مختارات من:

عن الجمال والحرية

جابر عصفور

أوراق أدبية


قيم كثيرة آمن بها العقاد ونذر لها قلمه. ولكنها في محورها تدور حول قيمتين أساسيتين هما الجمال والحرية ومنهما تنطلق بقية أفكاره الخصبة. إننا في حاجة ماسة للتذكير بهذه القيم في وقت تعلو فيه أصوات الغوغائية وتهدد باغتيال كل الأفكار.

احتفلت الأوساط الأدبية في شهر يونيو الماضي بالذكرى الرابعة بعد المائة لميلاد عباس محمود العقاد الذي ولد في الثامن والعشرين من يونيو عام 1889 وتوفي في الثالث عشر من مارس عام 1964. والواقع أن ذكرى العقاد تنبعث متوثبة هذه المرة، وتذكر بالقيم التي كان يمثلها والتي نحن في أمس الحاجة إلى استمرارها في حياتنا، خصوصا ونحن نواجه ما نواجهه في وطننا العربي الذي يعاني من المخاطر الداخلية والخارجية التي تهدد حضور القيم العظمى التي سعى جيل العقاد إلى إقرارها وإشاعتها بين المواطنين من أبناء الأمة العربية.

والواقع أن أجل قيمتين سعى العقاد إلى تأكيدهما في مسعاه التنويري هما قيمة الجمال والحرية. وليس من الغريب أن نعد هاتين القيمتين حجر الزاوية في إبداع العقاد وفكره على السواء. وسواء كنا نتحدث عن كتابات الرجل السياسية أو الاجتماعية أو الفلسفية أو الأدبية أو الفنية فإن الجمال يظل هو الوجه الآخر للحرية في هذه الكتابات، والعكس صحيح في الوقت نفسه ذلك لأنه لا وجود للجمال دون حرية، ولا حرية إلا إذا انطوت على الجمال، بل إن الحرية هي الجمال والجمال هو الحرية عند العقاد، كلاهما بمثابة تعريف للآخر ووجهه المتحد في الهوية على السواء.

بين الجمال والنظام

والجمال هو النظام عند العقاد، هو الاتساق الذي يقع بين العناصر، ويصل بينها على نحو يوقع الانسجام في المشاعر والعقول، ويستجيب لما تنطوي عليه هذه المشاعر والعقول من انسجام في الوقت نفسه. هذا الانسجام الذي يصل بين العناصر قانون ثابت في حياة الطبيعة والأحياء ومنتجات الفن على السواء. ولذلك كان العقاد يرى الجميل في كل ما ينطوي على الانسجام، وكل ما يتحقق به التناغم. العمل الفني جميل لأنه يحقق أقصى درجة من التناغم بين أجزائه، حيث لا يخضع شيء للمصادفة، ولا ينبني عنصر على العشوائية بل تتضافر العناصر والأجزاء في وحدة واحدة، تنسجم مكوناتها، وتتناغم علاقاتها. والحياة نفسها عمل فني تحكمه الأصول التي تحكم بيت الشعر ولحن الموسيقى وصورة المصور. وتخرج الحياة في جملتها وتفصيلها من يد الفن الإلهي كما تخرج اللوحة من يد الصانع القدير في فكرتها الباطنة وتمثيلها الظاهر. والإنسان نفسه هو أعظم الأعمال الفنية التي خلقها مبدع الكون، فما ينطوي عليه هذا الكائن من تناغم وتناسق بين الأعضاء والجوارح يحقق صورة مثلى من صور الجمال المتكررة.

ولكن العقاد الذي يقرن الجمال بالتناسب والانسجام والتناغم لا يترك هذه الصفات دون تحديدها. وهو يخص التناسب باهتمام خاص، ويحدد ما يقصده به عندما يقول إن التناسب هو ألا يزيد عضو أو ينقص في الحجم أو الشكل، فلا يكون أضخم ولا أنحف ولا أطول ولا أقصر ولا مختلفا في التركيب واللون عما ينبغي. ولكن التناسب ليس غاية في ذاته عند العقاد فالمهم ما ينطوي عليه من إرادة مضمرة، وما يدل عليه من دلالة ومغزى. التناسب هو الإرادة التي تتحقق شكلا، والغابة التي تتناغم عناصر، والاختيار الذي يتحقق حضورا وحركة وحيدة. إنه الشكل الجميل الذي يقترن بالحياة ويعمل على تجددها اقترانه بالحرية.

وإذا كانت كلمات التناغم والتناسق والانسجام صفات يقتنص بها العقاد بعض أبعاد الجمال في مفهومه المجرد، من حيث علاقة عناصر الجميل بعضها بالبعض الآخر، فإن هذه المجموعة من الصفات تقترن بمجموعة أخرى من صفات الحركة، فالجمال لا يتحقق وجوده إلا على أساس من الحيوية التي لابد أن ينطوي عليها. والحيوية تعني الحركة المتدفقة بين العناصر والأجزاء التي تحفظ على الاستجابة الجمالية نشاطها وتوترها الدائم. ويقيم العقاد، في هذا السياق، نوعا من المقارنة بين الموضوعات الجميلة، فيرى أن الماء الجاري أجمل من الماء الساكن، والكائن الحي المتحرك أكثر إثارة للشعور بالجمال من التمثال الساكن الهامد، والتمثال الساكن، بدوره، لا يتميز على غيره إلا بما يوحي به من الحركة والانطلاق. والصوت الجميل هو الصوت السالك الذي يصدر عن حنجرة صافية لا يعوقها شيء عن الحركة والانطلاق.

وإذا كان الجمال قرين الحركة التي تتناغم بها العناصر داخل وحدة الجميل، فإن هذه الوحدة تنطوي على معنى التنوع بدورها، وتستمد أهميتها من التباين الذي تنطوي عليه عناصرها. حيوية الجميل هي حيوية التنوع الذي يحققه الاختلاف الذي لا يخل بمبدأ التناغم، فالجمال ليس صيغة مصمتة متكررة. إن تنوعه بعض من صفته. وحيويته قرينة النظام الذي تنضبط به عناصر الفوضى داخل نسق.

معنى الحرية

هذا البعد الخاص بالتنوع يكشف عن المعنى الخاص الذي تكتسبه الحرية عند العقاد، فالحرية لا تعني الفوضى أو الضرورة، وإنما تعني إطلاق سراح الطاقات الخلاقة على النحو الذي يحيل العوائق إلى وسائط، ويتخذ من الضرورات أدوات للحرية.

والحرية بدورها هي التوازن بين الأضداد، والتناغم بين المختلفات، والتآلف بين الجمال والمنفعة، والتجانس بين الروح والمادة، والتكامل بين أفراح الفن وأوزانه. والواقع أن حرية الفن لا تختلف عن حرية الطبيعة أو حرية الكائن، فهي حرية غير مطلقة، توازن بين الروح والمادة، والقانون والعفوية، والقاعدة والانطلاق في آن.

وإذا كانت الطبيعة تخضع لقانون عام لايتعارض مع حريتها، فيما يقول العقاد، فإن الفن له قواعده التي تبرز هذه القيمة. لأن قيود الضرورة هي مسبار مافي النفوس من جوهر الحرية الصحيحة، كما أن القيود التي تثقل بها أعضاء البهلوان الماهر هي مسبار مهارته وقدرته على الخطران والوثب، فالفن طلاقة تتخذ من الضرورة أداة للتحرر، ومن القيد وسيلة للانطلاق. أما الوسيلة التي نفهم بها هذه الحقيقة النفسية فهي الفن الجميل أو الملكة التي يدرك بها الفن الجميل. وانظر إلى بيت الشعر وتصرف الشاعر فيه. إنه مثل حق لما ينبغي أن تكون عليه الحياة بين قوانين الضرورة وحرية الجمال. فهو قيود شتى من وزن وقافية واطراد وانسجام. غير أن الشاعر يعرب عن طلاقة نفس لاحد لها، حين يخطر بين كل هذه السدود خطرة اللعب، أو يطفر من فوقها طفرة النشاط، ويطير الخيال في عالم لا قائمة فيه للعقبات والعراقيل.

هكذا افتتح العقاد كتابه التأسيسي "مطالعات في الكتب والحياة" الذي صدر عام 1924 بمقدمة مهمة عن فكرة الكتاب الأساسية التي تجملها الأفكار السابقة. ويقول: إن الكون كله ( والحياة هي أعم من الكون في نظره) والفن ومنظر الأرض والسماء كلها مظهر للتآلف أو تنازع بين نقيضين دائما: قوى مطلقة وقوانين تحكم هذه القوى المطلقة. وكلما ائتلفت القوى والقوانين اقتربت من السمة الفنية والنظام الجميل الذي يبين بالمادة صفاء الروح ويسبر بالقيود أغوار الحرية. وهذا الائتلاف هو دستور الفن الإلهي المحيط بكل شيء، وهو فلسفة الفلسفات في هذا الوجود، وسر الجمال الذي هو الحرية.

لقد كان العقاد يهدف إلى أن يجعل من القانون حرية، ومن الثورة نظاما، ومن الواجب شوقا وفرحا، ومن الهيولي عالما مقسما وفلكا دائرا. وهو في ذلك شبيه في مسعاه بالدلالة الأساسية التي ينطوي عليها البيتان اللذان يفتتح بهما صلاح عبدالصبور قصيدته "مرثية رجل عظيم" حيث يقول:

كان يريد أن يرى الجمال في النظام
وأن يرى النظام في الفوضى


والواقع أن هذين البيتين يلخصان فلسفة العقاد كلها، وما تقوم عليه من وسطية تجمع ما بين قيد القانون وانطلاقة الروح. وإذا كانت هذه الوسطية تبرر نفسها بأنها انعكاس لسنة الله في خلق هذا الكون الذي جعلت قوانينه مهرا لحريته، وسببا للشعور به، فإن هذه الوسطية تحولت إلى نوع من الموالفة بين العدمين: عدم الفوضى وعدم الجور الأعمى.

ميزان الأمم

وإذا نقلنا هذه الوسطية من الآداب والفنون إلى السياسة والاجتماع ظلت الوسطية قائمة، ولكن من حيث هي موالفة بين القيد والانطلاق. ويرى العقاد أن هذه الموالفة هي الميزان الصحيح لوزن الأمم والأفراد والحضارات والآراء والفنون على السواء.

إذ كلما اقتربت الأمة أو الفرد أو الحضارة أو الرأي أو الفن من حسن التأليف بين أفراح الحياة وأوزانها، بين خيالها وعروضها، بين معناها وصورتها، كانت أقرب إلى السمو والنبالة والصدق لأنها أقرب إلى القصد الإلهي ووجهة الكون البادية في جميع أجزائه.

لنقل إن التقدم جمال نصل إليه عن طريق الضرورة، وروح نلمسها بيد من المادة، فالروح هي الحقيقة، والمادة هي وسيلة الإحساس بها، والتقدم لا يفارق المعنى الروحي أو البعد الديني الذي يرتد به جمال التقدم في الدنيا المخلوقة إلى مبدأ الخالق. هذا البعد الديني يومىء إلى فلسفة الإيمان عند العقاد، ويربط هذه الفلسفة بالإدراك الجمالي لمغزى الكون في الوقت نفسه، ويجعل من كل تقدم دنيوي صورة أخرى من العلة الجمالية التي ينطوي عليها مغزى الكون كله.

مبدأ وحدة الكائنات

وحين يصل العقاد إلى هذا المستوى فإنه يزداد يقينا بوحدة المبدأ في الكائنات والأحياء والطبيعة والفن على السواء. وينتقل من المستوى الفلسفي إلى المستوى الديني بما يؤكد معنى "الدولة" من حيث هي القانون، وتوثب الإرادة الفردية وانطلاقها العفوي بوصفه الضروري. وذلك بالمعنى الذي يقرن الحرية السياسية بالموازنة بين القيد الاجتماعي الذى يضبط الملامح المشتركة بين الأفراد، ويحدد الواجبات العامة فيما بينهم، وبين عفوية الفرد ورغبته في الانطلاق، ومبادئه الخلاقة التي تجعل منه القوة المحركة للتاريخ والإبداع.

هذه الصيغة التي توفق بين الثنائيات المتوترة، دائما، كانت الصيغة التي انتهى إليها العقاد ليواجه التناقضات الكثيرة التي انطوى عليها تراثه وواقعه على السواء. وهي ليست صيغة خاصة به وحده فمن الواضح أن ملامحها الأساسية تصل بينه وبين أقرانه من مفكري عصر النهضة والتنوير على سواء. وغير بعيد عن هذه الصيغة ما كان يدعو إليه توفيق الحكيم من "تعادلية" وما كان ينادي به طه حسين من ضرورة المواءمة بين الثوابت والمتغيرات. ولكن العقاد ينفرد عن هؤلاء جميعا بأنه يضع هذه الصيغة في تصور فلسفي متماسك سداه الحرية ولحمته الجمال. فرد الجمال إلى الحرية، ورد الحرية إلى التوازن بين الثابت والمتغير، الفرد والجماعة، القانون والضرورة، الأنا والآخر. وجعل من الحياة لوحة غنية الأبعاد في توترها بين قواعد العقل وعفوية الخيال. وهي لوحة نحن في أمس الحاجة إلى ضرورة التذكير بها في هذه الأيام التي تهدد بأخطارها الجمال والحرية على السواء.

جابر عصفور مجلة العربي سبتمبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016