مختارات من:

د. مسعود ضاهر ود. محمد مراد

المحرر

التاريخ أخذ مكانته بتجاوز الأسطورة إلى الوثائق


يطرح هذا الحوار مع المؤرخ اللبناني د. مسعود ضاهر أسئلة تتصل بعلم التاريخ ومنهجيته، وبتاريخ لبنان والعرب الحديث بشكل خاص. فهل التاريخ علم أم أدب؟ وهل هو «رواية» للأحداث بمعنى من المعاني، وبذلك يكون وثيق الصلة بالأدب؟ وهل من العلم أم من الرومانسية القول بأن لبنان بحدوده الجغرافية الحالية كان موجودًا منذ أقدم العصور؟ وكيف نكتب تاريخه؟ وهل يمكن لكتابة علمية لتاريخه، بعيدة عن صراعات أهل الملل والنحل فيه، أن تساهم بإعادة الوحدة إلى أبنائه وفي انطلاقه نحو المستقبل؟ سؤال آخر يتصل «بهجرة الشوام إلى مصر» وهي هجرة شملت لبنانيين وشوامًا، كيف نقرأها اليوم قراءة باردة وموضوعية؟ أي دور كان لـ«الشوام» في بناء نهضة مصر المعاصرة؟ وهل كان هؤلاء الشوام مرتبطين بالأجانب أم كان منهم أيضًا وطنيون شاركوا في الحركة الوطنية المصرية؟

تنطلق هذه الأسئلة من تجربة مسعود ضاهر ومن اهتماماته. فله عدد من الكتب التي تتناول تاريخ لبنان منها: «تاريخ لبنان الاجتماعي»، و«لبنان الاستقلال والميثاق والصيغة» و«الجذور التاريخية للمسألة الطائفية»، وله كتاب عن «هجرة الشوام إلى مصر»، هو عبارة عن دراسة ميدانية أجراها في مصر تابع فيها هذه الهجرة وكانت حصيلتها هذا الكتاب.

ولكن للدكتور مسعود ضاهر شخصيًا «هجرة» أخرى إلى الشرق الأقصى. فقد درس في أكثر من كتاب سرّ تقدم اليابان والصين، ومن هذه الكتب: «النهضة اليابانية المعاصرة الدروس المستفادة عربيًا»، و«النهضة العربية والنهضة اليابانية: تتشابه المقدمات واختلاف النتائج». وقد حاز هذا الكتاب جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي كأفضل كتاب عربي في الإنسانيات للعام 2000.

نال د. مسعود ضاهر جائزة عبدالحميد شومان للعلماء العرب الشبان للعام 1983 ووسام المؤرخ العربي عام 1993، ثم وسام التاريخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب عام 1996م وقد منحه إمبراطور اليابان الوسام الذهبي للثقافة اليابانية عام 2010، كما منحته الصين رتبة سفير للصداقة بين الشعبين الصيني واللبناني عام 2011.

أجرى الحوار مع د. مسعود ضاهر د. محمد مراد، وهو أستاذ للتاريخ في الجامعة اللبنانية، وقد بدأ الحوار بسؤال عن منهجية التاريخ الاجتماعي، وأبرز خصائص هذه المنهجية.

علم التاريخ هو أكثر العلوم الإنسانية تعقيدًا لأنه يطال جميع نشاطات الناس من خلال علاقتهم بالمكان والزمان. وتعود أسباب التعقيد إلى النقص الحاد في الوثائق الأصلية لكثير من الحقب التاريخية، خاصة في التاريخ القديم والتاريخ الوسيط، وما دون من تلك النشاطات لا يشكل سوى جزء بسيط من الكم الهائل لأعمال البشر الذين قضوا دون أن نعرف الكثير من أعمالهم. ومع ازدياد حجم السكان في جميع دول العالم كانت قدرة المؤرخين على كتابة تاريخ شمولي ودقيق لجميع الشعوب شبه مستحيلة. وما كتب عن نشاط الناس متواضع جدًا بسبب نقص التدوين، وغياب الوثائق أو إتلافها. ومنها ما استند إلى رواية الغالب عن المغلوب من خلال أرشيف الدول الغالبة، وإلى روايات شفوية متناقضة وانتقائية وفيها الكثير من التحيّز والهوى، وتنقصها الدقة والموضوعية والشمولية. بعبارة موجزة، إن ما دوّن في كتب التاريخ اقتصر أحيانًا على أخبار الملوك، والمعارك، والأوبئة، والكوارث الطبيعية وغيرها وتركز على الشخصيات البارزة، وهذا ما دفع المفكر الفرنسي فولتير، إلى إطلاق عبارته الشهيرة عام 1773: «في كل ما قرأت لم أجد سوى تاريخ الملوك والقادة العسكريين، وأنا كلي رغبة لمعرفة تاريخ الناس، كل الناس». انتشرت في أوربا التي عرفت قبل غيرها ثورات سياسية وعلمية وفكرية، مفاهيم ومنهجية التاريخ الاجتماعي التي باتت اليوم الأكثر شيوعًا في كتابة التاريخ على المستوى الكوني.

ما هي الأدوات المعرفية التي يعتمدها المؤرخ في كتابته، وما هي مشكلات كتابة التاريخ العربي اليوم؟

- أخذ علم التاريخ مكانته الأكاديمية عبر أجيال متعاقبة من المؤرخين الذين تجاوزوا الأسطورة إلى الوثائق الأصلية التي تم الاحتفاظ بها في الأرشيف وشكّلت ركيزة صلبة لعلم التاريخ. فأصبحت الكتابة التاريخيةعنصرًا ثقافيًا بارزًا لتلافي ضياع الذاكرة الإنسانية وتشكيل الوعي الجماعي لدى جميع شعوب العالم، واستخراج الدروس والعبر من أعمالهم، الإيجابية منها والسلبية. وقد تداخلت الفنون الأدبية جميعها في كتابة التاريخ بالاستناد إلى الروايات الشفوية التي دفعت المؤرخين الأكاديميين إلى استخدام مصطلح «التأريخ بالرواية الشفوية» لتوصيفها، فهناك المذكرات التاريخية، والمسرحيات التاريخية، والأفلام الوثائقية أو التاريخية، والروايات التاريخية، وغيرها. وهي تستفيد من الروايات الشفوية لتبني عليها ما وصفه ابن خلدون «التاريخ بالخبر»، وهي منطلق لكتابة تاريخية عرفته جميع الشعوب، وتقدم مادة معرفية غنية بأسبابها ودلالاتها ونتائجها، وتظهر حركة المجتمع في تبدلاته المستمرة عبر الزمان والمكان، لكن أهميتها ترجع إلى أنواع الرواة، وتعدد الروايات، والتحقق من صحة الخبر، ودقة الراوي وصدقية الرواية، والتنبه إلى مغالط الرواة وما يستتبعها من تشويه للروايات الفردية أو الجماعية. وهنا تبرز أهمية المؤرخ في التحقق من الشخصيات لإثبات وجودها التاريخي في زمان ومكان محددين، فمنهجية التاريخ الاجتماعي في صلب حركة التأريخ العلمي التي لا تتوقف بصفتها سيرورة مستمرة لفهم جدلية العلاقة بين الأسباب والنتائج.

القمع والاستبداد من مشكلات التاريخ

أما مشكلات كتابة التاريخ العربي وإشكاليات وعي العرب بمستقبل تاريخهم في عصر العولمة، فقد شغلت حيزًا كبيرًا من أعمال المؤرخين النهضويين من أمثال قسطنطين زريق، وعبدالله العروي، وعبدالعزيز الدوري وغيرهم. وتمحورت أسئلة المؤرخين العرب حول ضرورة تجديد النهضة العربية بعد دخول الدول العربية مرحلة الاستقلال السياسي. ونبهوا إلى مخاطر المشروع الصهيوني، وحذّروا من أنظمة القمع، والاستبداد، وحكم الحزب الواحد، والوراثة السياسية. فلا مستقبل للعرب في عصر العولمة خارج شروط التوحد القومي على أساس احترام الإنسان العربي الحر كصانع للتاريخ، واعتماد الديمقراطية على المستوى السياسي، والليبرالية المراقبة على المستوى الاقتصادي، والتنوع والانفتاح على المستوى الثقافي. واتجهت أسئلة المؤرخين العرب لمواجهة تحديات عصر العولمة ضمن أطر منهجية جديدة أو متجددة بعد أن بقيت مقولات عصر النهضة حبرًا على ورق طوال مرحلة الاستقلال السياسي للدول العربية. وأبرز تلك الأسئلة: إشكالية الوعي بمستقبل العرب ودورهم في التاريخ العالمي، وسؤال الهوية القومية، أو ما يعبّر عنه بالتساؤل المنهجي «مَن نحن؟». كرّر المؤرخون العرب طرح سؤال: «لماذا تأخر العرب أو المسلمون وتقدم غيرهم؟». وقد استخدم باستمرار لتوصيف فشل العرب في بناء نهضتهم، فدخلوا القرن الواحد والعشرين وهم في حالة من التفكك المريع الذي يهددهم اليوم بتجزئة التجزئة أو بخضوعهم لشرق أوسط جدي أسوأ من اتفاقيات سايكس - بيكو الشهيرة. بالإضافة إلى السؤال عن مصير الدولة القومية الواحدة، والقيادة السياسية المتنورة، وإشكالية الحداثة السلمية التي تؤسس لحوار العرب مع الشعوب الأخرى من موقع الندية، وإشكالية نشر الديمقراطية في الوطن العربي أو ما يطلق عليه اليوم صفة «الربيع العربي».

ماذا عن البحث التاريخي في لبنان؟ هل هناك كتابة تاريخية علمية عنه؟
- تنقسم الجماعات اللبنانية إلى تسع عشرة طائفة دينية، وعدة قوميات، عربية وغير عربية كالأرمن، والأكراد، والسريان، والكلدان، وغيرهم. وتحاول كل منها كتابة تاريخها على أيدي مؤرخين منها، ما أنتج، في الغالب، دراسات تاريخية متنافرة تبدو فيها كل طائفة متقوقعة على نفسها دون أن تتفاعل مع الطوائف الأخرى. ولاتزال الكتابة التاريخية في لبنان أسيرة المرويات الشفوية في كتابة التاريخ السياسي والسير الذاتية والتراجم والتوثيق للأمثال الشعبية. وهي تفتقر إلى المنهجية العلمية في تقصي الحقائق والوثائق. ليست هناك مدارس تاريخية واضحة المعالم في لبنان. فبالرغم من انتساب غالبية المؤرخين اللبنانيين إلى مدرسة التاريخ الاجتماعي، إلا أن معظمهم يعتمدون منطلقات طائفية في كتاباتهم. وما يحتاج إليه لبنان هو كتابة تاريخ موضوعي ينبني على الوثائق الأصلية المستقاة من الأرشيف المحلي ووثائق الأرشيف العثماني والفرنسي والإنجليزي والروسي وغيرها. وذلك يتطلب إجراء مقارنة الوثائق بالمصادر المحلية، وتقديم إشكاليات علمية أكثر دقة للخروج من دائرة التحليل الطائفي المنتشر بقوة على الساحة اللبنانية. وقد زادت الحرب الأهلية ما بين عامي 1975 - 1989 في صعوبة الكتابة العلمية حول تاريخ لبنان المعاصر. وحدها الدراسات العلمية قادرة على تقديم حقائق علمية يمكن توظيفها وتطويرها في دراسات أكثر علمية وتوثيقًا.

كُتب تاريخ لبنان بطرق مختلفة لكن غالبيتها كانت طائفية. هل تعتبر أن تاريخ لبنان الحقيقي كتب فعلاً أم أن المهمة لم تكتمل بعد؟

- إن القول بوجود لبنان ضمن حدوده الجغرافية الحالية منذ أقدم العصور مسألة عاطفية لا تمت للبحث التاريخي بصلة. فمفاهيم الدولة، والوطن، والقومية، والاستقلال، والسيادة وغيرها هي مفاهيم حديثة ترقى في المشرق العربي إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. في حين أن تاريخ الشعوب التي سكنت المقاطعات التي شكّلت الدولة اللبنانية الحالية يرقى إلى قرابة خمسة آلاف سنة. وذلك يطرح مسألة علمية غاية في الأهمية عند كتابة تاريخ علمي موحّد يقدم لجميع طلبة المدارس في لبنان. فقد كانت المقاطعات اللبنانية منفصلة فعلاً بعضها عن البعض الآخر، لا بل متناحرة في معظم الأحيان. وكانت تخضع لنزاعات داخلية، وأطماع إقليمية، وغزوات خارجية، وبالتالي، فتاريخ «لبنان الموحد منذ الأزل» لا وجود له. وهو جزء لا يتجزأ من تاريخ بلاد الشام التي عرفت التجزئة الجغرافية والسياسية بموجب اتفاقيات سايكس - بيكو بعد الحرب العالمية الأولى. وباتت الدول المنشأة حديثًا في بلاد الشام تسعى جاهدة للحفاظ على الحدود التي رسمت لها في ظل دولة مركزية ضعيفة تخاف من التفكك تحت وطأة المشروع الصهيوني الزاحف بين الفرات والنيل. تحققت وحدة لبنان بصورة تدريجية وليس دفعة واحدة. وبعد تفكك السلطة المركزية في الحرب الأهلية التي بدأت عام 1975 ومازالت آثارها السلبية بارزة في النفوس والنصوص معًا، يشهد اللبنانيون ولادة مرحلة نوعية في كتابة تاريخ لبنان على أسس علمية تتحدث عن لبنان الواحد بجميع مناطقه وطوائفه. وهناك محاولات جديّة في هذا المجال قام بها ألبرت حوراني، وأدمون رباط، وكمال الصليبي، ونقولا زيادة، ومسعود ضاهر، ووجيه كوثراني، وأحمد بيضون وغيرهم، فسعوا إلى تخليص الكتابة العلمية من أسر الأيديولوجيا الطوائفية التي أفسدت البحث العلمي التاريخي وركّزت على نزاعات الطوائف المتناحرة. وشددوا على ضرورة الكشف عن الوثائق الرسمية والخاصة، وقراءتها على ضوء وثائق الأرشيف المتنوعة، كمدخل أساسي لفهم تاريخ لبنان الحديث والمعاصر على أسس علمية. لكن الجهود العلمية في هذا المجال، على أهميتها، مازالت متعثرة، فليست هناك مؤسسات لبنانية تساهم في الحفاظ على الأرشيف اللبناني وجمعه من مصادره ووضعه في تصرف الباحثين.

كتابة تاريخ لبنان مسألة وطنية

لكن كتابة تاريخ لبنان، خاصة كتاب التاريخ المدرسي الموحد، ليست مسألة تقنية، بل وطنية بامتياز. فبلد مزّقته الحرب الأهلية ونزاعات الطوائف بحاجة ماسّة إلى كتاب علمي ينمّي الروح الوطنية لدى اللبنانيين، ويساعدهم على التعرّف إلى الوقائع التاريخية، والكلفة المرتفعة للنزاعات والحروب الأهلية. كما يساهم في تنمية الانتماء والولاء للبنان الوطن الموحد بجميع مناطقه وطوائفه لدى الأجيال المتعاقبة من اللبنانيين، والتأكيد على وحدة اللبنانيين والعيش المشترك بين طوائفهم، وتعزيز الشعور بهوية لبنان الوطنية وانتمائه العربي، وإبراز التراث الثقافي والحضاري المشترك بين لبنان وأشقائه العرب في مختلف الحقب التاريخية، على أن يساعد أيضًا على تنمية روح التضامن الوطني والعربي، وتعريف الناشئة اللبنانية دور الحركات الإصلاحية والثورية في لبنان والدول العربية والعالم للتحرر من التسلط والطغيان والاستعمار. هذا بالإضافة إلى شرح العلاقة السليمة بين المواطن والسلطة على أساس مبادئ الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية. وبما أن التاريخ هو حقل الصراع الأيديولوجي بامتياز، فإنه ينمّي لدى الشباب اللبناني روح المقاومة ضد الظلم، ومواجهة الاحتلال وكل أشكال الظلم والاضطهاد، ويبرز صور البطولة والتضحية والشجاعة والوفاء للأرض والشعب والوطن التي مارسها اللبنانيون عبر حقب التاريخ.

ومن خلال بناء الذاكرة الوطنية تبرز أهمية التراث اللبناني المشترك والمنجزات المشتركة التي قام بها اللبنانيون من خلال تضامنهم وشعورهم بوحدة المصير، فتعليم التاريخ بصورة علمية رصينة يعزز ارتباط اللبناني بجغرافية بلده الموحدة، وينشر الوعي لدى الطلبة اللبنانيين بمخاطر المشروع الصهيوني على لبنان والمنطقة العربية من خلال التعريف بتاريخ الحركة الصهيونية وأطماعها التوسعية التي تجلّت بشكل واضح باحتلال فلسطين، وتشريد شعبها، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي العربية المجاورة لها في جنوب لبنان، ثم العاصمة بيروت وأكثر من نصف مساحة لبنان، وارتكاب أبشع المجازر على أرضه. فكتابة التاريخ العلمي تؤسس للمواطنة السليمة، ويتعرف فيها اللبنانيون على نضال الشعب اللبناني والشعوب العربية في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والمشروع الصهيوني بكل الوسائل المتاحة لديهم. وليس من شك في أن كتابة التاريخ على أسس وطنية سليمة تساهم في نشر الوعي بأهمية القيم الدينية في لبنان، خاصة المسيحية والإسلامية، كمصدر أساسي لنشر المبادئ الأخلاقية والإنسانية التي تتنافى مع جميع مظاهر الطائفية والتعصب الديني والعرقي. واللبنانيون مدعوون إلى استخلاص الدروس والعبر من الآثار السلبية التي خلفتها النزاعات بين اللبنانيين، والتي مازالت تهدد وحدة لبنان واستقراره. والتنبه إلى دور القوى الأجنبية في كثير من الأحداث الدموية التي عرفها لبنان منذ القرن التاسع عشر بسبب تدخلها المباشر في النزاعات اللبنانية، دون التقليل من دور بعض الزعماء اللبنانيين في الإساءة إلى تاريخهم ووطنهم.

تاريخ لبنان العلمي لم يُكتب بعد

لدي قناعة بأن تاريخ لبنان العلمي لم يكتب بعد. وليست هناك كتابات تاريخية علمية أبرزت التضحيات الكبيرة التي حققها الشعب اللبناني بصموده الرائع في الدفاع عن وطنه. على العكس من ذلك، أفرزت الحرب ثقافة طائفية مجوّفة وفارغة من أي مضمون عقلاني أو وطني. فلعبت دورًا ملحوظًا في ضرب الوعي الوطني، وتشجيع الانغلاق الطائفي والمذهبي، وتنشيط مؤسسات لبنانية مذهبية في مختلف مجالات الإعلام والإعلان والثقافة التي تعيق وحدة اللبنانيين على أسس وطنية تتلاءم مع متطلبات عصر العولمة وثقافته الكونية. ويعاني اللبنانيون اليوم نظامًا سياسيًا لم يتطور من داخله، وكان عصيًا على تغييره من الخارج لأنه نظام لبناني بأبعاد كوسموبوليتية تحصّنه من رياح التغيير القسري. وباتت السياسة الطوائفية خطرًا داهمًا يعيق عملية التغيير الديمقراطي في لبنان بسبب غياب الانتماء الوطني الشامل الذي ناضل من أجله اللبنانيون في معركة استقلال لبنان، وسيادته ووحدة أرضه وشعبه.

مَن يقرأ مسيرتك الثقافية يلاحظ مدى رغبتك الدائمة في اكتشاف مجالات جديدة للكتابة، فبعد رحلة طويلة من البحث العلمي في تاريخ لبنان، والتي أسفرت عن صدور أكثر من سبعة كتب، انتقلت إلى البحث في الثقافة المقاومة، ومشكلات بناء الدولة، والهجرة، والبداوة وغيرها. وأثار كتابك «الهجرة اللبنانية إلى مصر، هجرة الشوام»، اهتمام الباحثين نظرًا لغزارة الوثائق الأصلية فيه، ودقة المعلومات. كيف تنظر إلى تلك المرحلة بعد ربع قرن على صدور الكتاب؟
- أود الإشارة أولاً إلى صدور طبعة ثانية للكتاب عن «دار الشروق» بالقاهرة عام 2009 بعد قرابة ربع قرن على صدور الطبعة الأولى عن الجامعة اللبنانية عام 1986. فلاقى ترحيبًا كبيرًا، وكتبت عنه مقالات عدة تمتدح منهجيته العلمية الدقيقة. ما يعنيني في هذا الكتاب أنه طرح منذ ربع قرن أسئلة منهجية لا يستطيع المؤرخ المعاصر تجاهلها. من هم الشوام؟ من أين جاءوا؟ وماذا كان دورهم في مصر؟ وماذا كان موقف الشعب المصري منهم؟ ولماذا اعتبر بعضهم شركاء للأجانب في نهب ثروات مصر؟ ولماذا لم يندمج كثير من اللبنانيين في المجتمع المصري، بل حافظوا على عصبيتهم الطائفية، ومنهم مَن فضّل مغادرة مصر إلى أمريكا وكندا وأستراليا على البقاء في مصر بعد صدور قرارات التأميم؟

شكّل هاجس البحث عن الحرية قطبًا جاذبًا لعدد كبير من المثقفين اللبنانيين في القرن التاسع عشر. فاتجهوا إلى مصر بسبب مناخ الحرية النسبية التي عرفها اللبنانيون في زمن حكم محمد علي لبلاد الشام، وما تركه من إصلاحات مهمة في المجالين الاقتصادي والثقافي. فأسس لحركة كبيرة تركت بصماتها في أكثر من منطقة عربية. ونظرًا لمناخ القمع والإرهاب الذي ساد في بلاد الشام زمن السلطان عبدالحميد الثاني، اجتذبت مصر نخبًا ثقافية متميزة من المهاجرين اللبنانيين من ذوي الكفاءة العلمية العالية، ومنهم من كان يتقن أكثر من لغة عالمية حية. وتشير هجرتهم إلى مصر التي تكثفت منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين، إلا أن عددًا كبيرًا منهم عمل في الصحافة، والأدب، والفنون. وأقاموا صلات وثيقة بأبناء الجاليات الأوربية، فيها، وكانوا من أكثر المستفيدين من حركة التغريب التي فاخر بها الخديو إسماعيل عندما رفع شعار: «لم تعد مصر جزءًا من إفريقيا، بل باتت الآن قطعة من أوربا». فاستقطب ذلك الشعار آلاف المهاجرين، من العرب والأوربيين. وحظي اللبنانيون بحصة كبيرة في مجالات متنوعة، وبنسبة تفوق كثيرًا حجمهم العددي بالقياس إلى الجاليات الأخرى. وقدّرت ثروات الشام قبيل الحرب العالمية الأولى بحوالي 10% من الدخل القومي المصري.

مصر أسست لمشروع تحديثي أفاد من نهضة أوربا

لقد أحب اللبنانيون مصر واندمج بعضهم في المجتمع المصري. آنذاك، كانت قدرة مصر كبيرة على استيعاب جماعات متزايدة من المشرق والمغرب العربيين، ومن دول أوربية عدة. كانت مصر تؤسس لمشروع تحديثي استفاد من مقولات النهضة الأوربية في المجالين الاقتصادي والاجتماعي مع تجاهل شبه تام لمقولات الإصلاح السياسي. فبرز مئات المفكرين والكتّاب والصحفيين والفنانين الشوام الذين احتضنتهم مصر واستوعبت طاقاتهم الإبداعية. وكان دورهم كبيرًا في مجال الصحافة، والمسرح، والسينما، والترجمة، والفنون وغيرها. وشهدت مصر تحوّلات اقتصادية كبيرة سمحت للشوام بأن يلعبوا دور الوسطاء المقبولين من أصحاب الرساميل الأجنبية ومن أصحاب الرساميل من المصريين. ومنهم مَن عمل بصورة مستقلة وجمعوا ثروات طائلة كانت الفرصة مؤاتية للشوام الوافدين إلى مصر لأنهم امتلكوا المؤهلات والمهارات والإمكانات والكفاءة الشخصية، وأتقنوا لغات حديثة. وكانت لهم معرفة جيدة بالغرب وثقافته، وخبرات تجارية وصناعية حديثة. فلعبوا دورهم بإتقان، فأفادوا مصر واستفادوا منها. لم يكونوا عملاء للأجانب بل كان منهم مفكرون كبار، وأدباء، وشعراء، وأطباء، ومحامون، وصحافيون، ومسرحيون، وفنانون، ومناضلون، وسياسيون دافعوا عن حرية مصر وكرامة شعبها. وقد أهديت الكتاب إلى أنطون مارون، ورفيق جبور اللذين قتلتهما الاستخبارات البريطانية بسبب مواقفهما الوطنية المناهضة للاحتلال البريطاني.

نحن بحاجة ماسة إلى دراسة التراث المهم لمفكّري عصر النهضة ومقولاتهم الإصلاحية في كيفية بناء الأوطان. فهناك أسماء كبيرة تركت بصماتها على تاريخ العرب الثقافي في العصر الحديث من أمثال: شبلي الشميل، وفرح أنطون، وأديب إسحق، وخليل مطران، وجرجي زيدان، ويعقوب صروف، وفرنسيس المراش، ومي زيادة، وجورج أبيض، وآسيا داغر، ونجيب الريحاني، وعشرات غيرهم. فشكّلوا نخبة متميزة من الرواد العرب الذين احتضنتهم مصر وكان منهم نسبة كبيرة من اللبنانيين بخاصة والشوام بشكل عام.

وأدت الجامعات والطباعة والصحافة وحركة الترجمة والتعريب دورًا مهمًا في تحقيق التفاعل الإيجابي بين النخب العربية والثقافات الأوربية. وبدأ الفكرالعلماني يطرح إشكاليات جديدة على العقل العربي حول العلاقة بين العقل والنقل، والعلم والدين، والديمقراطية والشورى، والدين والدولة، والأصالة والمعاصرة، وكثير غيرها. وقد نصح المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي بدراسة معمّقة لتراث عصر النهضة حين قال: «نحن بحاجة إلى استعادة روح رجال النهضة وما تميّزوا به من جرأة وصدق وتفاؤل».

وماذا عن هجرتك الثقافية إلى الشرق الأقصى التي بدأت باليابان ثم اتجهت بعد ذلك نحو الصين؟
- في القرن التاسع عشر شهدت كل من مصر، والسلطنة العثمانية، واليابان، وروسيا، وغيرها من دول العالم ضغوطًا مباشرة من الدول الصناعية ذات التكنولوجيا الحديثة، والعلوم العصرية، خاصة في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية. فشكّلت منطلقًا لاستعمار عدد كبير من دول العالم في القارات الخمس. لكن اليابان وحدها نجحت في الرد على التحدي الغربي، وبأسلحة التحديث الغربية بعد استيعابها وتطويرها. فتحولت بسرعة إلى دولة إمبريالية عالمية تحكمت بمصائر شعوب الشرق الأقصى بين الحربين العالميتين. وحتى الربع الأخير من القرن العشرين كان هناك غياب ثقافي شبه تام للدراسات التاريخية الأكاديمية على الساحة العربية حول ما يجري في اليابان وباقي دول الشرق الأقصى. فكان لابد من دراسة هذه التجربة والاطلاع المباشر على ما قدمه الباحثون اليابانيون حول سيرورة التحديث في بلادهم. وقد أتيحت لي الفرصة للقيام بهذه المهمة بدعم من المؤسسات الثقافية والأكاديمية اليابانية. وبعد إقامة في اليابان بصورة متقطعة لأكثر من ثلاث سنوات، ورحلات علمية مستمرة إليها، تبين لي أن الدراسات اليابانية عن تجربة بلادهم جديرة بالاهتمام، لأنها تحمل مقولات نظرية تختلف جذريًا عمّا نشرته الدراسات الغربية التي تنظر إلى تجربة التحديث اليابانية بعيون غربية تفتقر إلى الموضوعية. وهي لا تعيد الفضل الأول في نجاح اليابان لشعبها، بل لدعم الغرب لها، واقتباس اليابانيين لمقولات التحديث الغربية.

كيف نجحت اليابان في دخول المعاصرة

كان لابد من توضيح العلاقة بين التحديث المسند إلى اقتباس علوم الغرب العصرية، وبين الحداثة من حيث هي استيعاب للعلوم العصرية والمشاركة بالإبداع فيها على المستوى الكوني، فالتكنولوجيا محايدة، لذلك لم أطرح المسألة على مستوى ثنائية قبول أو رفض اليابان للعلوم الغربية، بل كيف نجحت اليابان في اقتباس التكنولوجيا الغربية وتوطينها ثم الإبداع فيها وفق نموذج تقني ياباني أثبت نجاحه في تحقيق ما عرف لاحقًا بالمعجزة الاقتصادية اليابانية؟ ودلت تجربة اليابان على أن إدخال العلوم العصرية والتكنولوجيا الغربية إلى البلدان الأخرى لا يحقق الأهداف المتوخاة منها إلا بمقدار توطينها في المجتمعات المنقولة إليها.

هكذا نجحت اليابان في دخول المعاصرة من بابها الواسع دون أن تتخلى عن تراثها الثقافي التقليدي، أو تتبنى مقولات غربية لتجعلها قواعد متبعة في الحياة اليومية اليابانية. واستفادت من كثرة النماذج الفكرية والنظم السياسية الغربية المتنوعة لتختار منها فقط ما يتلاءم مع مكونات المجتمع الياباني. وحافظت على استمرارية قيمها الروحية والأخلاقية إبان عملية التحديث وبناء الركائز المادية للمجتمع الياباني مع الانفتاح الدائم على العلوم العصرية المتطورة. وشددت في دراساتي الكثيرة عن اليابان على وجود نهضة يابانية أولى امتدت من إصلاحات الإمبراطور مايجي حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان الجيش الياباني المستفيد الأول منها، فحمى اليابان من مخاطر الاحتلال الأجنبي الذي لحق بدول الجوار الآسيوية. وحققت الرأسمالية اليابانية تراكمًا اقتصاديًا وماليًا كبيرًا تم توظيفه لمصلحة نزعة عسكرية يابانية قادت إلى حروب توسعية بتوجه إمبريالي واضح. فانتهت تجربة التحديث الأولى بهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية، وخضوعها، ولأول مرة في تاريخها، للاحتلال الأمريكي المباشر.

إن صورة اليابان الزاهية التي تنشرها وسائل الإعلام العربية لا ترجع إلى تجربة التحديث الأولى كما يعتقد معظم الباحثين العرب، بل هي نتاج تجربة التحديث الثانية التي بدأت في النصف الثاني من القرن العشرين. وهي مستمرة حتى الآن، وقد وظّفت التكنولوجيا في خدمة المجتمع والاقتصاد والشعب الياباني، ومنعت تجدد النزعة العسكرية فيها. فاحتلت اليابان المرتبة الثانية في الاقتصاد العالمي. لكن الفكر العربي بقي أسير نظرة سكونية لم تتفاعل بعمق مع هذه التجربة الرائدة في إقامة التوازن بين التراث والمعاصرة، بين التراكم الاقتصادي والإنجازات النوعية التي حققها اليابانيون للحضارة الإنسانية الشمولية، بين التوظيف في تقوية الجيش والتوظيف في الإنسان بصفته الرأسمال الأكبر وصانع جميع حركات التحديث الناجحة.

أذكر في هذا المجال أن العرب في العقد الأول من القرن العشرين بدأوا، أفرادًا ومؤسسات ثقافية، يبذلون بعض الجهد العلمي لمعرفة الأسباب الحقيقية لنجاح تجربة التحديث اليابانية ومدى الاستفادة منها لتوليد مشروع عربي نهضوي جديد. وكان آخرها ندوة «مجلة العربي» بالكويت تحت عنوان «العرب يتجهون شرقًا» في 25 و26 يناير 2011.

حوّلت النهضة المبنية على أسس سليمة اليابان إلى واحدة من أكثر دول العالم تطورًا في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي مع احتفاظها الثابت بتراثها الروحي وتقاليدها المميزة. ولعل أبرز الدروس المستفادة منها أن القيادة السياسية المتنوعة لعبت دورًا بارزًا في عملية التحديث الشامل، لأنها جنّبت المجتمع الصراع الدموي بين القديم والحديث، لكنها ركزت على تحديث الجيش على حساب تحديث المجتمع. وبالرغم من وقوعها تحت الاحتلال الأمريكي أسست لنهضة اقتصادية جعلتها في المرتبة الثانية عالميًا. مع ذلك، تتبدى صورة اليابان اليوم كعملاق اقتصادي تراجع إلى المرتبة الثالثة في العام 2010 لمصلحة صعود الصين مكانها. فاليابان بلد منزوع السلاح يتجرأ على مياهه الإقليمية حتى أضعف جيرانها ككوريا الشمالية، وتمارس السياسة من موقع التابع للإســـتراتيجية الأمريكية. وهذه الصورة لا تغري الكثير من المثقفين العرب.

في اعتقادي، أن تجربة اليابان تقدم دروسًا مفيدة للعرب بضرورة احترام الإنسان أولاً لأنه عماد النهضة، واعتماد التكنولوجيا المتطورة والعلوم العصرية لمواجهة تحدي الرأسمالية في عصر العولمة حيث الغلبة للوحدات الجغرافية الكبيرة، وللكارتلات الاقتصادية، والمالية، والإعلامية، والثقافية العملاقة. وفي حين يحاول الأمريكيون وراثة القرن الأوربي والتأسيس لعصر أمريكي طويل الأمد عبر السيطرة العسكرية المباشرة على التاريخ الكوني، تأكد غالبية الباحثين الإستراتيجيين أن القرن الواحد والعشرين سيكون قرنًا آسيويًا بامتياز. ويبقى السؤال الأهم الذي يعيد المؤرخون العرب طرحه باستمرار: ما هو دور البحث العلمي التاريخي العربي في تحليل مسيرة التاريخ العالمي، في النظرية والتطبيق؟ وما هو دور العرب في صياغة تاريخهم الإقليمي بحرية، لكي يكون لهم دور فاعل في النظام العالمي الجديد؟ ومالم يتعلم العرب مواجهة تحدي الغرب باعتماد التكنولوجيا المتطورة، والعلوم العصرية، والثقافة الشمولية مع الحفاظ على الهوية الثقافية العربية على غرار ما فعلت اليابان والصين والهند التي جعلت القرن الواحد والعشرين قرنًا آسيويًا بامتياز، فسيطول انتظار النهضة العربية، وتتعرض المجتمعات العربية الراهنة لمزيد من التفكيك، والأمية، والبطالة، والتصحّر، والهجرة.

المحرر مجلة العربي مارس 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016