مختارات من:

مليونيات رياضية.. رؤية جديدة للأحداث الرياضية الكبرى

أحمد عبدالظهير محمود

في عام 2008 وأثناء مطالعتي لدعوة لمؤتمر علمي بالبرتغال لمناقشة تأثير العولمة على الرياضة، استرعى انتباهي بشدة مصطلح جديد تمامًا وهو Mega Evant Management والمعروف أن الشق الثاني أي Evant Management يعني «إدارة الحدث» هو مصطلح وإن كان حديثًا نسبيًا إلا أنه مألوف، ففي ظل تنامي أعداد الفعاليات الثقافية والسياحية والفنية والرياضية والاقتصادية ظهر هذا التخصص ليدرس كيفية تنظيم وإدارة هذه الأحداث والفعاليات المختلفة بما يجعلها تخرج بالشكل اللائق وتحقيق الهدف من وراء إقامتها، ولكن ما أثار انتباهي هو الشق الأول أي مصطلح Mega والذي لم أعهده من قبل، ما هو؟ وما المقصود به؟ وما سر ارتباطه بإدارة الأحداث والفعاليات؟ وكان أول معنى استرجعته في ذهني عن هذه الكلمة «Mega» هي كلمة «ميجا» الشهيرة في عالم الكمبيوتر والتي نقيس من خلالها السعة التخزينية لذاكرة الكمبيوتر فهي تساوي تقريبًا المليون أو أكثر قليلاً من الكيلو بايت، والبايت كما هو معلوم وحدة قياس سعة تخزين ذاكرة الكمبيوتر.

لجأت إلى شبكة الإنترنت لأتعرف على المعنى الدقيق لهذا المصطلح الجديد Mega Event والذي لا يوجد له أي ذكر في أدبيات الإدارة العربية ولا يوجد له حتى مصطلح مقابل في اللغة العربية، وقد خرجت من البحث عبر الإنترنت بفكرة عن كنه هذا المصطلح، اذ تبين لي أنه مصطلح ظهر أخيرًا يستخدم للإشارة إلى الأحداث والفعاليات التي تستقطب عددًا من الزائرين والمشاركين يربو على المليون شخص. فإقامة حدث عدد زائريه يبلغ مليون شخص أو أكثر هو عبء تنظيمي وإداري ولوجيستي هائل - فلو علمنا أن بعض المحافظات والمقاطعات في بعض البلدان يقطنها مليون شخص أو أقل، بل إن هناك من الدول من يكون رقم المليون نسمة قد يشكل 50% من تعداد سكانه أو أكثر - فهذا قد يجعلنا ندرك الحجم الهائل لهذا التجمع البشري. إن استضافة هذا العدد الضخم من البشر يعني توفير سبل الإعاشة الكاملة لهم من مأكل ومسكن ومواصلات وأمن وطاقة واتصالات و.. و.. كل هذا يمثل عبئًا هائلاً على المدينة المضيفة وعلى مرافقها والتي هي أصلاً تنوء بحملها من سكانها الأصليين فما بالنا بوجود عدد مليون شخص إضافي أو أكثر سيشاركون سكان المدينة في استخدامهم لهذه المرافق.

فرص البيئة والأمن والعمل في استضافة المليونيات الرياضية

كيف تقدم المدينة نفسها كـ«مدينة خضراء»؟ يطرح السؤال نفسه على اللجان المسئولة عن اختيار المدن التي تستضيف الفعاليات الرياضية الضخمة التي لم يعد لعابها يسيل أمام ملفات المدن الصناعية الكبرى في العالم.

إن البيئة أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة استضافة وإقامة الأحداث والفعاليات المليونية مع تنامي النشاط الصناعي بشكل ضخم للغاية في الآونة الأخيرة وتنامي معدلات التلوث بصورة غير مسبوقة، فلم تعد اللجان المسئولة عن اختيار المدن التي تستضيف الفعاليات الرياضية الضخمة يسيل لعابها أمام ملفات المدن الصناعية الكبرى في العالم، بل على العكس أصبح النشاط الصناعي اللامحدود وغير الملتزم تجاه البيئة عنصرًا طاردًا لاستضافة الفعاليات الرياضية الضخمة فكيف نأتي بمليون إنسان إلى مصيدة التلوث والعوادم والغازات.

لقد أصبحت البيئة أحد أهم معايير التقييم لملفات الدول والمدن التي تتقدم لنيل شرف استضافة الأحداث الرياضية، ومن عجب أنه بعد أن كان للحضور السياسي للدولة وقعه في ترجيح كفتها لاستضافة الأحداث الرياضية الضخمة أضحى هذا الحضور يتراجع ليفسح المجال للحضور البيئي بحيث إن حضورًا سياسيًا فاعلاً على الصعيد الدولي لن يسمن ولن يغني من جوع في مقابل حضور بيئي سيئ، ولنا في بكين خير مثال حيث إنها كانت مهددة بعدم استضافة دورة الألعاب الأولمبية 2008 بسبب معدلات التلوث العالية جدًا، ففي سنة 2007 أي قبل تنظيم بكين للأولمبياد بعام واحد أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن تلوث الهواء في الصين أعلى 3 مرات من الحدود الآمنة، الأمر الذي دفع عددًا من الرياضيين ومنهم Haile Gebreslassie إلى إعلان عدم مشاركتهم في الأولمبياد، وذلك على الرغم من أن الصين أنفقت 15 مليار دولار على مشاريع وخطط تستهدف تحسين وضع البيئة لديها، ولقد طبقت الصين العديد من السياسات من أجل خفض معدلات التلوث العالية جدًا في بكين، حيث قامت بإخراج 200 مصنع تتسبب في إحداث نسب عالية من تلوث الهواء خارج بكين، وأوقفت العمل في كل مشاريع البناء في المدينة قبل شهرين من بدء فعاليات الدورة، وطلبت من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم الحد من الانبعاثات الكربونية في الهواء، كما تم تطبيق أنظمة لمعالجة أبخرة البنزين في 600 محطة للوقود ومستودعات النفط، وتم استبدال الفحم كمصدر للطاقة بالغاز الطبيعي وطاقة الرياح والطاقة الحرارية من باطن الأرض، وأنشأت المدينة محطات لمعالجة مياه الصرف ومرافق لمعالجة النفايات الصلبة وعملت على إنشاء أحزمة خضراء حول المدينة من خلال زراعة آلاف الأشجار والنباتات، وقامت بإنشاء 20 محمية طبيعية لحماية النباتات البرية والحيوانات والنباتات المائية والتكوينات الجيولوجية.

كيف تعاملت بكين مع التلوث الذي تسببه ملايين السيارات في شوارعها؟

في مدينة كبكين يسير في طرقها ملايين السيارات والحافلات يوميًا، وتشهد يوميًا تسجيل 1000 سيارة جديدة في إدارات المرور يصبح هذا الكم الهائل من السيارات عقبة كئودًا أمام مجهودات تحسين البيئة وتنقية الهواء إلا أن بكين وضعت اشتراطات بيئية ملزمة للسيارات كان على إثرها أن تم توجيه الإنذار لـ347 ألف سيارة لم تلتزم بالمعايير البيئية ومن ثم حظر سيرها في طرقات بكين في الفترة من شهر يوليو وحتى شهر سبتمبر 2008، واستبدلت السلطات 47 ألف سيارة قديمة و7 آلاف حافلة تعمل بالديزل بمركبات حديثة وصديقة للبيئة، كما قامت المدينة بخفض عدد المركبات في شوارع بكين بمعدل 45% أي ما يقارب 3.3 مليون سيارة، وذلك من خلال تطبيق نظام التبديل بحيث يصبح مسموحًا للسيارات ذات الأرقام الفردية بالسير في أيام معينة خلال الأسبوع والسيارات ذات الأرقام الزوجية باقي أيام الأسبوع، كما وضعت المدينة خطة لخفض المسافات التي تقطعها السيارات عبر شوارع بكين يوميًا بمعدل 32% خلال إقامة الدورة، كما أن قيام السلطات الصينية بإغلاق المدارس والمصالح الحكومية خلال فترة إقامة الدورة أسهم بشكل فعال في خفض عدد المركبات في المدينة وتخفيض الكثافة المرورية.

التحدي الأمني أمام المدن المستضيفة للمليونيات الرياضية

تمثل المليونيات الرياضية حدثًا أمنيًا استثنائيًا ويتضح ذلك من حشد الإمكانات الضخمة لاستضافة مثل تلك الفعاليات، وعادة ما توصف عمليات التأمين بأنها الأضخم والأعقد في تاريخ الدولة المضيفة، بل إن الإمكانات التي يتم حشدها لتأمين الأحداث المليونية تقارن عادة ببعض الجهود الأمنية والعسكرية للدولة ككل لتوضيح مدى ضخامة عملية التأمين، فمثلاً تمت مقارنة القوات التي أمنت دورة لندن الأولمبية 2012 بالقوات البريطانية العاملة في أفغانستان لنرى أن القوات التي أمنت لندن خلال فترة إقامة الألعاب هي أكبر من مثيلتها في أفغانستان، كما أن استعراض الأرقام الخاصة بعدد القوات وأنواع الأسلحة والتقنيات المستخدمة يشعرنا أننا أمام عملية تأمين دولة كاملة، وليست مجرد دورة للألعاب، فلو نظرنا إلى الأمن في دورة بكين الأولمبية 2008 سنجد أنه قام بتأمين فعاليات الدورة 34 ألف جندي من القوات المسلحة و90 ألف شرطي علاوة على 600 ألف متطوع وشاركت في عمليات التأمين 74 طائرة حربية و47 طائرة هليكوبتر و33 سفينة من سلاح البحرية.

أما في لندن 2012 فقد تم تثبيت قواعد للصواريخ أرض - جو على بعض المباني المحيطة بأماكن إقامة المباريات، كما تم إجراء العديد من المناورات التدريبية للقوات المشاركة في التأمين للتدرب على مواجهة التهديدات المحتملة.

علاوة على أن الأحداث الرياضية الضخمة ينظر إليها كهدف مثالي للأعمال الإرهابية بما تشمله الفعاليات الرياضية من عدد وافر من البشر من مختلف الجنسيات وكاميرات إعلامية مسلطة على الأحداث لنقلها إلى كل أنحاء العالم فهو حدث يقدر عدد مشاهديه بالمليارات عبر شاشات التلفزيون، وهو ما يظهر في الطفرة التي حدثت في الإنفاق الأمني على استضافة المليونيات الرياضية بعد 11 سبتمبر، فميزانية الأمن في دورة سيول الأولمبية «1988» وصلت إلى 66.2 مليون دولار لترتفع في دورة سيدني 2000 إلى 180 مليون دولار تقريبًا، ثم إن رقم الميزانية قد كسر حاجز المليار في أولمبياد ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتصل ميزانية الأمن في دورة أثينا 2004 (أول دورة أولمبية بعد أحداث 11 سبتمبر) إلى مليار وخمسمائة مليون دولار.

دور المليونيات الرياضية في توفير فرص العمل

تحتاج استضافة الأحداث الرياضية الضخمة إلى إنشاء سوق ضخم للعمالة والوظائف، وهو ماشاهدناه مثلاً عند استضافة دولة جنوب أفريقيا لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2010 والمشاريع المرتبطة بهذه الاستضافة، قد ساهمت في توفير 6.3 مليون فرصة عمل، وفي دورة لندن الأولمبية 2012 بلغ عدد العاملين في جميع الأنشطة المتعلقة بالدورة 200 ألف عامل بمن فيهم المتطوعون.

كما ساهمت دورة برشلونة الأولمبية في توفير 159 ألف فرصة عمل منها 148 ألف وظيفة بدوام كامل، ويذكد لدورة برشلونة إسهامها الواضح في خفض معدلات البطالة من 18.4% عام 1968 إلى 9.6% في 1992 عام إقامة الدورة، أما دورة أطلانطا الأولمبية 1996 فقد أنفقت 1.58 مليار دولار لخلق 25 ألف وظيفة كلها بدوام كامل.

يتضح من هذا العرض أن كلمة «ميجا Mega» التي توصف بها الأحداث الرياضية الضخمة ليست فقط مؤشرًا على ضخامة الفعاليات والمسابقات الرياضية، وإنما هي مؤشر على ضخامة كل الأنشطة المتعلقة باستضافة مثل هذه الأحداث من إسكان وتغذية ومواصلات وأمن وجهود بيئية جبارة وأسواق ضخمة للعمالة، فالحدث الرياضي بامتياز هو حدث سياحي بامتياز، هو حدث أمني بامتياز، هو حدث بيئي بامتياز، بالمحصلة هو حلم أو نموذج تقدمه المدن المستضيفة لباقي المدن في العالم لتحتذي به في نموها وتطورها.

إننا كمشاهدين للإبداع الرياضي عبر شاشات التلفزيون حول العالم، لا تنقل إلينا الكاميرات سوى المحصلة النهائية لجهود إدارية وتنظيمية ولوجستية ضخمة.

فياليت مدننا العربية تلتفت إلى نموذج المدينة الأولمبية وتستقي منه الحلول والنماذج في تطوير معيشة سكانها.

أحمد عبدالظهير محمود مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016