مختارات من:

التصوير الطبي رؤية المرض قبل أن يظهر

محمد الدنيا

«رؤية الجسم من الداخل من دون فتحه»، كان ذلك حلمَ الطب القديمَ لم يتمكن من ذلك إلا منذ عام 1895، عندما اخترع «ولهلم رونتجن» التصوير الشعاعي. لم تتوقف تقنيات التصوير الطبي منذئذ عن التطور. واليوم، بفضل الواسمات المشعة، والأجهزة المتنامية قوةً، يستطيع الأطباء أن يشخصوا ويتتبعوا، في وقت قصير، تطور الأمراض وتقييم فاعلية العلاجات. وقد حاولت مجلة العلوم والحياة (Science Vie) تقديم بانوراما لتاريخ التصوير الطبي نعرضها فيما يلي:

جعْل الجسم شفافًا بحيث يمكن رؤية أمراضه كلها حتى قبل ظهورها، شرط أن يضبط الطبيب نظاراته بشكل مناسب، لم يعد حلمًا. تشهد تقنيات التصوير الطبي منذ أكثر من عشرين عامًا تطورًا حقيقيًا، جاعلة حالات الخلل في الجسم، أيًا كانت درجة خِفْيتِها وتهديدها، مرئية بوضوح أكبر فأكبر.

هناك استراتيجيتان لمعاينة البدايات الأولى للمرض، أيًا كانت الأداة التي يستخدمها الباحثون. توجد مقاربتان رئيسيتان في المختبرات: تقوم المقاربة الأكثر مباشرة على إظهار المنطقة المتأذية على الصورة، من خلال استهداف خاصيات المرض البيولوجية، مثل تكدّس اللويحات النشوانية Plaques Amyloïdes في دماغ مرضى مصابين بخرف Démence. على العكس، تقوم الإستراتيجية الأخرى على عرض النسيج السليم على الشاشة، واستنتاج أن المناطق غير المرئية أو الأقل رؤيةً هي المناطق المصابة بالمرض.

الأجهزة الموجودة في خدمة الباحثين كثيرة، وتزداد دقةً باستمرار، بدءًا من التصوير بالرنين المغناطيسي Imagerie Par Résonance Magnétique Irm، والتصوير المقطعي بالبث البوزيتروني Tomographie Par Emission De Positrons Tep وقبله التصوير الومضاني Scintigraphie، والتصوير المقطعي بالبث البوزيتروني المقترن بمِفراس أشعة سينية Tomographie Par Emission De Positrons Scanner Pet-scan بالعبارة الإنجليزية) أو أيضًا التألُّق Fluorescence. يرتكز الـ Irm على تعديلات في اتجاه ذرات البدن الذي يتعرض لحقل مغناطيسي قوي معطيًا بذلك صورًا تشريحية دقيقة جدًا. يعطي الـ Tep والتصوير الومضاني صورًا عن نشاط الأعضاء بنتيجة إشعاع صادر عن قوائف (قوائف هي مصطلح مقابل للمستشّفات أو أجهزة التصوير بالأشعة) مشعة Traceurs Radioactifs تحقن في الدورة الدموية. أما الـ Pet-scan، فإنه يجمع بين التصوير النووي في الـ Tep وتصوير المفراس (الماسح الضوئي) Scanner القديم بالأشعة السينية. وهكذا، يكشف الـ Tep عن العمليات الاستقلابية غير السوية عندما يحدد المفراس مواضعَها بالشكل الأفضل.

أدوات أدق

ولكن إذا كانت الآلات المستخدمة بالنسبة للـ Tep والتصوير الومضاني تبدو اليوم أنها قد بلغت ذروة فنها، فإن التطورات الأروع تحققت على مستوى القوائف Traceurs، هذه الجزيئات الصغيرة المشعة التي يمكنها أن ترتبط على نحو نوعي بمختلف مكوِّنات الكائن الحي.

يعود هذا التطور الهائل إلى النجاحات التي حققها الـ Tep في ميدان السرطان. في الولايات المتحدة، مع بداية تسعينيات القرن العشرين، أثبت علماء أن من الممكن الكشف بسهولة، خلال عشرين دقيقة، عن النقائل السرطانية في الجسم كله باستخدام تقنية جديدة. وتستخدم هذه التقنية نَهَمَ الخلايا الورمية للجلوكوز. عند حقن جزيء قريب من الجلوكوز، بعد جعله مشعًا، أي الجلوكوزFdg Fluoro-désoxy-glucose، يعزل الأطباء الخلايا الخبيثة بعد أن يكشفها نهمُها. أصبحت هذه الطريقة اليوم تقليدية في المشافي. «بات الأطباء يطلبون من الباحثين تزويدهم بأدوات أدق»، يقول «برتران ترافيتيان» Bertrand Travitian، رئيس فريق «القوائف الجديدة» في شعبة استشفاء «فريدريك جوليو» في «هيئة الطاقة الذرية» بفرنسا. «كانت الممارسة السريرية في التصوير أحد المحركات الرئيسية للأبحاث الأساسية الجديدة»، ويضيف: سادت فكرة أن تطبيقات الـ Tep يمكن أن تتوسع بعد اكتشاف جزيئات موسومة شعاعيًا يمكنها الارتباط بالعصبونات (الخلايا العصبية) المريضة، وبالأوعية الدموية والغضاريف المتأذية. يمكن للفروع العلمية كلها إذن أن تأمل الإفادة من الـ Tep. تختبَر الآن مئات القوائف في المختبرات، ولكن لا بد أن تنقضي سنوات قبل إمكان أن تبدأ أولى التجارب على الإنسان. «يلزمنا أولًا أن نثبت أن هذه القوائف غير ضارة، كما هو الحال بالنسبة للأدوية، ولو أن الجرعات التي نستخدمها أدنى بنحو مليون مرة»، يشرح «برتران ترافيتيان». يلزم أيضًا أن نتأكد أن هذه الأجهزة الجديدة مفيدة فعلًا في المعاينات السريرية. الرؤية شيء، والحصول على معلومات قابلة للاستثمار شيء آخر. هذا هو كل رهان هذه الأبحاث.

فيما يتعلق بالـ Irm، قدرةُ الآلات المزوِّدة بالحقول المغناطيسية، المتنامية الشدة باستمرار، هي التي تتيح تتبُّعَ ذرات أخرى غير الهيدروجين وحده، مثل الصوديوم، الموجود على نطاق واسع في الدماغ والضالع في الأمراض التنكّسية العصبية Neurodégénératives. يمكنها بذلك تتبّع الفسفور والفلور، لكن تركزاتهما في الدم ضئيلة جدًا إلى درجة أن كشفها لايزال صعبًا جدًا. لكن هذا الوضع لا بد أن يتغير قريبًا. وتتراوح شدة الحقل المغناطيسي اليوم بين 0.1 و3 تسلا Teslas (التسلا وحدة قياس كثافة السريان المغناطيسي)، إلا أن بعض الأجهزة التجريبية وصلت اليوم إلى 11 تسلا.

الـ Irm مقابل الـ Pet-scan

الآلات من جهة، وعوامل التباين التي تقوي الإشارة، صنعيًا، بواسطة خواصها المغناطيسية من جهة أخرى دفعت الأبحاث إلى التطلع لأن تجعل عوامل التباين المستخدمة حاليًا أكثر كفاءة في التعرف على مستوى الأنسجة والآفات، وذلك بتعديل بنيتها الأصلية قليلًا (بإضافة مجموعة ذرات مثلًا). الأبحاث في ميدان الـ Irm نشيطة جدًا وجيدة الدعم إلى درجة أنه يوجد التزام قانوني بضرورة توجيه المرضى نحو التصوير غير الإشعاعي عندما يكون هناك مجال للاختيار»، كما يوضح «باترك كوزون» Patrick Cozzone، مدير «مركز التصوير المغناطيسي البيولوجي والطبي في مشفى La Timone في مرسيليا بفرنسا».

ولكن أصبح الـ Irm بالنسبة لكامل الجسم اليوم يتنافس مع الـ Pet-scan في الكشف عن النقائل Métastases، لأن الأول يحددها على شكل بقع فاتحة دون تشعيع، بينما يستخدم الثاني الإشعاعيةَ بشكل مضاعف: إشعاعيةَ القائف بالنسبة للفحص بالـ Tep ثم إشعاعيةَ الأشعة السينية بالنسبة للمفراس.

الأمراض العصبية التنكّسية

تقنية التصوير: Irm, Tep
مرحلة البحث: قبل سريري، سريري

في أبريل 2010، نجح عدد من العلماء الفرنسيين في معاينة توزُّع الصوديوم في دماغ أشخاص سليمين بواسطة الـ Irm. يعود الفضل في هذا العمل الفريد إلى قدرة الآلات، لأن الإشارة التي تنبعث من هذه الذرة أضعف بعشرين مرة من إشارة الهيدروجين. ما الفائدة من رسم مثل هذه الخريطة الدماغية؟

إن تراكم الصوديوم في مِحور Axone العَصَبون (الخلية العصبية)، ضالعٌ في عدد من الأمراض التنكّسية العصبية. ويمهد الوصول إلى تحديد مقادير الصوديوم الطريق نحو فهم أفضل لعمليات تنكّس العصبونات في عدة أمراض مثل التصلب اللويحي Sclérose En Plaques، والصرع، وداء الزهايمر، ومع ذلك، في هذا المرض الأخير، تتجه أنظار العلماء نحو الـ Tep. وبمساعدة عدد كبير من القوائف التي تجري دراستها، ويأمل العلماء أن يكشفوا عن العمليات الجزيئية الصامتة وعلامات المرض الباكرة. إنه رهان كبير، لأن أكثر من نصف العصبونات يموت قبل أن تظهر أولى علامات داء الزهايمر السريرية. وتعمل دراسات في الولايات المتحدة على تقييم القائف المسمى Av-45، والذي يجعل اللويحات النشوانية مرئية بالـ Tep، والتي تشكل إحدى الآفتين المرتبطتين بداء الزهايمر. أما الآفة الثانية، أي التنكّس العصبي اللييفيdégénérescence Neurofibrillaire ، فيبقى في الوقت الحاضر بلا قائف. هناك محور بحثي آخر هو: معاينة الالتهاب الذي يرافق تلاشي العصبونات بواسطة القائف المسمى Dpa714 الذي هو في طور التجريب السريري الآن في «أستراليا». إذا أجيز استعمال هذه التقنيات مع البشر، فإن السؤال حول الكشف عن هذا المرض غير القابل للعلاج حتى الآن سيطرح بشكل علني: هل سيكون لزامًا على الجسم الطبي عرض الفحص الذي يستكشف هذا الداء على المرضى، خلال السنوات العشر المقبلة، في الوقت الذي لا يوجد أي علاج؟ هناك شيء مؤكدوهو أنه سيتيح هذا التصوير فهمًا أفضل لتطور المرض مع تقييم للزمن الحقيقي لتأثير الأدوية المستقبلية الحامية للأعصاب.

أمراض القلب

تقنية التصوير: Irm
عامل التباين: الغادولينيوم
مرحلة البحث: قبل سريري

إذا كانت غالبية اللويحات العصيدية Plaques D`athérome، هذه الترسبات الشحمية على الجدران الداخلية للشرايين، غير خطرة، فإن بعضها يمكن أن يتقصف مع ذلك فيسبب تشكل خثرة يمكن أن تتمخض عن احتشاء عضلة القلب بانسداد أحد الشرايين. تبقى معاينة اللويحات العصيدية لشرايين القلب، رغم صغر حجمها ودورانها الدموي المحيط،عملًا صعبًا إذن بالنسبة لطب القلب.

مع ذلك، نجح باحثون من جامعة بوسطن الأمريكية في مايو 2010 في الكشف عن لويحات عالية خطر التقصّف يسمونها سريعة التأثر Vulnérables، من خلال حقن مادة تبايُن هي الغادولينيوم Gadolinium بتقنية الـ Irm. اكتشف العلماء أن هذا العنصر الكيميائي يتثبت بشكل خاص في المناطق الالتهابية، التي تتوافق واللويحات الخطرة. وطورت أبحاث تجريبية أخرى قوائف مشعة جديدة مرئية بالـ Tep وتستهدف البلاعِم Macrophages (نوع من الخلايا). وخلايا الالتهاب هذه كثيرة جدًا في الواقع في محيط اللويحات غير المستقرة. ولاتزال هذه الأبحاث كلها في مرحلة التجريب على الحيوان.

أمراض الغضروف

تقنية التصوير: التصوير الومضاني.
مرحلة البحث: قبل سريري.

تخرُّبُ غضروف المفصل، الذي يدل على الفُصال Arthrose (علة مفصلية غير التهابية)، غير ممكن المعاينة بالصورة الإشعاعية التقليدية إلا في مرحلة متقدمة من المرض.

إلا أن فريقًا فرنسيًا توصل إلى مادة تحوي مركّبًا كيميائيًا، الأمونيوم الرباعي Ammonium Quaternaire، الذي يتثبت بكمية كبيرة على الغضروف عندما يكون سليمًا. ولكن على العكس، يتراكم بكمية أقل منذ بدايات تَلَف هذا النسيج الكثيف واللدن. ولكن ما سرّ الـ 99mtc-ntp15 - 5 قائفِ هذا المرض؟ إنه قادر على الارتباط، بشكل خاص، بالبروتيوجليكانات Protéoglycanes (نوع من البروتينات الداعمة في الأنسجة الضامّة). هذه التقنية، التي أثبتت فائدتها بالتجريب على نماذج حيوانية، واعدة بإمكان التتبع الدقيق للمرضى المحتمل إصابتهم بالمرض، كالرياضيين، بل أيضًا المشخّصون والمهددون باتساع العلة. ويمهد هذا التطور الطريق لمتابعة التجارب على أدوية تحمي من الفصال.

السرطانات

تقنية التصوير: Tep، تصوير ومضاني، Irm، تألُّق مرحلة البحث: قبل سريري، سريري.

من أجل التشخيص بالتأكيد- بل أيضًا من أجل معالجة سرطانٍ - أصبح التصوير حليفًا حتميًا. في مارس 2010، أعلن تقرير لفريق فرنسي عن مجيء واسم شعاعي Radiomarqueur إلى ميدان التصوير الومضاني للكبد، اسمه Lactal. يتثبت هذا القائف بشكل نوعي على الكبد المعافى ويجعل المناطق السليمة فيه «تلْمَع». عندما يكون أحد الأورام السرطانية قد توضع في العضو، تظهر في الصورة مناطق معتمة. لم يكن مثل هذا القائف موجودًا في أوربا، لكنه مستخدم منذ وقت سابق في اليابان وكوريا، غير أنه لا يتوافق والمعايير الأوربية (يحوي في العادة أحد مشتقات السيانور Cyanure). يمكن أن تستثمر الصورة في العمليات الجراحية لتوجيه حركات الطبيب الجراح استنادًا إلى التألق: فقد أوجدت شركة Fluoptics، في «غرونوبل» بفرنسا جهازًا فعالًا لتتبُّع النقائل مهما كانت صغيرة الحجم، على طاولة العمليات مباشرة. وبما أن عين الجراح الخبير لا ترى أدنى من مستوى المليمتر، فقد عكف العلماء على إيجاد تقنية تجعل النقائل دون حجم 500 ميكرومتر مرئيةً. توسم النقائل السرطانية بعاملٍ يصدر تألقًا عند إضاءته بالضوء تحت الأحمر.

يمكن للجراح، عند تزوُّده بمصباح تحت الأحمر، أن ينتزع البؤر الورمية كلها مع الحفاظ على الأنسجة السليمة بأفضل وضع ممكن. أخيرًا، يفيد التصوير أيضًا في متابعة فعالية المعالجة الكيميائية في الزمن الحقيقي. واليوم، في الواقع، يكشف الطب النووي عن الآليات الجزيئية غير السوية، التي تشكل علاماتٍ حول وجود نشاط ورمي. وباتت توجد اليوم بصمتان ورميتان قابلتان للكشف: تولُّد الأوعية Angionenèse، أي تشكيل الأورام لأوعية دموية جديدة، والاستماتة (الموت الخلوي المبرمج) Apoptose، وهو شكل خاص من موت الخلايا السرطانية الذي يستحث بالمعالجة الكيميائية. وللتحقق من أن علاجًا يُحْدث بالفعل استماتةَ الخلايا السرطانية أوجد الباحثون قائفًا يتثبت على الجزيئات الخلوية وحدها عندما توضع خارج الخلايا, إلا أن تبعثُرَ هذه الجزيئات في الخارج هو علامة الموت الخلوي، ويعطي تركُّزُ القائف في العضو البرهانَ إذن على أن المعالجة تسير جيدًا.

محمد الدنيا مجلة العربي مايو 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016