مختارات من:

الآلة والحاسوب وحضارة الإنسان

السيد نصر الدين السيد

لم يكف الإنسان منذ وجوده على كوكب الأرض عن السعي الدؤوب والمتواصل لإحلال وتضخيم قدرته الجسمانية التي حباه الله إياها سواء كانت هذه القدرات عضلية أو كانت حسية كالسمع والرؤية والنطق. ولقد كانت البداية عندما نجح في استخدام القوى الطبيعية كالريح أو الحيوانات المستأنسة في تحريك الأدوات التي يستعين بها في أداء الأعمال الشاقة التي تتطلب بذل جهد عضلي كبير. فرأيناه يستخدم تلك القوي في تحريك أدوات مثل العربة أو السفينة أو المحراث أو الساقية وغيرها من أدوات. وهكذا ظهر إلى الوجود الجيل الأول من أجيال الآلة وهي التي تحركها القوى الطبيعية.

لم يقتصر أثر ظهور هذا الجيل عن الآلات على مجرد إحلال وتضخيم القدرات العضلية للإنسان بل تعداه لينعكس على بنية المجتمع البشري. ككل فينقله نقلة نوعية هائلة تأخذه من مرحلة مجتمع ما قبل الزراعة، وهو المجتمع الذي كان الإنسان فيه جوالا وراء ثمار متساقطة يجمعها أو حيوان يصطاده بأدوات بدائية ليقتات بلحمه، إلى مرحلة مجتمع الزراعة.

وتقوم حضارة مجتمع الزراعة على الاستخدام المكثف لآلات الجيل الأولى بشتى صورها في استغلال الموردين الرئيسيين لهذه الحضارة وهما: الأرض والمياه، مشبعة بذلك الحاجات المادية الأساسية لأفراده من غذاء وكساء. وقد كان لتلك الحضارة سماتها الخاصة على جميع المستويات، فعلى الصعيد الاجتماعي ارتبط الإنسان بالأرض وانحصر عالمه في قريته الصغيرة واقتصرت علاقاته وتعاملاته على جيرانه الأقربين.. وعلى صعيد الفكر رأينا إنسان تلك الحضارة وقد اتبع طريق الممارسة العملية، بما تعنيه من تجربة وخطأ ومن مهارات حرفية تتراكم وتتوارث جيلا بعد جيل، في تأسيس القاعدة الفكرية اللازمة للتكنولوجيات بآلاتها وأدواتها المختلفة. أما نظرته للزمن فقد حكمها الإيقاع المتمهل لعملية استنبات الأرض وكان توجهه نحو الماضي يسترجع منه ما صوره له خياله على أنه عصور ذهبية. وكانت السلطة والسيادة في هذه الحضارة حكرا على من يملك عناصر القوة المادية المحضة، سواء كانت قوى عضلية أو رجالا أو سلاحا، التي يستطيع بواسطتها إخضاع الآخرين.

نقلة نوعية جديدة

وفي سنة 1785 م ينجح جيمس وات James Watt صانع الأجهزة الرياضية الاسكتلندي ابن مدينة جلاسكو، في تطوير أول آلة بخارية محركة تعتمد على الطاقة المولدة من إحراق الوقود ويتم استخدامها في تشغيل أحد مصانع القطن في نوتنجهام. ولا تمر تسع سنوات حتى ينجح ترفيثيك Trevithick في بناء أول قاطرة ذاتية الحركة تستخدم آلة وات. وبحلول سنة 1825 م، يفتتح للجمهور أول خط سكة حديدية بين مدينتي ستوكتون ودارلنجتون الإنجليزيتين. وهكذا ظهر إلى الوجود الجيل الثاني من أجيال الآلة: الآلة التي تحركها القوى المولدة. وتؤدي الثورة الميكانيكية التي أحدثها ظهور الجيل الثاني من الآلات إلى إحداث نقلة نوعية جديدة في المجتمع البشري تأخذه من مرحلة حضارة مجتمع الزراعة إلى مرحلة حضارة مجتمع الصناعة. وقد أدى اعتماد تلك الحضارة على القوى المولدة إلى أن تصبح المحروقات، كالفحم والبترول، هي المورد الرئيسي لها الذي لا غنى لها عنه. وتقوم في كنفها الصناعات الكبرى التي تسعى لإشباع نهم إنسانها المتزايد لاستهلاك السلع المصنعة. وكما كان لحضارة مجتمع الزراعة سماتها الخاصة كان لحضارة مجتمع الصناعة ما يميزها هي الأخرى من سمات. فعلى الصعيد الاجتماعي لم يعد الإنسان مرتبطا بالأرض التي نشأ فيها بل تحول هذا الارتباط إلى مراكز إنتاج السلع المصنعة أينما كانت وتجاوز عالمه محدودية القرية إلى رحابة المدينة وتعددت وتشابكت علاقاته وتعاملاته ولم تعد تقتصر على الأهل والمعارف. ونشأ العلم الحديث بصياغة ما اكتسبه الإنسان من خبرات ومهارات على هيئة فروض ونظريات وقوانين وباعتماده على التجريب للتحقق من مدى صحتها وصلاحياتها. وكان من الطبيعي أن يتغير إحساس الإنسان بعنصر الزمن بعد أن تسارع إيقاع الأحداث وقل الزمن اللازم لإنجاز الأفعال وتحول توجه الإنسان عن الماضي بصوره الذهبية إلى الحاضر المعيشي بمتطلباته المتلاحقة. وأصبح امتلاك المال، بوصفه مستودعا لقيمة السلع المصنعة، هو الطريق لحيازة السلطة والسيادة في مجتمع الصناعة حالا بذلك محل القوة المادية.

إشباع الحاجات المادية للإنسان

وبالرغم من الاختلاف النوعي بين آلات الجيل الأول وآلات الجيل الثاني إلا أنها كانت في نهاية المطاف تجسيدا لرغبة الإنسان في إحلال وتضخيم قدراته الجسمية. وقام كل منهما على مبدأ تحويل القوى غير المنتظمة، سواء كانت طبيعية أو مولدة إلى قوى منتظمة، أو شغل، يمكن للإنسان توظيفه في إنجاز ما يود إنجازه من أعمال. وهما بالإضافة إلى ذلك يعتمدان اعتمادا يكاد يكون كليا على التدخل المباشر للإنسان لإدارتهما ولتوجيههما إلى ما ينبغي فعله. وكما اتفقت آلات الجيلين في الغرض الذي سعت إلى تحقيقه وقامت على نفس المبدأ، نجد أيضا أن هناك ملامح مشتركة بين الحضارتين اللتين قامتا على أساسها. فكلتا الحضارتين سعت إلى إشباع الحاجات المادية للإنسان سواء كانت تلك الاحتياجات غذاء أو كساء أو سلعا مصنعة. كما نلاحظ أيضا الطبيعة المادية لعناصر حيازة السلطة سواء كانت قوى مادية خالصة أو مالا.

ميكنة الفكر.. والحاسوب

وبينما كانت الثورة الميكانيكية لحضارة مجتمع الصناعة تسعى بهمة لميكنة ما يمكن ميكنته من أفعال الإنسان بما تنشئه من آلات تسيرها الطاقة المولدة، كان أحد أساتذة الرياضيات في جامعة كمبريدج، وهو جد الحاسوب الرقمي تشارلز باببج (1792 - 1871م) C. Babbage، يسعى بهمة هو الآخر لميكنة بعض العمليات الحسابية، وأسفرت جهوده عن آلة حاسبة عرفت باسم "آلة الفروق"، إلا أن الأحوال المالية لم تسعفه في تنفيذ حلمه بإنشاء آلة أخرى أكثر تطورا هي "الآلة التحليلية". وهو الأمر الذي عززته أعمال عالم المنطق الإنجليزي جورج بول (1815 - 1864م) G.Boole، والتي ضمنها في كتابه الشهير "قوانين التفكير" الذي صدر في عام 1854م وعرض فيه مفهوم المنطق الرياضي للخطأ والصواب. وهكذا كانت بداية الطريق نحو استخدام الآلة في أداء أعمال عقلية وكانت خطوة الإنسان الأولى نحو ميكنة الفكر بعد ميكنته للفعل. وجاءت الخطوة الحاسمة على يد عالم الرياضيات الأميركي الجنسية والمجري المولد جون فون نيومان (1903 - 1957) J.Von Neumann الذي وضع في نهاية الأربعينيات أسس عمارة الحاسوب كما نعرفه في يومنا هذا. ويتألف الحاسب الفون نيوماني، أو الحاسوب ذو البرنامج المختزن كما أطلق عليه في البداية، من مكونين رئيسيين. المكون الأول هو وحدة معالجة مركزية يتم بواسطتها تنفيذ سلسلة العمليات الحسابية والمنطقية المطلوب تنفيذها الواحدة تلو الأخرى. أما المكون الثاني فهو الذاكرة التي يتم فيها حفظ نتيجة كل عملية لحين استدعائها عند الحاجة إليها. ويتم تنفيذ العملية بأسرها طبقا لمجموعة من التعليمات، أو البرامج، المختزنة هي أيضا في الذاكرة. وهكذا ولد الحاسوب آلة فريدة تختلف كيفيا عن آلات الأجيال السابقة. آلة تضخم من قدرات الإنسان العقلية لا العضلية ويمكنها تنفيذ ما يوكل لها من أعمال بدون تدخل مباشر من الإنسان. وهي فوق كل ذلك تتعامل مع كيان غير ملموس هو الرموز بجميع أشكالها من أرقام وحروف وأشكال فتتلقاها في صورتها الأولية (البيانات) وتعالجها لتخرجها لنا بعد ذلك على هيئة أكثر ترتيبا وانتظاما (المعلومات). وتفعل الآلة الجديدة، بسماتها غير المسبوقة، فعلها في تغيير بنية المجتمع البشري بطريقة فاقت ما سبقها من آلات. وهو تغيير نعيشه اليوم ونحن نقف شهودا لبداية ميلاد حضارة جديدة هي حضارة مجتمع ما بعد الصناعة. حضارة المدينة العالمية التي أقامتها تكنولوجيا الآلة الجديدة بمقدرتها على تجاوز الحدود السياسية والجغرافية. حضارة تقوم على الاستخدام المكثف لمنظومات الحواسب في استغلال موردها الرئيسي وهو المعرفة وفي زيادة رصيدها منها. وتصبح "السيطرة على تداول وتدفق، وتوزيع والتوصل إلى المعرفة هي محور الصراع في عصر ما بعد الصناعة" على حد قول ألفين توفلر A.Toffler كتابه الشهير "تزحزح القوى" (1990) Powershitt .

السيد نصر الدين السيد مجلة العربي يوليو 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016