مختارات من:

الفنان كامي بيسارو «السطوح الحمراء»

عبود طلعت عطية

في عام 1893م، أقامت غاليري دوران-رويل في باريس، معرضًا ضخمًا ضم 46 لوحة لبيسارو و55 لوحة لفنان آخر هو أنطونيو دي لا غاندارا. وقد رحَّب النقاد كل الترحيب بلوحات غاندارا وأبدوا فتورًا ملحوظًا تجاه بيسارو. ففي ذلك الزمن، كان الكثيرون يتطلعون إلى بيسارو على أنه صاحب لوحات غير متساوية الأهمية. وإن كان في ذلك شيء من الصحة، فهو يعني أيضًا أن بإمكان هذا الفنان أن يصل بين حين وآخر إلى القمة.

وهذا ما لم يعترف به مؤرخو الفن والنقاد إلا في القرن العشرين، بالرغم من وجود هذا الفنان في صميم الحركة الانطباعية منذ مشاركته في المعرض الانطباعي الأول، وصولًا إلى ترك بصماته واضحة على مسيرة أساتذة كبار لاحقين مثل غوغان وسيزان وسورا.

تكوّنت الشخصية الفنية عند بيسارو من عوامل عدة: مولده وطفولته في جزيرة سانت توماس التي كانت خاضعة للاستعمار الدانماركي في البحر الكاريبي، وجولاته على بعض دول أمريكا اللاتينية، مثل فنزويلا، خلال فتوته، ولاحقًا دراسته للفن في باريس بدءًا من عام 1855م في مدرسة الفنون الجميلة وفي الأكاديمية السويسرية، على أيدي أستاذين كبيرين هما كورو وكوربيه. وخلال الحرب البروسية - الفرنسية، التجأ إلى إنجلترا، حيث اطلع عن قرب على لوحات تورنر. وأدت «خلطة» المؤثرات هذه إلى ظهور شخصية فنية مميزة عن كل ما حولها.

في المعارض التي شارك فيها بين العامين 1864 و1865م، كان بيسارو يعرِّف نفسه بأنه تلميذ كورو، والأمر صحيح، فقد امتازت أعماله التي انصبَّت بشكل خاص آنذاك على مشاهد الممرات في الحقول والطرق الترابية المحاطة بالأشجار بقربها أكثر إلى أعمال كورو منها إلى الانطباعية.

ولكن سرعان ما غرق الرسام في لعبة الضوء وتبدلاته، وقاد الحركة الانطباعية إلى جانب مونيه ومانيه ورينوار.. وسرعان ما أصبحت له شخصيته التقنية الخاصة التي ميزته عن الآخرين.

في نصيحة أعطاها لرسام شاب يدعى لويس لو باي قال بيسارو: «لا تحدد عن قرب خطوط الأشياء.. ولا ترسم موضعًا بعد موضع، بل ضع الألوان دفعة واحدة وفي كل الأماكن، بضربات صحيحة من الفرشاة بعد اختيار الألوان المناسبة».

وعندما نتطلع إلى لوحته «السطوح الحمراء» التي نحن بصددها هنا، نكتشف فورًا أهمية هذه التقنية المبتكرة. فالأزرق الرمادي في السماء هو نفسه على أبواب المنازل، والقرميد الأحمر-البني هو بلون التراب والأعشاب، وبعض السطوح رسمت باللون الذي رسم به الفنان الأشجار.. وكل هذا يعطي هذا المشهد الطبيعي -المرسوم في يوم شتائي بارد بدليل تعري الأشجار من الأوراق- وحدة لونية وتناغمًا بين كل تفاصيلها عزَّ نظيره في معظم لوحات الانطباعيين. أما ضربات الفرشاة القصيرة والصغيرة فتنبئ بجنوح الرسام في وقت لاحق إلى ما عرف لاحقًا بـ«التنقيط» الذي رسم به عدة لوحات، وفتح الباب أمام انطباعي آخر هو جورج سورا ليبني شهرته من خلال تلك التقنية المميزة، التي لم يكن لبيسارو وسورا فيها وريث على مقامهما.

عبود طلعت عطية مجلة العربي يوليو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016