مختارات من:

تشخيص آلام البطن

نزار الباش

لعلّ السبب في كتابة هذا المقال تلك الجلسات التي جرت مع بعض المرضى الذين كانوا توّاقين لمعرفة الإجابة عن أسئلة كانت تراودهم، وليتهم بعد قراءة هذا البحث يحققون أمنيتهم.

مصطلح البطن الحاد يدل على أي اضطراب مفاجئ في البطن يحتاج إلى تدخل إسعافي وسريع، غالبًا هناك داء مستبطن ومتقدم، أي تأخير غير ضروري وغير مبرر في التشخيص والعلاج يؤثر بشكل معاكس على النتائج.

البطن الحاد يعد واحدًا من أكثر الاختبارات التي تواجه الطبيب في مهنته، وكون المشكلة تحتاج إلى حل عاجل، فإن المريض وأقرباءه غالبًا ما يكونون في حالة توتّر.

من الأفضل أن يُشتبه بالبطن الحاد حتى ولو كانت الشكوى غير نموذجية، والقصة المرضية والفحص يوجهان نحو معرفة الأسباب، وعندها يكون بمقدرة الطبيب اتخاذ القرارات المناسبة.

الأعراض (Symptoms):

الألم البطني (Abdominal Pain) هو عادة الصورة المسيطرة التي يتجلى بها البطن الحاد وهو العرض الأكثر شيوعًا، ومن أجل توضيح سببه يجب تحديد مكانه، وكيفية حدوثه، وتطوره وميزاته.

مكان الألم (Location of Pain):


الألم البطني ينشأ من أمرين:

1- الأحشاء (Viscera).

2- الصفاق الجداري (Parietal Peritoneum).

إن التعبير عن مكان الألم الحشوي داخل البطن يتماشى مع المنشأ الجنيني (EmbryologicalOrigin) للأحشاء، والألم الصادر منها له علاقة بمشاركة ما يسمى بالسوماتومس (Soma Tomes) وهو نتيجة لتوسع أو وجود إنتان بالأحشاء نفسها. من جهة أخرى الألم الجداري (Parietal Pain) ينشأ في مكان التحريض المباشر، الذي بدوره هو نتيجة عن حدوث إنتان أو وجود دم أو سائل من داخل لمعة الأمعاء (Intraluminal Fluid).

إن أعضاء الجهاز الهضمي تنشأ من المعي الجنيني الأمامي (Foregut) ومن المعي الجنيني المتوسط (Midgut) ومن المعي الجنيني الخلفي (Hindgut) والتي بدورها تكوّن أبنية الخط المتوسط (Midline Structures) ومن ثم فإن آلام الأحشاء المنحدرة من تلك الأعضاء تكون في البداية متوضّعة في الخط المتوسط من البطن، وبهدف الإشارة إلى مكان الألم يقسم جدار البطن إلى تسع مناطق.

إن أي ألم حشوي من عضو منحدر من المعي الجنيني الأمامي (أسفل المريء - المعدة - الاثنا عشر - الجهاز الصفراوي والبنكرياس) يكون في البداية شرسوفيا.

إن أي ألم حشوي من أعضاء المعي الجنيني المتوسط (أمعاء دقيقة - رتج ميكل «Mackle's Diverticulum» - الزائدة الدودية والأعور تكون بدايته حول السرّة).

كما أن أي ألم حشوي من أعضاء المعي الجنيني الخلفي (أمعاء غليظة ومستقيم) تكون بدايته في منطقة ما فوق العانة (Suprapubic Area).

المنشأ الجنيني للأعضاء البولية والتناسلية ثنائي وعلى جانبي البطن، لهذا فإن الألم الحشوي الذي يصدر من الكليتين، الحالبين، قنوات فالوب، المبيضين والخصيتين تكون بدايته في الخاصرة (Flank) والحفرة الحرقفية (Iliac Fossa).

وحالما يشارك الغطاء الصفاقي الجداري في العملية المرضية الحشوية، فإن الألم يتوضّع في المنطقة الجسدية التي تغطي الصفاق.

الوصف الثنائي للألم من أعضاء داخل البطن والحوض ينتج غالبًا عن انتقال - أو انتشار - الألم من مكان لآخر ومن هنا كانت الأهمية في معرفة منشأ الألم.

الألم البطني يمكن أن يكون ألمًا رجيعًا (Referred Pain) أو ألماً منتشرًا (Shifting Pain)، حيث إن مكان الألم في البداية يختلف عمّا يبديه المريض لاحقًا.

المصطلح «ألم رجيع» يدل على شعور جلدي مؤذ يشار إليه في موقع بعيد عن مكان صدور المنبهات الشديدة الأولى مثل الذي يلاحظ في الزاوية السفلية للوح الكتف الأيمن في حالة الحصاة والتهاب الحويصلة المرارية (Acute Cholecystitis And Cholelitiasis).

أما في حالة الألم المنتشر أو المنزاح (Spreading Or Shifting Pain)، فإن موقع بداية الألم مغاير عن موقع الوصف، وهكذا فإن الألم الحشوي الذي يحصل في التهاب الزائدة الدودية (Appendicitis) نتيجة لتوسع الزائدة (ألم شرسوفي أو حول السرّة) ينتشر لاحقًا إلى الحرقفية اليمنى فور مشاركة الجدار الصفاقي في العملية الإنتانية. أما في حالة انثقاب القرحة المعوية (Perforated Ulcer)، فإن الألم الشرسوفي ينزاح فيما بعد إلى المنطقة الحرقفية اليمنى، علمًا بأنه في هذه الحالة الأخيرة، يكون وصول المفرزات المعدية إلى المنطقة الموازية للكولون الأيمن له دور في حدوث الألم أيضًا.

خاصية أو نوعية الألم (Quality Of Pain):


وصف المريض للألم غالبًا يعطي مفتاحًا مهمًا لمعرفة المصدر، حيث إن الألم الصادر من الأحشاء (Viscera) يكون منتشرًا مع بداية بطيئة، ومن الصعب توضيح مكانه ويشتد لمستوى معين، وعندها يتلاشى. من ناحية أخرى الألم الذي ينتج عن مشاركة الصفاق الجداري (Parietal Peritoneum) عادة يكون شديدًا ومكانه واضحًا.

إن شدّة الألم (Intensity Of The Pain) تختلف حسب مصدره:

1- ألم يشتد ثم يبقى ثابتًا، يشاهد في انثقاب القرحة المعوية (Perforated Peptic Ulcer).

2- ألم مغصي (Colicky Pain) يشتد ويزداد خلال 5-10 دقائق، وعندها يتراجع، أي أن هناك أدوارًا من لا ألم ليعود ويزداد ثانية إلى الشدة نفسها كما في حالة حصاة حالب أو انسداد أمعاء دقيقة (Ureteric Stone & Small Bowel Obstruction).

3- ألم متموّج (Fluctuant Pain) تزداد شدّته وعندئذ يتموّج من دون الوصول إلى حالة لا ألم كما في حالة الحصاة المرارية (Gallston Pain).

أعراض ترافق الألم البطني (Symptoms Associated With Abdominal Pain):

يمكن للألم أن يترافق مع تناول الطعام كما يحدث في القرحة، الألم الصفراوي والألم الكولوني.

يمكن للألم أن يترافق مع مرات قيء كثيرة والتي بدورها تخفف من شدة الألم كما في انسداد الأمعاء الدقيقة.

ويمكن أن يترافق الألم مع تبدّل بوظيفة الأمعاء كما في الألم الكولوني.

يمكن أن يترافق الألم مع بيلة دموية كما يحصل في التهاب أو حصوات المجاري البولية.

الفحص العام (General Examination):

فحص مريض يعاني من بطن حاد يتركز على استنباط علامات تساعد على الوصول إلى التشخيص ثم تقييم استجابة المريض للحالة المستنبطة، ولهذا فإن فحص العلامات الحيوية مثل الضغط الشرياني، النبض، التنفس، حرارة، درجة الوعي شيء أساسي.

فحص البطن (Abdominal Examination):

يجب أن يكون بلطف والمريض بحالة الاسترخاء للحصول على علامات دقيقة تبين ما إذا كانت الحالة تستدعي التدخل السريع. إن ملاحظة البطن بحذر ستوضح إذا كان جداره يتحرك بشكل طبيعي مع التنفس، أية حركة دفاعية لجدار البطن أثناء التنفس تشير إلى تهيّج بريتواني (صفاقي) وبالتالي لحالة مرضية.

القرع (Percussion):

الطريقة الأكثر فائدة لاكتشاف إثارة بريتوانية (صفاقية) (Peritoneal Irritation) عند مريض يعاني من بطن حاد هي قرع البطن بلطف، إن الإيلام (Tenderness) الذي يظهر عند إجراء هذا الاختبار يمكن أن يكون معمّمًا كما هو الحال في انثقاب أحشاء أو متوضّعًا كما هو الحال في التهاب الزائدة.

الجَسّ (Palpation):

يجب أن يجري بلطف وراحة اليد والأصابع بوضعية مبسوطة، المريض سوف يُقلّص عضلات جدار البطن. إن تحرير الجَسّ بشكل مفاجئ سيسبب ألمًا للمريض وهذه علامة مهمة في حالة البطن الحاد.

التسمّع (Auscultation):

هذا الفحص يحدد وجود أو عدم وجود زيادة في الحركات المعوية.

الفحص الشعاعي (X-Ray):

صورة البطن بوضعية الوقوف مهمة وخاصة في انثقاب الأحشاء أو انسداد الأمعاء، صورة الصدر أيضًا مهمة لاستثناء ذات رئة التي يمكن أن تترافق مع علامات بطن حاد.

الفحص الطبقي المحوري والإيكو (CT Scan & Ultra Sound):

هو واحد من الفحوصات غير الرضيّة والأكثر إفادة وسرعة، وعن طريقها بالإمكان معرفة وجود حصوات مرارية أو خرّاج كبد أو وزمة بنكرياس (التهاب بنكرياس) أو وجود أي تجمّع سائلي داخل البطن.

تنظير جوف البطن (Laparoscopy):

عندما يبقى التشخيص في شك والحالة السريرية غير واضحة، فإن التنظير سيحدد السبب، وبموجب هذا الفحص من الممكن أحيانًا علاج الداء المستبطن مثل انثقاب قرحة معوية - التهاب مرارة - التصاقات معوية - التهاب زائدة دودية وتمزّق كيسة مبيض.

وهكذا تم إعطاء فكرة عن التشخيص والاقتراب من مريض يعاني من بطن حاد مع التأكيد على أخذ القصة المرضية بحذر والقيام بالفحص بشكل لطيف ودقيق ثم التركيز على التنظير لأهميته في التشخيص والعلاج.

حالات البطن الحاد تتضمن مفاجآت، ومستوى المعرفة يلعب دورًا كبيرًا ومهمًا في الوصول إلى التشخيص، فالأساس الطبي النظري يظلّ مقرونًا بالخبرة العملية الواسعة ليكون باستطاعة الطبيب المعالج تأدية عمله بجدارة ونجاح.

نزار الباش مجلة العربي سبتمبر 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016