مختارات من:

حكومات.. لكن بعلامات تجارية

محمد المراغي

تتراجع فكرة الحدود السياسية في العالم. قديما، كان ذلك يحدث بالقوة المسلحة، ومن خلال حركة الجيوش والغزوات. حديثا، يتم ذلك سلميا ودون إطلاق رصاصة واحدة. أحيانا بالسياسة، وأحيانا أخرى بالاقتصاد.

وبينما يتفق علماء السياسة على أن مصطلح النظام الدولي الجديد لم يجد له ترجمة دقيقة حتى الان، وأنه لم ينشأ بعد، فإن إرهاصات هذا النظام تؤكد فكرة تراجع الإقليمية وسقوط الحدود السياسية في العديد من القضايا.

وبينما ظهر مصطلح "نظام عالمي جديد" مواكبا لانتهاء الحرب الباردة، وسقوط التقسيم التقليدي "شرق وغرب".. فإن فكرة "تدويل العالم" كانت تتم عبر شيء آخر هو الشركات العملاقة او الشركات العابرة للقارات.

هذا النوع من الشركات يثير الجدل.. يصفه البعض بأنه أداة الشر ونهب العالم الثالث، ويصفه آخرون بأنه أداة خير ورفاهية فهو، قوة رئيسية في تحقيق التكامل الاقتصادي الدولي وبما يعود بالنفع على جميع الدول.

الرأي الأخير تبنته سطور تقرير الاستثمار الدولي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لعام 1993، وهو المعروف باسم الأونكتاد.

يفاجئنا التقرير بذكر الأحجام والتطورات والتوقعات.. إنها شركات محدودة العدد، شديدة الانتشار، واسعة النشاط بدرجة تصل إلى الهيمنة على اقتصاد العالم.

كان عدد الشركات العملاقة سبعة آلاف شركة في السبعينيات، فبات الرقم في التسعينيات (37) ألف شركة تملك (170) ألف فرع، وتسيطر على معظم الاستثمارات الأجنبية في العالم ومقدارها (2) تريليون دولار.

وبتحليل الأرقام الواردة في تقرير "الأونكتاد" نجد أن التركز ظاهرة أولى تسود هذه الشركات، بل تسود اقتصاد العالم الجديد.

لقد رصد التقرير حالة مائة شركة عملاقة عابرة للقارات، فوجد أنها تمتلك تلك الأصول الإنتاجية للقطاع الخاص في العالم كله. أيضا، وحين رصد حجم الاستثمارات الأجنبية فقد وجد أن ثلثها ذاهب لمائة شركة.

بطبيعة الحال فإن التركز يظهر بدرجة أكبر في عدد من الدول التي تتقدم شركاتها لتعمل "عبر العالم". لذا، فإنه في إحصاء حول أكبر شركات في العالم نجد على رأسها شركة هولندية تعمل في مجال البترول كما أنها تضم وفقا للجنسيات خمس شركات أمريكية، وشركتين لهولندا، وشركة واحدة لكل من بريطانيا وسويسرا ثم شركة مشتركة " سويدية - سويسرية".

ويلفت النظر التقسيم النوعي لهذه الشركات العملاقة فمازالت شركات البترول في المقدمة وتحتل أربع منها أربعة مقاعد ضمن العشر شركات الأولى.. أما بقية القائمة فتضم شركتين للسيارات وشركتين للصناعات الكهربائية وشركة واحدة للكمبيوتر وأخرى للصناعات الغذائية.

كل هذه الشركات تنتمي للغرب بمعناه القديم: أوربا الغربية والولايات المتحدة. ولكن وعندما نتجه شرقا إلى اليابان فإن الصورة تختلف.

اليابان تمتلك شركات ضخمة ويحقق ميزانها التجاري فائضا يفوق أي دولة أخرى، والغزو الياباني للسوق الأمريكية على سبيل المثال، قصة مشهورة. ومع ذلك فإن اليابان لا تمتلك إحدى الشركات العشر الأولى، لكنها تمتلك الكثير في أسواق العالم.

سباق دولي محموم

طبقا لأرقام التقرير، تأتي اليابان في المرتبة الأولى في مجال الاستثمارات الخارجية بآسيا، فذلك هو المجال الحيوي لها رغم أن أسواق العالم كله تكتظ بسلع في الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة تحتل في مجال الاستثمار الخارجي المكان الأول في كل من أمريكا اللاتينية وأوربا وجزء من إفريقيا.

إنه السباق الدولي المحموم على أسواق خارجية، لكنه - هذه المرة - يتم عبر شركات عملاقة، عابرة للحدود، أسماها البعض لكثرة فروعها وأشكالها القانونية "متعددة الجنسيات" وأسماها آخرون "متعدية الجنسيات، أي أنها تقفز فوق سور الجنسية وتحقق فكرة التدويل.

ويبقى السؤال: هل نحن - بالفعل - أمام كيانات اقتصادية قادرة على تحقيق تكامل اقتصادي يعمل لصالح البشرية، أم أنه توزيع جديد للأدوار تحتل معه دول الشمال مكانتها وتحقق مكاسبها على حساب الآخرين؟

الأكيد أن الحجم النسبي الكبير للنشاط الذي تقدمه هذه الشركات يعطيها فرصة فرض السياسات، والأسعار، إنها تصنع الذوق، تصنع السوق، وتوجه المستهلك.. وتصير الشركات الصغيرة بالنسبة لها مجرد تابع أو ذيل.

وإذا كانت قمة الدول الصناعية التي انعقدت في يوليو 1993 بمدينة طوكيو قد طالبت - أو قررت - "تكسير" الحواجز الجمركية، وتحقيق المزيد من حرية التجارة بين دول العالم، فإن ناتج ذلك يصب عند هذه الشركات العملاقة التي تحوز معظم حجم السوق.

كذلك، وإِذَا كانت منظمات دولية مثل: البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو برامج مساعدات مثل تلك التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية، إذا كانت هذه المنظمات والبرامج قد تبنت سياسة التحرير وتحويل ملكية القطاع العام إلى قطاع خاص.. إذا كان ذلك قد حدث فإنه يصب أيضا وفي النهاية عند شركات عملاقة تملك معظم النشاط وتخشى منافسة احتكارات حكومية سادت أجزاء من العالم لبعض الوقت.

التحولات التي تحدث في العالم إذن غير بعيدة عن التحولات في المنظمات الاقتصادية وفي مقدمتها الشركات العملاقة. والتحولات التي تحدث في العالم، وإن استبعدت تحكم الحكومات، وسيطرة البيروقراطية وأنماط عمل الاقتصاد الموجه. إلا أنها لم تستبعد تحكم وسيطرة مجموعة من الشركات تملك جزءا كبيرا من مقادير العالم.

ولننظر للأرقام مرة أخرى: مائة شركة تسيطر على تلك الأصول الإنتاجية للقطاع الخاص في العالم كله. كما تسيطر على ثلث الاستثمارات كلها.

أما المستقبل - ووفقا لتقرير الأونكتاد - فإن التوقع يذهب إلى أن استثمارات الشركات العملاقة سوف تتضاعف حتى عام (2000) في أوائل التسعينيات كان معدل الاستثمار الأجنبي السنوي (40) مليار دولار، وهو ما تحقق عام 1992 بالفعل، ولكن وعندما نصل إلى عام (2000) سوف يصبح الرقم (80) مليار دولار.

إنها الشركات العملاقة تلك التي تزيد ميزانياتها ويتفوق نفوذها على معظم حكومات العالم. إنها حكومات حقيقية وإن حملت أسماء تجارية.

محمد المراغي مجلة العربي سبتمبر 1993

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016