مختارات من:

العلاج بالضحك وبالبكاء وبالخيال أيضا

يوسف حامد الشين

يعتبر كل من الضحك والبكاء من الانفعالات الفطرية التي تنتمي للظواهر النفسية الداخلية، بالرغم من ظهورهما على مسرح السلوك الإنساني. وإذا كنا لا نعرف حتى الآن متى ضحك الإنسان على وجه الدقة، فإننا نعلم علم اليقين أنه ولد يبكي، وأنه بين الضحك والبكاء لا يكف عن إطلاق خياله. فهل لهذا كله من جدوى علاجية؟

من القواسم المشتركة بين الضحك والنحيب، ما ينجم عنهما من فوائد فسيولوجية ونفسية مهمة للإنسان، حيث تعتبر الدموع في كلتا الحالتين "أي الفرح الشديد والحزن العميق" بمثابة عمليتي تنظيف وتطهير لعدسات على مستوى عال من الشفافية والدقة، ونعني بها العيون. أما على المستوى النفسي، فلدموع الحرقة ودموع الفرح على حد سواء فضائل يصعب حصرها. ولعل أولاها تمكين الإنسان من التعبير عن نفسه أمام الآخرين، إزاء المواقف الماثلة أمامه. وإذا كانت دموع الحزن هي الوسيلة الوحيدة للطفل للتعبير عن غضبه أو إثارة انتباه الآخرين لما يعاني منه من آلام، فإن هذه الدموع قد تصبح الوسيلة الوحيدة، حتى لمن تدارك سن الرشد للتعبير عن حرقته، أو عن ظلم ألم به، عندما تعجز الكلمات عن وصف تلك الشدة، وتصوير ذلك الغبن. ومن لا يبكي بدموع حارة في مثل هذه الظروف، يضيف بكتمانه الغيظ، حجرا في بناء صرح الجنون لديه.

الدموع تغسل مرايا النفس

وقد تكون آخر فضائل الدموع أيا كان نوعها، تنظيف مرآة النفس من كل الهموم المتراكمة عليها، فالمفجوع يبقى مهموما ومغموما، حتى إذا ما تفجرت دموع الحرقة من عينيه لتمسح همومه وتزيل رواسب النكد، وتعيد للحياة النفسية صفاءها وشبابها، ولسلوكياته اتزانها واستقرارها. وقد تكون هناك ردود فعل أخرى يلجأ إليها الفرد للتخفيف من غضبه أو حزنه، ونعني بها السلوكيات العدوانية، كالتهجم على الآخرين وإيذائهم، خاصة من كان منهم مصدرا لآلامه. وهذه حالة سنعود لها فيما بعد.

والغريب في الأمر، أن الإنسان يصل في حالتي الضحك والبهجة إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها في حالة النحيب، فقد يئن الإنسان تحت سأم الحياة ومسئولياتها الجسام حتى تتراكم همومه، فتحيل حياته النفسية إلى مستنقع من النكد والاشمئزاز والغثيان. وقد تنعكس هذه المؤثرات على سلوكياته اليومية، فينطوي على نفسه بعيدا عن الآخرين، حتى إذا ما شاهد مسرحية أو فيلما ضاحكا، أو سمع فكاهة ساخرة أو استدرج لحفل أو مواقف ترفيهية فجرت فيه قهقهات الضحك، وتدفقت من عينيه دموع الفرح، وجد نفسه وقد عادت إلى حالتها الطبيعية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو، لماذا يلجأ الإنسان في الغالب إلى الضحك والبكاء دون غيرهما من ردود الفعل الانعكاسية؟ وهل لهذين الانفعالين أسباب وفوائد منظمة في نسق ثابت؟. والإجابة عن هذين السؤالين تكمن فيما يأتي:

أولا: أن الكائنات الحية بصفة عامة، ومنها الإنسان، تنحو دائما نحو النجاة من العلاقات المؤذية في صورة ردود فعل انعكاسية على المستوى الفسيولوجي. وفي صورة انفعالات عاطفية على مستوى الحياة النفسية. وفي كلتا الحالتين يكون الهدف هو التحرر من المثيرات الضارة بشكل أو بآخر. فعندما يعطس الإنسان فإن الهدف من ذلك يكون تخليص قنواته التنفسية من الشوائب المزعجة، وعندما يتقيأ فإنه يرد مواد رفضتها معدته لأسباب صحية. وقد يسحب المرء يده إلى الوراء لإنقاذها من أداة حادة أو حارة، كما أنه قد يهرب أو يهاجم مصدر الخطر ليحرر نفسه من عواقبه. وكل ذلك يبدو لنا في صورة ردود فعل انعكاسية، تحدث تلقائيا دون أن نشعر بها.

ثانيا: في حالة الانفعالات العاطفية، نجد الضحك والبكاء والدموع التي هي القاسم المشترك بينهما. من أبرز الوسائط التي يستخدمها الإنسان في مسيرة حياته الاجتماعية من أجل التحرر من الآلام، وعندما تصبح الظروف البغيضة مصدرا للحزن ومشاعر القلق في حياته اليومية. وعندما يعجز اللسان عن التعبير عن الفرحة التي فاجأتنا أو تصوير الفاجعة التي داهمتنا، تكون الدموع ملجأ وحيدا من جحيم الآخرين.

إن الهدف الأساسي للانفعالات العاطفية هو حماية الحياة النفسية بطريقة غريبة، من المثيرات الضارة التي تهدد نظام الحياة النفسية المتناسق. وإذا أردنا أن نطرح الأمر بطريقة أوضح، فعلينا أن نفصل الحديث عن الجانبين الأساسيين للإنسان في الآتي:

جهاز المناعة الفسيولوجي

يعتمد جسم الإنسان من الناحية الفسيولوجية على جهاز دفاع فعال لحماية نفسه من العناصر الغريبة التي تهاجمه من الخارج، وهي عناصر تسعى دائما للعبث بأنحائه، وبالتالي لإحداث الخلل في نظامه المتناسق. ويمكن اعتبار الميكروبات والجراثيم في مقدمة هذه الكائنات الدقيقة. ويعتبر هذا الجهاز من الخصائص الفطرية التي يتمتع بها جسم الإنسان منذ ولادته، وبدونه يصبح فريسة لأضعف الكائنات الحية، هذا الجهاز الدفاعي هو ما نسميه جهاز المناعة في الجسم، إنه يعتمد كما نعلم على الملايين من كرات الدم البيضاء المنسابة في دم الإنسان. إنه الحصن الحصين للبدن والقلعة الشامخة لحياة الإنسان.

وبالرغم من أن فعالية هذا الجهاز تتعرض من حين لآخر إلى الاختراقات من قبل هذه الكائنات الدقيقة الفتاكة التي تصيب الجسد بأضرار مختلفة في شكل أمراض شتى وفي فترات متفرقة من حياته، إلا أن تطور علم العقاقير والتطور الهائل في ميدان الطب، كثيرا ما يعيدان التوازن لصالح الجسم. هذا إذا ما استثنينا بعض الأمراض الخبيثة التي تجتاحه من حين إلى آخر، ثم لا تلبث أن تنبت - تحت ستار الإهمال - في جميع أنحائه بصورة فجائية.

جهاز المناعة النفسي

ومن خلال ما سلف ذكره في مجال جهاز الدفاع في الجسم، ومن خلال إيماننا بضرورة التعاضد بين الجوانب المادية والنفسية لضمان استمرار ظاهرة الإنسان، فإن التطور المتواضع في علم النفس، يشجعنا على المغامرة بطرح فرضية مفادها التسليم بوجود جهاز دفاع نفسي في جسم الإنسان، شبيه بجهاز المناعة الفسيولوجي، الذي أتينا على ذكره آنفا، وهو متفق في الوسائل والأهداف.

وتجدر الإشارة هنا إلى أهمية الاختلاف في طبيعة ظروف البيئة الاجتماعية لكل فرد. فكما يختلف الناس في قدراتهم على تحمل الأمراض، بسبب تباين القدرات المناعية لكل منهم، فإنهم يتباينون أيضا، من حيث الدرجة في قدراتهم النفسية، على تحمل المثيرات الاجتماعية. وفي هذا الصدد، تلعب عدة عوامل بدرجات متباينة، الدور الرئيسي في بناء دفاع نفسي، له قدرة هائلة على صد الهجمات. ولعل من أبرز هذه العوامل، الظروف الاجتماعية التي نشأ فيها الفرد، ومدى تحصينه لنفسه بالدين والتقوى التي يلقي فيها المخلوق مسئولية ما يصيبه على الخالق باقتناع تام. هذا بجانب حصيلة المواقف والتجارب العملية، التي اجتازها الفرد، خلال مسيرة حياته.

إن جهاز الدفاع النفسي المفترض، أو الجهاز النفسي للمناعة إذا صح التعبير، يلعب دورا جوهريا، في حماية الحياة النفسية للإنسان، من الصدمات والفجائع وخيبات الآمال، التي ما لبث الإنسان المعاصر، يواجهها في حياته الاجتماعية المكتظة بالهموم والأحزان ونوبات الاكتئاب والإحباط، والتي يمكن اعتبارها بمثابة فيروسات أو ميكروبات هدفها اجتياح الحياة النفسية للإنسان من حين إلى آخر وإلحاق الضرر بها.

ولو لم يكن للإنسان جهاز المناعة النفسي المفترض، لانهارت أعصابه تحت طائلة الضغوط اليومية، غير المحتملة، ولخرج عن طوره، ليعبث بكل القيم الخلقية والاجتماعية، والأعراف والمعتقدات الدينية. إنها مرحلة الانهيار، أو ما نسميه بفقدان الصواب، حيث يكفر الفرد بكل الموانع، وينهال عليها تدميرا أمام العيان، وليعود إلى حياة الطبيعة المبكرة التي لا قيود فيها سوى المنافسة التي يحكمها قانون البقاء للأقوى.

نقص المناعة المكتسبة والحياة النفسية

وبما أننا بصدد الحديث عن هذه المرحلة من الانحراف النفسي التي يسعى جهاز المناعة للحيلولة دون الوصول إليها، فمن المهم هنا أن نبين الفرق بين المرض النفسي "عصاب" والمرض العقلي "ذهان"، إذ إن العصاب والذهان شيئان مختلفان بالرغم من أنهما ينطلقان من الاضطرابات النفسية.

إن المرضى بالعصاب، أي المرضى نفسيا مهما ساءت حالتهم، يعتبرون في النهاية من المأمول في عودتهم للحياة المعتادة، لأن الاضطرابات الانفعالية التي تصيب المريض في هذه الحالة، ولا تؤدي به في الغالب إلى عدم الاستبصار بحالته، فهو يعلم علم اليقين أنه مضطرب، وأنه تعيس لأن العديد من مشاعر الاكتئاب والقلق تداهمه، مما يجعله سهل الانفعال أمام أبسط المثيرات، والجنوح إلى الغضب العميق المفاجئ، مع كل هذا، فالمرضى نفسيا "العصابيون" قادرون في الغالب على مواصلة جوانب كثيرة من نشاطهم غير العدواني، لكنهم في النهاية يعيشون في واد والمجتمع في واد آخر. ومن الجدير بالملاحظة، الإشارة إلى تعثر علم النفس في علاج الكثير من هذه الحالات، حيث ترك الأمر للعقاقير والمهدئات التي أصبحت منذ الخمسينيات من أكثر الأساليب انتشارا في المصحات النفسية والعقلية على حد سواء.

أما الذهانيون، فهم أولئك الذين تجاوزوا المرحلة السالفة الذكر. إنهم من طائفة أخرى، فهم من نصفهم عادة بالمرضى عقليا أو المجانين، إنهم تعساء، ولكنهم في النهاية خطرون وميئوس منهم حتى الآن، مما يجعلهم غير مسئولين من الناحية القانونية. وقد يصل المريض نفسيا إلى هذه الحالة تدريجيا بسبب تصاعد سعير الجحيم النفسي في جوانيته، مما يؤدي إلى التلف العضوي للأعصاب، وإرباك بعض أعضاء الجهاز المركزي لديه. وقد يبدأ المريض بهذه النهاية مباشرة بسبب خلل عضوي مفاجئ في الأعضاء ذات العلاقة.

وإذا كان لجهاز الدفاع الفسيولوجي جنوده الأشداء الذين يتنادون بطبيعتهم لمهاجمة كل دخيل، فإن لجهاز الدفاع النفسي وسائله الدفاعية والهجومية التي تحد من أثر الصدمات عند وقوعها، أو تهاجمها قبل أن تلحق الضرر بالأعصاب، ما لم تتفاقم الأمور وتستهدف جهاز المناعة النفسي في حد ذاته، أي العقل.

هذه الوسائل الدفاعية للجهاز النفسي، هي ما نسميه بالغرائز والانفعالات، والتي في مقدمتها غريزتا الضحك والبكاء، وهما خط الدفاع الأول. إن هدفهما الدائم هو الدفاع عن الحياة النفسية، وتخفيف آلامها وذلك بمهاجمة كل ما يمكن أن يكون دخيلا عليها بالعدوان. إنها تسعى باختصار إلى تحرير الحياة النفسية أو حمايتها من الظروف البغيضة التي كثيرا ما يكون مصدرها الآخر.

وقد يتساءل المرء عن كيفية عمل هذه الغرائز، وعن وجه الشبه بينها وبين كرات الدم البيضاء، حتى يمكن لنا أن نزعم أنها وسائل دفاعية في جهاز مناعة خاص بالحياة النفسية. لكن الإجابة عن هذه التساؤلات لا تخرج عن التالي:

هب أن إنسانا تعرضت لحادث مفجع كفقدان عزيز عليه أو تكبد خسارة اقتصادية فادحة، فإما أن يقوده ذلك الحادث للموت المفاجئ بأزمة قلبية، وإما أن يقدم على الانتحار لعدم قدرته على تجاوز هذه الأزمة، وإما أن يصاب بحالة من الجنون، وهذه أيضا من الحالات التي يكون فيها فناء له في نظر المجتمع، وإما أن يكون في النهاية على درجة عالية من المناعة النفسية، حيث تتدخل الغرائز والانفعالات ذات العلاقة، لتدفع به نحو الوسائل المشروعة نسبيا في عرف المجتمع، للتعبير عن الحزن في مثل هذه المواقف، والتي يمكن أن تكون أقل ضررا بالنسبة له، ونعني بها حالات الحزن العميق المصحوب بالبكاء بدموع غزيرة، أو بنوبة من الهستيريا. وهذه النتيجة قد ينتهي إليها حتى أكثر الناس ورعا أو رباطة جأش.

إن غريزة البكاء هي المنقذ المسالم الوحيد في مثل هذه المواقف، للتخفيف من المعاناة، حيث يذرف المرء دموعه بانفعال عنيف، وبدون أن يدري، وكلما أجهش المرء بالبكاء من الأعماق، وانهالت الدموع بغزارة من المآقي، خفت حدة الآلام، وانزاحت الهموم المتراكمة في أعماق النفس. وهذا التدخل من قبل جهاز المناعة النفسي، يستند على أن النحيب الصادق غير المفتعل، والدموع الحارة تمسح آلام المواقف الصعبة، وتترك النفس صافية من الأحزان، ولعل هذه أفضل مزايا البكاء.

ملاحظات ومشاهدات

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن ظاهرتي الضحك والبكاء لا تنطلقان من فراغ، إذ إنهما محاكاة للطبيعة التي يعتبر الإنسان جزءا منها. فكما أن الضغط في مجال الطبيعة يؤدي إلى الانفجار، فإن كتمان الضغط في مجال الحياة النفسية يؤدي إلى النهاية نفسها ما لم تكن ثمة وسائل تتفادى بها الحياة النفسية هذه النتيجة.

ولهذا يعتبر الضحك والبكاء وغيرهما من الانفعالات النفسية بمثابة صمام الأمان عند الإنسان للتخفيف من حدة الاضطرابات الانفعالية. وهذا ما يعزز القول: إن انتشار الفكاهة بين الناس، هي أعراض لآلام مبرحة يعانون منها.

وعندما يعود المرء بذاكرته للمناسبات الاجتماعية، التي هي مسرح للضحك والبكاء، يلاحظ الانسجام غير المعتاد في أجواء الأعراس، من أناس لم نر على وجوههم في الظروف العادية أبسط الابتسامات. أما على مسرح الحزن، أي في المآتم فيلاحظ الميل الشديد للنحيب الحار المتواصل، والتعبير المبالغ فيه عن اللوعة، من لطم للخدود وشق للجيوب من نسوة قد لا تربطهن بالمتوفى أواصر القربى، وهذا ما يفسر استخدام تلك المناسبات في كثير من الأحيان، كمصحات نفسية للتخلص من الهموم المتراكمة، إلا أنها في النهاية تعطينا انطباعا بالمشاركة الوجدانية. كما تعتبر في الأساس استجابة لنداء جهاز المناعة النفسي لأداء وظيفة على مستوى العلاج الطبيعي. وهكذا، يفضل الإنسان باعتباره كائنا اجتماعيا، التعبير عن فرحه في جماعات، وعن حزنه في جماعات.

وبالرغم من استهجان الأعراف الاجتماعية لدموع الرجل في معظم المواقف، لعلاقتها بضعف الشخصية - وفي ذلك قمع لأبسط وسائل التخفيف عن النفس - إلا أن النحيب الحار بدموع صادقة في بعض الحالات ولبعض الناس، لا غنى عنه لحفظ الاتزان النفسي، فعلينا أن نبكي عند الضرورة ففي البكاء شفاء.

وقد لا يكون من قبيل المبالغة، إذا قلنا إنه سيأتي يوم لا ريب فيه ستعرف فيه الكثير من الشعوب قيمة الضحك والبكاء، وحينئذ ستقيم لهما أعيادا ومهرجانات تكريما لمزاياهما، باعتبارهما يشكلان أفضل الوسائل الوقائية التي ينفعل بها جهاز المناعة النفسي للحد من درجة الأضرار. وبما أن الإنسان قد أقام بالفعل أعيادا للضحك، في مقدمتها الكرنفالات والاحتفالات الشعبية والأعراس والمسارح الساخرة، فسوف لن ندهش في ذلك اليوم الذي ستتنادى فيه الكثير من الشعوب في مسيرات كبرى، تطوف الشوارع والميادين، وصرخات العويل تنطلق من حناجرها، والدموع تنهمر من عيونها بملء مآقيها، إيمانا منها بأن ذلك اليوم هو يوم النحيب.

أساليب النفس لحماية ذاتها

ولجهاز المناعة النفسي أساليب وقائية أخرى متباينة لتجنيب النفس والبدن السقوط في الدمار النفسي والانهيارات العصبية. غير أن تلك الوسائل لا تخرج في النهاية عن مبدأ الميل للتحرر من الظروف البغيضة. ومن هذه الأساليب ما يتسم بالاستسلام الكامل أو الجزئي لمصدر الظروف الخارجية، واللجوء للتمتع بحرية صورية، في إطار عالم الخيال، وأحلام اليقظة.

وهنا يعيش الفرد في عالم لا حقيقة له إلا في مخيلة البطل المتخيل، وإن كانت صور هذا العالم غير الحقيقي وشخصياته مستعارة أو منسوجة في كثير من الأحيان من البيئة المحيطة بالفرد. ومن الأمثلة الواضحة عن هذا النوع من الاغتراب: الإفراط في الخيال لدى المراهقين والرومانسيين الذين يحاولون تجاوز مصاعبهم في إشباع حاجاتهم العاطفية، وذلك بالركون إلى العزلة، كلما سنحت لهم الفرصة بذلك لمشاهدة القصص الخيالية الحالمة التي نسجوها بأنفسهم في أحلام اليقظة، والتي يلعبون فيها أدوار أبطال الغرام المتيمين، إنها خلوة رائعة في أجواء مشبعة بالعطور وأنفاس الرياحين، ولا يعكرها إلا زائر سمج، قادم من عالم الواقع، يكون أشبه بالضيف الثقيل.

الاستسلام للظروف البغيضة

ومن جانب آخر، نجد أساليب أخرى من الاستسلام للظروف البغيضة، بغية التحرر من الأذى، ومنها استجابة الابن أحيانا على مضض لإرشادات والده، والتي قد تكون في منتهى القسوة، ولكنها في النهاية وسيلة للتحرر من مضايقاته. ومن هذه الأساليب الانتباه والركون إلى الهدوء والسكينة من جانب التلاميذ، خوفا من تهديد مدرسهم بالعقاب. ومن هذه الأساليب ما هو متطرف في الاستسلام للظروف البغيضة، كالخنوع لممارسة الابتزاز في التهديد بالفضيحة مقابل مطلب من المال،أو الاستورار في السلوك الشائن.

وقد يلجأ البعض للهرب خارج نطاق دائرة المشاكل، ويبدو هذا النوع من السلوك على سبيل المثال، في فرار الزوج معظم يومه من بيت الزوجية الذي دخله في البداية بمحض إرادته على أنه قفص ذهبي، واللجوء إلى جلسات اللهو والعبث، أو رنات الكئوس.

ومن الأساليب التي ينهجها جهاز المناعة النفسي للتحرر من الأذى، ما يمكن أن يكون في صورة هجومية، وذلك باعتناق الفرد لأنواع من السلوك الشاذ - في نظر الأعراف والقوانين السائدة - وفي ذلك السلوك، يكون الرد على العدوان بالعدوان، وذلك بمهاجمة الظروف البغيضة، من أجل إبطال مفعولها أو تدميرها. وتتراوح درجة ردود الفعل هذه من كيل للشتائم إلى الضرب المبرح. وهذا النوع من السلوك الأخير، يبدو على سبيل المثال: في ردود فعل الإنسان في الشارع، في مواجهة عدوان عليه من خارجين على القانون، وذلك بهدف سلبه أو النيل من كرامته.

هذا ومن الجدير بالذكر، أن حالة الإسقاط عند الإنسان، تبرز كأحد أنواع السلوك العدواني في هذا المجال. والإسقاط يعني إحدى حالتين: إما غير مباشر أي بالترصد للمسيئين مستقبلا، وإما انتقام المرء من الآخرين مباشرة كوسيلة للتخلص من آلام الفشل أو الهزيمة أو الظلم الذي حل به.

وفي النهاية، فإن إمكان اتزان الحياة النفسية للإنسان، هو في يد الإنسان نفسه، بالرغم من كل المضايقات الممقوتة التي قد تحيط به، فهو يكمن بالضرورة في إيمانه المطلق بأن أقوى العوامل التي تساعد النفس على حماية ذاتها من الآلام، هي تقوى صادقة، وإيمان عميق بمقولة خالدة فحواها "الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه".

يوسف حامد الشين مجلة العربي يوليو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016