والدلالة والثقافة، بينما تتميز أمريكا بالحرية ليس حرية القيم السياسية أو الثقافية أو الفلسفية وإنما حرية (المكان) وحرية (الامتداد) ـ أي الجغرافياـ بالمعنى العقلي والمعنى السلوكي على السواء. فهي حرية أكثر ارتباطا بالمكان والأرض والمسافة والعلاقات بين هذه الأبعاد كلها. أما الحرية في أوربا فإنها تفهم في علاقتها بالتاريخ والسياسة وما إليهما.. الحرية في أمريكا ترتبط ارتباطا قويا بما هو فيزيقي وبيولوجي وجيولوجي وبعالم مختلف كل الاختلاف عن العالم المألوف في أوربا، ذلك أن بودريار ينظر إلى أمريكا على أنها أرض فسيحة مترامية وغير معروفة وأن الرواد الأوائل الذين نزلوا إليها اكتشفوها (أنثربولوجيا) حسب تعبيره، ولذا فإنه يأخذ أمريكا كما لو كانت مجتمعا (بدائيا)، وهو تعبير لم يرحب به الأمريكيون بطبيعة الحال، وإن كان يقصد بذلك أنه يعتبر أمريكا أرضا بكرا من الناحيتين الفيزيقية والذهنية. فأمريكا مجتمع حديث يقوم على الحداثة بل وعلى ما بعد الحداثة، وهو الأمر الذي لا يصدق على أوربا حيث يوجد ميل واشتياق وحنين للماضي والتاريخ، بل ونوع من الأسى والأسف للإفراط الزائد في السير مع تيار التحديث.. أمريكا هي (عتبة) أو بداية ومستهل الحداثة، وهذا هو ما يجعله يصفها بأنها المجتمع (البدائي) للحداثة ـ أما أوربا فإنها مجتمع قديم للغاية بحيث لم يعد قابلا لاستقبال أي شيء غير التاريخ الأوربي ذاته. وكما أن العالم الثالث لن يستطيع أن يصل إلى مفهومي الرأسمالية والديمقراطية ويحققهما كما تمارسان في أوربا، فإن أوربا نفسها لن تستطيع أن تصل إلى ما بعد الحداثة وتحققها بنفس المعنى والأسلوب والمستوى والفهم الموجود في أمريكا التي وصلت إلى الذروة في تحقيق المساواة والتسيب والابتذال واللامبالاة، وكلها أمور تعجز أوربا عن الوصول إليها نظرا لأنها مثقلة بتراث التاريخ وبذكرى التنظيم القبلي.

من هنا كان بودريار يشك كل الشك في قدرة أوربا على أن تصبح في أي وقت من الأوقات مجتمعا (حديثا) بالمعنى السائد في أمريكا، وأنها سوف تظل دائما قارة (شبه حديثة) إنها مجتمع يمثل (التظاهر) كما يمثل (الادعاء) بالحداثة بينما أمريكا هي الشيء الحقيقي. وصحيح أن الأوربيين يبذلون كل جهودهم لكي يضعوا أنفسهم على نفس المستوى مع أمريكا ولكنهم يفشلون في ذلك، وهذا واضح في الصعوبات الناجمة أساسا من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية القديمة التي نجد لها أنصارا كثيرين يدافعون عنها وعن القيم الكامنة وراءها.

الحقيقة تتوارى

يخضع العالم المعاصر لعدد من المؤثرات التي توقع الإنسان في غير قليل من الحيرة إزاء التمييز بين الحقيقة والزيف مما يجعله يتقبل الزيف على أنه حقيقة بينما تتراجع الحقيقة وتتوارى بل وقد تتلاشى وتغيب تماما بالنسبة له. وتتمثل معظم هذه المؤثرات في وسائل الإعلام وأساليب الاتصال الحديثة التي تملأ على الإنسان المعاصر حياته وتزوده بقدر كبير من المعلومات والبيانات والأشكال والجداول والرسوم البيانية التي يحصل عليها من الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية المختلفة التي تسهم كلها في الوقت ذاته بإيقاظ كثير من الرغبات في ذهنه. ولكن هذه المعلومات لا توفر له أي (معرفة) حقيقية كما أن تلك الرغبات تتحول إلى أهداف في ذاتها، وبذلك يتوهم المرء أن المعلومات والبيانات هي المعرفة، أي أن المعلومات الصماء تحل محل المعرفة الحقيقية، كما تتوارى الأهداف الحقيقية ولا يبقى سوى الرغبات التي تحل محلها. فكأن الإنسان المعاصر يتقبل ما تقدمه له وسائل الإعلام وما يصل إليه عن طريق الحواس الخمس ويعتقد أنه هو الصدق والحقيقة، وهذا هو ما يعنيه بودريار حين يتكلم عن (وهم الصدق) الذي يتوهم الشخص بمقتضاه أن الزيف هو الحقيقة ويتقبله على هذا الأساس.

الأمر أشبه هنا بشخص يحبس نفسه بين جدران حجرته وقد أغلق الأبواب والنوافذ وجلس بغير حراك أمام جهاز التلفزيون وقد ركز بصره وكل انتباهه طيلة الوقت على ما يظهر على الشاشة من صور متباينة متلاحقة ومن إعلانات تجارية مختلفة فيؤلف صورة عن العالم مما يراه على الشاشة بحيث تحل هذه الصورة محل حقيقة العالم التي كان يمكن أن يدركها من خلال الاتصال والتجول والاحتكاك، وبذلك يتوهم أن ما يبثه التلفزيون هو (حقيقة) العالم، بل وقد تعتبر هذه الصورة الزائفة أكثر واقعية وصدقا في نظره من الحقيقة الغائبة بل ويصبح الزيف (حقيقة متضخمة) حسب تعبيره.

وكثير من مظاهر الحياة اليومية، بل والنظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الراسخة تعزز ما يذهب إليه بودريار من أن جانبا كبيرا مما يعتبره الناس في المجتمع المعاصر حقيقة لا شك في صدقها ليس في الواقع إلا وهماً بلغ من زيفه وقدرته على التظاهر والادعاء أن أصبح يؤلف (حقيقة متضخمة) نظرا لما يلقاه من تسليم به وعدم الشك فيه من ناحية، ونظرا أيضا لازاحته وتخطئته للحقيقة الواقعية من الناحية الأخرى.

فالحركة العالمية لرأس المال مثلا لم يعد لها علاقة بالحقيقة الواقعية، كما أن مفهوم الاقتصاد أصبح هو نفسه أقرب إلى العبث إذ إن التجارة لا تشغل إلا جانبا ضئيلا من حركة رأس المال، كما أن قيم سوق الأسهم لم تعد هي أيضا مرتبطة بالأحداث الواقعية، بل إن ديون العالم الثالث هي أيضا ديون عبثية، فهي ديون على الورق فحسب وليس لها أي مظاهر في الواقع العملي، إذ بلغت هذه الديون حداً من الضخامة يثير السخرية لدرجة أن الدول المدينة لن تجد وسيلة لردها أو سدادها. بل الأكثر من ذلك أن بعض الأمور الحياتية المتعلقة بالوراثة مثلا أو جراحة التجميل وما إلى ذلك (تخلق) بشكل أو بآخر عالما يسوده الزيف والتظاهر والادعاء التي تخفي حقيقة الاختلافات بين الناس. وهذا هو ما تفعله الهندسة الوراثية وصناعات التجميل مثل صبغة الشعر وصناعة الملابس الضيقة التي تلتصق بالجسم التصاقا شديدا لإخفاء العيوب الخلقية.

وواضح من هذا أنه ليس من السهل فهم العالم الذي يحيط بنا نظراً لاختلاط الزيف بالحقيقة وهذا هو ما يدفع بودريار إلى القول بأن أغلب الظن أن العالم يخدعنا حين يتبدى لنا أن من السهل تفسيره من خلال النظريات وبالرجوع إلى المنطق. فالحقيقة ـ على ما يقول ـ لا تريد أكثر من أن تضع نفسها تحت تصرف الفروض وتحاول أن تثبت وتؤكد صحة تلك الفروض، وهذه هي الخدعة الكبرى التي تلعبها الحقيقة، بل إن هذا هو الانتقام الذي تنتقم به الحقيقة من الإنسان، فالشخص والموضوع يتفاعلان معاً لخلق وإيجاد معنى لا وجود له في الواقع. وإذا كان العلماء يبحثون عن البساطة، فإن العالم ذاته يميل إلى تحقيق تلك الرغبة عندهم دون أن يكون لديه سبب واضح يدفعه لذلك.

خارج نطاق المألوف

وتمثل هذه الآراء خروجا على أنماط التفكير المألوفة والسائدة في الأوساط الأكاديمية وبخاصة بين علماء الاجتماع الفرنسيين الذين ينتمي إليهم جان بودريار بحكم التخصص باعتباره أستاذا لعلم الاجتماع بجامعة نانتير. وقد قوبلت أفكاره ومواقفه بالإنكار من بعض هؤلاء الأساتذة كما تنكرت بعض الأوساط الأكاديمية له هو نفسه لخروجه على التقاليد العلمية الدقيقة الصارمة وبخاصة فيما يتعلق بأساليب وطرق ومناهج البحث السوسيولوجي. وبودريار نفسه يعترف في حواره مع ميكائيل فوردهام بأنه كان يقف دائما خارج نطاق الحياة الأكاديمية وعلى مشارف الجامعة ـ حسب تعبيره ـ وعلى هامش التخصص (علم الاجتماع).

كما يقرر أن التخصصات المختلفة كانت (ترفض) انتماءه إليها لمواقفه وآرائه، ولكنه لم يكن يهتم كثيرا لهذا الرفض لأنه لم يترتب عليه أي نتائج وخيمة بالنسبة له. وكان يرد مواقفه (المتمردة) إلى أنه كان يشعر دائما ببـعض المـشاعر (اللاثقافية) إزاء الثقافة على الرغم من أنه هو نفسه إنسان (مثقف) وإن كان ينتمي إلى أصول ريفية. وواضح هنا أنه يتلاعب بالألفاظ ويخلط بين مفهومي كلمة ثقافة: المفهوم الأنثربولوجي الواسع والمفهوم النخبوي الضيق أو الدقيق.

كذلك يعترف بودريار أنه لا يعرف أين يضع نفسه بين المتخصصين والمثقفين. فهو ليس عالم اجتماع لأن علماء الاجتماع يرفضونه لعدم تقيده أو التزامه بالمناهج والأساليب المتبعة في ذلك العلم. كما أنه ليس فيلسوفا لأنه لا ينتمي إلى أي مدرسة أو مذهب فلسفي معين من المذاهب الفلسفية الكبرى، ولا يشير في كتاباته إلى أي فيلسوف، كما أن الفلاسفة لا يستشهدون بأعماله في كتاباتهم ولا يرجعون إليه. كذلك هو لا يعتبر نفسه (مفكرا) لأن هذه كلمة واسعة وفضفاضة وتعني أشياء كثيرة جدا دون أن تعني شيئا محددا بالذات. ولذا فإنه يرى أن من الأفضل أن يترك للآخرين مهمة (تصنيفه).. فالمشـكلة ليست مشكلته على أي حال.

أحمد أبوزيد مجلة العربي فبراير 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016