مختارات من:

الإدارات البيئية العربية هل هي في غيبوبة؟

عادل عوض

قضية..


إن أية إساءة للطبيعة أو مجزرة أو كارثة طبيعية في أي مكان من العالم هي إساءة للعالم بأسره مادامت الآثار السلبية الناجمة عن ذلك مرشحة للوصول إلى الطرف المقابل من العالم، وهذا يعني أن آثار التلوث وتدهور البيئة لا تقف عند حدود معينة ولا تطال نظاما أو بلدا بعينه، بل هي مشكلات إنسانية مادام الإنسان ككائن مسئولا عن توليدها.

صحيح أن حجم المشكلة ونوعها وأسلوب حلها يختلف بين بلد وآخر وقارة وأخرى، كأن تكـون المشكـلات الكـبرى النـاتجة عن الاستثمار الصناعي الضخم وما ينجم عنه من إخلال بطبقة الأوزون وانتشار لظاهرة " الانحباس- الدفيئة" والنفايات الصناعية ومخاطر الإشعاعات النووية، تعني الدول الصناعيـة المتقدمة أكثر مما تعني الدول النامية والعربية التي تعنيها المشكلات المتعلقة بازدياد السكان والمحافظة على الموارد الطبيعية. إلا أن هذا لا يعني أن هناك فرزا وتخصيصا لمشكلات تخص هذا الجزء من العالم ولا تخص غيره، فالمشكلات البيئية ما لم تقف آثارها ونتائجها المدمرة عند الحدود الإقليمية لهذه الدولة أو تلك فإن هذا يعني أن هناك مسئولية جماعية عالمية عن الوضع البيئي المتدهور الذي وصلنا إليه اليوم، مسئولية يتفاوت مقدارها بين قارة وأخرى وقطر وآخر، إلا أن الجميع في النهاية لهم بها صلـة. مسئولية تقتضي أن تقف دول العالم بأسره وقفة تأمل مع الذات لتدرس إلى أي مدى تساهم في تلويث بيئتها المحلية وبالتالي البيئة العالمية، وإلى أي مدى وصل الوعي البيئي لدى أفرادها، وما هي الإجراءات التي تتخذها أو تنوي اتخاذها أو تهملها بالكامل والتي تؤدي بالنهاية إلى أن تتعامل مع البيئة بطريقة رشيدة فيها من الاحترام الشيء الكثير للنفس أولا، وللطبيعة ولموازينها، وفي النهاية للبيئة الطبيعية والكون بأسره، وحقيقة فـإن الكائن البشري وبالتالي الدول مضطرة إلى مثل هذه النظرة والسلوك إذا شاءت ألا تعجل بنهاية العالم.

غيبوبة بيئية عربية

عربيا، وإن كنا نلمس حجما كبيرا وخطورة أكيدة للمشكلات البيئية المستمرة أو الطارئة، فإننا نلاحظ في الوقت نفسه أن هناك ما يشبـه الغيبوبة، في التعامل مع قضايا البيئـة وآثارها ونتائجهـا ومشكلاتها، تظهر في صورة غياب الاهتمام الجدي المسئـول والمفترض. ولا يحمل هذا الاهتمام إلا صورة اليقظـة الفردية المستمرة لعلماء تحسسوا هذه المشكلات وأدركوا قبل غيرهم خطورتها محليا وعالميا، أو صـورة الاهتمام الرسمي القاصر عن التصدي والـذي لا يفوت فرصة ركوب موجـة الاهتمام العالمي بالقضـايا البيئية عن طـريق النشاطات الإعلامية والـدعائية، وتنظيميـا نلاحظ أنـه في الدول العـربيـة المعنية تم تخصيص وزارات وأجهزة لحـمايتها وتطويرها، ومع ذلك وعند التنفيذ نجد أن المواقف والأفعـال لا ترقى إلى مستوى الموقف الراسخ الذي يشكل المصداقية المطلوبة على أرض الواقع الملموس.

كذلك نلمس في بعض الدول العربية إهمالا بارزا للمشكلات البيئيـة لاعتبارات عـديدة، كـالمشكلات الأمنية أو المشكلات الاقتصادية الضاغطة أو بصورة اللامبالاة المترفة والمبذرة.

أهم المشكلات البيئية العربية

إن المشكلات البيئية في الوطن العربي تنطلق عموما من مشكـلات الضغط السكـاني في بعض الأقطـار العربية كمصر والأردن ولبنان وتونس والمغرب حيث يفوق النمو السكـاني معـدلات الزيادة في الإنتاج، وهذا يؤدي إلى هبوط في مستوى المعيشـة. وفي غيرها من الأقطار تؤدي قلـة الأيـدي العـاملة إلى النتيجـة نفسها، وبينما يوجد نقص في الأرض الزراعية بالنسبة لسكان الأقطار الأولى، نجد أن ملايين الدونـمات في الأقطار الأخيرة محتاجة للسواعد التي تحرثها والتي ترفع من مستوى اقتصادها. إن الكفاية الإنتاجية لأقطار الوطن العربي لا تتفق مع مساحته الشاسعة كـما لا يتفق عدد سكـانه مع تلك المساحـة، وذلك لأن معظم مساحة هذا الوطن صحاري قاحلة تتناثر فيها الواحات، وحتى في الأرض القابلة للزراعـة تختلف ويتفاوت مستوى القدرة الزراعية والفنية ومستوى الكثـافـة في أقطار هـذا الـوطن، ويمكن أن نقول إن الوطن العربي في مجموعه لا يعاني من مشكلة اكتظاظ السكـان ولكنـه يعاني من سـوء توزيـع السكـان، ومشاكله ومشاكل أقطاره الأخرى المفتقرة إلى السكان لا يمكن أن تحل إلا على أساس اعتبار هـذا الوطن وحـدة واحدة، محتاجة للتنظيم والتخطيط السكـاني، ولهذا المنطلق من التفكير صلة واضحـة بمشكـلات البيئة وحتى تشابه في نوع المشكلات البيئية أيضا التي تعـاني منها الـدول العربيـة فحيث يقل عدد السكـان نلاحظ التوسع المفرط في الزراعات. وإزالـة الإحراج وتجفيف المستنقعات والإكثـار من استعمال المبيدات الكيميائية. وحيث يكثر عدد السكان تبرز مشكلات التصحر وتآكل التربة والجفاف والفقر وما شابه ذلك. إلا أنه عموما يمكننا أن نقول إن المشكلات البيئية في بلدان الوطن العربي تتزايد بوتائر عالية بسبب الفقر والجهل والجفاف، وكذلك بسبب التمدين العشوائي الخدمي والصناعي والسياحي، هذا التمدين المترافق بـزيـادة سكـانيـة كبيرة. ويمكـن أن نلخص أهم المشكلات البيئية العربية بما يلي:

* نقص الميـاه: تعـاني معظم بلدان منطقـة الشرق الأوسط من عدم كفاية المياه، وقـد حذر الدكتور مصطفى طلبة المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة من احتمال نشوب نزاعات في الشرق الأوسط ومنـاطق كثـيرة من العالم بسبب تقاسم الموارد المائية المحدودة. ومع أن مصادر مياه الشرب لا تكفي إلا أن بعض الـدول العربية تعامل المصادر المائية كالأنهار معاملة مقالب القمامة.

* التلوث البحري: أصبح البحـر الأبيض المتوسط مهـددا بـالموت نتيجة تلوثه الكثيف إذ تتسرب إليـه سنويا كميات هائلـة من الرواسب قدرتها "الخطـة الزرقاء" التي وضعها برنامـج الأمم المتحدة للبيئة بنحو مليار طن. وتنبعث إلى أجوائه كميات كبيرة في ملوثات المصانع العديدة المقامة على سواحله. وبذلك تتدهور أوضاع الثروة البحرية فيه بشكل خطير نتيجة تراكم الترسبات والنفايات المنزليـة والصناعية وتسرب النفط من نـاقـلات النفط التي تسجـل فيـه حركة كثيفة جدا. وتفقد الأراضي المنتجة الواقعة على سواحله خصوبتها بفعل الملـوحة، وتدمر الغابات وتتدهور نوعية الحياة في المدن الكبيرة والواقعة على سواحله بسبب عمليات البناء العشوائية.

وتلـوث الشواطئ وميـاه البحر أمر واضح في سورية وفي تونس وفي المغـرب حيث تتسرب كميات كبيرة من النفط قبالة السواحل المغربية مما يهدد الثروة البحرية وموسم السياحة اللذين يوفران موارد رئيسية للاقتصاد المغربي ويـؤمنان معيشة عدد كبير من السكان. وكذلك الأمر في الجزائر التي تنفق الكثير من الأموال لتطهير المناطق الساحلية من التلوث، وقد أكد طلبة أن مياه الخليج العربي تعـد أكثر تلوثا من أية مساحات مساوية لها في العالم بمعدل 43 ضعفا.

* تآكل التربة والتصحـر: وهذه ظاهرة عامة في جميـع البلدان الزراعية تقريبا في الشرق الأوسط. إذ يكثر استخـدام المبيدات الزراعية على نطاق واسع وبأسلوب غير منظم مما يـؤدي إلى تغيير كبير في الخواص البيولوجية للتربة وتآكلها واتسـاع وانتشار ظاهرة التصحر.

وهذا أمر يمكن ملاحظته بوضوح في معظم - إن لم نقل جميع - البلدان العربية "مصر، الجزائر السعودية". وفي تونس مثـلا يبلغ عدد الخسـائر السنوية على صعيـد الأراضي المنتجـة (29) ألف هكتار من أصل 9 ملايين هكتـار، ويتلف تآكل الأراضي 10 آلاف هكتار والفيضانـات نحـو ألف هكتار، وفي المغـرب طرحت مشكلة التصحـر بحدة بعد أن ألحق التصحر أضرارا كبيرة بـالزراعات وسبب هجـرة كثيفة من الأرياف إلى المدن المكتظـة بالسكـان بحثا عن مورد للرزق، وقـد تفاقـم هناك زحف الصحـراء النـاجم عن عـوامل منـاخيـة وجيولوجية وعن سـوء استعمال أنظمة البيئة المتمثل في تـدمير الغابـات وقطع الأشجار والرعي الجائر، فدمر الغطاء النباتي وتـراجعت المساحات الخضراء والمراعي والزراعات.

* اكتظاظ المدن بالسكان وتلوث أجوائها: وهو أمر نلاحظه في كثير من المدن العربية ففي دمشق تبلغ نسبة الكثافة السكانية 10500 نسمة في الكيلو متر المربع، ويؤدي تلوث أجـواء المدن إلى إصابة المواطنين بـالأمراض المرتبطـة بتلـوث الجو كأمراض التنفس والدم.

وفي القاهـرة تضيق الشوارع بالسكـان الذين يعيشون في أجـواء غير صحية نتيجة التلوث بغازات المصانع وعوادم السيارات.

* التمـديـن العشـوائي: وهـو يفـرز كثيرا من التشويهات الخطيرة في البيئة كـالقمامـة التي يصعب تصريفها وتدمير المناطق الزراعية الغنية بسبب الحاجة إلى إسكان الأعـداد الكبيرة المتزايـدة من السكان، وفي تونس يقتطع التمدين حـوالي (4) آلاف هكتار من الأراضي الزراعية سنويا. كما أن الارتفاع الكبير لعدد السكان في معظـم البلدان العربية يؤدي إلى التمـدين العشـوائي بكل أخطاره وخصوصا الاستغلال الكثيف للموارد وبـالتالي تـوليد التلـوث وإنتاج النفايات.

* مشكـلات الاستقـرار الأمني: كـما في السـودان ولبنان. حيث أدت ظروف الحرب اللبنانية إلى إفلات الوضع من كل القيود والضوابط، فتشوه جمال الطبيعة وتلوثت الشواطئ ومياه البحـر، وأقيمت المساكن دون تخطيط وتكـدست النفـايات في الشوارع التي تحولت إلى مقـالب للقمامة،. وأقيمت المصـانع غير المجهـزة بـالمرشحـات الضروريـة وسط الأحيـاء السكنية، وبرز نقص المياه واستهلكت الآبار الجوفية فتسربت إليها مياه البحر وغير ذلك.

إن تعدد وفرز مشكلات البيئة في الوطن العربي لا يعني أننا لا نضعهـا ضمن الإطار العام للملـوثات في الكوكب الأرضي، ذلك أن شكل الحياة في كوكبنا هو شكل، مركب شديد التعقيد لما يحتويه من كائنات حية متنوعة وللعـلاقـات المتبـادلـة بين هـذه الكـائنات فيما بينها من جهـة وبينهـا وبين العوامل البيئية من جهة أخرى. وهناك نوع من التنظيم الـذاتي المتبادل بين الطبيعـة والحيـاة يجري بواسطة الحلقات البيولوجية العظيمة مثل حلقـات الكـربـون والآزوت والأوكسجين والفـوسفور، إلا أنـه خلال ربع القرن الماضي وبسبب التلـوث الهائل النـاتج عن الصناعـة وبسبب القطـع الكبير للغـابـات وانجـراف التربة تأثـرت هـذه الحلقات البيولوجية مؤدية إلى انعكاسات خطيرة على الحياة الأرضية وخاصة الحياة الإنسانية، ويؤكـد العلماء أنه إذا تتابع التدهور البيئي فإن الحياة ستزول.

تعقيد النظام البيئي

إن أحد العوامل الأساسية في سلامة كل نظام بيئي هـو تعقيـده، وإذا أدى العمل الإنسـاني إلى تبسيط الأنظمة البيئية فإن ذلك يسهم في خلخلـة توازنها ويجعلها أكثر عرضة للتهدم والاضمحلال، فنحن إذا قطعنا الغابات الطبيعية المؤلفة من أنواع مختلفة من الأشجار والشجيرات والنباتات العشبية ذات الأعمار المختلفة، واستعضنا عنها بأشجـار من نوع واحـد وعمر واحـد بحجة الحاجـة إلى أخشاب من صفات معينة وخـلال فترة قصيرة من الزمن، فإننا نكـون قد أدخلنا "عطلا" في البيئة وجعلناها أكثر عرضة للتدهور، لأن هذه المجموعات الشجـرية الـوحيدة النوع والعمر هي أكثر عرضة للأمراض وللإصابات الحشرية من الغـابات الطبيعية كما أنها لا تؤمن المحافظة على التربة.

ويعطينا العلم المعاصر أمثلة أخرى واضحة عن هذه "الأعطال " التي ابتدأت تظهـر ليس فقط حيث البحيرات والأنهار بـل وحتى في البحـار والمحيطـات، كـما أن التلوث الجوي بدأ يغير بـوضـوح المنـاخ على كـوكبنـا، ونحن كلما حولنا الغابات والمراعي الطبيعيـة إلى أراض زراعية ازدادت كميـة الغبـار المنتشرة في الجو مسببـة اضطـرابات في الطقس نشهدها في هذا المكان أو ذاك من العالم. وتقذف البلاد المتقدمة صناعيا كمية كبيرة من الغازات التي تؤثر في صفاء الجو.

وبرغم أن القسم الأوسط من المحيط الهادي بعيد عن المنابع الكبرى للتلوث، إلا أن درجـة صفاء الجو فيه انخفضت بمقدار 30% وهـذا يعني أن الغلاف الجوي الأرضي أصبح مهددا بسبب انبعاث مليارات عدة من أطنان ثاني أوكسيد الكـربـون سنـويا من المصانع ومن عوادم السيارات وحرق النفايات مما يؤدي إلى تساقط الأمطار الحمضية المدمرة للنباتات والتربة والغابات، ويؤدي تراكم الغازات في الجو ومنها غاز الميثان أو مركبات الكـربون والفلور والكلور إلى تشكيل ما يسمى بظاهرة "الانحباس " أو "البيت الـزجـاجي " بحيث تسمح هـذه الغـازات بدخول الأشعة الضـوئية إلى الأرض وتمنع ارتداد الأشعة دون الحمراء مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض وذوبان الجليد القطبي وتعديل مستويات المياه في البحار كما يؤدي إلى الجفاف والتصحر. وهناك مشكلة أخرى مرتبطـة بالغلاف الجوي تتمثل بثقب طبقـة الأوزون التي تحمي الأرض من الأشعة فـوق البنفسجية وتعود المسئولية في إحـداث هذا الثقب إلى مركبات الكربون والفلـور والكلور وينتج عنه إصابة البشر بأمـراض السرطان وأمـراض الجلد والعين وإضعاف الدفاعات المناعية. إن ما يؤسف له أن الإنسـان - سواء أكان في العـالم المتقدم أم النامي- يتصرف دوما وكأنه يجهل خصائص الأنظمة البيئية ويعتقد أنه مهما كانت تأثيراته في البيئة فإن هذه ستبقى تعمل بانتظام دوما لصالحه وكذلك وجوده مستقلا عن هذه الأنظمة، إلا أنه من الخطأ الكبير الاعتقاد بأن هذه يمكن أن تبقى محافظة على توازنها وتستمر في عملها محافظة على استمـرار الحياة. كما أن الفكـرة السائدة عند البعض أنه بالإمكـان الاستعاضة عن شبكـة الآليات الـذاتية للتنظيم التي يتميز بها النظام البيئي "والتي لم تصل إلى وضعهـا الحالي من الدقة إلا بعد مليارات السنين من التطور" بطرق تكنولوجية متنوعة هي فكرة خالية من أي خيال علمي وحتى من أي واقعية، فنحن مثلا نستطيع أن نحور جـزئيا ولمدة محدودة جـدا في الجهاز البيئي، إلا أنـه إذا كـان هذا التحـور عميقا فستكون الأخطار كبيرة. ولنا مثال بكثرة استعمال المبيدات الحشرية التي تساهم في تدمير النظـام البيئي الطبيعي وكـذلك في إبـادة الحشرات المفيـدة كـالتي تقوم بنقل غبار الطلع وتؤمن تلقيح الأزهار وبالتالي توفر تكـاثر الأنواع النباتية، وهذا يـؤدي إلى اضطـراب كبير في عمل النظـام البيئي. وعندئذ مهما عملنا ومهما كانت الطرق التكنولوجية المستعملة لمحـاولة منع هذا الاضطراب فإنه يستحيل عليها تصحيح العطل وإعادة النظام البيئي إلى وضعه. وبالتالي فإن تعطل الأنظمة البيئية كلها سيؤدي حتما إلى تعطيل الحياة على سطح الأرض.

الإنسان مسئول عن تكرار الكوارث البيئية

ومن الغريب حقا أنه بينما ازدادت قدرة الإنسان على التأثير في البيئة الطبيعية نظرا لتطور التكنولوجيا التي وضعت بين يديه آلات ومواد شديدة الفعالية، فإن عقلية الإنسان المعاصر لم تتغير كثيرا عن عقلية الإنسـان البدائي، لدرجة أن جهل - أو تجاهل - الإنسان المعاصر للقوانين الطبيعية المنظمة للكرة الحية يمكن أن يسبب مع الزمن تدهورا شاملا لسائر الأنظمة البيئية مشجعا بذلك تقدم الصحـاري. إن التاريخ القريب يدلنا على أن كثيرا من مناطق العالم الجافة والقاحلة حاليا كـانت منذ عهد غير بعيد مغطاة بأغطية نباتية، كانت تؤمن للإنسان وسطا ملائما لحياة جيدة. والأمثلـة على هذا النمط الخطير من تدهور البيئة عديدة في العالم العربي وغير العالم العربي. إن بلاد ما بين النهرين والبادية السورية هي أوضح الأمثلة على تهدم البيئة حيث إن قطع الغابات والرعي الجائر والحرائق المتكررة قد حولت هذه المناطق الغناء سابقا والغنية بالنباتات والحيوانات البرية المتنـوعة والجداول إلى مناطق جرداء، جافة وكثيرة السيول.

لقد أوضحت الدراسات في مناطق كثيرة من العالم أن الفيضانات المتكررة والقـوية قد ازدادت بعد قطع الغابات وانجراف الأتربة، وبدلا من أن يحارب الإنسان الكوارث الطبيعية ويقوم بدراسة الطرق لتلافيها والتخفيف من حدتها فإنه بعبثه في الأنظمة البيئيـة يـزيد من حدة هـذه الكـوارث ويميل إلى تعميمها وجعلها أكثر تكرارا. إن الذي سيحدث في المستقبل القريب في الحقيقة- ويحدث الآن- هو انهيار محلي في البيئة في عدة بقع من العالم بحيث لا تشعر به الإنسانية جمعاء، ولذلك فإن الإنسان في المناطق التي لم تصل إلى حد الانهيار يتابع إفساده للبيئة، ولا يبدل عقليته البدائية نحوها حتى يأتي الوقـت الذي تنهار فيه البقية الباقية من الكـرة الحية. وعندها يعم انهيار الكرة الحية كلها وتصل الحالة إلى مرحلة اللا عودة واستحالة التصحيح.

إن في الحفاظ على سلامة الأنظمة البيئية حفاظا على سلامة الحياة الإنسـانية، ويجب أخذ كل التدابير لمنع تعطل الأنظمة البيئية عن طريق المحافظة على الغابـات الطبيعية وعلى خصوبة الأتربة ومكـافحة التلوث بكل أشكاله، وهذه الحقيقة لم تدركها الدول الصناعية المتقدمة فحسب، بل إن ضغطها دفعها إلى التخلي عن سلوكها اللا مبالي تجاه الـدول الأخرى، وبعـد أن فشلت محاولاتها في تحميل دول العـالم الثالث مسئولية تدمير البيئة أخذت تدعو إلى تعاون دولي حول الموضوع. وإذا كانت الدول النامية ومنها الدول العربية قد تجاوبت مـع هذا الطرح، خصوصا بعد مؤتمر استـوكهولم عام 1972 بعد أن أيدت الدول النامية إنشاء برنـامج الأمم المتحـدة للبيئة، وشعرت بأهميـة إيجاد الحلول للمشاكل البيئيـة أثناء عمليات التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن التشريعات البيئية فيها تحتاج إلى تطوير لتساير المفهوم العالمي لقانون حماية البيئة. والدول العربية في تطبيقها لمعالجة مشكلات البيئـة فيها تظهر بصورة القاصر عن تشكيل الإجـابات الشاملـة والفعالة والحلـول المنـاسبة والضرورية وتبـدو المشاريع المطـروحة على مستـوى الحكـومـات العـربيـة محـاولات تحتـاج إلى اهتمام أكـبر لنقـلها إلى حيز التنفيذ.

وغالبا ما يكون عدم تـوافر الأموال سببا في هذا التقصير الناجم عن معوقـات إدارية وتنظيمية تتسم بها النظم الإدارية في الدول العربيـة وعن النقص في الخـبرات، وتبرره صعوبـات نابعـة من التقـاليـد والعادات.

مكتب دول للإدارات البيئية

إن تعثر المحـاولات العربيـة في جهد الإصـلاح البيئي واختلاف مستـوياته كـما ونوعا يدل على أهمية الانطلاق من تصويب خطـة الجهد للإدارات المحلية على مستوى الوطن العربي تلك التي تهدف إلى معالجة المشكلة البيئية ومراقبة آثارها ونتائجها وتقييم هذه الآثار والإجراءات الطارئة والاستثنائيـة المبذولة للمعالجة. وهذا يقود إلى أن الوقت لم يعد يسمح بسن تشريعات بيئية قطرية مستقلة فالمشكـلات البيئيـة واحدة بغض النظر عن التفاصيل الصغيرة. مع لفت النظر إلى أن المعالجات المحليـة تكـون خصوصيـة وتقتصر على جهود معزولة تحول دون النظرة الشاملة والضروريـة على هذا الصعيـد. فلم يبق إلا أن تتم إقامة المكتب الدولي للإدارات والفعاليات البيئية والمحلية والذي نرى أن يتم إحداثه على مستوى هيئة الأمم المتحدة، وعنده يصب تقييم الأثر البيئي المحلي وإجـراءات المعالجة المحلية بدءا من الأطر المحلية والإقليمية وصولا إلى عمل مشترك وموحد ومنسق. فلا يمكن حقا لأي دولة التعامل مع مشكلات البيئة بصـورة معـزولـة عن الـدول المحيطـة بها، ولا لمجمـوعات الدول كدول الجامعة العربية معالجة معضلات البيئة دون تنسيق وتعاون مع جميع دول العالم التي يمثلها المكتب الدولي المذكور، والذي يضع خطـة عامة يشترك في إعدادها كل ذي خـبرة، سواء تعلق ذلك بـالبحـوث المتصلة بعمل الأنظمة البيئيـة أو بإدارتها أو استثمارها.

عادل عوض مجلة العربي يونيو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016