مختارات من:

اغتيال العربي في الأدب العبري

إبراهيم البحراوي

قراءة في كتاب
(في وطن الأشواق المتناقضة)


تدرجت نظرات الأدباء العبريين من موقف الرومانسية والإعجاب بالشخصية العربية إلى موقف الكراهية بعد الاستلاب المعنوي للشخصية العربية ذاتها والتي تحولت إلى كابوس مخيف يهدد حياة الإسرائيليين.. تلك هي النظرة بشموليتها وقد تحولت في التسعينيات من القرن الماضي إلى الواقع الذي انشغلت ساحته بأشكال الصراع المريرة.

يقدم الناقد الإسرائيلي إيهود بن عيزر في كتابه (في وطن الأشواق المتناقضة) الذي صدر باللغة العبرية وقام بترجمته إلى العربية الدكتور أحمد حماد.. صورة وصفية نقدية لتطور الأدب العبري ومناظيره تجاه أرض فلسطين والوجود العربي التاريخي فيها في مقدمة ضافية, ثم يضم بين دفتي الكتاب عدداً من الأعمال الأدبية العبرية التي تمثل مناظير هذا الأدب تجاه هدف الاستيلاء على فلسطين وحيال التصرف الواجب مع الوجود العربي منذ نهايات القرن التاسع عشر وتبلور الحركة الصهيونية في مشروعها الاستعماري الصريح وحتى مطلع التسعينيات من القرن العشرين.

من الاستلاب إلى الكراهية

ولا بد أن نضع في الاعتبار لدى الشروع في قراءة الكتاب أنه موجه أصلاً للقارئ الإسرائيلي وأنه يشرح له كيف تطورت مناظير الأدباء العبريين الذين وفدوا تباعاً إلى الأرض الفلسطينية في إطار المشروع الصهيوني لتتدرج من موقف (الرومانسية) على حد تعبيره والذي يعني به الناقد الإسرائيلي حالة الإعجاب بالشخصية العربية البدوية وصفاتها والنظر إليها كتجسيد للإسرائيليين القدامى, والذي أرى فيه كباحث عربي موقف استلاب معنوي للشخصية العربية وتقمصا لصفاتها تمهيداً لتصفية وجودها على الأرض, إلى (موقف الكراهية) للشخصية العربية من جانب الأدباء العبريين على حد تعبير الناقد ثم إلى موقف اعتبارها (كابوساً مخيفاً) يهدد الحياة في الدولة الإسرائيلية بعد نجاح المشروع الصهيوني في تحقيق أهدافه بعد عام 1948, مروراً برصد موقف هامشي ثانوي ظهر لدى أديب إسرائيلي واحد يعتبر عملية طرد وتشريد وأسر العرب في حرب 1948 مشكلة أخلاقية مؤلمة, ولكن لا مفر من التعامل معها باعتبار التنكيل والتشريد ضرورة صهيونية قومية لا سبيل للتخلي عنها أو التنازل عن إنجازها مع بعض يسير من تأنيب الضمير تجاه الضحية العربية. ليصل الناقد الإسرائيلي في رصد تدرّج المناظير الأدبية الصهيونية تجاه الوجود العربي الذي يعترض سبيل هدف الاستئثار بالأرض الفلسطينية مع مطلع التسعينيات من القرن العشرين, حيث خضعت بقية الخريطة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة للاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967, فيسجل رؤية الأدب العبري الإسرائيلي للواقع الذي يتسم بصراع مرير خال من (الرومانسية) الأولى ومن سائر المناظير المتدرجة المذكورة, ولتتركز الرؤية حول التساؤل عن مصير الصراع على الأرض بعد أن أدت حرب 1967 إلى وجود عربي كثيف في إطار السيطرة الإسرائيلية يهدد طابع الدولة اليهودي ويدخل معها في صراع قومي صريح, وهو ما يعتبره الناقد (بن عيزر) بمنزلة دورة تاريخية أعادت خريطة الصراع في تسعينيات القرن العشرين إلى الصورة التي كانت عليها قبل إقامة الدولة اليهودية أيام الانتداب البريطاني.

يقول (إيهود بن عيزر) في رصد الواقع المتبلور في التسعينيات من القرن العشرين وانعكاسه في مرآة الأدب العبري الإسرائيلي: (اعتباراً من الآن بدأ العربي كإنسان يظهر في الأدب العبري المكتوب في هذه الأرض القديمة ـ الجديدة, الأرض التي أصبحت منذ يونيو 1967 دولة لشعبين ولم تعد الرومانسية تظهر في شخصيته ولم يعد هناك تأرجح بينها وبين مرارات الواقع, ولم تعد هناك كتابة صادقة عن حياته الداخلية ولم يعد العربي يظهر كمشكلة أخلاقية تواجه المحارب الإسرائيلي الذي يعتبر نفسه قادراً على كل شيء, ولم يعد العربي يظهر حتى ككابوس مرعب فلم تعد هناك مشكلة اجتماعية قومية فقط للعربي الإسرائيلي بل هناك شعبان يعيشان على قطعة أرض واحدة في وطن الأشواق المتناقضة وفي صراع مرير, متواصل يتم في صور مختلفة, ولم يعد يوجد لأحداث القصص نهايات متفائلة).

أطياف الرومانسية الصهيونية

يقدم مؤلف الكتاب الناقد الإسرائيلي إيهود بن عيزر, سواء في الدراسة التي وضعها في صدر الكتاب أو في النماذج الأدبية التي اختارها, تمثيلاً للمناظير الأدبية المختلفة تجاه هدف الاستيلاء على الأرض وإفراغها من العرب, أطيافاً عدة لما يعتبره (رومانسية صهيونية) في النظرة إلى العربي وتحديد طريقة التعامل معه.

والذي لم يقله المؤلف إما لأنه لا يدركه وإما لأنه يدركه ولا يريد الإفضاء به لقارئه. أن هذه (الأطياف الرومانسية) ظهرت في مرحلة الضعف الصهيوني وعندما كان المشروع في مهده مجرداً من القوة البشرية حيث كان الوجود العربي يمثل الأغلبية الجارفة على الأرض وكان المهاجرون الصهاينة يعدون بالمئات قبل بداية القرن العشرين ثم بالآلاف المحدودة بعد مطلع القرن. وكان من الضروري تجنب إثارة الغضب العربي أو استفزاز العرب ضد المشروع الذي كان يسهل تحطيمه كالبندقة في لحظة خاطفة, وهو ما يعترف به أدباء ومفكرون صهاينة في المرحلة الأولى للمشروع في كتاباتهم المنشورة بالعبرية في مطلع القرن العشرين مثل الربي بنيامين وابشتين.

التزييف المتراكم

ويورد المؤلف ما يعتبره منظوراً طوباوياً متفائلاً يظهر في رواية لتيودور هرتزل (الأرض القديمة الجديدة) والتي نشرها عام 1902 بعد زيارته لفلسطين قبل ذلك بأعوام, فالمؤلف يضمنها كتابه رغم نشرها باللغة الألمانية لأهميتها في بلورة منظور عدد كبير من الأدباء العبريين مما يسميه المسألة العربية.

والمفهوم الأساسي الذي تروج له الرواية هو أن العرب المتخلفين الفقراء في حاجة إلى من يخلصهم, وأن الصهيونية ستقوم بدور المخلص حيث إن رأس المال اليهودي والتقدم الحضاري اليهودي سيقومان بتغيير وجه المجتمع العربي, وبالتالي فإنه لن تثور في المستقبل مشكلة قومية عربية, فالعرب سيبيعون الأرض لليهود برغبتهم, وسيتحولون إلى أعضاء في (المجتمع التعاوني اليهودي الجديد) ويقدم هرتزل مفهومه الذي يعتبره مؤلف الكتاب طوباوياً, حيث إن التاريخ قد أثبت عدم قابلية العرب للوقوع في فخ هذا الإغراء بالمال والتقدم لبيع قضيتهم القومية وحقهم التاريخي والسيادي في الأرض, من خلال حوار يدور بينه وبين أحد البكوات العرب من ملاك الأراضي يسميه رشيد بك ليثبت من خلال إجابات هذا العربي أن مفهومه قابل للتطبيق.

بالإضافة إلى المنظور السابق يستعرض المؤلف منظوراً مشابهاً عبّر عنه الأديب الربي بنيامين واسمه الكامل يهوشع ريدلر فيلدمان (1880 ـ 1957) في عمل أدبي وضع له عنوان (نبوءة المساء) نشره عام 1907.

ويبلور الأديب منظوراً يؤكد أنه يمكن أن يقبل العرب المشروع الصهيوني وأن على اليهود أن يتوافدوا إلى فلسطين دون أن يؤدي هذا إلى إثارة مشكلة قومية من خلال التركيز على الزراعة المكثفة حتى يتاح وجود كثافة سكانية ويتوافر دخل يكفي الجميع. فهكذا من وجهة نظره يمكن جلب مزيد من اليهود دون الاضطرار إلى اقتلاع العرب من فلسطين. وينهي الأديب عمله بإعلان شعري عن الاندماج بين الشعبين بالتزاوج والارتباط العرقي في إطار الجذور السامية المشتركة.

تلفيق وترويض

فضلاً عن المنظور المصلحي لتطويع العرب لقبول المشروع الصهيوني لدى الأدباء سالفي الذكر يستعرض المؤلف منظوراً يعبر عن الإعجاب بالبيئة الشرقية المثالية البكر, ومنظوراً آخر يدعو الحركة الصهيونية إلى التعامل مع عرب فلسطين على أنهم من نسل العبريين القدامى والعمل على إعادتهم إلى أصولهم العبرية المزعومة, ومنظوراً يرى أن يهود خيبر مازالوا موجودين في الجزيرة العربية ويجب الاندماج فيهم, ومنظوراً يرى أن الطريقة المثلى لانتزاع الصفات العربية عن العرب وإعادتهم إلى أصولهم العبرية هو الاعتراف بأنهم قد أجبروا على اعتناق الإسلام وأنه يجب إعادتهم إلى ديانتهم اليهودية الأصلية.

وكلها مناظير كما أشرنا من قبل ظهرت في مرحلة ضعف المشروع الصهيوني كمحاولات لتطويع العرب على القبول به بالحسنى والتحايل الفكري.

وبرهاننا على ذلك, أن كل هذه المناظير سرعان ما اختفت وحلّت محلها مناظير كراهية العرب واحتقار العرب وضرورة استخدام القوة لترحيلهم وطردهم فور أن توافرت المساندة الدولية البريطانية للمشروع الصهيوني, وهو ما عبّر عنه التيار الجارف من الأدباء وطبقوه في أرض الواقع في معارك عام 1948 بقسوة وضراوة ليخرج أحدهم بعد الحرب وهو ساميخ يزهار ليعبر عن أزمة أخلاقية تجاه ما اضطر إلى ارتكابه من جرائم ضد العرب كانت ضرورة قومية صهيونية لا مفر منها لتحقيق المشروع الصهيوني.

إبراهيم البحراوي مجلة العربي مارس 2003

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016