مختارات من:

من المكتبة العربية: خطاب الحداثة: قراءة نقدية

حميد سمير

تظلّ قضية الحداثة الغربيّة وموقف الذات العربيّة منها قضيةً متمتّعَةً بفحولة إنتاجية تغوي العقلَ العربي الواعي بإعادة قراءتها من حين لآخر عبر أدوات منهجية متعددة ومتباينة بغية تحديد المكتسبات والخسائر اللتين حازتهما الثقافة العربية نتيجة استعارتها نموذج الحداثة الغربية ومقضياته الشاملة. ويعد كتاب «خطاب الحداثة: قراءة نقدية» للدكتور وحيد سمير إحدى المحاولات الجادة لقراءة تجربة الحداثة في الثقافة العربية عبر لغة بسيطة ودالة، وأسلوب نقديّ استقصائيّ باذخ، ومنهجية علمية لا تخفى على متلقي الكتاب الصادر عن سلسلة روافد التابعة لإدارة الثقافة الإسلامية بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت.

يتناول الكاتب في الفصل الأول بأسلوب تشريحي راق إحدى أشهر المقولات في الخطاب الحداثي ويقوم بإخضاعها للقراءة التحليلية المعنية بالبحث في الجذور الفلسفية لهذه المقولة وهي مقولة «موت المؤلف» التي تشكّل أحد الثوابت الراسخة في الفكر الحداثي الغربي والعربي المعاصريْن على حد سواء، فيكشف لنا الكاتب أن فهمنا لهذه المقولة ذائعة الصيت يرتهن بمقاربة الموروث الفلسفي الذي تتكئ عليه هذه المقولة، فمقولة «موت المؤلف» التي بزغت في القرن التاسع عشر اقترن ظهورها بفلسفة «نيتشه» التي جسَّدها في الإعلان الذي رفعه عن موت الإله، كما أنها تدخل في علاقة وثيقة بأسطورة «بروميثيوس» سارق النار المقدسة - نار المعرفة - التي تجسّد العداء الذي كان قائمًا بين الإنسان والآلهة، وقد جعلت هذه العلاقة المتوترة من الإنسان ندًّا للإله، ومن ثمَّ أصبحت كل خطوة يخطوها الإنسان في سبيل تحقيق حلم المعرفة الكاملة تتزامن مع خطوة يتراجع فيها الإله عن مكانته العلياء حتى اختفى تمامًا - كما يقول نيتشه - وفي القرن العشرين تبلورت هذه الفكرة واتسع مدلولها ليشمل نفي الفاعل عامة وعدم الاعتراف به وبأهميته في الحياة، ولقيتْ الفكرة رواجًا عند أصحاب الاتجاه البنيوي وما بعد البنيوي الذين لا يؤمنون بالفاعل وينكرون دور الذات في أي إبداع، ويختزلون العمل في مجموعة من العلاقات المتشعبة التي تجمع بين أجزائه لا على كينونة العنصر الفاعل، وقد اتخذ أصحاب هذا الاتجاه من اعتباطية العلامة اللغوية مدخلاً رئيسيًا يؤكدون من خلاله فرضية نفي حضور المؤلف داخل النص، فإذا كانت اللغة ليست سوى نظام إشارات اعتباطية فارغة من أي معنى أيقوني دال على صاحبه، فإنه لا يبقى من أهمية لمن تصدر عنه هذه الإشارات، ومن ثم تحولت هذه المقولة إلى ما يشبه الاعتقاد الراسخ في الفلسفة المعاصرة وبلغت نهايتها في فكر «فوكو» و«بارت» و«دريدا» و«كلود ليفي شتراوس» و«لوسيان جولدمان» وغيرهم ممن اتخذوا من هذه المقولة مبررًا لنزع الطابع القدسي الذي كانت تتخذه صورة المؤلف في كل الأعمال. وقد ساهمت هذه المقولة - كما يرى المؤلف - في انتشار فلسفة العبث واللاجدوى التي أصبحت منتشرةً في كل ضروب الفكر الغربي باعتبارها نتيجة مباشرة لغياب المعنى عن هذا الفكر الذي ظل يضرب في التيه ويخبط خبط عشواء عكسته الأعمال الإبداعية التي نشأت في هذا السياق وتشربت فلسفته ومنها مسرحية «في انتظار جودو» لصموئيل بيكت، فجودو المشتقة من لفظة GOD التي تعني «الله» تؤسس ثنائية الانتظار وجودو، أي الزمن والله، شيئان دخل معهما الفكر الغربي في صراع لم يتمكن من حسمه لصالحه فحاول تغييبهما برؤى فلسفية تعلي من شأن الإنسان على حسابهما، والفلسفة الغربية بهذا قد استبدلت بفكرة الفاعل والخالق فكرة العود الأبدي وما تعنيه من تكرار سيزيفي يتنافى وفكرة المعنى في الحياة وهو ما يتعارض بشكل حاد مع فكرة المؤلف في التصور الإسلامي التي تعد قضية جوهرية فللطبيعة والكون مؤلفٌ تدل عليه آثارٌ وعلامات، ووراء كل عمل يوجد فاعل له مقاصد ونوايا محددة دون أن يتعارض ذلك وفكرة اللاتناهي التي تجري فيها دماءٌ إسلامية لأنها وليدة الفكر الإسلامي الذي رأى في المتناهي صنمًا يعوق حركة العقل.

الحداثة الغربية.. الحداثة المستعارة

يطرح الكاتب في الفصل الثاني من كتابه الشائق قضية بالغة الخطورة وهي محاولة الحداثة العربية استنساخ النموذج الغربي واستعارته، فلقد بات مشروع التنوير والتحديث في العالم العربي ضرورة، فمسألة الاستعارة من الغير والاستنارة بنموذجه الحداثي هي قضية لاغنى عنها، باعتبارها ممارسة يلجأ إليها كلّ عقل يتغيَّا الارتقاءَ والتطور، غير أن هذا الأمر يظلّ مشروطًا بألا يتحوَّل التحديث إلى حداثة مستنسخة تستعير النموذج الغربي وتقلّد فكره الجاهز وتتبع آثاره الثقافية، خاصة أن الحداثة الغربية تعيش الآن حالة مراجعة شاملة لثوابتها كلها بغية تدارك النقص والأخطاء التي أوصلت العقل الغربي إلى الحائط المسدود.

إن هناك فرقًا كبيرًا بين مفهومي الحداثة والتحديث، فكلمة التحديث تدل على الفعل والحركة والاندفاع نحو تحقيق نموذج ما وصولاً إلى وضع متطور عند نقطة المنطلق، أما الحداثة فإنها تدل على السكون واختفاء الذات وهكذا تكون العلاقة بين التحديث والحداثة كعلاقة الفعل مع الأداة والحركة مع السكون، ومن ثم فليس حتميًا أن يكون التحديث العربي متعلقًا بشكل جذري وأحادي بنموذج الحداثة الغربية، خاصة أن الغرب نفسه أصبح يؤمن بأن الطريق إلى النمو والازدهار لا يمر دائمًا عبر نموذج حداثته المؤسسة على مبادئ ثلاثة هي الفردية، العقلنة أو العلمنة، الدنيوية، وهي المبادئ التي تغيّب مبادئ أخرى مناقضة لها وهي الله والوحي والآخرة.

وهذا النموذج بمبادئه الثلاثة هو النموذج الذي تعاملت معه الحداثة العربية باعتباره النموذج الأمثل بعد هزيمة 1967م دون مراعاة للاختلاف بين الوسيلة المستعارة وخصوصية الثقافة الإسلامية. وقليل من الحداثيين العرب من حاولوا قراءة هذه الحداثة الغربية قراءة نقدية محضة بغية استلهام إيجابياتها والنجاة من شرك سلبياتها العديدة، ومن هؤلاء د.عبد العزيز حمودة الذي سعى إلى إنشاء نموذج خاص بالحداثة العربية بعد أن فطن إلى خطورة استنساخ النموذج الحداثي الغربي، وقد عرض د. حمودة مشروعه النقدي في أعمال ثلاثة - صدرت عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية -هي: المرايا المحدبة من البنيوية إلى التفكيكية، والمرايا المقعرة نحو نظرية نقدية عربية، والخروج من التيه دراسة في سلطة النص، وقد حاول د. حمودة عبر مشروعه التنويري هذا التحذيرَ من خطورة استيراد المناهج الغربية دون إمعان النظر فيها، وكذلك نقد التجربة الاستتباعية، وأخيرًا محاولة إيجاد بديل عربي أصيل للحداثة الغربية.

الهيرمينوطيقا والنص القرآني

يكشف د. حميد سمير في الفصل الثالث أن الحداثة الغربية اتخذت من خلال العديد من المناهج القرائية آليات تفسر عبرها النصوص وهي المناهج السائدة في تيار البنيوية وما بعد البنيوية، وهي مناهج تتجلى غايتها في الوظيفة الهيرمينوطيقية التي تقوم على القراءة والتفسير والتأويل وفق رؤية للحياة توظف آليات جديدة مثل مفهوم البنية والنصية والتناص والتفكيك والتأويل والتلقي، وبالعودة إلى الأصل المعرفي الذي تفرعت عنه هذه المناهج يتبين لنا أن كلمة هيرمينوطيقا تعني ثلاثة أشياء: التعبير والشرح والترجمة، أي فن - أو علم - تفسير وتأويل النصوص وكان استخدامه في البداية مرتبطًا بالطابع الكهنوتي المتعلق بتفسير الكتاب المقدس، ومنذ القرن التاسع عشر تحقق للمصطلح انتشار واسع على يد المفكر الألماني «شيلر ماخر» 1843م الذي انتقل بالمفهوم من دائرة الاستخدام اللاهوتي ليكون علمًا لعملية الفهم وشروطها في تحليل النصوص بصورة عامة، ولا فرق في ذلك بين نص ديني ونص ذي مصدر إنساني، وقد مرت الهيرمينوطيقا بعد استقلالها عن النص الديني بمراحل ثلاث هي: المرحلة الفينومينولوجية أو الظاهراتية التي أصبح عبرها معنى النص مرتبطا باستحضار تجربة مؤلفه، ثم المرحلة البنيوية، وقد تعاملت مع النص بوصفه كائنًا منعزلاً عن مؤلفه، وأخيرًا المرحلة التفكيكية التي تعد امتدادًا متطرفًا للمرحلة السابقة لأنها تقوم على نفي الفاعل ومقاصده من النص.

وقد اتخذ العديد من الباحثين العرب من هذه المناهج أجهزةً مفهومية أخضعوا قراءة النص القرآني لمقتضياتها ومن هؤلاء د.نصر حامد أبوزيد الذي رأى في النص - أي نص - عائقًا يحول دون حرية العقل ولذلك ينبغي الانعتاق من سلطته، فأبو زيد في كتابه «النص، السلطة، الحقيقة» يرى أن النص سلطة تنتمي إلى الماضي ولكنها تحاول الهيمنة على الحاضر والمستقبل والحل في رأيه هو إخضاع النص لمنطق العقل وسؤاله وشكّه أيضًا، وآنئذ يفقد النص قدسيته ويصبح ملكًا مشاعًا لكل مؤول شأنه في ذلك شأن أي نص ذي مصدر بشري، ومن ثم يتحول النص القرآني إلى بنية لغوية ونصية مما ينفي الوظيفة العلمية المتمثلة في الجانب التربوي والعقدي والاقتصار على الوظيفة اللغوية والجمالية فحسب، ويبدو أبو زيد هنا مفتونًا بالنزعة الشكلانية التي أخضع النص القرآني قسرًا لأدواتها مما جعله يقتطع بعض نصوص عبد القاهر الجرجاني من سياقاتها لتعضد فكرته التي تقول بنصية القرآن بالمعنى البنيوي البعيد عن كل فاعل خارج النص. ومن ثم يقرر الكاتب أن قراءةَ أبي زيد قراءة تلوينية توازي العديد من الكتابات المعاصرة التي وصفها أبوزيد نفسه بالكتابات المغرضة.

بين إقبال وطه حسين والحداثة الشعرية

يتخذ الكاتب في الفصل الرابع من تجربة محمد إقبال في عرض القضايا الإسلامية نموذجًا لإثبات التأثير السلبي لانتقال الفكر الحداثي الغربي إلى العقلية العربية، فقد واجه إقبال بيئتين متناقضتين، الأولى ينعدم فيها أي حضور لذاتية الإنسان وهي البيئة الشرقية، والثانية بالغت في إثبات الذات وتضخيمها إلى درجة التبشير بمولد الإنسان السوبر مان، وقد انحاز إقبال إلى الحداثة الغربية التي استوحى منها فكرة العود الأبدي، مؤكدًا أن التجربة في الإسلام تذهب عميقًا في الزمان والمكان، ولا تتناهى حدودها، وإن فاعلها أيضًا يملك حركة لا تعرف هي الأخرى حدودًا، حيث لا ينتهي به المطاف إلى قرار السكون بعد الموت وهو ما يؤكد الكاتب على تعارضه مع الرؤية الإسلامية التي تنفي اللعنة الأبدية، ويخلص الكاتب إلى أن العوار الذي أصاب رؤية إقبال للفكر الإسلامي وخاصة قضايا العقيدة يرجع إلى اعتماده على منهج مستعار تتعارض نشأته مع القيم التي تتوغل في المجتمع صاحب القضايا المقروءة.

ينتقل الكاتب في الفصل الخامس إلى موضوع الحوارية بين السلفية والحداثة في الثقافة العربية، من خلال مقاربة تحليلية لنص «الدكتور طه حسين في إلغ» للمختار السوسي الذي يتخذ شكل الحوارية بين محمد المختار السوسي أيقونة السلفية في المغرب وطه حسين نموذج المثقف الحداثي في مصر، ويخضع الكاتب هذا النص للتحليل عبر التعرض لمستويات ثلاثة هي: الشكل، والمتحاوران، وموضوع المحاورة، ليخلص في النهاية إلى أن هذه المناظرة الحوارية أبرزت صورة التعارض الذي كان قائمًا بين منظومتين معرفيتين تختلفان في التصور والتفسير.

ويخصص د. حميد سمير الفصل السادس والأخير لبحث الأصول العقدية للحداثة الشعرية، وبعد أن استعرض الكاتب نموذجين لاثنين من أشهر شعراء الحداثة الغربية وهما «إليوت» و«ييتس» يحكم بأن الحداثة الشعرية الغربية هي عقيدة مسيحية ومثالية على طريقة الكنيسة الإنجليكانية صيغت في قالب فني تخيلي، وهو الحكم الذي يتخذه مدخلاً لنقد شعراء العربية المحدثين من أمثال أدونيس وغيره ممن اتخذ من شعر الحداثة الغربي نموذجًا ينبغي احتذاؤه دون مراعاة لطبيعة السياق العربي الإسلامي المتعارض مع قيم هذه الحداثة الغربية المستنسخة وهو ما أدى إلى احتشاد الشعر العربي الحديث بالرموز اللغوية والأشكال الفنية التي تحيل إلى دلالات دينية ووثنية، ربما لا يدركها مستخدمو هذه الرموز والأشكال نتيجة وقوعهم في غواية الحداثة الغربية الشعرية وافتنانهم بشعرائها دون وعي كامل بالخلفيات المرجعية لنشأتها، ليغدو الشعر العربي الحداثي في كثير من جوانبه نسخة ممسوخة من الشعر الغربي، بدلاً من أن يكون تجليًا لبيئته العربية ذات الموروث الباذخ والمضامين الغنية.

حميد سمير مجلة العربي يوليو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016