مختارات من:

قراءة نقدية.. في أكليل من الزهور

رمضان بسطاويسي

للقاص: محمد العمري


هذه المجموعة القصصية هي الكتاب الثالث للكاتب، فقد صدر له من قبل كتاب "إلحاح" 983 1، و"شمس بيضاء" 1995، ويعتبر هذا الكتاب امتدادا لتجربته القصصية، التي تتجسد في سمات فنية تميز تجربة القاص، الذي يحاول أن يخوض في منطقة غير مأهولة بالكتابة عنها في القص العربي، وهي تجربة الإنسان العربي الذي يسافر إلى قطر عربي آخر للعمل.

في هذه المجموعة من القصص يحاول الكاتب أن يصور كيف يتعامل الإنسان العربي مع البشر الذين يختلف معهم في الثقافة، والمقصود بالثقافة هنا، ضمن معانيها المتعددة، صورة الحياة اليومية وطرق إنفاق الوقت من خلال الجذور والينابيع الثقافية، فهنالك تباين نوعي بين الأقطار العربية في هذا الجانب الثقافي، وهو تعدد في إطار الوحدة اللغوية التي ينتمي إليها الإنسان العربي. والإبداع العربي هو الذي يكشف عن هذا التباين، وكشفه يعمق الوحدة، ولا يضادها، فكل قطر عربي له خصوصيته في المكان. تكشف عنها السمات الطبوغرافية للمكان التي يظهرها الإبداع من خلال تجاعيد علاقة الإنسان بهذا المكان، وقد اهتم العمري في كتابه السابق "شمس بيضاء" بالكيفية التي يعيد بها الإنسان بناء ذاته، حين يواجه ثقافة مختلف، وحينما كانت هذه الثقافة مختلفة لغويا، كان الأدب العربي يجسد هذه العلاقة في الصراع بين الشرق والغرب، وظهرت صورة الغرب الخيالي - كما تجسد في الإبداع - في أعمال كثيرة من الأدب العربي، لكن - وهذا هو الجديد - كيف يكون الحال حين يهاجر المرء إلى أجزاء من الوطن العربي الكبير، وليس إلى الآخر، فكأنها رحلة داخل الأنا، لأن تناقضات المكان الجديد، تكشف للذات الإنسانية عن تناقضاتها، ويؤدي هذا إلى تعاظم وعيها بإدراك الفروق الدقيقة في صور الحياة اليومية، فتكشف أنماطا - لم يكن من الممكن اكتشافها لولا الإبداع - من الثقافات التي تندرج داخل الثقافة الأم، وهي الثقافة العربية، ويقصد بها ذلك الكيان الإنساني الذي يقيم حياته داخل نطاق جغرافي معين. ولذلك ينتفي عن "العربية"، أي معنى عرقي، أو لغوي، فكثير من الشعوب تنضوي تحت هذا اللواء الحضاري.

وتباين المكان وجمالياته من الصحراء إلى الوديان إلى الدلتا، جعل ملامح البشر النفسية والعقلية والوجدانية تختلف نتيجة لاختلاف "الوسط" الذي يعيشون فيه، وقد ظل الأدب العربي لا يبرح أماكن بعينها مثل: المدينة، والريف، ولم يتعرض للصحراء كموضوع جمالي إلا في الآونة الأخيرة حيث بدأ البحر والصحراء تصبح كأماكن هي موضوعات للقص العربي يكشف عن ملامح الإنسان العربي، وجذوره التاريخية وملامحه الاجتماعية والسياسية.

السفر والاغتراب

يضم كتاب "إكليل من الزهور" ثماني قصص، قسمها القاص إلى ثلاثة أقسام، كعادته مثلما فعل في كتابه السابق "شمس بيضاء"، وهي: رياح السموم، إكليل من الزهور، حوار الحضارات.

ففي الجزء الأول من الكتاب نخرج تدريجيا من عالم السفر والاغتراب والرمل والصحراء، إلى عالم تأمل خبرات الذات "عن" العالم، ففي قصة "رياح السموم"، نجد الذات الإنسانية ترقب ما يدور حولها بدلا من المشاركة في صنع الأحداث، وكأن هذا الخروج على المستوى النفسي هو تمهيد لمغادرة المكان الذي نعيش فيه إلى المكان الذي نحمله في داخلنا، الوطن الذي يرقد كتفاصيل صغيرة في الذاكرة. فالذات هنا تحاول استيعاب العالم بشكل كلي، فتخلق تلك المسافة النفسية التي تتيح لها عدم الانغماس في العالم، وإنما تبقى خارجه، فالطبيب في هذه القصة يرقب الرجل الذي يصنع الحساء من عيون الصقور، ويضعها في طبق ليتناولها، وهو لا يستشعر الألم الذي كنا نواجهه في "شمس بيضاء"، فهنا نجد محاولة لفهم العالم، واكتشاف التركيب والتعقيد الذي يتضمنه، فالشخصية الرئيسية في هذه القصة تحاول اكتشاف إمكاناتها من خلال اكتشاف العالم الخارجي، وهي وسيلة لقراءة الداخل، وهذه الالية في الكتابة، نجدها في القصة التالية وهي: "صمت الرمل" حيث يجسد القاص طقوس استقبال الزوج العائد من الغربة الطويلة، فالمرأة التي تهيىء نفسها للزوج، لا نستشعر فيها ملامح الزوجة التواقة لزوجها، وإنما نرى فيها طقوس الاستعداد لدى الزوج معكوسة على الزوجة، ولذلك كل منهما، الزوج والزوجة، يتصور الآخر كما هو، في صندوق سحري، اذا فتحه، وجد ما يبحث عنه، بينما الغربة والمكان الجديد تشكل أبعاد الشخصية على نحو لم يخطر ببال الراوي، ولذلك فحين يأتي الزوج ليلتقي بالزوجة، بعد الغياب الطويل، يحدث هذا الانكسار الحاد، بين الشوق المتدفق، والروح الميتة التي يحملها الزوج معه عبر رحلته الطويلة..

وفي قصة "رقصة الملائكة" عودة للأم - وهي موضوع أثير لدى القاص، يتكرر لديه بأبعاد مختلفة عن علاقة الابن بأمه - التي ترقب، من طرف خفي، تفتح رغبات الابن، حين يغازل الممرضات في المستشفى، وهي على سرير المرض، كأنها فرحة بعودة الحياة إلى حواسه، بعدما شهدت موته مع زوجته على المستوى الحسي، وعاد إليها من بلاد الغربة، بليد العيون والملامح.

صمت الشهداء

وفي الجزء الثاني من الكتاب، وهو يحمل عنوان الكتاب الرئيسي، "إكليل من الزهور"، ينتقل القاص من عالم الذات التي تكتشف نفسها عبر ثقافتين متباينتين إلى اكتشاف البعد السياسي في الصراع العربي الإسرائيلي، فالنصب التذكاري يجسد ما آل إليه حال الشهداء في وعي الأمة، حين يأتي وفد إسرائيلي يزور النصب التذكاري، ضمن زياراته لأماكن عديدة في الوطن، فترفرف النجمة السداسية للعلم الإسرائيلي على مقبرة الشهداء، الذين استشهدوا دفاعا عن الوطن بأيدي هؤلاء الذين يغزون الوطن، ويصبح الشهداء هم مجرد إكليل من الزهور، كتلك التي اختارها القاص على غلاف الكتاب، مجرد طبيعة صامتة لرمز متألم، وجرح عميق في الذات. وهذه الطبيعة الصامتة للشهداء، نجدها أيضا في كتاب القاص السابق "شمس بيضاء"، فاللون الأبيض يعني، أنها شمس ليس لها لون محدد وعندما تكون الشمس لا لون لها، فهذا معناه تردي الذات وانهيارها، وتوترها بين ثقافة طاردة، وثقافة مجبر على أن يعيش وفقا لها، فتصبح الشمس بيضاء، أن تطمس كل الألوان والمعاني التي يمكن أن يدافع عنها الإنسان، لكن هل يمكن بعد موت الشهداء، وترمل الأمهات أن تصير الجثث مجرد نصب تذكاري يوضع عليه إكليل من الزهور؟

والإجابة عن هذا السؤال نجدها في قصة "الصحاري" التي يهديها القاص للشاعر المصري أمل دنقل، صاحب القصيدة الشهيرة "لا تصالح "، التي يبين فيها أن فقد العيون، لا يعيد البصر إليها حتى لو وضعنا مكان العينين جوهرتين، فهى أشياء لا تشترى، كذلك القاص يتذكر في قصته القتل والمعاناة الرهيبة التي عاناها الجنود وهم أسرى محاصرون بين الجبال، بلا أكل، أو ماء، وليس أمامهم سوى العدو يحاصرهم ويفتك بهم. و كأن هذه القصة هي الوجه الآخر المكمل لقصة "النصب التذكاري" والكتاب يعتمد القاص في بنائه على هذه الآلية، حيث تقوم كل قصة، بإضاءة أبعاد القصة الأخرى التي تسبقها والتي تليها، فهذا التناقض بين العدو الذي كان الجندي يحاربه، وبين العدو الذي يزور النصب التذكاري بعد معاهدة السلام، جعل القاص يفتش في وطنيته، في قصة "أحاديث الشتاء"، فهي عبارة عن وصف تفصيلي وأنثروبولوجي لطقوس ليلة الغطاس، وهي ليلة خاصة، ذات تاريخ عريق يمتد إلى المصريين القدماء في احتفالهم بالنيل، ويمتد ويتواصل في التاريخ، رغم تغير اللغة، والحكومات، فتبقى هذه الطقوس رموزا لعالم أصيل، يبحث عنه القاص، بجهد، فيغرقنا في تفاصيل عديدة، حتى أنه يريد استنطاقها بمعنى الوطن، ودلالة الانتماء في مرحلة تمزقت فيها الروابط بين الوطن وأبنائه. وقد حرص القاص على نقل هذا الإحساس الوجداني الحميم بتفاصيل هذه الأحداث الأسريه المرتبطة بليلة الغطاس، ولذا تنجلي الشخصية عن ذاتها كمحور مركزي لعالم القصة، ليحل محلها روح كرنفالية للبشر، تجسد علاقتهم بالطبيعة والرعد وتعكس تصورات الإنسان - في مجموعه الكلي - للعالم.

الهم السياسي والهم الشخصي

فالكتاب - إكليل من الزهور - يحاول البحث عن شكل ما للانتماء للوطن، بعد ما أصبح "النصب التذكاري، و" الصحاري" عوامل تطرده مرة آخرى، فالنص هنا مركب من جملة هموم، يقع الهم السياسي في بؤرتها، بينما في كتاب القاص السابق نجد الهم الشخصي والذاتي - بمفهومه الوجودي والأناني - هو ما يسيطر على الشخصية، وهذا يعكس تنامي رؤى النصوص لدى الكاتب من التوحد إلى التركيب المتعدد لجملة الهموم التي يعاني منها المواطن.

والقصة التالية تفضي بنا إلى الحديث عن الموت، كمراسم، وكصورة تتجسد في ضيق الأمكنة، فالأماكن صارت ضيقة كالقبور تطرد من يدخل فيها، لأنه لم يعد هنالك مكان، والمقصود بالمكان هنا هو تلك المساحة الشعورية والعقلية التي يتيحها الإنسان للآخر على نحو يخلق علاقة حميمة معه، لكن ملامح الجدران والمكان تلقي بظلالها على الإنسان، فتخنق - من خلال هذا الضيق - أي مساحة للود مثلما يخنق الموت تفاصيل الحياة اليومية التي يمارسها الشخص في طقوسه. والقصة الأخيرة، عنوانها غير موفق "حوار الحضارات" لأنه منفصل عما بداخل النص، الذي يعكس جرأة كبيرة من الكاتب، في أن ينقل تفاصيل الحياة اليومية للإنسان المصري - الذي يعاني من الهموم السابقة - حين يسلب وعيه، ويكثف إحساسه بالانتماء الغائب من خلال تشجيعه لفريق كرة القدم، وهو يلعب مباراته - في كأس العالم - مع هولندا، فترى البشر ينصرفون عن كل شيء عدا الاهتمام بهذه المباراة المصيرية التي يرى المراقب لمواقف البشر منها، أن مصير الناس يتوقف على ما تصنعه أقدام اللاعبين في المستطيل الأخضر، فالناس تنصرف "للفرجة" على المباراة من خلال شاشات التليفزيون ويخلو الشارع من المارة، ولا يتبقى سوى الدوريات الليلية التي تجوب الطرق، فلا تجد أحدا. هل هذا هو الإنسان المصري الذي خاض هذه الحروب؟ ويعاني من هذه الهموم المركبة، وكيف جسد كل اهتماماته في لحظة في شيء واحد هو الفريق القومي؟ وصار الفعل الوحيد الذي يمارسه هو "الفرجة" على الآخرين، وهم يلعبون كرة القدم، بدلا من الفاعلية، وممارسة الفعل الخاص.

الكتاب وموقعه

ويبقى تساؤل عن موقع هذا الكتاب من الأدب المصري المعاصر، فهو ينتمي إلى الكتابات المصرية، التي تلج الموضوعات الجديدة باقتدار، كتجسيد لمسار تطور الوعي المصري بالعالم، ويشترك القاص بذلك مع أسماء عديدة في إنتاج هذه الثقافة الأدبية التى تجسد الوعي بالعالم، على نحو يوحي بإعادة ترتيب اولويات الذات المصرية والعربية في تلك المرحلة التاريخية، فهذا النص يكتسب أهميته من تجاوره مع نصوص عديدة أخرى تمارس حضورها الكتابي من خلال تناول القضايا والموضوعات التي تؤرق الذات في صراعها الاجتماعي والسياسي وسط عالمنا المتغير، الذي تغيرت فيه موازين القوى. والكتاب يجسد أيضا بذور المشروع الأدبي الذي يود القاص تقديمه، والذي ينكفىء فيه على تقديم عالم الاغتراب للمصريين في النصف الثاني من القرن العشرين، وهذا الاغتراب يتماهى مع تجربة المبدع الذاتية، ومسارها الحياتي، لأنه لا يمكن لكاتب ما أن يكتب عن مكان لم تطأ قدماه أرضه. وقد اشتد حضور هذا الموضوع - الاغتراب المكاني والاغتراب الثقافي - في أعمال أدباء مصريين كثيرين منهم على سبيل المثال: أبو المعاطي أبو النجا في مجموعته القصصية "الزعيم"، ومحمد المنسي قنديل في مجموعته: "بيع نفس بشرية" وإبراهيم عبد المجيد في رواية "البلدة الأخرى"، وغيرهم، مما يعني أن الهجرة الجماعية المؤقتة التي أخذت شكلا فرديا، هي موضوع رئيسي لقضايا الأدب في تلك الفترة لا يمكن تجاهله.. وقد تعددت آليات الكتابة عن هذا الموضوع، لدى كل كاتب، فمثلا لدى القاص محمد العمري، اشتد إلحاحه على استخدام ضمير الغائب، لتجسيد أبعاد الموقف الذي يحيط بالشخصية في رحلة اغترابها، لأن التجربة أكبر من الذات فلم تعد الشخصية الواحدة مركز النص الأدبي، وإنما الشخصية تقرأ ذاتها من خلال تأمل ردود أفعال الآخرين من الحدث ذاته.. وبالتالي فإن الآخرين هم امتداد طبيعي لكيان الشخصية الداخلي، وقد تطورت لغة القاص من التعبيرات المجازية ذات الطابع الشعري، في مجموعتيه إلحاح وشمس بيضاء إلى لغة دالة تعتمد على الصورة القصصية، وليس الصورة اللغوية في بناء العالم الأدبي الذي يريد تقديمه، فالشعري في القصة لا يعتمد على التراكيب الصوتية للإيقاع اللغوي، وإنما الشعري في دقة التجربة الإنسانية ورهافتها التي يعرض لها القاص، وقد اتضح هذا أيضا في كثرة استخدام الفعل المضارع في بنية الجملة لديه، مما يجعل السارد الواصف يهيمن على النص، بدلا من السرد الذي يقص الأحداث، ويظهر في الفعل الماضي الذي كان مهيمنا على مجموعة القاص الأولى. وهذا يعكس التنامي الجمالي لإبداعات القاص، وتطوره من كتاب لآخر، مما يجعلنا نأمل في مشروعه الأدبي الذي يخول له المشاركة في الثقافة العربية التي ننتمي إليها جميعا، وليس أمامها سوى الإبداع ليكشف لنا عن الجوانب الخفية من الذات، ويكشف عن الطاقات الكامنة، وإمكانات الخروج من المأزق الحضاري، لأن الإبداع لا ينطلق من الجاهز، الذي يتكون في الذاكرة، وإنما يرى الذي لا نستطيع رؤيته من كثرة إلفنا له.. فالإبداع العربي في مختلف مجالات الفنون هو الجانب الإيجابية في الثقافة العربية، لأنه يعني التحرر من سيطرة ما هو سائد، ومحاولة لنفي كل صور الاستلاب والتشيؤ والاغتراب التي يعانيها الإنسان العربي في حياته اليومية.

رمضان بسطاويسي مجلة العربي سبتمبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016