مختارات من:

فعلوها قبل اليهود: الصليبيون يستولون على القدس

حاتم الطحاوي

"شهدت أرجاء القدس مذبحة فظيعة وشنيعة، وكان الدم المسفوك مخيفاً، حتى أن المنتصرين أنفسهم ساورهم الإحساس بالخوف، وشعروا بالاشمئزاز..".

"المؤرخ الصليبي وليم الصوري"

تعرض الوطن العربي في العصور الوسطى لأحد أهم إفرازات المجتمع الأوربي آنذاك، وهي الحركة الصليبية، حيث أقام البابا أربان الثاني بالدعوة للحركة الصليبية أثناء انعقاد مجمع كلير مونت بفرنسا عام 1099 م. وبعد أن انتهى البابا من إلقاء خطبته على جموع المسيحيين هناك، والتي انطوت على الكثير من المحاور التي ألهيت مشاعرهم، من ذلك الوعد بغفران خطايا كل من يذهب لتحرير القبر المقدس في بيت القدس، علاوة على إغرائهم بما تتميز به فلسطين من خيرات، وقام بتذكيرهم بكلام الكتاب المقدس الذي وصفها بأنها "بلاد اللبن والعسل".

وبعد أن انتهى البابا من خطبته الملتهبة، كانت مشاعر مستمعيه قد وصلت إلى ذروتها، وصاحوا جميعاً Deus Volt أي "أنها إرادة الرب". وقام كل منهم بتمزيق جزء من ملابسه من أجل صناعة صليب من القماش تم وضعه على الصدر، لكي يعبر عن حامله باعتباره من "جند الرب" الذين سيتوجهون إلى الشرق من أجل انتزاع القبر المقدس من أيدي المسلمين.

ويمكن للباحثين المتخصصين في تاريخ أوربا في العصور الوسطى إدراك الدوافع الحقيقية للبابوية وراء الدعوة للحركة الصليبية في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي. فقد اعتقدت البابوية - وكان معها الكثير من الحق - أن الدعوة للحركة الصليبية هي بمنزلة المفتاح السحري الذي يمكنه فك رموز العديد من المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي نشبت في أوربا في العصور الوسطى.

ففي إطار النزاع الديني - العلماني بين الكنيسة "بيت الرب" والملوك والأمراء العلمانيين، وجدت البابوية في الدعوة الصليبية خطوة لكسب خطوات جديدة في مواجهة العلمانيين، الذين لم يكن بوسع معارضة الدعوة، أو حتى التقاعس عنها في مواجهة عقوبة الحرمان الكنسي التي أنذر بها البابا الرافضين والمتقاعسين عن نصرة "جيش الرب".

وكان النظام الإقطاعي هو المهيمن على مقدرات الحياة الاقتصادية والاجتماعية في أوربا في العصور الوسطى، على الرغم من اختلاف آلياته من منطقة لأخرى، وبشكل عام اعتمد النظام الإقطاعي على رابطتي السيادة والتبعية، وظهر الكثير من العيوب بداخله، أبرزها وراثة الابن الأكبر فقط لإقطاع أبيه، مما أوجد حالة من الفراغ لدى الفرسان الآخرين الذين حاولوا إيجاد إقطاعات جديدة لهم عن طريق القيام بعمليات السلب والنهب لإقطاعات الآخرين، مما أدى في النهاية إلى غرق الغرب الأوربي في فوضى النزاعات، وإلى نشوب القتال بشكل شبه يومي بين الفرسان، وجدت آنذاك ما اصطلح على تسميته بحالة "الجوع إلى الأرض".

وفكر البابا أربان في إيجاد سريع لإيقاف نزيف الدماء المسيحية، وقامت الكنيسة بإيجاد عدة صيغ لوقف القتال مثل "سلام الرب" و "هدنة الرب"، تحظر على الفرسان ممارسة عمليات القتل في أشهر معينة من السنة، ثم في أيام معينة من الأسبوع. وعلى الرغم من هذا فقد فشلت قرارات الكنيسة في الحد من عمليات القتل المتبادلة بين الفرسان المسيحيين من أجل الحصول على أراض جديدة، مما دعا البابا إلى محاولة حل المشكلة عن طريق تصديرها نحو العالم الإسلامي، ليحقق للبابوية أكثر من مكسب، ولتظل هي الأعلى كعباً في إطار الصراع الديني - العلماني في أوربا، والذي نشب منذ اعتراف الإمبراطور قسطنطين بالمسيحية.

ويمكن تخيل المجتمع الأوربي آنذاك على هيئة مثلث، يمثل الذين يصلون "رجال الكنيسة" والذين يملكون "السادة الإقطاعيون" ضعليه، بينما يمثل الذين يعملون "الفلاحون والأقنان" قاعدته.

ولعل هذا ما يفسر لنا أن ردة الفعل المباشرة إزاء دعوة البابا أربان في التوجه نحو فلسطين "أرض اللبن والعسل" جاءت من الفلاحين والأقنان، الذين استغلوا خطبة البابا للتخلص من نير عبوديتهم، والتوجه نحو إقامة حياة جديدة في الشرق العربي. وبالفعل خرج الفلاحون مباشرة نحو الشرق بعد خطبة البابا أربان مباشرة. وعرفت حملتهم بحملة الفلاحين أو الحملة الصليبية الشعبية، ووصلت إلى القسطنطينية حيث العداء المذهبي بين بيزنطة والغرب الأوربي، ثم قام الإمبراطور البيزنطي الكسيوس كومنينوس بنقلهم إلى آسيا الصغري، لتتلقفهم سيوف الأتراك السلاجقة محترفي القتال، وتقوم بحصدهم جميعاً إلا ما ندر.

وفي الوقت الذي وصلت فيه حملة الفلاحين إلى نهايتها المروعة كان أمراء الغرب الأوربي وعلى رأسهم جودفري البوايواني دوق اللورين، وريموند كونت تولوز، وروبرت كونت نورماندي، بالإضافة إلى بوهيموند النورماني قد استعدوا للقيام بحملتهم العسكرية التي عرفت بالحملة الصليبية الأولى، وقام الامبراطور البيزنطي بمساعدتهم ونقلهم إلى آسيا الصغري، حيث تمكنوا من هزيمة الأتراك السلاجقة عام 1097 م، ثم واصلوا تقدمهم نحو الشام فاستولوا على أنطاكية عام 1098 م. وأخذوا في زحفهم حتى وصلوا إلى أسوار مدينة القدس في يونيو 1099 م.

وقبل وصول الصليبيين مباشرة قام المسلمون بطمر آبار المياه حول القدس وتغيير مجرى الينابيع، بحيث لم يجد الصليبيون سوى بعض المياه من بئر عند سفح جبل صهيون، وكانت تنفد بسرعة لشدة تزاحمهم عليها، لدرجة أنهم كانوا يدفعون بعضهم بعضا داخلها، مما أدى إلى معاناة الصليبيين من العطش، وإلى نفق العديد من خيولهم، وإلى سقوط العديد منهم مرضى بجوار العين، وانتشرت رائحة نتنة جراء نفق الحيوانات فجلبت العديد من الأمراض لهم، الأمر الذي دفع الصليبيين إلى محاولة إيجاد مصدر آخر للمياه عبر الممرات الخطيرة في التلال المجاورة للقدس، وهو ما استغله المسلمون فنصبوا لهم العديد من الكمائن، وقتلوا منهم الكثير. كما عمل المسلمون أيضاً على نقل الأمراض إلى المعسكر الصليبي عن طريق إفساد وتسميم مياه العيون القريبة. كما قام البدو المسلمون خارج القدس بجمع كل ما يملكونه من حصاد وماشية وتخبئته في الكهوف والمغارات حتى لا يقع في أيدي الصليبيين.

وأدى هذا الأسلوب من المقاومة إلى انتشار الجيش الصليبي كله في مناطق الريف المجاور لمدينة القدس، من أجل جمع المؤن وضمان إمدادات المياه، وهو الأمر الذي أدى إلى انشغالهم، بحيث تأخروا في صناعة آلات الحصار الخشبية، وضاع من وقتهم الكثير قبل التأهب لاقتحام مدينة القدس.

وظل الصليبيون شهراً تحت أسوار بيت المقدس، في الاستعداد لاقتحامها، واستغلوا حصارهم لها في بناء آلات الحصار، وبعد ذلك بدأت المحاولات الصليبية الجدية لاقتحام أسوار المدينة، فحاصر الدوق جودفري وكونت الفلاندر وكونت نورماندي القدس من الجانب الشمالي ، بيما عسكر الكونت ريموند غربي المدينة، وفرضوا حصارهم عليها من معسكر الدوق وحتى جبل صهيون.

بعد أن قام الصليبيون بتشييد العديد من آلات الحصار الخشبية وبدأ وا بتشديد هجومهم على القدس، أجبر المسلمون على التقهقر نحو الأسوار الداخلية بعد سقوط السور الخارجي في أيدي الصليبيين، الذين نجحوا أيضاً في تسلق بعض الأسوار الداخلية، لكن المسلمين تداركوا أمرهم ونجحوا في رد الصليبيين على أعقابهم، ونجحوا في تكبيدهم العديد من القتلى.

هجوم متواصل

وقام المسلمون بهجوم مضاد من أجل إحراق آلات الحصار الخشبية، التي نجحت في هدم أجزاء كبيرة من سور مدينة القدس، فأخذوا في رميها بالسهام والأحجار، كما عمدوا إلى قذفها بجرار هشة مليئة بالنار والكبريت والقطران والزيت، وكذلك الدهون والشمع والخشب اليابس، وكل ما يصلح أن يكون وقودا يذكي النار اشتعالا. مما أسفر عن حدوث خسائر فادحة للصليبيين.

وبدأ اليأس يتسلل إلى نفوس الصليبيين بعدما رأوا التدمير التام الذي طال بعض آلات الحصار، والدخان المنبعث من آلات الحصار، والدخان المنبعث من الآلات الأخرى، ولم يجد الصليبيون بدا من سحب تلك الآلات إلى الخلف من أجل إصلاحها، ثم معاودة الهجوم في اليوم التالي، أما المسلمون فقد ارتفعت معنوياتهم، وبدأ وا يشعرون باقتراب النصر.

وإزاء ازدياد موقف الصليبيين حرجاً، أمر جودفري البوايواني رجاله بالعودة مرة أخرى إلى ساحة القتال، وبدأ وا في الهجوم من جديد على أسوار القدس الشمالية. وفي الوقت نفسه كان كونت تولوز ورجاله يهاجمون أسوار القدس من ناحية الجنوب بنفس الضراوة، وظلوا يعملون لمدة ثلاثة أيام في ردم الخندق المجاور لسور المدينة، ثم نجحوا في تثبيت إحدى آلات الحصار بالسور، وجعلوها في وضع يجل كلا من المدافع المسلم الموجودة داخل الأبراج، والصليبي الموجود في آلة الحصار قادراً على أن يطول الواحد منهما الآخر برمحه فيصيبه، وعمت الحماسة أرجاء المعسكر الصليبي.

ونتيجة للهجوم الصليبي الكبير، نجح فرسان الدوق جودفري في تحطيم التحصينات الخارجية الشمالية للقدس، وعلى حين أصيب المسلمون بخسائر فادحة، ونالهم الإرهاق الكبير، اقترب الجنود الصليبيون من الأسوار، واقتصر المسلمون على مهاجمتهم من المنافذ الصغيرة بالأسوار.

وأمر جودفري جنوده في أعلى آلات الحصار بإضرام النيران في زكائب القش والحشايا القطنية، ثم هبت رياح الشمال فزادت اللهب ضراماً، وانعقدت سحابة من الدخان الكثيف ساقتها الريح نحو المدينة، حتى أن الذين كانوا يحاولون الدفاع عن السور عجزوا عن فتح أفواههم أو عيونهم، فأصابهم الاضطراب، واختلط عليهم الأمر جراء سحب الدخان الأسود.

وعندما رأى جنود الحملة الصليبية الأولى استيلاء الدوق جودفري على أبراج مدينة القدس، بادروا إلى نصب ما لديهم من سلالهم على الأسوار، واندفع الكثيرون نحو ارتقاء الأسوار واللحاق بجودفري، الذي أمر بسرعة النزول داخل المدينة والاتجاه نحو الباب الشمالي الذي كان يعرف باسم باب القديس ستيفن، لفتحه أمام الجنود الصليبيين.

ولم يدرك كونت تولوز ورفاقه حتى ذلك الوقت أن جودفري قد نجح في اقتحام مدينة القدس، غير أن هتافات الصليبيين العالية وهم يدخلون المدينة ، أشعرت المسلمين أن الصليبيين نجحوا في اقتحامها عنوة، فتخلوا عن الأبراج والحصون، واعتصموا بقلعة القدس، لأنها كانت أقرب المواقع إليهم.

السقوط الفاجع

ودخل الصليبيون مدينة القدس دون مقاومة من جانب المسلمين الذين أخذتهم المفاجأة، وما كاد الصليبيون يرون أنفسهم داخل المدينة حتى قاموا بفتح الباب الجنوبي للقدس على مصراعيه، وأدخلوا باقي جنود الحملة الصليبية الأولى، وعلى رأسهم ريموند كونت تولوز، والعديد من النبلاء والأساقفة، ثم سارت هذه الجموع وهي مسلحة تمام التسليح وانتشرت في كل ناحية من نواحي القدس، وليس لها من هدف سوى بث الدمار والرعب في أوساط المسلمين الذين اضطروا إلى الهرب إلى أطراف المدينة. وشهدت أرجاء القدس مذبحة فظيعة وشنيعة، وكان الدم المسفوك مخيفاً، حتى أن المنتصرين أنفسهم ساورهم الإحساس بالخوف وشعروا بالتقزز.

وحاول المسلمون في المنطقة القريبة من جبل صهيون إبداء المقاومة، وقاتلوا قوات ريموند بشراسة، كما لو كانت الهزيمة لم تدركهم بعد، ولكن بلا جدوى، وسفك الدوق جودفري والكونت ريموندوتانكرد النورماني كمية لا تصدق من دماء المسلمين، وأنزل رفاقهم آلاما شديدة بهم، وعلى حد قول المؤرخ ريموند الأجويلري الذي كان مصاحباً للحملة الصليبية الأولى أنه "بعد سقوط بيت المقدس تم قطع رءوس بعض المسلمين، بينما اخترقت السهام رءوس الآخرين، وعذب آخرون لوقت طويل، ثم أحرقوا حتى الموت في اللهب المتأجج ، وتكدست الرءوس والأيادي والأقدام ، في الطرقات والبيوت، وكان الفرسان الصليبيون يجرون جيئة وذهابا فوق الجثث".

وارتكب الصليبيون لدى اقتحامهم مدينة القدس يوم الجمعة الخامس عشر من يوليو 1099 م مذبحة من أبشع المذابح التي ارتكبت في تاريخ الإنسانية، عبروا من خلالها عن حقدهم الدفين تجاه المسلمين،، وكذلك عبروا أيضا من خلالها عن استمرارية تعطش البرابرة الجرمان (أجدادهم)، للدماء، وعن السلوك البربري الذي سيطر على جنود الحملة الصليبية لدى خروجهم من الغرب الأوربي وحتى اقتحامهم لمدينة القدس.

ويذكر المؤرخ الصليبي وليم الصوري أن الممين قد لجأ إلى الاحتماء بمسجد عمر بن الخطاب من هول الكارثة، لكن الصليبين انطلقوا وراءهم، وأعملوا القتل فيهم، ولم تأخذهم رحمة بأحد حتى النساء والأطفال والشيوخ، حتى فاض المكان كله بدماء الضحايا.

كما يذكر أيضاً المؤرخ الصليبي فوشيه الشارتري - المعاصر لاقتحام القدس - تفاصيل تلك المذبحة المروعة التي جرت في مسجد عمر بن الخطاب، فيذكر ذبح الصليبيين لعشرة آلاف مسلم حول المسجد وبداخله، فيقول: "ولو أنك كنت موجودا هناك لغاصت قدماك حتى العقبين في دماء المذبوحين. ترى ماذا أقول؟ لم نترك منهم أحدا على قيد الحياة، ولم ينج حتى النساء والأطفال"، وهو ما يؤكد عليه أيضاً المؤرخ ريموند الاجويلري - الذي كان شاهد عيان أيضاً - فيكتب.. "خاض الصليبيون في رواق مسجد عمر بخيولهم، حتى وصلت دماء المسلمين إلى ركبهم، وإلى سروج خيولهم..".

وأجمع مؤرخو الحملة الصليبية الأولى: فوشيه الشارتري والمؤرخ المجهول، وريموند الاجويلري، وبطرس توديبود على بشاعة المذبحة التي قام بها الصليبيون تجاه مسلمي القدس في مسجد عمر بن الخطاب.

الصليبيون يقومون بالذبح

ولم يكتف الصليبيون بذلك، بل انطلقوا للبحث عن المسلمين المختبئين من أجل الإجهاز عليهم فالتجأ بعض المسلمين إلى أعلى مسجد عمر وفضلوا إلقاء أنفسهم من عليه بدلا من الاستسلام لسيوف الصليبيين. وصدرت الأوامر بعد ذلك بطرح جثث المسلمين خارج القدس، وأمر الصليبيون بعض المسلمين الذين قيضت لهم الحياة بسحب الجثث خارج المدينة وطرحها أمام الأبواب، ثم إشعال النيران بها. وبلغ من كثرة عدد جثث المسلمين أن المؤرخ وليم الصوري ذكر أن أكوام الجثث قد حاذت البيوت ارتفاعا، وما تأتى لأحد أن سمع أو رأى مذبحة كهذه.

ويذكر المؤرخ فوشيه الشارتري مدى جشع الصليبيين ولا إنسانيتهم، فيكتب: "قام الفرسان والمشاة الصليبيون بشق بطون القتلى المسلمين، لكي يستخرجوا من المعدة والأمعاء العملات الذهبية التي كانوا قد ابتلعوها وهم أحياء..".

وبعد أن انتهى الصليبيون من تلك المذبحة المروعة، اقتحموا بيوت المسلمين بالقدس، واستولوا عليها وعلى كل ما بداخلها، ومضى مغتصب كل منزل يدعي أن المنزل الذي اقتحمه إنما هو ملك خاص له بكل ما احتواه، لا ينازعه فيه أحد. ويرجع هذا السابق اتفاق الصليبيين قبيل غزو مدينة القدس على أن من يسرع بامتلاك أحد المنازل أولا، يجب ألا ينازعه فيه أحد، لذلك سارعت جموع الصليبيين بالاستيلاء على منازل المسلمين بالقدس، وكان كل صليبي يقوم بتعليق سلاحه على المنزل الذي اغتصبه حتى لا يتوقف بالمكان أحد، بل عليه أن يتجاوزه فقد صار ملكا لغيره، وهكذا اتفق الصليبيون على هذا النمط من حقوق الملكية بالقدس.

ومنذ الساعات الأولى لسقوط القدس، قرر الصليبيون تشديد الحراسة على الأبراج والأبواب خوفا من قيام المسلمين خارج المدينة بهجوم مباغت، واتفقوا على أن تظل هذه الحراسة لحين انتخاب حاكم صليبي لمدينة القدس.

وعندما شعر الصليبيون باستتباب الأمور لهم بالقدس، وضعوا السلاح جانبا، وتجمعوا مرتدين نظيف ثيابهم، وساروا حفاة في خشوع ومذلة يطوفون بالأماكن الطاهرة التي مشى عليها المسيح - عليه السلام - وراحوا يقبلون تلك البقاع قبلات ممزوجة بالزفرات والدموع ، والتقى الجميع بكنيسة القيامة، حيث أخذوا ينشدون الأناشيد الدينية، ويرتلون الأغاني المقدسة، ويحملون الصلبان وآثار القديسين.

وأخذ الكثير من الصليبيين يبكون وهم يعترفون بآثامهم للسيد المسيح، ويقطعون العهد على أنفسهم بعدم تكرارها. ثم قام الأساقفة والقساوسة بعد ذلك بإقامة الاحتفالات بالقداس في الكنائس، وقاموا بتقديم الشكر للرب على مساعدته لهم في اقتحام القدس.

وظلت مدينة القدس في أيدي الصليبيين منذ يوم الجمعة الخامس عشر من يوليو عام 1099 م، الثالث والعشرين من شعبان 492هـ، حتى نجح صلاح الدين الأيوبي في استردادها بعد انتصاره على الصليبيين في موقعة حطين 1187 م، حيث دخلها فاتحا ومستردا، ويوم الجمعة أيضاً 2 أكتوبر عام 1187 م، 27 رجب 583هـ، في ليلة الإسراء والمعراج، وضرب صلاح الدين المثل الواضح والكبير في الفارق بين الحضارة الإسلامية والحضارة الأوربية في العصور الوسطى، فعلى حين خاض الصليبيون حتى أعقابهم في دماء المسلمين، فإن المجاهد المسلم صلاح الدين أرسل رجاله للمناداة في شوارع القدس بعدم الاعتداء على الصليبيين العزل ، وعدم الاعتداء على منازلهم، وكذلك عدم اغتصاب ممتلكاتهم، وحض المسلمين على شراء ممتلكاتهم منهم. كذلك أمر صلاح الدين الأيوبي، بدفع فدية عمن لا يستطيع افتداء نفسه من الصليبيين وبلغت سماحة صلاح الدين مداها حين تغاضى في النهاية عن حمل الصليبيين معهم لثرواتهم، وللذهب والفضة والأحجار الكريمة والتحف التي امتلأت بها كنائس القدس وبيوت الصليبيين ، فأمر بعدم مصادرتها أو التعرض لها، مبدياً روحا تسامحية أدهشت الصليبيين والمسلمين، ومظهر الفارق الضخم بين سماحة وكرم ونصاعة الإسلام ، مقابل بربرية الغرب الأوربي في العصور الوسطى.

حاتم الطحاوي مجلة العربي فبراير 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016