مختارات من:

معرض العربي: دييغو فيلاسكيز «عجوز تقلي بيضًا»

عبود طلعت عطية

عندما يدور الحديث عن الرسام الإسباني فيلاسكيز، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى لوحاته الشهيرة التي رسمها لبلاط الملك الإسباني فيليب الرابع، وتُظهر الملك وأسرته والأميرات.. ولكن ثمة مرحلة مجهولة و«مُفترى عليها» في حياة هذا الرسام، تعود إلى ما قبل العام 1628م، تاريخ تعيينه رسميًا «رسَّام البلاط».

وقد تميز حكم سلالة هابسبورغ لإسبانيا بالتعصب الديني الشديد. وكان الملك فيليب الرابع، كما كان سلفاه فيليب الثاني وفيليب الثالث، يرى أن الحفاظ على الكاثوليكية يجب أن يبقى في عهدة محاكم التفتيش، وأن كل عمل فني يتضمن هرطقة دينية أو انحرافًا أخلاقيًا يجب أن يُقمع. وتحت هذه الرقابة الصارمة راح دييغو فيلاسكيز المولود في إشبيلية عام 1599م يتعلم فن الرسم لدى محترف رسام شهير في المدينة يدعى باتشيكو. وقبل أن يُكمل فيلاسكيز عقده الثاني من العمر، كان قد طوَّر تيارًا فنيًا عُرف باسم «باديغون» (والترجمة الحرفية لهذه الكلمة هي حانة)، ويقوم هذا التيار على رسم مشاهد داخلية، سرعان ما طغت عليها المواضيع المستوحاة من المطابخ، ومنها ظهرت الطبيعة الصامتة المستوحاة من المطبخ.

كان فيلاسكيز في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة من عمره عندما رسم هذه اللوحة التي تظهر فيها امرأة عجوز في مطبخ بيتها تقلي بيضًا لفتى يبدو عليه أنه حفيدها، إنها لوحة مدهشة بكل مقاييس «الصَّنعة»، ففيها نرى قدرة فذة في التعبير عن ملمس عدد كبير جدًا من المواد: القماش الصوفي الأحمر، الخزف المزجج وغير المزجج بألوانه المختلفة، الخشب، النحاس، البصل، والبيض الغارق في الزيت.. وعلى الرغم من أن هذه الأشياء تبدو - كما هو حال الشخصيتين الظاهرتين هنا - مبعثرة في فضاء مظلم، لا يلامس أحدها الآخر، فإن الضوء الواحد هو ما يضفي على هذه الأشياء وحدتها، ويقنعنا فعلًا بأنها كلها كانت هناك ووفق هذا الترتيب.

ولو رسمنا خطًا عموديًا في منتصف اللوحة، لوجدنا أن المساحات المضاءة تتساوى في جهتيه اليسرى واليمنى. ولكننا لو رسمنا خطًا آخر من وجه الفتى وحتى الإناء الخزفي الأبيض لوجدنا أن معظم الأشياء تحتشد في المثلث السفلي من المستطيل، ولا يبقى في المثلث الأعلى غير وجه المرأة.

ثمة صلة قوية بين هذه الإضاءة وهذا التركيب وما نراه في لوحات الإيطالي كارافاجيو. ولكننا لا نعرف ما إذا كان فيلاسكيز قد اطلع على بعض لوحات كارافاجيو في إسبانيا، لأننا نعرف أنه لم يسافر إلى إيطاليا إلا عام 1628م.

ومهما يكن من أمر، يمكن لأي مشاهد أن يتأكد من عبقرية التركيب وتوزيع عناصر هذه اللوحة من خلال لعبة بسيطة، وهي أن يغطي بأصابعه شيئًا واحدًا ظاهرًا في هذه اللوحة، ويتخيل أنه غير موجود، ليلاحظ كيف أن توازنها يختل تمامًا.

عبود طلعت عطية مجلة العربي سبتمبر 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016