مختارات من:

الرصيد العربي

محمد المنسي قنديل

حدث هذا في عصر السلطان قلاوون.

انحدرت السيول العاتية من جبال مكة فاقتحمت الأرض العطشى والأبنية الواهنة حتى وصلت إلى قلب الحرم المكي الشريف وحاصرت الكعبة ونالت من أحجارها.

وعندما وصل الخبر إلى شوارع القاهرة انتاب الناس الفرع العظيم. بدا الأمر أمامهم كأنه إحدى علامات القيامة في أوضح صورها. صرخ الرجال وولولت النساء وهرع الجميع إلى الشوارع.. ثم تجمع الحشد تحت أسوار القلعة حيث يجلس السلطان في قصره الأبلق وهم يهتفون في السلطان حتى يتدخل لإنقاذ بيت الله.

كانت الخزانة مفلسة من كثرة الإنفاق على الحروب وقمع التمردات. ولكن السلطان أخرج من ماله الخاص مبلغا ضخماً.. وأسرع الناس يلقون بدراهمهم. وتطوع البناءون والنجارون والرخامون ولم تهدأ حركة المدينة إلا بعد أن تجمعت قافلة ضخمة ضمت كل معدات البناء والتشييد.. وكانت هذه أول قافلة من نوعها تضم من الصنايعية أكثر مما تضم من الحجاج أو الجنود وتوجهت جميعا إلى بلاد الحجاز لإنقاذ بيت الله من قبضة السيول.

وبعد حوالى سبعمائة عام من هذا التاريخ.. ضربت الزلازل بيوت مصر المحروسة. كانت بكل المقاييس زلازل متوسطة القوة ولكن في مدينة قديمة ومزدحمة مثل القاهرة تحول الأمر إلى مأساة. وفي حوالي 42 ثانية تهدمت البيوت وغارت الأرض، وتشققت المباني الأثرية التي قاومت عواتي الدهر، ووجد آلاف أنفسهم بلا مأوى..

لقد أثار الزلزال ومازال يثير الكثير من الأحزان. ولكن مصر اكتشفت من خلال هذه الأحزان رصيدها العربي. بدا كأن الزلزال لم يحدث في شوارعها فقط ولكنه ضرب كل الشوارع العربية. ولم يحس فقط أهل مصر بالفزع ولكن القلوب العربية أصابها مس من الرجف. لم يظهر الأمر فقط في تلك المساعدات التي أسرعت الدول العربية بإرسالها، ولكن في شعور الصدمة التي عمت المواطن العربي حين عرف ما حدث لإخوانه في مصر. لقد تخطت هذه المشاعر كل الخلافات السياسية التي مازالت تلتهم جهودنا وتبدد قوانا.. وبدا ذلك الرباط الخفي الذي يعبر طبقات الأرض السفلى ويعيش في المنطقة الدائمة من الوعي العربي.. منطقة تبدو فيها الحدود السياسية ندوبا باهتة فوق الجسد العربي المتواصل الذي يتألم في إيقاع واحد.. ويشعر بالحنين في رعشة واحدة.

اكتشفت مصر أنها لم تحارب ولم تضح عبثا.. ولم تتلق أولى ضربات الغزو الغربي ولم تبق رايات الجهاد المرفوعة عبثا. لقد حملت من التاريخ أثقله، ومن المحن أشدها صعوبة، ومن الآلام أمضها للنفس. وتحول كل هذا إلى رصيد حي، رصيد لا ينضب لأنه يستمد أرقامه الخفية من كل سنوات الزمن العربي الموغل في القدم.

محمد المنسي قنديل مجلة العربي فبراير 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016