مختارات من:

الثقافات التقليدية عائق أمام نهوض ثقافي عربي

عبدالله الجسمي

هنالك بلاشك مجموعة من العقبات تحول دون إحداث نهوض ثقافي عربي تتجاوز فيه الأمة العربية واقعها الثقافي الراهن، الذي أوصلنا إلى مراتب متراجعة في معظمه عن ركب المدنية المعاصرة. فهناك طرق تفكير ومفاهيم وقيم وواقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وفكري.. إلخ، تقف حجرة عثرة أمام التطور الثقافي العربي، علاوة على قضية مهمة يمكن أن تضاف لها وهي الثقافات التقليدية التي تغلب على الواقع العربي، وتشكل عقبة حقيقية أمام الانصهار في ثقافة حديثة. فالثقافات التقليدية مازالت تنتشر في أرجاء الوطن العربي، وتعبر عن مرحلة ما قبل التحديث التي جرت في معظم الدول العربية، وخلفت في معظم الأحيان ازدواجية ما بين واقع مادي متطور من جهة، وواقع ثقافي لا يعبر عن العصر وثقافته ولا البنية التحتية الحديثة، من جهة أخرى.

تنتشر في الدول العربية ثقافات عدة يتباين طابعها بحسب طبيعة الدولة ومكوناتها وتاريخها وطبيعتها الجغرافية، وتكاد هذه الظاهرة أن تكون سمة لكل دولة عربية، حيث لم تفلح أي دولة في خلق ثقافة مشتركة أو عامة تستوعب الثقافات التقليدية فيها وتكون أنموذجًا يحتذى به من قبل الآخرين، يعبد الأرضية التي يمكن الاستناد إليها في خلق ثقافة نهضوية.

فعلى الرغم من المقومات الموجودة التي يمكن أن تدفع نحو أشكال وحدوية ثقافية، كون شعوب الدول العربية يتحدثون لغة واحدة ولهم تاريخ مشترك تقريبًا وأغلبيتهم يدينون بدين واحد، مع أقليات دينية أخرى، إلا أن كل ذلك لم يستثمر في خلق ثقافة تذيب الفوارق الثقافية الموجودة. ويمكن تحديد أبرز أوجه تلك الثقافات فيما يلي:

بعد انحسار الحركات القومية العربية تم تعزيز الدولة القطرية وبرزت الثقافة القطرية بشكل قوي محدثة شرخًا بين أبناء الشعب العربي، بحيث أصبح كل قطر له ثقافة وشخصيته المميزة. وقد دفع في ذلك طبيعة الأنظمة الحاكمة التي حرصت على ترسيخ القطرية، وخلق ثقافة تتسم بالخضوع والتسلط وتكوين شخصية ثقافية للقطر ترتكز على طبيعة النظام القائم ومن يحكمه، وتوظيف الأوجه الإبداعية والمبدعين كافة نحو هذا المحور للترويج للنظام ومن هو في الحكم.

ولعل أخطر ما نجح به من روج للثقافات القطرية هو دق إسفين بين أبناء الشعب العربي، بحيث أصبحت الشعوب العربية عبارة عن كيانات منفصلة تتنافس فيما بينها بطريقة تبعد في الكثير من الأحيان عن التنافس الشريف، وتعزز من ثقافة الإقصاء فيما بينها، والترفع بل وازدراء بعضها بعضا والتكبر والعنجهية في التعامل، ولا تتوانى في استخدام مظاهر العنف المختلفة فيما بينها للتعبير عن كراهيتها أحيانًا. ولعل أسطع الأمثلة على ذلك ما تفعله الرياضة، خصوصًا كرة القدم، عندما تتحول المباريات من تنافس رياضي إلى معارك سياسية وقطرية تصل إلى حد العنف والتشهير، وقد تؤدي لقطع العلاقات فيما بينها.

ومن الثقافة القطرية إلى الثقافة في القطر الواحد. ففي كل قطر عربي لا توجد هناك ثقافة مشتركة يمكن أن يلتف حولها أفراد دولة عربية ما. فعلى الرغم من ترسيخ الثقافة القطرية لكل دولة فإنها لم تنجح في إنهاء التباين الثقافي بين مكونات المجتمع، لأن معظم الأنظمة العربية اعتمدت على التشكيلات الاجتماعية (كالطائفية والقبلية والأقليات العرقية ... إلخ) في هيمنتها على الدولة والمجتمع، وعززت من قيمها الثقافية التقليدية مثل الثقافة الريفية والقبلية والطائفية والعرقية والحضرية، بحيث خلقت حالة من التفرقة والصراعات الاجتماعية والسياسية، وحولت كيان المجتمع والدولة إلى نظام من المحاصصة خصوصًا بعد تسييس التشكيلات الاجتماعية.

وكما هو معروف فقد تخللت هذه الثقافات أصناف شتى من العصبيات والمفاهيم الإقصائية، وتجذرت في بعض المجتمعات العربية لدرجة تحول بعضها، خصوصًا الطائفية، لأعمال عنف ومصادمات دموية أحيانًا كما حدث في لبنان وما جرى ويجري في العراق والسودان وغيرها.

وتعبر الثقافات التقليدية في المجتمعات العربية عن واقع سابق على الواقع الحالي الذي نعيشه، فمعظمها عبارة عن نتاج لعلاقة عدد من الشرائح الاجتماعية مع الطبيعة علاوة على الأسس والعلاقات الاجتماعية وقيمها السائدة بين مختلف الأفراد المنتمين لشريحة ما. وعلى الرغم من التحول الذي جرى في الأغلبية الساحقة من الأقطار العربية فإن هذا التغيير قد طال الجوانب المادية بالدرجة الأولى ولم يمتد إلى الجوانب الثقافية. فعملية التحديث استقرت على البنية التحتية ولم تتجاوزها للتحديث الثقافي، بل إن ما جرى في الفترة الأخيرة، خصوصًا العقود الأربعة الأخيرة، يعبر عن ردة ثقافية حقيقية تجاوزت سلبياتها الثقافية عددًا من السلبيات السائدة في ثقافة المجتمعات السابقة.

ومع الأسف لم نجد مجتمعًا عربيًا واحدًا لدولة ما استطاع أن يكون أنموذجًا لإذابة الفوارق الثقافية بين شرائحه المختلفة، فلو استطاع مجتمع ما أن يسير بعملية التحديث الثقافي بخطى ثابتة ويتجاوز الأشكال الثقافية التقليدية، لربما يصبح مجتمعًا رياديًا في إحداث تحول ثقافي حقيقي ويعطي بارقة أمل للشعب العربي في جميع أقطاره، لكن ذلك لم يحدث مع الأسف حتى هذه اللحظة.

الثقافات كمعيق للنهوض الثقافي

ليس التعدد الثقافي بذاته هو الذي يعمل كمعيق للنهوض الثقافي بل إن طبيعة الثقافات وأسسها التي تنطلق منها هي التي تمثل العائق الحقيقي لتحقيق ذلك. فلو تأملنا الثقافات المنتشرة في المجتمع العربي سنجدها تحوي مجموعة من الأمور تقف عائقا أمام تطورها أو اشتراكها في إطار معين، فهي ثقافات تفرقة وانقسام لا توحد. فأول ما يشار إليه هو طابعها الميتافيزيقي ، بمعنى أنها ثقافات تفتقر إلى الواقعية وحبلى بمفاهيم غير واقعية، وإذا وضعت في سياقها التاريخي فإنها تمثل المرحلة التي سبقت الحضارة العلمية الحديثة التي قامت في أوربا منذ عصر النهضة، وانتشرت في أنحاء العالم أجمع، فالقيم والمفاهيم السائدة في هذه الثقافات تقوم على أسس فئوية ونخبوية وتصنف الناس وتفاضل فيما بينهم بناء على معايير وهمية، وتجذر التمييز بين الأفراد وتعطي مكانة مميزة لفئة على حساب الفئات الأخرى في المجتمع.

وتتميز هذه الثقافات أيضًا بكونها تقوم على أسس ذاتية، أي الذات أو الأنا، لا على أسس موضوعية، فهي تأخذ الطابع الشخصاني، بحيث تشخصن الأمور ومجريات الواقع بطريقة تجعل من تفسيرها والنظر إليها ذاتية صرفة حسب الرؤية الخاصة لمن يراها. وتتضمن الثقافة القائمة على الذات إشكاليات عدة من أبرزها غياب استقلال الفرد، فالذات هنا جماعية، حسب الجماعة التي ينتمي إليها الفرد، وتقوم على قيم تأخذ صفة الإطلاق والتسليم التام بها، ولا مجال لنقدها أو تغيرها.

وهذا يقود إلى افتقار تلك الثقافات للموضوعية والأدوات التي يمكن أن تحققها من طرق التفكير العقلاني والعلمي المجردة من الاعتقادات أو القيم المتحيزة، فغياب ذلك يجعل من الصعوبة بمكان إيجاد أرضية مشتركة من أصحاب تلك الثقافات، من أجل خلق حالة من الاندماج في كيان سياسي كالدولة أو المجتمع.

وهناك مسألة مهمة تتعلق بالجوانب الفكرية التي تفتقر إليها تلك الثقافات . فهي لا تقوم على أسس فكرية معينة يمكن مناقشتها ونقدها وتحليلها بطريقة منهجية. فمصدر الثقافات يأتي - كما أشرنا- إما من العلاقة السابقة مع الطبيعة أو التشكيلات الاجتماعية المتباينة، وهذا بحد ذاته يخلق مشكلات جمة في التعامل الفكري معها. فغياب الأسس الفكرية للثقافة يقود إلى صعوبة تطويرها أو التجديد فيها، فالثقافات الدارجة سكونية الطابع مضى على العديد منها فترات زمانية طويلة ولا تزال تتوارث كما هي، إن لم تزدد سوءًا مع تقدم الوقت. فهي غير قابلة للتطوير أو بالأحرى لا يمكن أن تتطور كونها تنطلق من مسلمات غير قابلة للجدل، ولا يوجد أمامها سوى خيار التعصب للمحافظة عليها في ظل التطورات الجارية في العالم، أو تواجه الخيار الثاني وهو الاندثار، والخيار الأول ما زال سائدًا حتى الآن، لكن على المدى البعيد، فمصيرها الخيار الثاني.

ولم يتمكن المفكرون والعاملون في حقل الفلسفة بالوطن العربي من خلق تيار فكري أو فلسفي يصلح كأرضية لخلق ثقافة بديلة يتم من خلالها تجاوز الواقع الحالي. فهناك محاولات عدة جرت لنقد الواقع الثقافي العربي وتشخيص مشكلاته وتحليلها بشكل دقيق، لكن لم ترق تلك المحاولات لدرجة خلق بديل فكري عربي تحديثي يتجاوز الأزمة الثقافية الحالية التي تسببها الثقافات التقليدية ، ويفتح آفاقًا جديدة فكرية في المجتمع العربي. علاوة على ذلك مازال هناك من بين المفكرين العرب من يطرح مسألة التمييز ما بين الشرق والمغرب العربي، وكأن هناك حدًا فاصلًا بينهما، بحيث يتميز كل منهما بمدارس فكرية وفلسفية مختلفة عن الأخرى تعكس الواقع الحالي الذي تعيشه. فالبعض منهم يقتات على آراء الفلاسفة المسلمين، الذين انقسموا تقريبًا إلى فريقين، ويريد أن يجعل منها أساسًا للاختلافات التي مضى عليها قرون عدة، وكأن الثقافة القبلية والعرقية والطائفية والريفية والإقليمية موجودة في دول معينة دون غيرها، وكأن مشكلات الشرق وطريقة تفكيره تختلف عن الغرب العربي.. إلخ. ولم تقف الأمور عند التقسيمة التراثية بل تجاوزتها إلى طرح فلسفات إقليمية تتعلق ببعض الدول العربية، فهناك من أخذ ينظر لفلسفة قطرية يتجاوز من خلالها الواقع وطرق التفكير والقيم المتشابهة في المجتمع العربي ككل، ولا يصل ذلك التنظير حتى لتأسيس فلسفة عربية!

كيف يمكن تجاوز الثقافات التقليدية؟

هنالك إمكان كبير لتجاوز الثقافات التقليدية وإحداث تحول نوعي في الثقافة العربية يسمح من جهة بأن يُحدث المجتمع العربي ثقافيًا، ومن جهة أخرى يبقي على جوانب معينة من الثقافات السائدة حاليًا خصوصًا قيمها المتصلة بالهوية. فالمطلوب أولًا ثقافة ذات بعد واقعي تتجاوز الجانب القيمي الميتافيزيقي أو غير الواقعي الحالي، ويتضمن موضوعات وقضايا قادرة على تقريب الشرائح المختلفة في المجتمع وتبين أن ما يشترك به أفراده من قضايا ومشكلات واقعية أكبر بكثير من قيم التفرقة السائدة في الثقافات التقليدية ، بمعنى أن يكون مصدر الثقافة الواقع المادي ليست أوهامًا عرقية أو فئوية. وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال تبني العلم كأساس لبناء ثقافة تتسم بنيتها بالواقعية، وتتضمن أبعادًا موضوعية في تناولها لقضايا ومشكلات المجتمع العربي. والمطلوب أيضًا استبدال طرق التفكير السائدة التي عفا عليها الزمن بالتفكير العلمي وما تفرع عنه من طرق تفكير عقلانية ونقدية كحجر أساس لخلق ثقافة عصرية ذات طابع مدني. فطريقة التفكير هذه يمكن أن تعمل على إحداث تغيير ثقافي شمولي، لأنها طريقة جديدة من التفكير على المجتمع العربي يمكن من خلالها إعادة النظر في تفسير المشكلات والقضايا القائمة، وتصلح كركيزة لنهوض ثقافي عام تتجاوز الأشكال الفئوية من طرق التفكير التقليدية، كونها تتسم بالموضوعية وتغيب عنها الجوانب الذاتية، وتجعل المعرفة والحقائق مستقلة وليست ملكًا لطرف دون غيره.

ويمكن في هذا الصدد الاسترشاد بعصر النهضة الأوربية كأنموذج فعلي لإحداث نهوض ثقافي وعلمي. فالقارة الأوربية كانت تضم قوميات ولغات وثقافات متباينة، وعاشت ظروفًا من الردة والتخلف خلال العصور الوسطى إلا أنها استطاعت وبفعل العلم والتغيرات الاقتصادية، التحول للرأسمالية، وتغيير طرق التفكير وبروز المجتمع المدني، أن تحدث تغيرات ثقافية جذرية مهدت لنهوض شامل طال معظم بلدانها واستطاعت أن تقود العالم بشكل فعال حتى الحرب العالمية الثانية. كما قدمت خلال العقود الخمسة الماضية نموذجًا وحدويًا وهو الاتحاد الأوربي، تجاوزت فيه كل الاختلافات اللغوية والإثنية والثقافية.

نحو ثقافة مدنية

والسؤال الذي يطرح نفسه في ضوء ما سبق هو: ما هي الثقافة البديلة التي يمكن أن يلتف حولها الأفراد كي يتم تجاوز سلبيات الثقافات التقليدية الحالية من أجل إحداث نهوض ثقافي حقيقي في الوطن العربي؟ إن الثقافة البديلة بلا شك هي الثقافة المدنية التي تمثل الثقافة التي جاءت بها التطورات الحديثة منذ خمسة قرون تقريبًا. فهي ثقافة المدينة التي صنعها الإنسان بنفسه بعد انفصاله عن الطبيعة، ولا تتضمن أي أبعاد للتفرقة، بل تتضمن نظرة موضوعية للإنسان قائمة على المساواة في الحقوق والواجبات وتقوم على طرق التفكير الحديثة، العلمية والعقلانية في النظر للإنسان والواقع ومشكلاته، وتتجاوز المسألة الإقليمية أو القطرية إلى نظرية إنسانية شاملة ذات بعد حضاري. والميزة الفريدة في هذه الثقافة أنها لا تلغي معتقدات الأفراد أو ثقافاتهم الخاصة، بل تبقي عليها وتضعها في إطار لا تتجاوز فيه الجوانب الاجتماعية إلى مؤسسات المجتمع السياسية والاقتصادية والعلمية . والمقصود هنا بأن الثقافات التقليدية، في مختلف الأقطار العربية، هي السائدة وفي المرتبة الأعلى على الثقافة المدنية في الوقت الحالي، على الرغم من وجود بوادر جنينية للثقافة المدنية ومطالبات لفئات تسعى لأن تسود على أية ثقافة أخرى. فالمطلوب هو العكس بمعنى أن تُسيّر الثقافة المدنية المجتمعات العربية وتكون في المرتبة الأولى ومن ثم تأتي الثقافات التقليدية في مرتبة لاحقة، أو يتم التخلي عن العديد من قيم تلك الثقافات وخلق حالة من الاندماج ما بين قيمها الإيجابية وقيم الثقافة المدنية.

إن عملية النهوض أساسها ثقافي، فالثقافة السائدة في مجتمع ما تعكس طبيعة قيم المجتمع وتخلق البيئة التي تحتضن عملية التغيير، وإذا لم نستطع تجاوز الثقافات التقليدية وما تحتويه من قيم تعيق النهوض الثقافي فلن يكون هناك تغير حقيقي في مجتمعاتنا، فالثقافات التقليدية السائدة هي المعيق الحقيقي للتغيير، ولن تستقيم الأمور إلا بنقدها والتخلي عن مظاهرها السلبية التي أوصلتنا لما نحن عليه.

عبدالله الجسمي مجلة العربي مارس 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016