مختارات من:

السودان.. قارة تسكن بلداً

زكريا عبدالجواد

لا بد للمرء أن يندهش, عندما يسافر إلى دولة فيجد نفسه في قارة, قارة مترامية الأطراف, وعندما يعتقد أن اللغة الرابطة بينه وبين سكانها واحدة, فيجدها أكثر من أربع يتفرع منها ما يزيد على 400 لهجة محلية متداولة. وعندما يتصور أن الجذور اقتربت وانصهرت منذ الهجرات المتتالية, فيجد أمامه أكثر من 500 قبيلة.!!... انه مجتمع من الغرابة والسحر والعادات والأساطير... ملامح متعددة, ووجوه محفورة تتشبث بانتماءاتها القبلية, خطوط على ملامح الوجه تتقاطع وتتوازى, وبثور بارزة من الجلد في داخل الجلد تلازم البشر منذ ولادتهم وتظل باقية طيلة العمر.

لغات تتناثر هنا وهناك, وتتقاطع في الأسواق والشوارع والمدارس والساحات, تختلط وتتباعد وتصب في نهاية الحديث داخل لهجة واحدة يفهمها الجميع, لكنهم دائما يلجأون للقبيلة (لغة وملامح ووشم لا يختفي وطقوس وعادات وأعراف) تتحكم بهم وبسلوكهم داخل الحدود وربما خارجها.

ولم تكن الخرطوم عندما هبطنا بها ذات فجر, بعيدة عن تلك القسمات, إنها أيضا قارة يعيش فيها أبناء الجنسيات الإفريقية الأخرى, ويتعايش داخلها العربي والإفريقي, ولا يتباين فيها المنتمي لديانة سماوية أو عبدة أوثان القبلية و(الديانات النيلية).

عدة قوميات تتقاطع, تتجاوز, تختلط في سلوكها اليومي, داخل أسواق العاصمة وشوارعها وساحاتها الممتدة, ومفاهيمها الكثر, ولكن النتوءات والخطوط الممتدة على الوجوه والقسمات الداكنة والفاتحة وأيضاً البيضاء وما بين الألوان جميعها, تشدها إلى أصولها القبلية, وتحفظ لها جذور خشيت أن تفقدها بمرور السنين وتسرب مياه الحداثة إلى تربة تتشقق حينا, وتتماسك في معظم الأوقات.

إنه عالم غريب, ذلك الذي يراه القادم إلى الخرطوم للمرة الأولى, كأنه السحر, أو كأنها الأجواء الأسطورية التي تظل تحيط الكائن وتلفه وتطارده بالدهشة.

أضواء متناثرة

كنا وصلنا إلى الخرطوم في النصف الأخير من ليلها, فلم نر وسط كومة الظلام سوى بقع منيرة تناثرت, دون أن يفلح المشهد الجامع من نافذة الطائرة في نظم حبات الضوء المتباعدة في عقد واحد.

وحين غادرنا كان الوقت أيضا ليلاً, لتعود الحبيبات الضوئية وتتناثر, كان الظلام كثيفاً لكن أضواء الخرطوم بددته, تماما كما بدد بياض الابتسامات المشعة على وجوه السودانيين ما كان لدينا من هواجس.. وما حملناه داخلنا من تساؤلات.. ومن مخاوف أيضا.

(حبابكم عشرة) جملة ظلت تلخص الود السوداني الذي يصعب وصفه, كأن هذا الشعب خلق من لحم ودم وود وبساطة واحتمال, وكأن كل الذي مر به والذي قاساه طيلة سنوات قد تمتد إلى تاريخه نفسه, قد شكلت سلوكه مع الآخرين, حيث الترحاب فائق وحيث الطيبة لا حدود لها, وحيث الإيثار يسطع ولو كان بالنفوس (خصاصة).

جئنا إلى السودان محملين بـ (الهم السياسي), بعد أن ظللنا لسنوات طويلة لا نسمع ولا نقرأ ولا تطاردنا في الفضائيات سوى مشاهد الحروب والفيضانات والمجاعات والجفاف وعدم الاستقرار السياسي, والمفاوضات التي دائما ما تتعثر, والمبادرات التي تتوالى من الشمال والجنوب والشرق, وخلافات الأحزاب وتصارعها, و(التوالي) والحصار ومصنع الشفاء... إلى آخر ما ظل يلاحق المشاهد والقارئ عربيا كان أم من بلاد الواق واق.

كان هذا هو المشهد المرعب... تماما مثلما هو غامض وباهت تماما مثلما هو معقد, ومأساوي لأنه بدا وكأن لا نهاية له.

لم يقل أحد جهراً إن هناك تعايشا رائعا بين ثقافتين عربية وإفريقية, ولم يقل أحد إن بلداً مثل السودان يضم في جنباته مشهدا حضاريا نادراً, وحواراً قل أن يوجد في مكان آخر, ولم يقل أحد إن أرضه هي بكل المقاييس كتاب مفتوح لكل من يريد القراءة في صفحات الحضارتين العربية والإفريقية, وإنه من هذا الباب العربي الإفريقي انتشرت الفتوحات الإسلامية وغمرت الدعوة له كل أرجاء القارة السوداء.

كان الهمس هو سمة المتحدثين عن السودان الحضاري, وكان الحياء غالبا على السودانيين أهل هذا البلد وهم يتحدثون عن أنفسهم وعن بلادهم, تماما مثل شعرائهم وكتابهم وهم بالمئات وربما بالآلاف دون مبالغة, لكنهم يكتبون ويحتفظون - في غالبيتهم - بما يكتبون, حياء وتردداً.

خليط مدهش

السودان عبارة عن خليط من الأجناس, فمنذ العصور السحيقة ظل هذا البلد منطقة جذب لعناصر بشرية عدة, تشير بعض الإحصاءات الرسمية إلى أنها تنقسم إلى 65 مجموعة عرقية تتفرع إلى أكثر من 597 جماعة عرقية, وتبلغ نسبة المجموعة ذات الأصول العربية حوالي 40 في المائة من مجموع السكان الإجمالي, فيما تمثل (الدينكا) وهي المجموعة الرئيسية في جنوب السودان نحو 12 في المائة, و(البجة) يمثلون 7 في المائة, بينما المجموعات غير العربية في غرب السودان تصل إلى 6 في المائة من السكان.

وقد وصلت المجموعات النوبية إلى مناطق شمال السودان منذ القرن الرابع الميلادي, وانتشرت في إقليمي كردفان ودارفور, أما (البجة) التي تقع مناطقهم شرق السودان على البحر الأحمر, فقد تداخلت معهم العناصر العربية منذ ألف عام تقريباً, وإلى جانب ذلك فهناك في السودان مجموعات كبيرة من السكان أتوا من غرب إفريقيا وينتمون إلى قبائل (الهاوسا) و(الفلاني) و(اليوربا) إضافة إلى المجموعات التشادية, أما المجموعات النيلية في جنوب السودان فقد انقسمت إلى أقسام مختلفة من (دينكا و(نوير) و(شلك) و(أنواك) و(تبوسا) و(باري), في الوقت نفسه فإن المجموعات الأخرى التي تقطن الإقليم الاستوائي ومنطقة بحر الغزال تنتمي من ناحية ثقافية إلى مجموعات كبيرة تقطن الأقطار المجاورة للسودان مثل مجموعة الزاندي.

ولكن نزوح العناصر العربية بعد الإسلام إلى السودان مثّل أهم الهجرات في تاريخه, وقد دخلت هذه الهجرات عن طريق الشمال عبر مصر والطريق الغربي عبر الصحراء وكذلك عبر البحر الأحمر, وقد تخطت رقعة انتشار معظم هذه المجموعات العرقية حدود السودان وامتزجت مع المجموعات المجاورة في البلدان المتاخمة, ومن ذلك ما حدث من تمازج النوبيين الذين يقطنون المديرية الشمالية مع النوبيين في مصر, وقبيلة البني عامر في مديرية كسلا السودانية مع البني عامر في أريتريا, والمساليت في دارفور مع الموجودين في تشاد, والزاندي في المديرية الاستوائية والآخرين الموجودين في زائير وإفريقيا الوسطى, وكذلك النوير والشلك في مديرية أعالي النيل السودانية مع المجموعتين ذاتهما في إثيوبيا.

ومن آثار هجرة العرب إلى السودان ما نجده من قبائل متعددة حالياً, ففي شمال أواسط السودان هناك القبائل العدنانية مثل الجعليين, والميرفاب, والمناصير, والشايقية, والجوابرة, والبطاحين, والكواهلة, والقبائل القحطانية, القواسمة, والعبدلاب, والعركيين اللحويين, الحلاويين, العوامرة, الخوالدة, والشكرية.

ودخل العرب أيضا عبر الحدود السودانية العربية بعد انتشار الإسلام في شمال إفريقيا, فدخل البربر والأمويون الهاربون بعد سقوط دولتهم في الأندلس, وقيام دولة الأدارسة في المغرب كما سكن المهاجرون من ليبيا حول منطقة جبل مرّة وفي الشمال في مديريتي دارفور وكردفان واختلطوا بالسكان هناك.

ويتبع هذا التنوع في المجموعات العرقية تنوع في اللغة, وهناك 115 لغة, منها اللغة العربية التي هي اللغة الرسمية في المعاملات الحكومية, ما عدا الإقليم الجنوبي حيث تستخدم اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية, كما أن هناك لغة عربية مهجنة تسمى (عربي جوبا) وهي لغة التخاطب بين المجموعات غير العربية جنوب السودان.

فرادة وتميّز

في السودان يمكن أن يفغر المرء فاه كل لحظة, هذا في بداية الأمر لكنه يكتشف بعد ذلك أن هذا الأمر شديد الاعتياد في بلد له كل هذه المساحة الهائلة (مليون ميل مربع) حوالي 2.5 مليون كيلو متر مربع, وهو من هذا المنطلق, ومن حكم قناعته بأنه الأكبر في الحجم على المستوى العربي وكذلك الإفريقي, فهو يدرك أن كل شيء فيه يجب أن يكون مختلفاً, ثقافة عربية وثقافة إفريقية, حدود مشتركة مع تسع دول منها اثنتان عربيتان (مصر وليبيا) من الشمال, وسبع إفريقية حيث من الجنوب (كينيا وأوغندا والكونغو), وغرباً (تشاد وإفريقيا الوسطى), وشرقا (إثيوبيا وأريتريا), في الوقت الذي يفصل البحر الأحمر السودان عن المملكة العربية السعودية.

ولعل هذا التجاور جعل من سكان السودان خليطاً من عناصر مختلفة نزحت إليه من دول الجوار, فالبلدان الجنوبية تقع جميعها تقريبا داخل نطاق العناصر الزنجية, وفي الشمال من السودان تطغى السلالة القوقازية, في الوقت الذي تأثرت فيه بلاد الشرق بالهجرات الحامية, فإن الغرب حيث الصحراء الليبية توجد بها جماعات لها صفات البربر, في الوقت الذي ينفرد فيه السودان بمجموعات عرقية خاصة به مثل (البجة) و(المجموعات النيلية).

هذا التنوع الذي أصبح معه السودان بلداً مكوناً من خليط عرقي وإثني وثقافي وديني هائل, والذي أصبح يشكل تركيبة البلاد, يوصف ضمن إطارين رئيسيين: الشمال والجنوب, حيث يمثل الشمال ثلثي الأرض والسكان وتسكنه مجموعات قبلية محلية أصيلة تصاهرت مع التجار العرب الذين وفدوا إلى السودان منذ قرون بعيدة, وازدادت صلاتهم مع دخول الإسلام في القرن السابع الميلادي.

البجراوية

كانت الشمس الصباحية في شهر مارس شديدة القسوة, عندما انطلقنا قاصدين منطقة الآثار في (البجراوية) على بعد ثلاث ساعات ونصف الساعة من الخرطوم.

كان النيل على يسارنا يتسع ويضيق, قبل أن نمر بجامعة الخرطوم, ثم نهبط من الجسر الممتد على النيل إلى مدينة الخرطوم بحري ثالثة المدن التي تتكون منها العاصمة المثلثة, بعد أم درمان ومديرية الخرطوم.

أزعجت سائقنا وأرعبتنا حافلات الركشة الصغيرة ذات الإطارات الثلاثة والأبواب المفتوحة وهي تسير ببطء وسط الشوارع لكنها قادرة على التسلل بين السيارات القديمة , والتي تزدحم بها الطرق.

وفي منطقة بحري مررنا بمنطقة صناعية حيث مصنع للغزل الرفيع وآخر لصناعة الكرتون وثالث لصناعة السلال. قطعنا خطوطاً للسكك الحديدية, ومطاحن للدقيق, ثم كلية لعلوم الطيران, حتى أدخلنا شارع (الإنقاذ) إلى طريق طويل على جانبيه سوق لبيع المواشي وأعلافها الخضراء, أوصلنا الطريق واسمه (التحدي) إلى مدينة (القدرو) التابعة لولاية بحري, حيث المحلات التي تصطف على الجانبين دون زبائن, وبشر جالسون أمامها.. جزارون وبقالون.. محلات للاتصالات وزيوت للطلاء ومطاعم شعبية.

نمر بمنطقة (الفكى هاشم) حيث على جانبي الطريق تتوزع المساحات المزروعة والأخرى القاحلة.

قبل أن يصل بنا (طريق التحدي) إلى مدينة شندي, كان السراب الصحراوي يثير فينا أحاسيس العطش, وكانت الصحراء شاسعة, تتناثر على حوافها بيوت صغيرة من الطين, فيما النباتات تنتشر في بعض البقاع وتنطلق حولها أعداد من قطعان الماشية.

عندما أصبحت الشمس فوق رءوسنا في ذلك اليوم القائظ, وصلنا إلى منطقة (البجراوية) بعدما مررنا بقريتي (الحماداب) و(بئر العربي), من بعيد كان منظر الأهرام باهراً, لم تكن كبيرة كأهرام الجيزة المصرية ولا أحجارها بالحجم نفسه لكن المشهد كان رائعاً, مثلثات هرمية داكنة اللون, يبلغ عددها في الوقت الحالي 36, بعد أن دمر الإهمال نحو 21 هرماً أخرى كانت موزعة بين ثلاثة مواقع في مروى القديمة.

ولكن في البجراوية التي تركت آثارها تقاوم عوالم الزمن الضاغطة, انقسمت المقابر بين المنطقة الشرقية حيث مكان دفن الملوك والملكات, وفي المنطقة الغربية حيث مدافن الوزراء والأمراء, وفي المدينة الملكية وهي مدافن لعامة الشعب.

دخلنا إلى غرفة المعبد وجدنا رسوما لإيزيس وحورس وأوزوريس, نقوش بالداخل, وميزان ومراكب وحيوانات وطيور تصعد, وكتابات بالهيروغليفية في معبد الملكة أماني شختي.

تلك الآثار كانت ممتدة على مساحة ستة كيلومترات مربعة, وكانت الأهرام الموجودة فيها محطمة من رأس المثلث, ولكن جمالها كان حاضراً رغم ذلك.

والأهرام في منطقة مروى عبارة عن مدافن للملوك والملكات وكان عددها الإجمالي يفوق الـ 140 هرماً, أما أهرام البجراوية فقد كانت مكتملة وبها قمم ذهبية, إلا أن الطبيب الإيطالي فرليني الذي كان يبحث عن الذهب في القرن 19م قام بتدميرها.

وفي معظم هذه الأهرام معابد جنائزية ملحقة بها رسوم ونقوش جدارية عن الحياة الدينية في مروى, في الوقت الذي يكون الاختلاف بين تلك الأهرام ونظيرتها الموجودة في مصر يكمن في أن الأهرام السودانية تكون حجرة الدفن فيها تحت الهرم, بينما المصرية تكون داخل مبنى الهرم, وتوجد معابد جنائزية في الأهرام السودانية وهي لا توجد في المصرية, كما أن الأهرام السودانية كلها تقع شرق النيل (ما عدا نوري), بينما جميع الأهرام المصرية غرب النيل.

ومدينة مروى هي من أقدم المدن في العالم, وقد استمرت مزدهرة خلال الفترة من عام 592 ق.م, حتى 350 ميلادية, وكان التوسع في صناعة الحديد أحد مصادر ثروتها, حيث وصلت شهرتها إلى بلاد الإغريق والرومان, ونظراً للاتصال الوثيق وطويل المدى بين مصر ومملكة كوش فقد تأثرت كثيرا بالحضارة المصرية, ففي البداية شيّدت المعابد على الطراز الفرعوني وعبدت فيها الآلهة المصرية نفسها ونقشت النقوش على الطريقة المصرية, كما كتبت النصوص باللغة الهيروغليفية, وعبدت الآلهة المروية والمصرية جنباً إلى جنب, ثم أخذت الآلهة المروية بعد ذلك مكانها في الديانة الرسمية.

وبعد فترة قام أهل مروى بتطوير نظمهم الفنية والمعمارية, وبعد اختراع الخط المروي استعملوا لغتهم في التدوين وازدهررت الحِرَف وأصبح فخار مروى من أجمل ما أنتج في وادي النيل وأعظمها قيمة من الناحية الفنية, كذلك وصل فن الصياغة إلى درجة عالية, وتقدمت صناعة وإنتاج الحديد وأخذت مكانتها في إفريقيا, وقد انهارت مملكة مروى حوالي عام 350 ميلادية عندما قام عيزانا ملك أكسوم في الحبشة بالتقدم نحو مروى وهدم المدينة.

ضياء كامن

تعودنا في معظم رحلاتنا الاستطلاعية, أن نقرأ البلد من خطوط ثقافته, ولكن الكف السودانية الممتدة كانت كثيرة التقاطعات, بحيث يحتار المرء من أين يبدأ وإلى أين ينتهي, تعرجات عربية إسلامية ومسيحية وأخرى إفريقية تتوزع بين ديانات وجذور عرقية عديدة, فكيف يقرأ المرء كفاً بها كل تلك الخطوط, وكيف له أن يستخرج منها خطاً واحداً دون أن تختلط به سمات من هذا التمازج الكبير الذي صهرته البوتقة السودانية هائلة الاتساع, والقادرة على دفع التمايز الصغير لينصهر في نسيج الوطن, وليصبح فيما بعد مزيجاً يميز ذلك البلد بوجوه أبنائه ذات السمرة المتدرجة.

انطلقنا منذ الوصول إلى مطار الخرطوم الدولي ساعين إلى قراءة الوضع الثقافي في السودان, وما إن هممنا بترتيب تساؤلاتنا, حتى فاجأتنا مناسبة ثقافية كانت إقامة معرض للكتاب هو الأول من نوعه تقيمه الكويت في العاصمة السودانية, فقد كان هذا المعرض فرصة التقت فيها الإمكانات الثقافية في البلدين, وانطلقتا تبحثان بما يشبه الاكتشاف عن مكامن الإشعاع فيهما, في الوقت الذي مثلت لنا تلك الاحتفالية فرصة للبحث وطرح الأسئلة والالتقاء بعناصر فاعلة في واقع الثقافة السودانية.

ثقافة شفهية

عندما التقينا وزير الثقافة والسياحة السوداني عبدالباسط عبدالماجد في مكتبه قال لنا: إنه على الرغم من أن الواجهة الثقافية في بلاده متعددة, الأمر الذي يضعها في قلب الثقافة العربية شعراً وقصة وأغنية وفنونا تشكيلية وموسيقى شعبية, وينعكس ذلك من خلال المشاركات السودانية, ومن خلال ما تقدمه وسائل الإعلام فيها ومن خلال وجود أدباء ومثقفين سودانيين في المجتمعات المحيطة بالسودان, فإنه رغم ذلك - يضيف - هناك عدم معرفة جيدة بحركة الثقافة والإبداع السودانية خارج الحدود, ويرجع الوزير عبدالماجد ذلك إلى قصور في حركة النقد لا تمكنها من تعريف القراء العرب بالإبداعات السودانية, إضافة إلى سبب آخر هو - وفقا لكلام الوزير - (إننا في السودان نمتاز بثقافة شفهية أكثر منها مكتوبة, ولعل التواضع والعفوية التي تتمتع بهما الشخصية السودانية وراء ذلك أيضاً).

غير أن الوزير عبدالباسط عبدالماجد يضيف إن (السودانيين مقلون في الكتابة إلى حد بعيد), محملاً ذلك مسئولية عدم احتلال الإبداع السوداني المكان المستحق واللائق به في خريطة الثقافة العربية.

بدايات المسرح وواقعه

من مبنى الوزارة انطلقنا بحثاً عن مداخل الأنشطة الثقافية في بلد لا يكاد يمر يوم فيه إلا ويشهد العديد من الفعاليات المبهجة, كانت انطلاقــتــنـــا بداية إلى (أبو الفنون) لتأخذنا التساؤلات إلى كلية الموسيقى والدراما التابعة لجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا هناك نلتقي بعميدها الدكتور أحمد عبدالعال الذي يشير إلى أن الكلية تأسست في نهايات العام 1973م لتصبح هي الوحيدة حتى الآن في هذا المجال, ولتضم قسمين: الأول للموسيقى وينقسم إلى شعب: الوتريات والصوت والموسيقى الشرقية والآلات والتذوق الموسيقي, والقسم الثاني الدراما ويضم شعب: الإخراج والتمثيل وفنيات المسرح والإذاعة والتلفزيون والنقد والدراسات الدرامية.

وهذه الكلية تخرج سنوياً ما بين 500 إلى 600 خريج يعملون في المؤسسات الإعلامية والإذاعة والتلفزيون والمدارس أيضا.

في الكلية نمر على الأقسام, فنرى شعلة من النشاط, ونذهب إلى الأستاذ المشارك في قسم الدراما الطيب المهدي محمد الخير وهو كاتب ومخرج مسرحي وأستاذ لمادة التمثيل والإخراج فيقول لنا إن الحركة المسرحية في السودان بدأت نحو العام 1905م, اعتمادا على الجاليات الأجنبية التي كانت تقيم في ذلك الوقت بهذا البلد, حيث شهد ذلك الزمن عدداً من العروض المبسطة, ليبرز بعد ذلك النشاط المدرسي, قبل أن ينتقل إلى جامعة الخرطوم التي أسست مسرحاً خاصاً بها, كان الشرارة لتكوين فرق مسرحية, انتقلت منها إلى نادي الخريجين الذي قدم في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي مسرحية (بخت الرضا).

وهنا يؤكد أن الحركة المسرحية في السودان هي مجرد(فترات) تتتابع وتتقاطع دون اتصال, فقط هي عبارة عن حلقات, وفي الثلاثينيات كانت واحدة من أوج تلك المرحلة, وهناك مرحلة أخرى أكثر وضوحا بدأت في الستينيات, وبعد قيام المسرح القومي وظهور كثير من الفرق والجماعات المسرحية, وكان لتخريج دفعات متتابعة من معهد الموسيقى والمسرح (الذي تحول إلى كلية فيما بعد) أثره في دفق الدماء في الحركة المسرحية لتشهد كثيراً من العروض التي امتزج فيها النص المسرحي السوداني مع النصوص العربية والإفريقية.

الخاص والقومي

وفي الخرطوم هناك عشرات من الفرق المسرحية في الوقت الحالي, منها العريقة جداً كفرقة (الفضل سعيد), ومنها النشطة مثل فرقة (الأصدقاء), في الوقت الذي توجد فيه مسارح قومية في بعض المناطق أشهرها في (عطبرة) و(واد مدني) وتشهد هذه المرحلة محاولة لنشر تلك المسارح في مختلف ولايات السودان.

والمسرح السوداني في معظمه يعتمد على الهواة, وهناك عدد من المحترفين يعملون به, غير أن السائد هو عدم التفرغ نظراً لأن الحركة المسرحية غير منتظمة.

وفي السودان, توجد فرقة قومية, تم تأسيسها منذ أربع سنوات غير أنها لم تقدم أي عمل حتى الآن, في الوقت الذي تثقل فيه الضرائب كاهل الحركة المسرحية وتجبرها على تقليل نشاطها.

ومع ذلك, فإن هناك عدداً من الفرق لها جمهورها الخاص, وهناك مواقع كالمسرح القومي ومسرح (البقعة) تشهد نشاطاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة, خاصة في المهرجانات المسرحية التي تقيمها, إلى جانب ما يقوم به مسرح (أم بدة) ومسرح (قاعة الصداقة) و(الفنون الشعبية) الذي يشهد نشاطاً في مسرح الطفل.

وعلى الرغم من ذلك فإن المسرح السوداني لم يشهد حتى الآن سوى مسرحية عرضت لأكثر من شهر واحد وقدمتها فرقة الأصدقاء, ولا تخرج القضايا المطروحة عن الاجتماعية والسياسية (بشكل تلميحي), وتتركز في معظمها حول الفوارق القبلية والمشكلات الاقتصادية وملامح الصراعات الثقافية الموجودة على الساحة, غير أن الكوميديا هي الغالبة على المسرح السوداني وإن كانت هناك أعمال في بعض الأحيان تميل إلى التراجيديا.

طقوس وأذكار

من جهته, قال الأمين العام لاتحاد الفنانين العرب والمسرحي السوداني المعروف علي مهدي عندما سألناه عن أثر التمازج العرقي والثقافي في السودان على حركة المسرح فيه, إن العرب حين قدموا للسودان جاءوا بأذكارهم وطبولهم وراياتهم, وقد انعكست هذه الأجواء على الكثير من الأعمال المسرحية, وفي هذا الصدد - يضيف - قمت بتقديم مسرحية عرضت أيضاً في باريس اسمها (سلمان الزغراد), إنها في الفكر السوداني تترك أثراً, وقد تم فيها استدعاء الطقوس الإفريقية أيضا في تمازج كان له الكثير من أجواء التصوف والأذكار وحتى (البخور).

بوتقة الموسيقى

وقد تأثر الطابع الموسيقى في السودان - وفقا لما يراه رئيس نظريات التأليف الموسيقي في كلية الموسيقى والدراما الأستاذ محمد سيف الدين علي - بعدة عناصر من قديم الزمن, فقد كان لدخول العرب عبر منافذ عدة من الشرق والغرب والشمال حاملين ثقافتهم وتراثهم أكبر الأثر على ما كان موجوداً لدى الأهالي في السودان.

وفي الوقت نفسه, فإن وقوع السودان في تلك المنطقة حيث تحيط به دول عربية وإفريقية كثيرة كان السبب في مزج تلك الثقافات والممارسات الموسيقية في البوتقة السودانية.

يضيف د. علي: إن السودان الذي ينقسم إلى أربعة أقاليم رئيسية كبار (شمال وجنوب وغرب وشرق) حيث لكل إقليم طابع خاص في آلاته الموسيقية وأنواع الغناء ومضامينه, وهو الأمر الذي يعكس تأثر كل إقليم بجواره الجغرافي, فالموسيقى الموجودة شمال السودان تتأثر كثيرا بصعيد مصر, والموسيقى في الغرب لديها تأثر كبير بما هو موجود في تشاد, وفي الجنوب بكينيا وأوغندا وفي الشرق بإثيوبيا.

الوزن والطابع

وفي عهد المهدي جاءت الكثير من القبائل من مختلف المناطق لمناصرته في حربه ضد الاستعمار الإنجليزي, وقد حملت كل قبيلة معها عاداتها وتقاليدها وممارساتها الموسيقية وانصهرت كلها وتأثرت ببعضها. فمن الشمال جاءت أغنيات ورقصات (الحلفاويين) الذين يستخدمون الدفوف ولديهم وزن إيقاعي وطابع غنائي معين.

ومن الشمال أيضاً عند قبيلة الجعليين والرباطات والشايقية وهي قبائل سودانية من أصول عربية, يستخدمون آلة (الدلوكة), ولهم طابع وإيقاع معين وتصاحبها رقصات.

ومن الغرب جاءت قبائل (الرزيقات) و(الحوازمة) و(الحمر) وبعض الآلات مثل (أم كيكي) وآلات أخرى, ولهم إيقاعات مثل (المردوم) وأغنيات (الحسيس) و(الجراري). أما في الشرق فنجد قبائل (البجة) ومنهم (الهدندوة) و(بنو عامر) وهؤلاء يستخدمون (الطنبورة و(الطبول) ولها كذلك طابع مميز.

أما في الجنوب فنجد قبائل (الدينكا) و(النوير) و(الشلك) ولهم إيقاعات الطبول وبعض الآلات الأخرى.

في الوقت نفسه, فإن هناك منطقة ثرية بالإيقاعات هي منطقة النيل الأزرق (شمال شرقي) ونجد فيها قبائل (البرتي) وقمز) وغيرها وهم يستخدمون آلات (وازا) و(بلونقرو) و(بلوشورو), وهذه آلات نفخ وتصحبها الطبول وإيقاعات النقر الخشبية.

ولكن كل هذا الكم تلاقح وانصهر في منطقة وسط السودان ومنذ عام 1916 تقريباً ظهر نوع من الغناء يعرف بغناء (الحقيبة), ثم بعد ذلك تطورت حركة الثقافة الموسيقية ودخلت آلات مثل الكمان والعود والرق والأكورديون وبدأ السودانيون يتعاملون معها ويوطنونها وفقاً لتلك المرحلة.

وبالنسبة للطابع الموسيقي اليوم فهو يأخذ شكلا أو شخصية منفردة تجمع ما بين العربي والإفريقي, فالعربي يتمثل في جانب الألحان الغنائية والتطريب والمعايشة و(السلطنة), أما الجانب الإفريقي فنجده في استخدام الإيقاعات وتوظيفها حيث تكون تلك الإيقاعات متسارعة وكثيرة.

وقد استمد هنا من الجاليات الإنجليزية مساحات هرمونية في الوقت الذي أثرت فيه الجاليات الشامية على الموسيقى في السودان.

أما اليوم بعد ظهور وانتشار الفضائيات والكمبيوتر وأجهزة الاتصالات فقد ظهر نوع آخر من الموسيقى استخدمت فيه آلة الأورغ بكل مميزاتها وقد لجأ الشباب إليها وتأثروا بها..

خصوبة القصة

وإذا كان الشعر يحظى باهتمام فائق, فإن كتابة القصة والرواية في السودان لا ينقصها الاهتمام, وعلى مدى سنوات طويلة ظلت أسماء كتّابها تتوالى من جيل إلى آخر, غير أن متابعة مسار هذا الفن الأدبي تشير إلى مؤثرين اثنين ساهما في تشكيل الرؤية لدى الكتّاب, أولهما ذلك الموروث الهائل من التراث الشعبي والأسطورة والطقوس الخاصة بالمجتمع السوداني, وثانيهما التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرّت بالسودان. وقد كان معاوية محمدنور أول من كتب القصة القصيرة بمعناها المحدد والمعروف في بداية الثلاثينيات, وبعدها ظهرت أعمال ودراسات في فن القصة لأسماء عدة, ولكن أغلب تلك القصص دارت عن الزواج والحب والنزوح من الغربة والسفر, وأخذت الأسطورة نصيباً جيداً من الاهتمام. غير أن الأربعينيات كانت من أخصب الفترات للقصة وأكثرها تأثراً بحركة الأدب والنقد العالمية, وخلالها انتشر هذا الفن على نطاق واسع. وقد ظهرت أسماء خليل علي وعثمان نور ود. إبراهيم الشوش وعلي اللك, وتزامن ذلك مع انتعاش حركة الشعر في تلك الفترة نفسها.

وإذا كانت القصة في الأربعينيات قد تأثرت بالواقعية الاشتراكية فإنها في الخمسينيات والستينيات تأثرت بالفلسفة الوجودية, غير أن هناك من اهتموا بالكتابة عن مجتمع القرية بكل مظاهره بنمط سردي جديد مثل الطيب صالح.

ومن الأسماء أيضا مختار عجوبة وعثمان الحوري وعيسى الحلو.

وهناك من اتجه إلى المزاوجة بين الشعر والقصة والسرد الخيالي العلمي.

وقد كان لنكسة 1967 تداعياتها على القصة السودانية, فظهرت منتديات أدبية عدة, إضافة إلى الروابط, وتميّزت أعمال كتّاب تلك المرحلة باللجوء إلى عدة مصادر لإثراء القصص وإغنائها كالالتجاء إلى الأسطورة والتاريخ, وكذلك الفنتازيا والسخرية.

ومن الذين عرفت أسماؤهم في تلك الفترة عثمان الفكي ومحمد المهدي بشري, ومبارك الصادق. وفي الثمانينيات حدث تحول جديد بظهور كاتبات سودانيات للقصة القصيرة برزت منهن أسماء سلمى الشيخ سلامة وفاطمة السندس وعويضة يوسف, ومن الكتّاب عادل القصاص وصلاح الزين وأحمد الطيب.

سلم خماسي

وفي جانب الغناء يقول الفنان عبدالكريم الكابلي الذي التقيناه في منزله, وهو شاعر وملحن إلى جانب كونه واحداً من أقدم وأهم المطربين السودانيين إلى جوار محمد وردي والمرحوم سيد خليفة.

الكابلي أكد لنا, بالنسبة للأغنية السودانية فإن لنا خصوصية, إذ إنها تتعامل مع السلم الخماسي, وهذا السلم مجاز, ولكنه يختلف عما عداه من ألوان الموسيقى, تماما كما يحدث في الصين وأيضاً الموسيقى اليابانية القديمة وكذلك كوريا, إنهم يتعاملون مع السلم الخماسي, وهذا السلم هو اللونية الفطرية للإنسان, وقد ورثها السودانيون من حضارة النوبة القديمة والحضارة الفرعونية.

أضاف الكابلي: إن الأغنية السودانية بسلمها الخماسي فيها ما لا حصر له من الإيقاعات خاصة جنوب السودان, لأن الإيقاع هناك مهم جداً في حياة الإنسان هناك, أما في شمال السودان فإنه قد يتبادر إلى الذهن أن الإيقاع هو الرقص, أما في الجنوب فإنهم يتعاملون مع الإيقاع على أنه جزء لا يتجزأ من معاني الحياة, بمعنى أنهم يتعاملون معه كشروق الشمس وغروبها وميلاد الطفل وموت كبير السن والصيد.

حساسية تشكيلية

ويزدهر الفن التشكيلي في السودان بشكل كبير, فالطبيعة الخلابة وما يزخر به السودان من طقوس وتنوع في الأشكال والوجوه والثقافات والفنون كفيل بأن ينتج أعداداً هائلة من الفنانين ذوي الحساسية الخاصة.

والفن التشكيلي متجذر في الأرض السودانية منذ آلاف السنين في كنائس منطقة (المصورات) الأثرية, وكذلك في المتحف القومي السوداني حيث يضم (100) لوحة جدارية ضخمة مرسومة بخلط الألوان, وكان الأبرز فيها تحوير المنظور المسيحي في عصر النهضة حيث ألوان الملائكة والقسس بنية وسوداء. كان الميل هو نحو الألوان الداكنة, وكانت طبيعة المنظر العام توحي أن ذلك يتم في منطقة معينة. وحتى رسم الملائكة وهم يطيرون تفرد بها الفنان السوداني.

وعن التشكيل وبداياته في السودان يحدثنا الفنان راشد دياب الحاصل على الدكتوراه في فلسفة الفنون السودانية وسبق له أن فاز بتصميم الكتاب الخاص بمعرض اكسبو الذي تم تقديمه إلى جميع قادة العالم, والذي تعرض العديد من لوحات في أكبر متاحف نيويورك ولندن, يقول: (إن الحركة التشكيلية في السودان بدأت منذ عام 1920م, بفنون فطرية, كانت تعبر عن الواقع والبيئة السودانية التي تغوص في الحياة الزوجية والأعراس والحياة العامة والمناسبات, إلى جانب رسم الشخصيات السودانية التاريخية, إضافة إلى رسومات تعتمد على الحكايات والأساطير. وكان عرض تلك الأعمال يتم في المقاهي وبيوت الأزياء.

يضيف د.دياب قائلاً: (لقد مر السودان بكل الحضارات فنحن حاربنا الهكسوس وحمينا مصر منهم, ولدينا تاريخ مشترك معها, ولو رجعنا إلى حضارة (الشاهيناب) في الخرطوم, حيث الخزف لوجدنا أن الإنسان كان لديه أدوات يصنع منها أغراضه, وقد كانت صناعة الخزف أيضاً مزدهرة جداً في (مروي) تلك المنطقة الأثرية.

أما في الفترة التي أعقبت دخول الإسلام إلى السودان, فقد حدث تحول مهم, حيث أصبح المفهوم الفكري أقوى بكثير من المادي.

وقد جاء الإسلام من اليمن ومن مصر وجاءت الطرق الصوفية من المغرب.. دخل الإسلام دون مقاومة.

وحدث التمازج الحضاري بين الشعوب بسلاسة, وحدثت بعض التدخلات السياسية ولكن التشكيل وجد في جنوب السودان ممثلاً في النحت, عند هؤلاء الذين يعيشون في البيئة الاستوائية, وقد اشتهر الفنان هناك بعمل الأقنعة.. لقد ظل يأخذ من الطبيعة أشكالها ويقوم بتحويلها إلى لوحات وأشكال.

وقد أسفر التكامل بين الطبيعة والفنان في جنوب السودان عن إنتاج أعمال جميلة مازال البحث يجري في الوقت الحاضر لاكتشاف ما تخفيه الأرض منها.

وهو ما حدث نفسه في منطقة جبال النوبة, التي هي المنطقة الأقل مطراً, ولذلك كانت هناك فنون وأشكال حيوانية ومادية راقية جداً, يتم خلالها تزيين الجسم بمواد محلية.

ويؤكد د. راشد دياب أن كل المدارس والظواهر الفنية الحديثة في أوربا كانت موجودة في السودان التي ظهر فيها فن جديد ناتج عن تمازج الحضارات الإسلامية والإفريقية.

ويعتبر في الوقت نفسه, أن الفن التشكيلي السوداني من أهم الحركات التشكيلية ليس في الوطن العربي بل في العالم, مشيراً إلى أن لدى الفنانين السودانيين لوحات في أهم متاحف الدنيا, وأن الفنان السوداني إبراهيم الصالحي هو بكل المقاييس من أفضل عشرة فنانين في العالم, كما أن هناك ثلاثة فنانين من هذا البلد حصلوا على أهم جائزة في العالم في مهرجانات أقيمت في اليابان وإسبانيا والولايات المتحدة.

وشدد د. دياب على أن التأثر بالمدارس الاوربية كان محلياً ومؤقتاً ومحدوداً, مضيفاً (نحن فنياً في صلب التاريخ, وهم الأجانب تأثروا بنا أكثر مما تأثرنا بهم), مؤكداً أيضا أن (كل المدارس الأوربية والغربية بشكل عام نابعة في أصولها من جذور عربية أو إفريقية), متسائلاً: إذا كان الغرب لم يستطع عمل هرم واحد كأهرامنا, فكيف نقارن الفنان العربي وحضارته بالغرب. إن محمود مختار مثلا هو من أحسن نحاتي العالم, لقد كان التاريخ في دمه, وهو لايزال في دمنا, فيجب ألا ننهزم أبداً في الجانب الثقافي).

عطر الشعر

وعن الحركة الشعرية في السودان قال لنا الشاعر السوداني الكبير (الهادي آدم): إن الإنتاج الشعري هناك كثير, ولا أبالغ أنه يمكن أن (يغطي الدنيا) ولكن من يجلس ليستمع إليه, ومن يقوم بإيصاله إلى الآخرين? نحن عانينا شظف العيش وضيق ذات اليد, وخرجنا من الاستعمار الذي تم لفترة طويلة على بلدنا, لذلك, لم نملك الكثير من وسائل الاتصالات لنقيم الجسور مع الآخرين.

وعن المدارس في الشعر السوداني يقول: إن التوجه الرومانسي ظهر بعد التوجهات الكلاسيكية الناجحة جداً, والرومانسية مذهب له حسناته كتحرر الشعر من القيد المتمثل في القافية والوزن, وكذلك دارت أغراض الشعر وأطلقتها إلى كل ما يشغل الحياة.

أما المعيب في الرومانسية فهو السريالية والغموض والإلحاح في طلب التغيير, ونظراً لأن معظم الناس غير مؤهلين لغوياً فقد نتج بعض العيوب عن ذلك, ولكن هناك شعراء سودانيين كتبوا الشعر الرومانسي بنجاح باهر.

المرأة والشعر

التقينا الشاعرة والمذيعة روضة الحاج التي أشارت إلى أن علاقة المرأة بالشعر في السودان, قديمة, وسفر الشعر الشعبي في السودان غني جداً, وهذا السفر لا يستطيع تجاوز المرأة السودانية بأي حال من الأحوال, فحتى وقت قريب كانت هي المحرض الرئيسي للقبيلة على الحرب والسلم والقيم الاجتماعية, عندما كان النظام القبلي هو السمة العامة, شأن المجتمع السوداني في ذلك شأن المجتمعات القبلية في وقت غابر.

وأضافت: نجد في الغناء الشعبي الذي يقوم على غناء ولحن, أن معظم الموروث هو لكلمات قالتها نساء في كل المناطق الناطقة بالعربية في السودان, والنساء السودانيات في البيئة البدوية يمتزن بفصاحة عالية جداً.

أما على مستوى الكتابة الحديثة فهناك أسماء مميزة أذكر منها على سبيل المثال هاجر سليمان طه, وسعاد عبدالرحمن, وسعدية عبدالسلام (تكتب بالعامية) ود. سميرة الغالي, وأصدرت أكثر من ديوان. وكثيرات غيرهن.

سينما ودراما

وعن إنتاج الأفلام في السودان, يقول الدكتور وجدي كامل وهو مخرج سينمائي وتلفزيوني وخبير إعلامي وأستاذ بالجامعة, إنه لا توجد سينما سودانية بالمعنى التجاري أو الصناعي المتعارف عليه, ولكن هناك أفلاما روائية طويلة إنتاجها بصفة غير منتظمة بواسطة القطاع الخاص منذ العام 1970, دون أن تجد حتى هذه اللحظة دعماً رسمياً يذكر.

يضيف د. وجدي كامل الذي أصدر ثلاثة كتب عن الظاهرة الجمالية في السينما الإفريقية والفوتوغرافيا والسينما في النظام الثقافي المعاصر, و(سامبين روائيا ومخرجاً إفريقيا)ً - إنه بالنسبة للسينما التسجيلية فإن الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان قامت بدعم عمليات إنتاجها. وعلى الرغم من ذلك فإن السودان يملك واحدة من أقدم وحدات الإنتاج السينمائي على مستوى إفريقيا, وقد تم تأسيسها عام 1946 على أيدي البريطانيين, ثم تحولت إلى الإنتاج السينمائي, وبين الفترتين تم إنتاج عشرات الأفلام التسجيلية القصيرة وظهرت أسماء سودانية رائدة في هذا المجال, مثل كمال محمد إبراهيم, وجاد الله جبارة.

ويضيف: السينما السودانية أنتجت طوال تاريخها خمسة أفلام فقط تتراوح مدة الفيلم بين ساعة وساعة ونصف الساعة: (آمال وأحلام) عام 1970 لميلاس و(تاجوج) أواخر السبعينيات لجاد الله جبارة, و(رحلة عيون) أوائل الثمانينيات لأنور هاشم ثم (بركة الشيخ) لجاد الله جبارة, أما بالنسبة للدراما, فإن التلفزيون السوداني واحد من أعرق التلفزيونات العربية, ومنذ بداياته اهتم بقضية الإنتاج الدرامي, ولكن مع تواضع في الإمكانات ولا نكاد نرى إنتاجاً درامياً حقيقياً بدأ يظهر إلا في السنوات العشر الأخيرة, حيث ارتاد المخرجون التلفزيونيون مجال إنتاج دراما المسلسلات وتتفاوت درجة براعتهم في تحقيق مثل هذا العمل.

في هذا الإطار, نجد أن دخول الشركات الخاصة قد أثرى عملية إنتاج المسلسلات وأصبح التلفزيون يعتمد بنسبة 70% على إنتاج هذه الشركات للأفلام والمسلسلات,وهي بجانبها ساهمت في تغيير شكل الدراما التلفزيونية إذ أصبح هناك عدد هائل من المخرجين والممثلين والفنيين التنفيذيين الذين يتبارون بشدة هذه الأيام لإثبات تفوقهم وتأكيد إمكاناتهم أسوة بمخرجي الدراما في السودان والدول العربية الأخرى.

في كل شبر من أرض السودان الواسعة كان هناك دليل على ود هذا الشعب.

ففي كل وقت كان الترحاب ساطعا وكانت العواطف جياشة.. إنها لحمة العروبة التي تظل باقية.. مهما تناءت المسافات.. ومهما اختلطت الأوراق.. عروبة الدم واللغة والمصير.. في السودان.. وفي كل قطر عربي كذلك.

زكريا عبدالجواد مجلة العربي يونيو 2002

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016