مختارات من:

ابنة الخال (قصة مترجمة)

ليلى العثمان

ترجمة: أحمد عثمان


وحيدًا، يجلس الطفل على المقعد، في هذه الساعة النهارية. اليوم الأربعاء، لم يكن لديه مدرسة. منذ استيقظ، هبط إلى الصالة التحتية حيث تنتظره الجدة. تقبله وتعاونه على الجلوس أمام الكوب الكبير الممتلئ بالقهوة بالحليب، فهو لا يحب شراب الشوكولاتة. تطلع، من دون أن يفهم بالطبع، إلى الأطفال البروتانيين المصورين بأزيائهم الوطنية على كوبه. سوف تصحبه جدته من بلدتها إلى بروتاني (إقليم فرنسي)***. قالت له إنها سوف تصحبه يومًا ما، وهذا وعد، إلى حيث يذهب سائق الشاحنة الآنتيلي (مستعمرة فرنسية)، المتردد على المطعم. سأل الطفل هل تشبه الشاحنة ما نراه في الصور التي يقصها جده ويعلقها في الصالة. كان سائق شاحنة قبل عمله في المطعم، حيث تعرف على امرأته التي كانت عائلتها تمتلك المطعم. كان يتوقف هناك دائمًا، حيث تقوم بالخدمة عليه في المطعم.

في بادئ الأمر، ألفاها حزينة. تتكلم قليلاً مع الرواد، وسائقو الشاحنات يفضلون المرأة التي تضحك وتمزح، التي يستطيع المرء أن يقول لها أي شيء دون أن تشعر بالإهانة، مثل جميع النساء دائمًا... يسمع الرجال يتحدثون عنها. علم أنها كانت متزوجة، وهي صغيرة، من بحار هجرها إلى فتاة من الباسيفيك! استقر هناك وطلب الطلاق. في البداية، تلقت بطاقات سياحية من الموانئ التي يقف فيها، الموانئ البعيدة، لم يقل لها إنه سيذهب إلى هذه البلاد من دون عودة، مثل الآخرين الذين قابلتهم وقت الإجازات. البعض أخبرها أن أحواله طيبة، ولم يقولوا لها إنه يركض وراء الفتيات، وفي آخر الأمر لم تطلب شيئا. بطاقة سياحية كل ثلاثة شهور، يعلمها أنه يحب البحر والموانئ والبلاد الواقعة خلف الموانئ، وأنه سيعود محملاً بالهدايا. لم يجهد نفسه في وضع البطاقة السياحية داخل مظروف، ولكي يرى الجميع الأشجار والورود الغريبة والبحر، أحيانا شوارع الميناء، ولكن أي ميناء؟ كان ساعي البريد كتومًا. يعطي البطاقة إلى أمها حيث تضعها على الطاولة إلى جانب الهاتف بين خطابين مختومين.

إذا عاد ثانية، فلن تكون لأحد سواه. ظلت تنتظره، حتى بعد الطلاق، كأنه سيكون هنا ثانية، بعد رحلة طويلة، محملاً بالهدايا والحكايات التي سيقصها في صالة المطعم الكبيرة وهو يلعب البلياردو. لم تعد ترى سائقي الشاحنات. تسمعهم، يضجون، يشربون، يصخبون، تساعد أمها في خدمتهم، أحيانًا يمزحون غير أنها لا تجيبهم. في النهاية، اتفقوا على ألا يبادلوها الكلام، حتى اليوم الذي كلمها فيه سائق الشاحنة المغربي، مكث طويلاً في الصالة، تناول قدحين من القهوة على الطاولة، لم يكن سائقو الشاحنات الآخرون موجودين، استطاع أن يتكلم معها وهي بدورها لزمت الصمت كالعادة. كان يعمل في الإقليم ويقيم في غرفة بفندق صغير. لا يعود كل مساء، إنه يقبض أجره كل ثمانية أيام، وإن لم ينمْ هناك لثلاثة أيام متتالية.

انتظرته..

لم تتكلم عنه، لا إلى أهلها ولا إلى سائقي الشاحنات الذين تعرفهم. حينما يكون موجودًا، وبينما يتابع الآخرون التلفاز أو يتحدثون، يحكي لها، بحيث يسمعه الجميع، وهو واقف قبالة الطاولة قرب الهاتف، وهي في الناحية الأخرى، لا تخدم أحدًا ولا تغسل الصحون. يهتم والداها بالجميع، خلال الأمسيات التي يتبادل الحديث معهما، كانت تسمعه.

لديه امرأة في قرية جبلية، هناك، لا يتحصل على بطاقة سياحية عنها لكي يظهرها لها، يصورون المدن والصحراء فقط للسائحين، وليس قريته التي يعيش فيها. لديه طفلان ولدا قبل أن يعمل في الإنشاء. أراد أن تأتي امرأته إليه، وأن تسكن معه في عربة نقالة، إلا أن أمه أخبرته بنبأ سيئ. قالت، في خطاب حرره كاتب عمومي بالمدينة المجاورة، إن امرأته «مسحورة».

من أراد شرًا بها؟ ربما ابنة الخال التي كان سيتزوجها لكن ابنة الخال لا تعيش في القرية نفسها، تزوجت وتبعت زوجها، التاجر الصغير بالمدينة. قبل أن تكتب إليه. فعلت أمه كل شيء لكي تشفى الفتاة التي لم تعد تأكل، ولم تعد تهتم بطفليها ولا بمسكنها. لم تكن شريرة، غير أنها ترفض العلاجات التي اقترحتها حماتها ولا تريد أن ترى معالجًا أو طبيبًا بالمدينة. وافقت على الذهاب إلى فقيه مشهور، بعيد عن القرية، استمرت الرحلة على الأقدام نصف نهار، وعندما وصلت المرأتان، لم تود الفتاة الكلام مع الفقيه، فأخبرته الأم باسمها واسم ابنها، لذا لم تسر الأمور كما ينبغي، في حين أنها لاحظت بدقة الطقوس التي أداها الرجل العجوز. اقترحت على الكنّة (زوجة الابن) أن تزور امرأة مشهورة في الإقليم، لكنها لم ترد أيضا. قلقت الحماة، كتبت إلى ابنها أن يعود. عاد، لم تعرفه، أو تظاهرت، لا يعرف. قام بخطوات عدة لكي يعالجها في المشفى. لم تقل شيئًا خلال اليوم الذي اصطحبها فيه إلى المشفى ولم تسمع بكاء الطفلين. تركهما لدى أمه، وأخذ يراسلهم بالنقود، وكذا إلى امرأته المجنونة.

سمعت فتاة المطعم سائق الشاحنة المغربي، ساعدته في كتابة الخطابات. بالنسبة إليه، تعلم العربية الفصحى إلى حد ما، يتكلم الأمازيغية والعربية ولكنه لا يكتب بأي لغة. تابع دروس الهجاء هنا، في فرنسا، وبدأ يدبر أمره، غير أنه، أحيانا، يجد الأمر شاقًا. لكي يكون سائق شاحنة، من الضروري أن يجري اختبارًا صغيرًا، امتحنه المدير، قال له إنه سيتابع دروسه مساء، فترك الأمر له. لكنه لم يكن دائمًا في المكان نفسه، والمدير يعلم كل شيء. قدم له زميلًا كان يعمل معلمًا بالجزائر أوائل سنوات ما بعد الاستقلال. حينما رجع من الجزائر هجر كل شيء، المهنة، الزوجة، الأطفال، تخلى لهم عن المسكن الذي ورثه عن أبويه في الشمال وانتقل إلى النقل الثقيل معه، تعلم كل شيء بسرعة، لكنه اختار النقل الدولي وعملا معا. تابع تدبير أحواله بمفرده. يستطيع قراءة الصحيفة ولكنه في حاجة إلى شخص لأجل الخطابات المعقدة.

حينما اقترح عليها أن تغادر بروتاني لكي يقيما معًا في الإقليم الباريسي، لم ترفض. كرست وقتها للمراسلات الخاصة بالمقهى الذي قام بترميمه من أجلها صديق برتغالي من سائقي الشاحنات. ذهبت معه، في الشاحنة، لرؤية المقهى. أعجبها. قررت البقاء. يقع المسكن في الطابق الأول، يصلان إليه عبر درج حلزوني، عند آخر طاولة الشراب. جلب والداها فتاة من البلاد، ممتلئة الجسد قليلاً ولكنها خفيفة الحركة وضحوكة، أثارت إعجاب سائقي الشاحنات.

يسقط الطفل الفطائر المدهونة بالزبد في الكوب البروتاني ويقول بملء الفم إن هناك نقاطًا من القهوة بالحليب على المعطف، الذي يريد أن يضعه إلى جانب السائق في غرفة القيادة، أعلاه. تمسح الجدة فمها بمزقة معلقة في حزام مريولها، تعرف الحياكة، تذهب إلى سوق سان-بيار، تملك أكثر من مريول ذي أشكال وألوان مختلفة، تحيك الأثواب والجوبات والصدريات، إلا أنها تمتلك وقتًا للحياكة. لقد ألبست ابنة الخال الشابة واحدًا حينما قدمت إليهما دون ملابس، بالضبط قدمت بحقيبة صغيرة من الجلد المغربي. ذات ليلة، سمعا طرقًا على باب المقهى، ثم على زجاج الطابق السفلي. قالت له بألا يفتح الباب، بسبب الجرائم العنصرية في الحي، وإن ادعى أنه

لا أعداء له، ومع الانتخابات، داخله الشك.

لم يعلق البتة، حكت له ما جرى فيما بعد.

فكر في الشرطة، ولم ينبس ببنت شفة لامرأته. تزوجا بعد وفاة امرأته الأولى في المشفى, أخبره المشفى. رحل لكي يساعد أمه ويرى طفليه. مكث معهم بعض الوقت قبل عودته. انتظرته طيلة ثلاثة أشهر. تخيلت أنها لن تراه ثانية. لم يكتب، ولا حتى بطاقة سياحية عن الصحراء، لا شيء. وحيدة في المقهى، لم تبك أبدًا، والمغاربة أصدقاؤه لم يقولوا شيئا عنه حتى من أتى من هناك، لم تسأله عنه. لم تفتح صندوق الخطابات ست أو سبع مرات يوميًا، وساعي البريد يمر مرتين يوميًا، وهي تعرفه.

ذات صباح، نحو الثامنة، عادت من المخبز، ويداها محملتان بالخبز المحكم الصنع الذي تحبه، وكذا الرواد. تركت الباب مقفلاً. رأته، جالسا إلى الطاولة حيث يجلس الطفل يتناول إفطاره، مستقبلا، كل يوم مكانه المفضل. يحتسي القهوة الغامقة، كما يحبها دومًا، يحتسيها كثيرًا، سوف تضره... ابتسم لها، ساعدها في وضع الخبز على الطاولة المجاورة، قال لها: «أنا ذا...» وقالت له: «أنت هنا، أنت هنا، هذا حقيقي، أنت»، شرعت تبكي على الخبز.

سمعا الطرق. لم يزل الطرق قائمًا منتظمًا، ملحاحًا. ارتدى ملابسه. إذا كانت الشرطة، فلا يريد أن يكون واقفًا أمام هؤلاء الرجال بالمنامة. رأته يدخل إلى صالة المقهى حيث تجلس، بصحبة فتاة ترتدي السواد، بوشاح أسود حول رأسها. تكلما بالعربية أو الأمازيغية، إذ إنها لا تفرق بينهما، اليوم تعرف إذا كان الزبون أمازيغيًا أو عربيًا عندما يتكلم وزوجها، لا تفهم ما يقولانه، غير أنها لا تخطئ البتة. يتكلم الطفل الفرنسية، لكنه يلهو بنطق كلمة بالعربية أو الأمازيغية، يقول إنه سيتعلم اللغتين حينما يصبح طالبًا. يدير الأغاني في صندوق الجوك (صندوق موسيقي)، أغاني الجد وليست «التوب خمسين» المذاعة في التلفاز، هذه الأغاني، يسمعها في صالة الطعام بالطابق الأول، أو يديرها الأصدقاء حينما تريد الجدة أن تسمعها.

لم تأكل الفتاة، أعدت لها قهوة بالحليب وفطائر وبيضات. لم تضع حقيبتها على الطاولة بل أمامها على الأرض. الزوج لا يتكلم. يتطلع إليها. قالت إنها ستذهب تعد فراشًا لها، في الغرفة التي لا يسكنها أحد، فقط يقيم فيها طفلا زوجها عندما يأتيان لزيارة أبيهما في الإجازات.

إنها ابنة خال لا يعرفها. تقيم في القرية المجاورة، يعرف أنهم أودعوها لدى عائلة ثرية، لكنه لم يسمعهم يتكلمون عنها. من دون أن يقسوا عليها، كانوا يجعلونها تعمل من الفجر حتى الليل. أرادت أن تستغني عن عائلتها، قالوا إنها تمتلك حظًا عن بقية الفتيات من عمرها، سواء كن في مساكن آبائهن أو في الشارع... تكلمت مع خادمات أخريات،في مسكن كبير فظ. بكت ولم يتغير شيء. أجرت بمفردها، سرًّا، الخطوات التي قادتها صوب ابن العمة، وهاهي ذي الآن هنا.

ينظر الزوج إليها في شك. كيف استطاعت، ومن دون مساعدة من أحد، اجتياز كل العقبات كي تصل إلى هنا؟ تحكي، بالفرنسية، حتى تفهم امرأة ابن عمتها. تتكلم كثيرًا. سألها ابن العمة إذا كانوا يبحثون عنها، فأجابت لا: كشفت له عن أوراقها، سليمة، لم تشأ أن تفعل مثل صديقة قابلتها في الحمام لأول مرة، علمت أنها ستترك البلد لكي تتزوج «زواجا أبيض» (زواج يسمح بإنهاء أوراق الإقامة وغيرها) يمكنها من البقاء لكنها لا تستطيع العودة إلى بلدها. تقول إنها سوف تكتب في الغد لأمها كي تقول لها بألا تقلق، وأنها لدى ابن عمتها، ستذهب إلى العمل وستعود لرؤيتها أو ستأتي هي إلى فرنسا، وقتما أرادت، ريثما تمتلك مسكنًا.

ظلت ابنة الخال أكثر من عام في المقهى. لم يكونا في حاجة إلى معاونة، غير أنها عاونت. اقترحت أن تعد طعام أمها، ولذا سيأتي الرواد المغاربة من الضواحي المجاورة للأكل لديهما. لاحظت المرأة شابًا مغربيًا مداومًا على القدوم، دائما الأول في منتصف الظهيرة والأخير بعد خدمة المساء. لا يتكلم أبدًا إلى الفتاة مباشرة. يتوجه إلى المعلم، حتى وإن وجه الكلام إليها. يأتي دائما، حتى اليوم الذي رفض المعلم فيه أن يخدمه، كانا سيتشاجران، لم يسبه الشاب، لكنه لم يرد الخروج، أمسكه من العنق، تعاركا على الطوار، وطلب منه استفسارات. كانا بمفردهما. شاهدت الزوجة وابنة الخال المشهد متحجرتين في مكانهما عند الطاولة. رأتا الرجلين يتحدثان بصوت خفيض للحظة، ثم رحل الشاب فجأة بلا تحية ولا وداع.

لم يعد يراه أحد في المقهى ولم تقل ابنة الخال شيئا.

اقترح الرجال على ابنة العمة أن يزوجها، كانت ترفض دوما. أصروا، قدموا لكي يقنعوه، دائما كانوا رؤساء على شاحنة أو في مؤسسة صغيرة، كانوا عزابًا. تحدثت الزوجة وابنة الخال عن هؤلاء الرجال الذين يأتون كل يوم لأجلها، لكن الفتاة ترفض بإصرار اقتراح الزواج. تطلب المرأة منها حججا، تجيبها بأنها لا تعرفها، لا تعرف أي شيء البتة. في النهاية، لم يتكلما عن طلاب الزواج ولا عن عاداتهم، والرجال وهنت همتهم. تابعت عملها في طهي طعام أمها، وبالنسبة للرجال، كانوا يتوافدون، ولكنها كانت

كما الغائبة،لا تخدمهم، هكذا قررت. لا تريد أن تحس بهذه النظرات التي تتصنع عدم النظر إليها، ولن تخفي وجهها لكي تخدمهم. وافقت الزوجة.

سأل الطفل إذا كان مسكن الجدة يقع بعيدًا عن البحر، وأننا من الممكن أن نرحل في قارب كل صباح للصيد. الجدة ترتب الطاولة، تمسح فتات الخبز وبقع القهوة بالحليب، تقول: «بالتأكيد، هناك البحر، والقوارب التي تريدها، سنذهب، سنرى... الآن، ارتدِ ملابسك للمدرسة، أسرع، أسرع، أسرع، سأعد سندويتشك لأجل الساعات العشر في المدرسة». يتطلع الطفل إلى الجدة، قبل أن يركض صوب الدرج الحلزوني. له عينا أمه، عينان سوداوان كحبتي زيتون، منتفختان، واسعتان نوعا ما، هكذا فكرت الجدة، على وجه صغير. حينما تنظر ابنة الخال إليهما، لا تعرف ما تقوله، كأنها تخاف عينيها. تسألها إذا كانت تريد العودة إلى مسكنها أو أن تظل هنا، وإذا كانت حزينة أو فرحة. تآلفتا، لكنهما حينما يعملان بعد الإغلاق، أو الأحد على الطاولة الكبيرة في الصالة لكي يحيكا الأثواب أو الصدريات، تتكلم ابنة الخال قليلاً. تتفاهم سريعًا، غير أنها تجيب بالكاد على ما تقوله المرأة التي لم تعد تطرح عليها أي أسئلة.

يتجنب الزوج الكلام مع ابنة الخال. حينما خاطرت المرأة بإعطاء بعض الملاحظات عن صمتها وحزنها ورغبتها في العودة إلى مسكنها كانت تتكلم وهو لا يجيب، لا يناقشها. أكثر من مرة، غضبت، فقال زوجها لها: «لماذا تصرخين؟ إذا أردت، أقول لها أن ترحل». منذ ذاك، صمتت لم تعد تتكلم عن ابنة الخال. اعتادت على هذه الفتاة الصموت، الطاهية الماهرة، النشطة، لكنها الآن غير سعيدة، إذا لم يتحدث أحد معها، فماذا تستطيع أن تقوله في المسكن؟ الكلام مع الرواد، نعم، لكن مع زوجها رغبت في أن تبوح بما يشغل ذهنها، وهو لا يسمعها منذ أحس بأنها ستكلمه عن ابنة الخال.

قررت أن تمضي أسبوعًا في بروتاني لدى عائلتها.

يوم رحيلها، أخبرتهما ابنة الخال أنها ستذهب كي تقيم فترة لدى جارة التقتها مصادفة في السوق الكبير. دعتها، لديها غرفة، أختها الكبيرة، التي تسكن معها، عادت إلى المغرب حتى آخر الشهر. لم تتكلم كثيرا. عيناها السوداوان تلمعان على غير العادة، كأنها تبكي، غير أنها لم تبكِ. لم ترها الزوجة بالدموع سوى مرة واحدة، هذا اليوم الذي قرأت فيه كثيرًا الخطاب الذي أرسلته أمها لها. قالت لها إنها لن تراها أبدا مادامت لم تتخلص من السحر لأنها متأكدة، بعد زيارتها للالا مريم، أن ابنتها لم تحسن التصرف حسب رأيها. كانت لالا مريم متأكدة أنها فرنسية، تقطن معها في المسكن نفسه وأنها نصحتها بإرسال غبار في تعويذة حتى تطرد العين الشريرة من مسكن فرنسا والأرواح الشريرة من رأسها إذا لم تتبع بدقة نصائح لالا مريم. سألت امرأة ابن العمة لماذا تبكي؟ جلست إلى جانبها واحتضنتها. كانت تبكي وعيناها غير حمراوين، فقط سوداوين ويائستين. دست ابنة الخال الخطاب في جيب صدريتها، ومسحت دموعها، ولم تقل شيئا. بعد ذاك، تلقت الغبار السحري، حفظته في التعويذة، التي تعلقها في رقبتها. أرسلت نقودًا إلى أمها التي لم تعد تكلمها عن السحر ولا عن لالا مريم. لم تضع ابنة الخال الغبار في شراب المرأة.

حينما رجعت إلى مسكنها ومقهاها، كان زوجها ينتظرها بعشاء احتفالي، أعده لها.

اشترى شموعًا، وأخرج الأطباق الجميلة. جلبت معها محارًا من أورليان، تعلم أنه يحبه منذ كان سائقًا في بروتاني وشارانت - ماريتيم، حتى بوردو، يجوب الأقاليم، دائما الأصداف تعطي محارًا. كانت ابنة الخال غائبة هذا المساء. في الغد، ذهبت امرأة ابن العم لكي تعود بها من عند صديقتها. قالت إنها لا تود العمل في المقهى، تبحث عن عمل الطرقات وغرفة في الميدان، أصرت المرأة ووعدتها بأنها ستتركه ريثما تجد مكانًا آخر. مكثت في المقهى لأنهم يعطون الوظائف للفرنسيين بداية، ووقتما تتحصل على أوراقها الفرنسية سيكون الأمر سهلاً. لم تذهب إلى دار البلدية ولا إلى المقاطعة. تتكلم مع المرأة قليلاً كأنها تتجنبها، وفي كل مرة تجد نفسها أمام ابن عمتها، تطرق رأسها كأنها باحثة عن مهرب. فكرت المرأة أنها لن تصبح سعيدة لديهما واقترحت عليها أن تمدها بنقود الرحلة.

لم تفعلها لأن زوجها كررها، في كل مرة يتحادثان فيها، أن ابنة الخال لا تريد أن ترحل من فرنسا، قبل أن تحوز أوراقها الجديدة، المنشغلة بها، وفي اللحظة المناسبة سترحل وسيحضران معاونة جديدة.

لا تريد ابنة الخال أن تحيك يوم الأحد. ذهبت إلى صديقتها في نهار الاثنين. ترتدي قميصًا واسعا كقمصان الرجال، على الموضة. لا تخرج البتة، وحينما تعمل في المقهى تغلق غرفتها عليها أو تذهب إلى صديقتها. امرأة ابن العمة تراها بالكاد. حتى جاء نهار، جلست ابنة الخال، بعد مجهود كبير، دائخة وأسقطت سطل المياه عند قدميها. ركضت امرأة ابن العمة، تريد أن تفك أزرار الصدار، فصرخت ابنة الخال، حامية حنجرتها بيدها، وبطنها باليد الأخرى. تبتعد المرأة، وتعاود ابنة الخال عمها.

في المساء، تحدثت وزوجها كثيرًا، صمت، حكت له المشهد. أكدت أن ابنة الخال حبلى: «حينما كنت في بروتاني، ولكن من هو الأب؟ لم تقل شيئا». ولم يقل الزوج بدوره شيئا. «ماذا ستفعل؟ إنها غير متزوجة، ستتركه، الوقت متأخر على أي حال، لكن المرأة لا تريد طفلاً من دون أب وهي وحيدة، كيف ستربيه؟». أجاب الزوج: «إذا أردت، فسنحتفظ به».

«إذا أرادت» قالت المرأة.

«ستوافق، أنا متأكد، لكنها سترحل»، قال الزوج.

من دون إجراءات شكلية، تخلت ابنة الخال عن الطفل. لم تقل لهما أين ستذهب. رحلت، ولم يتم الطفل أسبوعه الثالث. لم ترسل بطاقة سياحية أو خطابًا تبين فيه أنها حية وتسأل عن صحة ابنها. لم تفعل شيئًا.

خلال سبع سنوات، كان الصمت حاضرًا، امرأة ابن العمة، كل نهار حتى المساء وقتما ينام الطفل تنتظر عودة الأم، ابنة الخال. لا تريد أن ترد الطفل إليها. إنه لها، ربته، كان سيموت، لولاها، مخذولاً في حديقة عامة أو في ملجأ. إنه طفلها، تحبه، لن تتركه يرحل أبدًا، بالأحرى يموت. مع زوجها، لم يعودا يتحدثان عن ابنة الخال، فقط يتحادثان عن الطفل الذي يحبانه كابنهما. حينما يعود من المدرسة تحتضنه بين ذراعيها،تقبله كأنها تراه للمرة الأخيرة، وكأنه لن يعود ثانية، يومًا ما، تضمه بقوة، يعترض زوجها ويطلب منها أن تعد غذاء له، بدلاً من خنقه. «لا تبكي أمام الطفل». يتحدث إليهما، وهما جالسان على الطاولة البنية الغامقة. ينتظر كوب القهوة بالحليب، الكوب البروتاني، الذي أهدته جدته له. تدهن الفطائر بالزبد، تتكلم معه، تسمعه، يضحكان كثيرًا، فقط عندما لا يريد أن يذهب إلى المدرسة وبعد العشاء، وهو يقرأ صفحة أو صفحتين قبل خلوده إلى النوم. تغني مهدهدة باللغة البروتانية، تعرف أغاني الطفولة بهذه اللهجة التي نسيتها، كانت جدتها تكلمها بها لأنها لا تعرف الفرنسية، لم تذهب بتاتًا إلى المدرسة، إنها تغني له، في المساء، قرب فراشها، بلهجتها الأم والآن تجد الكلام للصبي. ينام وهي تقول: «كذا وكذا...». بين الفينة والأخرى يفتح عينيه السوداوين الواسعتين الغامقتين نوعًا ما اللتين تدهشانها. تسمع الموسيقى العربية من صندوق الجوك والرجال يضعون الأسطوانات، البعض لا يعرف القراءة، يدوسون بأصابعهم على الأزرار بالمصادفة.

لم تَرَ شيئا، المرأة لا تنظر عبر النافذة، في الساعة التي يأكل الطفل فيها، على أفضل طاولة في المقهى.

تراقب الطفل منذ أيام طويلة.

يصل الطفل إلى الصالة، الحقيبة على ظهره، تدس جدته سندويتشه المغلف بورق الألمونيوم في الجيب الداخلي لمريوله. يشب على أطرافه ويقبلها، إنها أطول منه. «إلى اللقاء يا صغيري». في الشارع، يلتفت ناحيتها، عند باب المقهى، يشير إليها، ترى عينيه، تبدوان صغيرتين، وهو يكبر، وستظلان دوما سوداوين وقويتين وجميلتين.

يذهب الزوج إلى الأسواق. تعد الخضراوات للظهيرة. لن تكون المعاونة هنا قبل الحادية عشرة والنصف. تدير الإذاعة، كالعادة، تسمع، يطلب المذيع الاهتمام من المستمعين. تسمع: «تم خطف طفل في السابعة من عمره تقريبًا، في اللحظة التي التفت فيها إلى الوراء، دفعته امرأة إلى سيارة سوداء تنتظرها إلى جانب الطوار قرب مدخل المدرسة. هي ذي ملامح الطفل: سبع سنوات، عيناه سوداوان، واسعتان ويقظتان، يرتدى قميصًا وبنطالا من الجينز، حقيبة حمراء وخضراء. كل شخص...».

ليلى العثمان مجلة العربي مايو 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016