مختارات من:

زيارة لمعقل فاجنر في بايرويت

ثروت عكاشة

إنها رحلة مثقف عربي كبير في عالم أحد عباقرة الموسيقى العالمية الكبار. رحلة نرى خلالها أبعاد عبقرية الفنان، ونلمح فيها سمات الدأب لدى مثقف مخلص لموضوعه الثقافي.

منذ عام1947 وكنت قد استمعت إلى معزوفة "الحب والموت" لريتشارد فاجنر على يد أوركسترا برلين الفيلهار موني بقيادة المايسترو العالمي فلهلم فور تفانجلر الذي وفد إلى مصر ليقيم سبع حفلات موسيقية، منذ ذلك الحين قر في نفسي الاعجاب بريتشارد فاجنر، ودفعني هذا الإعجاب إلى أن أتتبع أعماله عملا عملا مستمعا إلى أسطواناته المسجلة. ثم إذا أنا تتاح لي الفرصة فأعيش في أوربا ردحا من الزمن وأشاهد أو براته في دور الأوبرا المختلفة، وإذا أنا أجد لزاما علي أن أطالع كل ما أثير حول نصوصه وموسيقاه من ثناء ونقد لكي أعد نفسي لتفهم مبلغ فنه.

عناق الدراما والشعر

وفي مستهل الستينيات شدتني رباعية "خاتم النبيلونج" لريتشارد فاجنر إليها شدا باعتبارها من أعظم منجزات العقل البشري الخالدة ومن أروع آيات الإيمان الذي انتصر به الإنسان على الزمن والفناء، كما هي في الوقت نفسه تعبير عن قدرة مؤلفها المذهلة في خلق أوبرا يتعانق فيها الشعر والدراما والفن المسرحي مع الموسيقى. فتلك الرباعية الهائلة بنهاياتها المهولة وألحانها المتدفقة وما تنطوي عليه من سحر خارق لا تعد أضخم الأعمال الفنية التي سعت إليها وثابرت عليها قدرات عقل خلاق في رأس رجل واحد فحسب بل هي من أعظمها وأسماها، فكما طبق فاجنر عليها إلى حد ما نظرياته الدرامية التي جعلت منها عملا فنيا موسيقيا خالدًا، ضمنها أيضا آراءه الفلسفية والسياسية، وكذا ضمنها رموزًا ذات إيحاءات قوية تجعلنا ندرك المغزى الذي رمى إليه المؤلف من صياغتها، وما إن وقع لي كتاب برنارد شوThe Perfect Wagnerite حتى أخذت في ترجمته إذ كان الباقي من كتب شو التي لم تترجم بلى العربية.

وحين أحسست أني قد ألممت بجل ما لفاجنر وأعماله إلماما يملؤني ثقة، وجدتني مسوقا إلى قصد معقل الفاجنرية في مدينة بايرويت بألمانيا الغربية حيث شيد مسرحه الشهير لكي أفيد مزيدًا من علم ودراسة، ولكي أستلهم من هذا الأثر الخالد ذكريات الماضي وأستشف مما ضم بين جنباته روح صاحبه وبانيه، مؤتسيا في هذا بالأديب الفرنسي إدوار شوريه حين قال: "الحج الى بايرويت ضرورة على كل شغوف بفاجنر، ولو سعيا على. الأقدام". فقضيت تسع ليال نعمت فيها بمشاهدة سبع من أوبرات فاجنر الإحدى عشرة (هذا غير أوبرا الجنيات وأوبرا تحريم الحب اللتين ظهرتا قبل نضجه)، قادها اثنان من أئمة العزف الفاجنري هم كارل بم وهانز كنابر تسبوش، وحظيت إلى جانب ذلك بلقاء ودي بحفيدي فاجنر، فولفجانج وفيلاند، حيث امتد بيننا الحديث بلى موضوعات أفدت كثيرًا من طرحها ومناقشتها معهما، وهو ما حفرني إلى تسجيلها في هذه الخواطر والانطباعات عن الفنان فاجنر وأعماله التي ستبقى معنا طويلا ذات أثر عميق في عشاق الموسيقى على امتداد العالم الفسيح.

الأوركسترا الخفي المتواري

وكنت قد بلغت بايرويت عصر يوم مطير من أيام شهر أغسطس 1963، وكان بيني وبين بدء الحفل ما لا يبلغ الساعة، وما تتسع الساعة لمسافر أمضى الوقت الطويل في رحلة متصلة بالقطار من ميونخ إلى بايرويت كي يأخذ قسطا من الراحة، وكي يهيىء ما بين يديه من متاع ثم يعد العدة لحضور الحفل. غير اني ما كدت أخلو إلى نفسي في حجرتي من الفندق حتى نسيت أني تعب وأني في حاجة إلى راحة، وسرعان ما أخذت في ارتداء زي السهرة الذي يقتضيه دخول هذا المسرح. وانتهيت إلى مبنى على طراز غريب قد شيد من الآجر والخشب، وإذا هو المسرح الذي أقامه فاجنر منذ نحو قرن ليجعل منه دارا لمسرحياته الموسيقية. ذهبت ألتمس مقعدي بين مقاعد من خشب وخيزران وليس ثمة متكأ فيها لذراعين، وهي إلى هذا تضيق عن أن تتسع لجلوس، ولا أن توفر الراحة بظهرها المنخفض. والطريف أن هذا المبنى بطرازه الغريب وتلك المقاعد بتصميمها الجافي جاءت على وفق ما أراد فاجنر، لا أدري لم؟ ولعله حين فعل كان يقصد أن يصرف النظارة عن الاستمتاع بما عليه يجلسون إلى الاستمتاع بما يشاهدون ويسمعون. وتطلعت إلى هذه القاعة التاريخية التي سبق بها فاجنر عصره حين شاء أن يجعل منها نموذجًا يشبع أهم احتياجات النظارة والتي حقق فيها فكرته الأساسية في إتاحة الفرص للمشاهد كي تتابع عيناه تفاصيل المشهد الدائر على خشبة المسرح دون أن يعوقها شيء، وهي الفكرة التي جعلته يبتكر "الأوركسترا الخفي أو المتواري" بإنزاله من موقعه أمام مقدمة المسرح ووضعه في شبه ردهة تحت أرضيته لا يبين منها لعين النظارة. وهكذا ينفسح مجال الرؤية أمام النظارة حتى ليحس الواحد منهم أنه أقرب ما يكون إلى خشبة المسرح التي تأخذه إلى عالمها السحري البعيد. وبابتكاره هذا استطاع فاجنر أن يحقق ما كان يقصده الإغريق من كلمة "تياترون" التي تعني أصلا "قاعة المشاهدة"، ويشيد مسرحا يختلف عن جميع المسارح التي كانت سائدة في عصره، فما تكاد تنطلق الموسيقى التي لا يرى المرء مصدرها والتي يشعر أنها تتهادى نحوه وافدة من جميع الزوايا والأركان حتى يغيب عن دنيا الواقع ويحيا في حلم مترع بالرؤى والأطياف.

وشرد فكري الى هذا الكفاح المضني الذي خاضه فاجنر حتى أنشأ المسرح ليقيم فيه مهرجانا سنويا للأوبرا، وليمارس فيه بنفسه إخراج أعماله محققا فيها أفكاره الجديدة في ميدان الإخراج الأوبرالي الذي كان به شديد الاهتمام، وخلف معه إرشادات في الإخراج المسرحي تكشف عن جرأته ونبوغه الفني لا سيما فيما يتصل بإخراج أوبرات "خاتم النبيلونج" التي كان إخراجها تحديا سافرًا لكل الإمكانات المسرحية في زمنه، فقد خلق فاجنر عالما خياليا يعد تجسيده على المسرح بوسائل الماضي معجزة لا يزال من العسير تحقيقها بإمكانات المسرح في الوقت الحالي، ومع ذلك لم يكن راضيا عما حققه كل الرضا، وتمنى لو استطاع أن يبتكر طريقة أخرى يعتمد فيها الديكور المسرحي على مؤثرات ضوئية توحي للمشاهد بالصورة المادية دون أن يكون هناك في الواقع أي كيان مادي، غير أنه بقي طويلاً قبل أن يكتشف هذه الطريقة، وكان أحنق ما يكون إذ لم تسعفه إمكانات الإخراج وقتذاك لتحقيق ما يريد، فكان يضيق على سبيل المثال بحشد جياد خشبية ميكانيكية في خلفية خشبة المسرح يمتطيها صبية تتحرك بهم موحية بوجود الفارسات " الفالكيرات "لأنها لا تقدم المنظر على الصورة التي يريدها هو. كما تبين له أيضا عدم كفاية الوسائل الآلية التي استخدمها في تقديم منظر "حوريات الراين وفق تصوره وهن يسبحن في مياه الراين ويتحركن بأجهزة ميكانيكية لا يراها المشاهد بينما تتألق كتل الذهب خلال الماء من أحد أركان المسرح، ومن هنا كان حانقا لعجز إمكانات الإخراج عن تجسيد أفكاره.

ولاء الزوجة والأحفاد

وفي الحق إن السينما اليوم قد حققت كل ما كان يحلم به فاجنر، فاستطاعت أن تصور الأوبرات بها لها (أي للسينما) من خيال علمي ووسائل إبهار وإعجاز لا تتوافر في المسرح. فقد باتت السينما تنتقل بأدواتها وممثليها وفنييها إلى الأماكن التي وقعت بها أحداث القصة الأوبرالية مرتادة القصور والكنائس والقلاع والتلال والحدائق والأسواق، على نحو ما قدمه لنا المخرج فرانكو زيفريللي في أوبرا "لاترافياتا" لفردي و "كافاليريا روستيكانا" لماسكاني، والمخرج جوزيف لوزي في أوبرا "دون جوفاني" لموتسارت، فبات من الميسور الآن للجموع الغفيرة أن تشهد هذه الأوبرات البالغة الروعة في إخراجها الفني الآخاذ بعد أن كانت متعة مشاهدة الأوبرا مقصورة على عدد محدود من صفوة عشاق الفن.

كانت الأفكار التي دونتها كوزيما زوجة فاجنر في مذكراتها بأمانة هي السر الذي ألهم حفيدي فاجنر طريقهما الجديد في الإخراج. فلقد تسلمت كوزيما بعد وفاة فاجنر مهمة الإشراف الفني على المسرح خلال المهرجان عام 1883 الذي كان فاجنر قد أعده قبل وفاته، وأخذت بعد أيام من وفاة فاجنر قضتها وحيدة في غرفتها تتسلل إلى مقصورتها التي كانت قد أعدتها لنفسها من قبل حيث ترقب التمثيل والإخراج دون أن يراها أحد، ثم توجه ملاحظاتها الدقيقة إلى أفراد الأوركسترا وقائده "هيرمان ليفي" بعد الانتهاء من كل فصل من فصول المسرحية. ومن هنا انتقلت إليها إدارة هذا العمل الكبير الذي خلفه زوجها العبقري، والذي ظن أكثر فناني المسرح أنه انتهى باختفاء راعيه العظيم، لولا أن كوزيما حلت محل زوجها في إدارة مسرح بايرويت، ولولا أن وفاة فاجنر قد أسفرت عن مجموعة من الأتباع والتلاميذ المتعصبين لأفكار فاجنر يعدون كتبه النظرية عن الفن والدراما والموسيقى والأوبرا كتبا مقدسة. وقد تسرب هذا الولاء الأعمى إلى نفس كوزيما فانبرت تتفانى في تقديس كل ما صدر عن فاجنر، ولا تسمح لنفسها بالتشكك في عبقرية زوجها وعظمته. ومن أجل ذلك حملت أعباء الإدارة الفنية لمهرجانات بايرويت زهاء سبعة وأربعين عاما ارتدت خلاها بلا انقطاع ثياب الحداد على زوجها، وعاشت على فكرى الموسيقار المبدع وجعلت مسرح بايرويت وقفا على مسرحيات فاجنر الموسيقية.

كعبة النازيين ولعنتهم

وما لبث أن حلت الإضاءة الكهربائية عام 1888 محل مصابيح الغاز التي استخدمت في الإخراج الأول فأسفرت عن آثار جديدة، إذ أكسبت المناظر وألوان الديكور وضوحا بينا. ومع ذلك بقيت كوزيما خاضعة في بناء المناظر وتصميم الملابس لإرشادات فاجنر خضوعا حرفيا.

وفي عام 1908 أشركت كوزيما ابنها زيجفريد فاجنر في إدارة المهرجانات وظلا على هذا الحال إلى أن توفيا عام 1930.

ثم انتقلت إدارة المسرح بوفاة زيجفريد فاجنر بلى أرملته فينفريد بعد أن أصبح حصر الإدارة في أسرة الموسيقار تقليدا ساريا.

وكانت فينفريد صديقة لهتلر قبل استيلائه على الحكم ثم ازدادت صداقتهما بعد تقلده السلطة فأصبح مسرح بايرويت كعبة النازيين، وما كادت الحرب العالمية الثانية تضع أوزارها حتى لحقت المسرح بسبب هذه العلاقة لعنة ظلت تلاحقه زمنا طويلا، فأوقفت المهرجانات وحلت محلها فرق استعراضية للترويح عن الجنود الأمريكيين، كما سرقت أكثر معداته. وقدم اقتراح إلى وزير الثقافة بالاستيلاء عليه وتحويله إلى مسرح نموذجي للأوبرات الجديدة، وذلك بدعوى ساذجة أو لعلها مغرضة عن مسئولية فاجنر عن قيام النازية. غير أن عشاق فاجنر عملوا مع مرور الأيام على تبرئته من هذه التهمة، وظهرت مسرحياته من جديد على مسرح ميونخ، وبدأ المولعون به يستعدون لإحياء المهرجانات الفاجنرية من جديد.

وكانت فينفريد قد أعدت ولديها فيلاند وفولفجانج للإشراف على مسرح جدهما. وقد أظهرا منذ الصغر استعدادا فنيا وهياما بالمسرح وتفهما لأعمال جدهما خلال دراستهما المبكرة. وبدأ فيلاند يمارس الإخراج منذ عامه الثاني والعشرين بمعاونة بعض أساتذته، بلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية فأوغرت صدر الحفيدين حقدًا على هتلر وجرائمه، ونشأت قطيعة بينهما وبين أمهما وانتهيا إلى أن السبيل الوحيد لإنقاذ تراث جدهما من لعنة النازية التي لحقت به هو أن يمسكا بزمام الإدارة بعد إبعاد أمهما، وأن يعملا في حزم على اقتلاع تقاليد بايرويت العتيقة، وأن يقدما أعمال فاجنر في إخراج جديد جريء يتناسب مع مقتضيات التطور ومع مكانة تراث جدهما الخالد، وطلبا في مستهل عام 1949 العون المالي من أرباب الصناعة الألمانية كما كان يحدث من قبل لكي يستأنفا المهرجانات في صيف عام 1950. ولقد لبى الكثيرون النداء وتشكلت في سبتمبر 1949 جمعية أصدقاء بايرويت بهدف إعادة نشاط المهرجان السنوي وإعادة بناء وترميم المبنى ضمن خطة البناء والتعمير الأوروبية بوصفه مركزًا لتراث فني نادر. وهكذا دوت موسيقى فاجنر من جديد في مسرح بايرويت عام 1952. وقد اختار حفيدا فاجنر أوبرا بارتسيفال وهي أكثر أعمال جدهما نبضا بالعاطفة الدينية. وكان إخراجها الجديد مفاجأة حرص حفيدا فاجنر على تكتم أخبارها حتى كانت ليلة العرض الأولى التي أثارت دهشة النظارة بما قدماه من تجديد في إرشادات فاجنر المتداولة، ذلك أنهما أدخلا المسرح الدائري، واستبدلا بالديكور مؤثرات ضوئية بارعة صورت المشاهد دون أن يكون لها وجود مادي. وهكذا اختفى الديكور الذي تتغير ستائره إلى غير رجعة.

نموذج جديد للإخراج

لقد حول حفيدا فاجنر "المعبد الفني" إلى مركز للفن المسرحي الحديث، وأضفيا على فكرة فاجنر عن الإخراج المثالي مضمونا جديدا. وقدم فيلاند فاجنر نموذجا جديدا للإخراج تحتذيه مسارح أوربا. وتفوق على جميع نظريات التجديد في إخراج أوبرات فاجنر بإدخاله التجريد الرمزي ممثلا الكائنات البشرية، مستعينا بالمؤثرات الضوئية التي تعمل عمل الديكور وهي ما دعاها "بالسيكلوراما".

وأخذ أسلوب فيلاند يتطور عاما بعد عام ويزداد نقاء وصفاء. وكان حريصا في إخراجه على استبعاد التأثير الباعث على الحزن وإحلال التوتر السيكولوجي محله. ولم يستبق أي شيء من المعدات المسرحية التقليدية إلا ما كان يوحي بفكرة الرمز.

ولقد احتدم الجدل حول أسلوب إخراج فيلاند دون أن يخفف من حدته مرور الأيام، بل لقد حاول كثيرون إحباط محاولة فيلاند باعتبار أعمال فاجنر جزءا من التراث التاريخي الذي ينبغي الحفاظ على قداسته، غير أن حفيدي فاجنر صمدا خلال هذه المعركة حتى لقد بلغت بهما الجرأة إلى حد إسناد قيادة الأوركسترا إلى أحد دعاة الموسيقى العصرية وهو بول هنديمييت لعزف سيمفونية بيتهوفن التاسعة، كما طلبا إلى أندريه كلوتانس الفرنسي أن يتولى قيادة عزفي أوبرا "أساطين الشعراء المغنين" التي عدها المتعصبون تراثا ألمانيا خالصا لا يحق لغير ألماني أن يتولى إخراجه أو قيادة عزف موسيقاه. وعلى حين كان والدهما زيجفريد متسامحا غير متعصب مع معارضيه، كانا يقابلان التشهير والتحدي بتحد سافر، بل ويشجعان إثارة الجدل. وكان في اختيارهما للمغنية الزنجية جريس باميري للقيام بدور فينوس ما يثبت للعالم أن فولفجانج وفيلاند فاجنر قد رفعا عن كاهل بايرويت حجر التعصب الكئيب.

لقد استطاعا أن يؤسسا في بايرويت مسرحا فاجنريا لا يقوم على نظرية "العمل الفني الشامل" بل بأسلوب أيسخولوس، دون أن تطبق فيه "إرشادات فاجنر المسرحية" بل فكرته الجوهرية التي كان يتوق إلى تحقيقها بابتكار مناظر توحي بها الإضاءة وتنمو من "الأحداث الموسيقية"، ولم تعد بايرويت مجرد كعبة قومية ألمانية بل مركز لقاء دولي، أي أنها أصبحت مثل فاجنر نفسه ملكا للعالم بأسره.

وكانت قد مضت عشرة أعوام على تسلم فولفجانج وفيلاند فاجنر إدارة مسرح بايرويت وقيامهما بتجديد أسلوب الإخراج المسرحي مع زيارتي لهذا المعقل الذي كنت إليه مشوقا، فرأيت مبلغ لهفة الناس من مختلف الجنسيات وحرصهم على الاختلاف إلى هذا المسرح الذي جعل منه حفيدا فاجنر معهدا يقصد للتلقي لا متحفا يزار للتسلية. كما رأيت وأنا أتلفت حولي ذلك الجمع الحاشد الذي يشغل تلك المقاعد التي تبلغ ألفا وثمانمائة مقعد يتسابق الناس من مختلف أنحاء العالم إلى حجزها قبل موعد العرض بستة أشهر رغم قيام الإذاعة الصوتية والمرئية بنقل العرض وإتاحة فرصة الاستمتاع بسماع ومشاهدة الأوبرات أمام الملايين.

لقد ان لنا الآن أن ننصت، إذ قد حان موعدنا مع مسرحية "ذهب الراين" من إخراج فولفجانج فاجنر، فإذا الظلام يخيم، وإذا ألحان "مي بيمول" التي تفتتح بها مسرحية "الخاتم" تنبعث خافتة وكأنها الهمس، حتى اني لم أستطع أن أتبين متى انتهى السكون ومتى بدأ الصوت، ورأيت الأنغام تتدافع إلي من كل ركن. وإذا أنا مشدوه قد اختلط على مأتاها، فلم أعرف أصاعدة هي من جوانب القاعة، أم هى آتية من خلفنا، أم هابطة علينا من عل. وعندها آمنت ان كل ما في بايرويت شامل شمول هذا الظلام وشمول تلك الأصوات وشمول تلك الأنغام. وأخذ الأوركسترا يعزف عزفا خافتا لا تكاد تحس جرسه، ثم مضى يعلو شيئا فشيئا، فإذا القاعة صاخبة لوقع موسيقى مياه الراين الدافقة. وحين أخذ الستار ينزاح بدا المسرح وكأنه البحر تغمر مياهه أمواج تشيع فيها الخضرة والزرقة وهي تعلو وتستوي في اتساق وتوافق مع نغمات الموسيقى. وبدت حوريات الراين وضيئات رشيقات في ثياب البحر الذهبية، وأخذن يتمايلن مع تمايل الأمواج وكأنهن في خضمها، يترنحن مع الموسيقى وكأنهن من نفحها إلى أن أهلت الحورية فوجلينده تشدو بصيحاتها الشجية الآسرة : فيا.. فاجا.. فيا.. فاجا.

ومع هذا الإخراج الجديد لم يعتد المسرح بالمناظر ولم يجعلها أساسه بل استعاض عنها بالأضواء وبأشرطة سينمائية ذات رسم تجريدية. بقيت في مقعدي مأخوذا لا أملك فكاكا يلى أن آذن العرض بالانتهاء، حين خطا الإله فوتان يقود بقية الآلهة إلى مثواها الجديد بالفالهالا التى بدت وكأنها قلعة زرقاء جميلة بين طيات السماء. وعندها أدركت إدراكا أكثر عمقا معنى عبارة "مسرح ريتشارد فاجنر الشامل". أحسست التوافق المذهل بين الموسيقى والغناء والأمواج والصوت والضوء وقد اتسقت كلها في نسق بارع، وبدت فصائل العازفين بالأوركسترا متكاملة كل التكامل، شاملة كل الشمول، هذا إذا استثنينا فصيلة الآلات النحاسية التي غالبا ما تقصر عن أن تندمج في غيرها كما هي الحال في أكثر المعزوفات الفاجنرية. ولقد كان ما رأيت خير دليل على أن الحفل تسوده الواقعية وتملأ جوه الآدمية بما فيها من مزايا وشوائب، وأنه لم يكن حفلا يصور المثالية بما فيها من فتور أحيانا وبعد عن الواقع، فشعرت كيف هيأ حفيدا فاجنر عصرا جديدا لعمل جدهما وبعثاه ثانية إلى الحياة.

أضواء جديدة على المسرح القديم

وكان فاجنر أحد العباقرة الذين يرون أنفسهم فوق أفهام الناس، فكان لهذا يحس الضيق بمجتمعه الألماني لقلة مبالاته بقاعته الشهيرة التي أقامها في بايرويت حتى فكر جادا في الهجرة إلى أمريكا، غير أن فاجنر كان مع ذلك مسرفا في تقدير نفسه حتى حمله هذا الإسراف على التفكير في تخليد شخصه وهو على قيد الحياة. ولقد ترك هذا الرجل الذي عاش غامضا ومات غامضا أنصاره من بعد فترة طويلة من الزمن في حيرة لا يدرون ماذا يفعلون خشية أن يكون فيما يفعلون خروج على التقاليد التي وضعها.

ولقد عاشت قاعة مسرح بايرويت ما يقرب من نصف قرن ترعى تقاليده المقدسة على وفق ما وضعها فاجنر فإذا هي بتزمتها هذا وحفاظها تستحيل لحدا كاد يطوي شهرة مبدعها نفسه.

ومن هنا فرع فيلاند وفولفجانج فاجنر عندما أصبح في أيديهما زمام المهرجان عام 1950، وكان لهما من الشجاعة ما جعلهما يعلنان أن إخراج مسرحيات فاجنر عام 1951 على نحو ما كانت تخرج عليه عام 1830 أو عام 1810 أمر محال. وهكذا جاء أول إخراج قام به فيلاند "لبارتسفال" ولمسرحيات "رباعية الخاتم" قضاء على كل ما سبقه من إخراج، فخلت خشبة المسرح العارية من الفوضى والجلبة، ولم تعد ثمة معدات مسرحية غير تلك التي ترمز إلى ذهب الراين.

ولقد ابتدع فيلاند باستخدام الضوء تأثيرات مجسمة ذات أبعاد ثلاثة تجعل حركات أبطاله تبدو كأنها متفرقة محورة. وكم كانت الصدمة شديدة للألمانيات حين أعلن فيلاند أنه ليس لزاما أن تكون حوريات الراين من الشماليات الشقراوات وإن كان لزاما أن يبدون جميلات وأن يؤدين أدوارهن التمثيلية أداء سليما ويغنين غناء مثاليا. وبهذا وضع الأخوان الفاجنريان الصفات الجديدة للمغني الفاجنري، وهي أن يبدو شبيها بصاحب الدور الذي يؤديه، وأن يمتلك القدرات الصوتية الملائمة، وأن يلم إلماما عميقا بمعنى الألفاظ التي تنساب مع الموسيقى، وأن يعبر بدرجات الصوت المناسب مع أقل ما يمكن من الإشارات والإيماءات.

الأرغن الضوئي

وقد رأيت مسرح بايرويت فإذا هو صينية متحركة، وإذا مناظره من أجزاء صغيرة يسهل خزنها ويتم تركيبها فوق خشبة المسرح، وخلال إقامتي ببايرويت أتيحت لي فرصة لقاء كل من الحفيدين فولفجانج وفيلاند فاجنر.

وقد سألت فولفجانج فاجنر عما أعد كي يريح عشاق فاجنر من الآلام التي يقاسونها من المقاعد الخشنة في مسرحه فقال لتوه: "إن أي حل لهذه المشكلة لا يتفق ودرجة حسن الاستماع الصوتي "الأكوستيك" المطلوبة دوما، فضلا عن أن بنية الإنسان قد زادت حجما عما كانت عليه أيام تشييد هذه الدار ومن ثم يمكنك إدراك تفاقم المشكلة. والواقع أن لدي أثني دثر اقتراحا تكفل للمشاهد قدرا أكبر من الراحة غير أنها كلها لن يؤخذ بها لأنها تؤثر بالفعل في درجة الاستماع التي لا يمكن التضحية بها. وصحبني فولفجانج فاجنر اثناء الطواف بأقسام المسرح المختلفة لأ تعرف على الطريقة المستخدمة في دار مهرجان بايرويت، ولقد وجدت على جانبي المسرح من الداخل ما اصطلح على تسميته ببرج الإضاءة يرتفع من المسرح عموديا، هذا إلى شريط أفقي فوق جسر المسرح. ويرى فولفجانج أن وضع المصابيح الضوئية في مؤخرة قاعات المسارح الحديثة أو في جوانبها يبهر عيون الممثلين والمغنين، ولهذا أثره في درجة الكفاية المنشودة. وعلى امتداد أسفل "شبه نصف الدائرة" المحيطة بخشبة المسرح تصطف المصابيح الضوئية "السيكلوراما" التي تشكل خلفية المشهد، وفي أعلاها وإلى الجانب الأيمن للمسرح الغرفة التي تحوي الأجهزة الكهربائية المهيمنة على المؤثرات الضوئية كلها ويدعونها "الأرغن الضوئي". ويرى فولفجانج أن وجود هذه الغرفة على مقربة من خشبة المسرح خير من وجودها في مؤخرة القاعة أو في جانب من جوانبها لأنه يتيح الاتصال بها في يسر لإجراء أي تغيير عاجل إذا لزم الأمر.

وجهاز الأرغن الضوئي الحالي- إذا جازت التسمية- معروف منذ عام 1953، وقد وضع تصميمه مهندس إيطالي يدعى بوردوني، وليس هذا الجهاز في الواقع أحدث الأجهزة. وحن سألت فولفجانج: لماذا لم يستبدل بجهازه الحالي ما هو أفضل منه؟ أجاب بان الجهاز الحالي كاف جدا لتقديم مسرحيات فاجنر، هذا إلى أنه قد أقيم منذ عشر سنوات فقط، وأن المسرح لا يعمل غير خمسة أسابيع في العام، فضلا عن أن الجهاز الحديث باهظ الثمن.

وانتقل بي فولفجانج بعد ذلك إلى المرسم حيث يصور الفنانون اللوحات التجريدية المطلوبة لإحداث المؤثرات الضوئية اللازمة فوق شرائح يدعونها "القناع" من مادة السيلون، وهي مادة تتحمل الحرارة الشديدة الصادرة عن المصابيح.

وثمة طريقة خاصة لإحداث المؤثرات الضوئية أيضا تستخدم شريطا سينمائيا من مادة السليون، أما شقيقه فيلاند فيصف نفسه بأنه مصور ومخرج مسرحي، علم نفسه بنفسه، يرسم بالضوء ما يرسمه غيره باللون، يستعين على ذلك بأرغن الضوء في غرفة تعلو يمين خشبة المسرح وبأربعين جهازا من أجهزة الإضاءة الشديدة الموزعة في مؤخرة القاعة، تنطلق منها إشعاعات ذات قوة عالية يستطيع أن يشكل منها اثنين وعشرين لونا أساسيا وعددا لا حصر له من الألوان الفرعية. وبالضوء يستطيع فيلاند أن يشيد قاعات بأكملها، بل أن يصور حالات وجدانية خاصة. وقد أذهب بعدما لمسته بنفسي في بايرويت إلى أن فيلاند وفولفجانج ليس همهما البعد عن الغموض فحسب بل إنهما يسعيان على الدوام إلى الابتكار والخلق. ولقد علمت منهما أنهما يقومان قبل مهرجان بايرويت الذي يستغرق في العادة خمسة أسابيع، بخمسمائة تجربة "بروفة" فردية، وثلاثين تجربة على المسرح مع الأوركسترا، وسبعين تجربة على المسرح مع البيانو، ومئات من تجارب جماعة المنشدين وتجارب الضوء.

التغيير مسألة ذوق

والغريب بعد هذا أن تكون الكثرة من معارضي الإخراج المسرحي الحديث في بايرويت من بين جماعات الشباب المحافظين في ألمانيا، وهؤلاء يتهمون حفيدي فاجتر بخيانة "روح الإخراج الأمينة" وإرشادات الأستاذ المقدسة، فلا تزال ذكرى قلاع الورق المقوى تستهويهم وتستحوذ على عقولهم. ويرد عليهم فيلاند قائلا: "إذا أنعم أولئك الشباب المحافظون النظر في نصوص ريتشارد فاجنر لتبينوا أن عبارة "روح الإخراج الأمينة" بعيدة كل البعد عن فكر فاجنر الذي كان يدرك أن المسرح ليس إلا انعكاسا صادقا لعصره، ومن ثم ينبغي أن يتحرر من أي قيود تكبله. ونحن لا نعد إرشاداته المسرحية وصيته الأخيرة، بل نرى فيها ما يعيننا على فك رموز نصوصه وتفسير تصوره للإخراج الأمثل في عصره.

والواقع أن آثار ريتشارد فاجنر لا تحتمل التغيير، فهي تحمل كغيرها من الأعمال الفنية الأصيلة مقوماتها الذاتية التي لا ينبغي المساس بها، ولسوف تحيا هذه الأعمال لا بوصمها ذكرى عظيمة، بل لأن معناها خالد لن يتبدل أبدا. قد يكون هذا اليوم بعيدا، ولكن حسبنا الآن أن هذه الأعمال تبعث بعثا متصلا وتؤدى بروح العصر الذي نحياه، لا ينال التغيير منها غير طريقة الإخراج وحدها. والتغيير في أسلوب العصر الذي نحياه مسألة ذوق. من أجل ذلك كان من يتهمونني بمجانبة الوفاء هم أولئك الذين يعيشون في الماضي. وأعمال فاجنر باقية لم تمس في جوهرها، إذ إن عنصرها الخالد في غير حاجة إلى الحماية من أي اعتداء. وما على الإنسان إلا أن يقبلها أو يرفضها، وما هو بمستطيع أن يضفي عليها الروح العصرية، وكل ما يستطيعه هو تفسيرها تفسيرا واضحا علميا. ترى لو أن ريتشارد فاجنر بيننا اليوم ماذا تراه كان فاعلا؟ الذي لا شك فيه أن العبقري أسرع من غيره إفادة من وسائل عصره، وما من شك في أن ريتشارد فاجنر كان سيفيد في حذق وبراعة مما حققته التقنية الحديثة الإفادة نفسها التي أغنى بها لغة الأوركسترا. والذي لا شك فيه أيضا أنه كان سيدرك أن لكل عصر أو حقبة من الزمن أسلوبها الخاص في المشاهدة والاستماع. فكل عصر يجب أن يخضع لأسلوبه الجديد في الرؤية، كما يجب أن يقبل ذلك التغيير التدريجى المتصل الذي يطرأ على مفردات لغته. وإليك ما هو اهم من ذلك، فإن اختراعا فنيا واحدا هو الضوء الكهربائي متمثلا في شكل المصباح ذي الإضاءة المركزة قد فجر ثورة فوق خشبة المسرح ترتب عليها أن أصبحت مستلزمات هذه الأضواء وإمكاناتها ذات تأثير كبير في الإيحاء إلى مؤلف الدراما".

التعصب للماضي ليس مفتاح الكمال

ويمضي فيلاند قائلا: لقد جرت عادة غلاة المتعصبين للتقاليد التشبث بكل تعليق سجله فاجنر عن الإخراج المسرحي إذ يرون في هذا التشبث مفتاح الكمال، ولكن ما قول هؤلاء في تلك المسرحيات التي أخرجت بإشراف فاجنر نفسه وا تلق بالا لتعليماته المقدسة؟ ترى ماذا كان إحساس فاجنر عندما شاهد قوس قزح الذي انبثق عن خياله الخصب لكي يعبر عليه فوتان نحو قلعة الفالهالا فإذا به يتقلص عند التنفيذ إلى جسر خائر متهالك؟ في الحق إنه لمن العسير أن نعزو هذه العيوب إلى نقصن في إمكانات العصر، ولكنها تكشف لنا عن أن تعليمات فاجنر كانت اقتراحات معنوية أكثر منها اقتراحات مادية، ثم استحالت من خلال أهواء الذوق وقيود التنفيذ العملي من الكمال المتخيل إلى الواقع المتخيل ثم إلى الواقع المحدود، وهذا هو الثمن الذي يدفعه الخيال الجبار حين يتجسد في شكل مادي. ولقد تعرض الأسلوب المعروف "بأسلوب بايرويت" فيما يتصل بتأثيرات المناظر إلى تغييرات جاوزت ما كان يرتضيه مبدعه، وجاء كل إخراج جديد معبرا عن أسلوب عصره، علا حين ظلت الرغبة باقية في محاولة إخراج تخيلات فاجنر في أحسن صورة ممكنة عبر الزمن.

فالموسيقى هي التى تنقل خيالات فاجنر عبر لغة بلغت من قوة التعبير حدا يجعل من المستحيل التعبير عن هذه الخيالات نفسها عن طريقة الرؤية البصرية، فالمشاهد سيظل دائما متخلفا عن المستمع مهما وقعنا على حلول موفقة سعيدة لمشكلة المناظر.

حفرة الموسيقى

واليوم بعد خمسة وسبعين عاما من تطور الوسائل التقنية وبلوغها حد الكمال، فإن تطور الإضاءة يمثل ذروة الإخراج المسرحي، على أنه ينبغي لنا أن نعترف بأنه مهما بلغت روعة ما يقدم فوق خشبة المسرح فهو لا يقارن بما ينبثق رائعا من حفرة الأوركسترا.

وكان فيلاند فاجنر قد عكف يفكر في تقديم رباعية الخاتم في إخراج جديد تظهر به عام 1965، لهذا كان دائب البحث عن معان جديدة غير ان المنية لم تمهله فمات عام 1966. وقد قال لي في هذا الصدد: "لقد أفضى إليّ المايسترو فور تفانجلر ذات مرة بأنه لم ينته في حياته بعد إلى قراءة أعمال فاجنر القراءة الأخيرة، وهذا ما يجعله لا يملك إصدار حكم نهائي عليها، كما يترك له المجال إلى مزيد من التطوير في أدائها". ويتصور فيلاند سلسلة "الخاتم" الجديدة "مجموعة من الأحلام التخيلية" فسرها لي بقوله: "إنني أفكر في طريقة جديدة تماما يكون فيها الضوء هو العنصر الرئيسي، ففي المرة السابقة أخرجت هذه الرباعية مع إخلاء المسرح إخلاء تاما من أي معدات مستخدما الضوء وحده. غير أني أسعى يلى طريقة أستخدم فيها التأثيرات ذات الأبعاد الثلاثة مستفيدا من مساحة المسرح والضوء والوسائل التشكيلية، أعني استخدام الوسيلة التشكيلية الرمزية التي تعبر تعبيرا تاما عن الفكرة كلها. ولست أدري ما سيتمخض عن هذا التصور، ولكن المحقق أنه سيكون انعكاسا لمشاعري التي أحسها.

بين الشحوب والتلاشي

وتتكون المعدات المسرحية في الرباعية من قرص أو صحن فسيح يرتفع قليلا عن مستوى سطح المسرح. ويأخذ هذا الصحن شكله الأولي- كما يبدو في المشهدين الثاني والرابع من مسرحية "ذهب الراين" - على هيئة قرص الاستقبال لمحطات الإذاعة والتلفزيون، غير أن خطوطه المستديرة تهون قليلاً من حدة الأضلاع الأربعة للمسرح المربع، ومن ثم تساعد على الإيحاء بعالم علوي من الأساطير والرموز، وهذا الصحن قابل للكثير من التجزئات المختلفة المبتكرة التي ترمز بد تفكك عالم الإله فوتان. ومن حين إلى حين يؤدي هذا الصحن أدوارا مسرحية رمزية، ففي الفصل الثالث من مسرحية فالكيري على سبيل المثال، يعكس السطحان المتساويان المتقاطعان من الصحن التصالح ثم الخلاف بين فوتان وبرونهيلده التي حققت أعمق رغباته بشق عصا الطاعة عليه، كذلك يوحي المشروع الأخير- الذي يستبدل بالقرص في غروب الآلهة دائرة متصلة ملساء- بخاتمة ميتافيزيقية لا توحي بها القصيدة نفسها.

غير أن العتمة كثيرا ما كانت تخيم على جو المسرح، فتحجب الحركة مع كل فرصة كان الصحن يخدم فيها هدفا رمزيا من هذا النوع. وكم كان شاقا إبراز النماذج الرمزية في رباعية الخاتم مع إعطائها صورة واقعية في أّن- معا، إذ من الخطورة بمكان تقوية البناء العلوي الميتافيزيقي للدراما مع إغفال العلاقات الشخصية التي تساندها وتدعمها، دليل ذلك معالجة فولفجانج لموضوع الإضاءة التي تراوحت بين الشحوب والتلاشي، ففي مستهل مسرحية "ذهب الراين" يبذل المشاهد جهدا عسيراكي يتبين مكان حوريات الراين، ثم أيتهن هي فوجلينده وأيتهن هي فلجونده وأيتهن هي فلوسهلده؟. كما بدت كتلة الذهب التي كان من المتوقع أن تأخذ في الالتماع والتألق باهتة شاحبة، وكان الضوء فاترا فتور ضوء القمر في أكثر المواقف إضاءة، مثل المنظر الأخير من مسرحية "زيجفريد"، بل كان بالقياس إلى الضوء المألوف باهتا ضعيفا. وكان المفروض من الناحية النظرية أن يتيح هذا كله للمشاهد أن يحصر انتباهه وتركيزه في الموسيقى، غير أن التجربة الواقعية أثبتت أن محاولة اختراق الظلمة واستكناه ما تحويه كثيرًا ما كانت تصرف المشاهد وتلهيه عن تتبع الموسيقى، فضلا عن أن التعبيرات المرتسمة على وجوه المغنين كانت تظل في الكثير من الأحوال خفية محجوبة غفلا من التعبير.

وما يستطيع المشاهد أن يغفر لفولفجانج فاجنر تشويه "ركبة الفالكيرات" التقليدية الشهيرة بغلوه في الإخراج التجريدي الذي أفسده جمال هذه المقطوعة الخالدة إذ يمسي المشاهد في حاجة إلى ذخيرة من الخيال ليفلت من جمود الإخراج، أو إلى اعتصار ذاكرته إذا كان من الفاجنريين. وفي رأيي أن إخراج الرباعية لا يحمل برهانا ما على أن وسائل بايرويت الحديثة تفوق الوسائل التقليدية المألوفة في أي ناحية، بل غير هذا صحيح عندي إلى أن يثبت ما يصححه.

والثابت أن الدينامو الحقيقي لأسلوب الإخراج الحديث في بايرويت وقت زيارتي لها ليس فولفجانج فاجنر، بل فيلاند فاجنر مخرج تريستان وبارتسيفال وأساطير الشعراء المغنين بنورنبرج. وقد كشفت لي مشاهدة هذه المسرحيات له في ليال ثلاث متتالية أنه من ألمع الشخصيات ذات الأثر البالغ الفعال في ميدان الإخراج الأوبرالي اليوم.

وقد مرت بضع سنوات على إخراج بارتسيفال على هذا النحو الذي قدمه فيلاند غير أنه أدخل في عروض عام 1963 بعض التعديلات الجوهرية في الفصل الثاني، على حين استمرت تريستان وإيزولده كما قدمها خلال العام السابق، وهما يشهدان أن أسلوب تناولهما واحد، فالمناظر غير طبيعية يوحي بها في بارتسيفال عن طريق الانعكاس الضوئي المعتم لبعض الشرائح فوق لوحة السيكلوراما، وبكتلتين ضخمتين تشكيليتين في تريستان وإيزولده يسيطران على الدراما الإنسانية التي تجرى أحداثها بالقرب من قاعدتيهما. والإضاءة في المسرحيتين معتمة وإن كانت قد استخدمت بمهارة وحذق باستثناء الفصل الثاني من بارتسيفال الذي ظفر بالكثير من التعديل والتحسين، إذ حاول فيلاند فاجنر الاحتفاظ بروعة المناظر الخارجية وسكونها خلال منظر غواية كوندري لبارتسيفال.

مقامات ناعمة وفورات متأججة

وعلى الرغم من بعض الهفوات فثمة مشاهد كثيرة باهرة في كلتا المسرحيتين إذا ما طرحنا جانبا الهنات السطحية وركزنا الانتباه على الجوهر السيكولوجي. فلقد نجح فيلاند فاجنر أيما نجاح في إضفاء حدة الموسيقى وصدق التعبير اللذين كانا ينبعثان من حفرة الأوركسترا الخفية على المسرحية، سواء كانت خطوط الألحان الميلودية الطويلة المتسقة ذات المقامات الناعمة الحارة في مسرحية بارتسيفال التي يقودها كنابار تزبوش، أم الفورة المتأججة في مسرحية تريستان وإيزولده التي يقودها كارل بم.

أما في بارتسيفال التي أخرجها فيلاند فاجنر فقد عبرت أساليب التجريد الكامل والتركيز المطلق والبساطة الممتزجة بالجلال في آن واحد عن طبيعة الحدث الذي يجري على نمط الطقوس الكنسية، فلم يكن ثمة ديكور ولا ثياب متنوعة - غير عباءه الرهبان - كما لم تكن هناك تأثيرات ضوئية، بل لقد ثبت الضوء فوق شبه قرص عار مستدير. وفي الفصل التالي- وهو أخطر الفصول بالنسبة للمخرج- يتألق فيلاند فاجنر بما قدمه من بساطة التكوين، حيث تتقارب مجموعة الفتيات الزهرات وتتباعد كأنها شقائق النعمان تتفتح وتنكمش وسط الضوء الشاحب، وتتراءى كوندري واقفة شبه عارية. فليس ثمة إطار واقعي، وليست ثمة مبالغة في تحريك الشجن، على حين يظل الإيقاع جليلا مهيبا، ليعبر عن حدس قدسي خارج حدود الزمان والمكان.

وتتميز بارتسيفال عن كل ما شاهدته في بايرويت، فقد بلغت من القوة مبلغا لا يعيبها معه تكرار المشاهدة، ثم هي لا تعد مسرحية موسيقية فحسب بل قداسا دينيا. ولا شك أن فيلاند قد استطاع الوصول إلى التأثير بالأبعاد الثلاثة مفيدا من خشبة المسرح أكبر إفادة، وكذا من السيكلوراما ووسائله التشكيلية واستخدام المصابيح الضوئية، فجاءت المشاهد كلها صورا معجزة مرسومة بالضوء المدعم بالموسيقى المتسقة. وقد أصبت بالدهشة والتقدير في نهاية كل فصل من الفصول، بل وفي نهاية المسرحية من أن يدا لم تمتد بالتصفيق على الإطلاق، وأدركت على الفور أن التقاليد قد جرت بعدم التصفيق احتراما وإجلالا للطابع الديني السائد في المسرحية.

ولقد كان إخراج فيلاند السابق لمسرحية "أساطير الشعراء المغنين" في مواسم بايرويت السابقة يسير على نفس النهج، مع استخدام المناظر المبسطة والحركة السحرية المعبرة عن جوهر الدراما. وما أكثر ما تحجبها المعدات المسرحية الرامزة إلى مدينة نورنبرج خلال القرن السادس عشر. وقد رأى النقاد والمشاهدون أن مسرحية أساطير الشعراء المغنين بما تضم من ثراء في مضمونها الواقعي لا يجوز أن تستهدف لمثل هذا لجمود في التناول مثل غيرها من أعمال فاجنر الناضجة. ويبدو أن فيلاند فاجنر كان متفقا معهم في الرأي كله أو بعضه لإنه انحاز في إخراج هذا العام صوب الاتجاه المضاد، وليس معنى هذا أنه اعتنق مبدأ الطبيعية المطلقة الذي هو أيسر الحلول. ولكنه اختار أن يجري الأحداث على مسرح من الطراز الشكسبيري الذي هو ساحة فسيحة للتمثيل يحيط بها بناء ذو عقود "بوانك" يحكي معمار صحن الخان. وتلك حيلة ماكرة، إذ يستخدم طريقة للعرض توحى عامة بجو القرن السادس عشر الذي تجري فيه الأحداث مستخدما إياها لإسباغ روح القرن العشرين على تلك الأحداث نفسها، إذ إن الغرض من هذا المسرح داخل المسرح ليس بطبيعة الحال مجرد الزينة، بل هو أسلوب تقني جديد ابتكره "برتولد بريشت" مستهدفا به الحصول على ما يكون من أثر للفصل بين المشاهد وبين ما يجري على المسرح. وقد يبدو غريبا أن يحاول المخرج أن ينزع من مسرحية "أساطير الشعراء المغنين" ما تنطوي عليه من انفعالات نفسية، ومسحة القدم التي تغلف مشاعرها، غير أن هذا الهدف هو ما كان يسعى إليه فيلاند فاجنر. والدليل على ذلك سائر تفصيلات إخراج هذه المسرحية البعيدة عن الكمال، بما في ذلك إسناد الأدوار بلى الفنانين إسنادا غير موفق.

نافذة على عالم الهارمونية العصرية

كم وقفت حائرا حين رأيت فيلاند فاجنر الذي أخرج بارتسيفال بهذا الجلال الذي يتحقق داخل إطار البساطة يحاول في إخراج "أساطير الشعراء المغنين" محاولات تنتهي في الفصل الأخير بعرض بعيد عن الذوق والجمال المنشود. وليست فكرة تشييد مشهد السقالات حول البناء المعقود بالفكرة السيئة في حد ذاتها، غير أن سوءها يتجلى في عدم مواكبتها أصلا لروح هذا العمل الفني ومعناه والعصر الذي وقع فيه الحدث، حتى رمى النقاد الفصل الأخير بالقبح والغموض بينما هو أطول فصول العمل الفني كله وأهمها.

غير أن المرء لا يسعه إلا الإعجاب بالطريقة التي سيطر بها فيلاند فاجنر على تفاصيل لوحته الجامعة الشاملة، وإن عجز عن تخليص عمله من النقائص، أما أكثر التغيرات المثيرة فقد جرت في المشهد الأخير، فمثلت النقابات بعدد قليل من الشعراء على حين انفردت مجموعة الإنشاد بخشبة المسرح. وقد سبق الشعراء المغنين إلى المسرح موكب من مشاهد عصر النهضة على حين أحاطت بإيفا مجموعة ربات الفنون. والمنظر كله بما حوى من اجتماع نورنبرج مقصود به إبراز الفن الألماني المقدس. ولقد كان أمرا غريبا كل الغرابة أن يقل استمتاعي بموسيقى أساطين الشعراء المغنين بينما أشاهد المسرحية في بايرويت نفسها.

وعلى الرغم من هذا كله فإن هذا الإخراج جهد يستحق عليه فيلاند التهنئة، وكم يأمل المرء أن تتطور علاقة الموازنة بين الإعجاب والنفور من تحفة جده الجليل كي تبلغ مرحلة بناءة متوازنة في أي إخراج جديد لهذه المسرحية التي استهدفت الكثير من الجدل وأثارت قدرًا، كبيرًا من السخط حتى بين أشد مؤيديه تعصبا له.

ولقد فتحت موسيقى تريستان وإيزولده نافذة واسعة على عالم الهارمونية العصرية، هارمونية القرن العشرين التي لا تتقيد بالمقام المعين والمقامات المتسقة منه والمنتسبة إليه أو القريبة منه، بل هي تلتزم بمختلف المقامات التي يجري التحوير فيها أحيانا بالانتقال الكروماتي السريع، ذلك أن فاجنر قد بلغ القمة في تغيير الأجواء السيكولوجية المواكبة للمواقف الدرامية المتغيرة، وذلك بمبتكراته الهارمونية التي لا تتقيد بحدود. وهو بذلك قد حدد الطريق الذي قدر أن يتبعه عدد كبير من كبار مؤلفي الموسيقى العصرية منذ ديبوسي وريتشارد شتراوس إلى أرنولد شونبرج وأنطون فيبرن. فلقد خرجت هارمونية تريستان وإيزولده على كل قوانين الهارمونية التي ظلت شبه مقدسة إلى ذاك الحين، ولقد أبرز القائد العظيم كارل بم الهارمونية الخلابة لتريستان وإيزولده التي أشرف على إخراجها فيلاند فاجنر عندما قاد موسيقاها في مسرح بايرويت أمامنا بعد أن بلغ التسعة والستين في عام 1963.

هذا حساب قاس عسير لمولع بفاجنر وافد على بايرويت لأول مرة غير متهيئ إلا لمشاهدة الكمال، وعذري أني أحاسب مسرح المسارح الفاجنرية، غير أن أعمال فاجنر الفنية راسخة كالصخر وستظل راسخة حتى تجد الأسلوب المعاصر المناسب لها، أقول أسلوبا ولا أقصد نموذجا ثابتا محددا لا يتغير، بل أعني خطا عاما أكثر وضوحا وتناسقا وبعدا عن التناقضات.

وأخيرًا فإن زيارة بايرويت هي عندي تجربة عاطفية أكثر منها تجربة موسيقية أو درامية، فقد كان واضحا أن كل فرد من أفراد الفريق البايرويتي يحاول أن يضفي على عمله ما يجاوز به المألوف، تلك الظاهرة التي يعرف معظم عشاق الأوبرا أنها تشكل الحد الفاصل بين الأداء الرفيع والأداء الهابط.

ولا أعتقد أن المولع عن عمق بالمسرح الموسيقي يمكن أن يخلف بايرويت دون أن يقع تحت تأثير أسلوبها الحديث لأنه وإن لم يرض عن هذا الأسلوب كل الرضا فهو لا يسعه أن يتجاهله. وحسب بايرويت أنها لا ترتكب جريمة الجمود الرتيب كما لا تنحدر إلى السوقية المبتذلة.

ثروت عكاشة مجلة العربي نوفمبر 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016