مختارات من:

حكايات كنوز كورية

أشرف أبواليزيد

كأنك تعبر ممرًا ينقلك من زمن لآخر، هكذا تترك وجهًا يمثل حاضر سيئول العصري، إلى فضاء يلم شمل تاريخ الأمة الكورية، حين تجتاز بوابة متحف البلاد الوطني. لكنك في عمق هذه الأزمنة، ستجد أن هناك ارتباطا وثيقا، بين ما كانه هناك الإنسان، وما أصبح عليه في لاحق الزمان. إنها هي الحكايات الممتدة كأفراد عائلة تنقل جيناتها ومورثاتها من السلف إلى الخلف.

في دانيانج، بمقاطعة تشونجشيونج الكورية، تُحكى أسطورة «أوندال الأحمق». بدأ أوندال حياته متسولا ساذجا في مملكة جوكوريو الشمالية، إحدى ثلاثة ممالك اتحدت في ما بعد لتؤسس أمة كوريا. كانت هناك آنذاك أميرة، وضعت أباها الملك بيونج وون على حافة الجنون بسبب بكائها المتواصل، حتى أن الملك، على سبيل الدعابة، هددها إن استمرت بأنينها الصارخ بأن يزوجها من «أوندال الأحمق» حين تكبر!

شبت الأميرة الصغيرة، وأصبحت فتاة جميلة، وحكيمة بالمثل، ودعا الملك الأمراء ليصطفوا أمام ابنته لتختار منهم زوجًا لها، لكن الأميرة رفضت لقاء أي منهم، وأخبرت أباها بأن الملك يجب أن يحافظ على وعده، وأن يزوجها «أوندال الأحمق». هكذا أطاع الملك رغبة ابنته، وصدق وعده، وزوجها ذلك الرجل الأحمق. لكن الرجل، على يدي زوجته الأميرة، تحول إلى شخص آخر، بل وأصبح أفضل قائد محارب في عهد مملكة جوكوريو، وهي حكاية تثبت أن الأمانة وحفظ الوعد، والإصرار يمكن أن تأتي بنجاح باهر من لا شيء.

هل هذه أسطورة؟ الواقع أن أوندال تحكي عنه كتب التاريخ، لا الأساطير، فإنجازاته العسكرية مدونة وموثقة، وهناك صورة له بقلعة جبل أوندال التي أنشأها قبل 1500 سنة، لكي يحمي بلاده من محاربي مملكتي شيلا، وبائيكجي. ربما تكون الأسطورة قد ربطت بين ماض مريض ومتخلف، وحاضر زاهر وراق. هكذا تُشَيَّدُ الأمم، حين تثبت أنها تستطيع التغيير، حين تكون لها مبادئ، وهو لب النهضة الكورية.

رحلة متحف

سنهبط من جبل آتشا، حيث توفي أوندال الجسور، باتجاه نهر هان، الذي يشبه كثيرًا نهر النيل في أجزاء منه، حيث يقع متحف كوريا الوطني. هناك سأجد وراء كل قطعة فيه حكاية، تستحق التأمل، بقدر ما تستحق السرد.

الكنوز هي أنفس الأغراض، وآيات الفن التي يعتبرها المؤرخون والخبراء أشياء ثمينة. ربما يكون ثمينا اليوم شيء ما صممه فنان عصري يرتديه أهل السينما، وآل الرياضة ونخب الساسة، أو موضة تقتنيها أجيال جديدة، لكن الكنوز التي سنحكي عنها تغترف قيمتها من نهر الخلود، فهي أعمالٌ أصلية تمثل حقبا زمنية، وفرادة تصميمية، لا يقاوم جمالها بصرٌ، ولا تقاوم قيمتها المعنوية بصيرة.

قبل 50 عامًا، طبع للمرة الأولى ألبوم بعنوان «كنوز متحف كوريا الوطني»، رافق ذلك انتقال المتحف من سيئوكجون في قصر ديوكسو، إلى مبنى آخر بقصر جيونج بوك (أصبح في ما بعد متحف الفنون الشعبية الوطنية). في عام 1972 كانت طباعة الألبوم بالألوان تحت عنوان 100 كنز، رغم أن بصفحاته 118 بالتحديد، ولكن ولع الناشر بالأرقام الصفرية، 100، جعله يحدد ذلك العدد، ثم طُبِع ألبوم لمجموعة الكنوز الكورية تزامنًا مع رحلة المتحف الكوري الثانية في العام 1986 إلى مبنى الكابيتول، وأضيف لذلك الألبوم نفائس ما تم اكتشافه في حقبتي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي مما تمت إضافته للمتحف، رغم أن كثيرًا من كنوز الفن البوذي والمخطوطات غابت عنه.

وفي العام 2006 طبع الألبوم المعنون (100 إضاءة) بعد عام من نقل متحف كوريا الوطني إلى موقعه الحالي في يونجسان، حيث مقره الحالي، وهي إضاءات يدعوك المتحف بألا تفوتها، من بين 4500 قطعة يضمها القسم الأثري موزعة على 11 قسمًا تاريخيًا. وبالإضافة لتلك المقتنيات هناك معارض للفنون الكورية والآسيوية تضم مثالاً في المعرض التاريخي «هانجول» وهو أول ابتكار في العالم للطباعة المعدنية، المحفورة على الحجر، والمطبوعة على الوثائق.

إهداءات

معرض الإهداءات أبدأ به، من منطق الرغبة الأكيدة في أن يكون مبدأ الإهداء لمتاحفنا الوطنية العربية شائعًا. من الجميل أن يمنح شخص متحف بلاده كنزًا وطنيًا. في القسم ألف قطعة أهديت إلى المتحف قبيل افتتاحه الأخير، ومنذ العام 1946 منح أكثر من 200 شخص نحو 22 ألفًا من المقتنيات إلى متحف كوريا الوطني، وهو ما يمثل 10 في المائة من مجموع ما يضمه المتحف.

وفي العام 1875م عثر علماء الآثار الألمان على خوذة يونانية يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد، كانت مخصصة لطقس الشكر لله عقب الفوز بالألعاب الأولمبية القديمة. أثناء إقامة الألعاب الأولمبية الحديثة الحادية عشرة في برلين سنة 1936م فاز العَدَّاء صون جي جيونج (1912 - 2002م) بالميدالية الذهبية في الماراثون، كما مُنح تقديرا له تلك الخوذة الأثرية. لكن صون جي جيونج لم يتسلم الخوذة وظل الألمان يحتفظون بها في متحف برلين حتى أعيدت له أخيرًا في العام 1986م. واعتقد صون جي جيونج أن تلك الخوذة ليست ملكًا له، ولكنها ملك للشعب الكوري، تبرع بها إلى متحف كوريا الوطني، لتأخذ في 1987م رقمًا في سلسلة كنوز المتحف هو (904)!

وقبل أن أدخل إلى مقتنيات المتحف من الكنوز الكورية، سأعرج بكم إلى قسم آخر يضم الفنون الآسيوية، وهو ما يعني أن المتحف يخصص جزءًا من ذاكرته للاحتفاء بجيرانه. مثال لذلك حصان بديع من الطمي الأبيض، الذي يدخل بعد تشكيله إلى فرن تصل درجة حرارته إلى 1100 درجة مئوية، ليطلى، ويسخن مرة أخرى إلى الدرجة 900 مئوية. تصنع طبقة التلوين من الرصاص والكوارتز، وهو ما يجعلها شفافة في النار، ومع الأكسدة تتحول إلى ألوانها الثلاثة، فيصبح النحاس المؤكسد أصفر، والحديد المؤكسد بنيا ذا صفرة، والكوبالت المؤكسد أزرق نيليًا. يعود هذا الحصان إلى عهد أسرة تانج الصينية بواكير القرن السابع الميلادي، ويبلغ ارتفاعه 546 ملم. ومن تلك الكنوز الآسيوية أيضا اخترت من اليابان مجموعة صناديق وأثاث عروس تنتمي للطبقة الأرستقراطية، يعود تاريخها إلى القرن التاسع عشر، وتضم ما تحتاج إليه النساء في حياتهن اليومية، من مناضد، وصناديق لفراشة الأسنان ومساحيق التجميل والحياكة، وعدة الشاي، ومرايا، وخلافه.

كأس البط وتاج الذهب

من القرن الثالث الميلادي ستجد من بين الكنوز الكورية التي تعود إلى عصر الممالك الثلاثة زوجي بط عملاقين (ارتفاعهما 32.5سم) من الفخار. سيسكب الماء من الأعلى لجسد البط الخاوي، ومن مؤخرته ينهل الشارب. الواقع أن هذه الفخاريات وما على شاكلتها استخدمت للشرب خلال الطقوس الجنائزية، وهي تدفن لاحقا مع جسد المتوفى، اعتقادا لدى قدماء الكوريين أن الطيور وغالبا ما تكون على شكل بطة ستقود الميت إلى الفردوس.

هل كان الجميع يأخذون بطا إلى مقابرهم؟ أتى على خاطري هذا السؤال وأنا أرى بعض الحلي التي عثر عليها المنقبون في مقبرة الملك موريونج، وهي المقبرة الوحيدة من عصر الممالك الثلاثة التي أمكن التعرف على صاحبها. الكثير من الحلي الذهبية كانت موزعة بالمقبرة، بلغت 17 حلية أصبحت كلها كنوزًا وطنية، تعكس الفن الحقيقي لمملكة بائيكجي، وهو مختلف تماما عن المملكتين اللتين جاورتاها في شبه الجزيرة الكورية؛ جوكوريو وشيلا. هذا التاج، الذي يصل ارتفاعه إلى 226 ملم وجد في موضع رأس الملكة.

التاج الآخر الذي اخترته والقادم من مملكة شيلا (ارتفاعه 273 ملم) ويعود للقرن الخامس الميلادي، عثر عليه في المقابر الشمالية وكان معه حزام من الفضة منقوش عليه ما معناه «حزام السيدة» مما يعني أن تلك المقبرة تعود لسيدة ملكية نظرًا لقيمة اللقى الذهبية.

يشبه تصميم التاج غصون شجرة أو قرون وعل، هذا يشير إلى طبيعة نموذجية كورية تعتقد أن الأشجار وسيط بين الأرض والسماء، وأن جذورها تنتشر أسفل بعيدا في الأرض وفروعها ممتدة نحو السماء، وترمز قرون الوعل الكبيرة لحيوان الرنة، والمعروف باسم «شريف الغابة»، ويعد رمزا لطول العمر. وتم تزيين الهيكل الأساسي للتاج بأسلاك ملتوية مطلية بالذهب ومطرزة بحجر اليشم، التي يتردد صداها المسموع، ونورها الموزع مع كل حركة، مثل أوراق شجرة لغابة ذهبية، وأحجار اليشم كأنها الأجنة التي ترمز للوفرة والخصوبة.

تأثيرات طريق الحرير

لعلي لا أخطئ حين أقول إن ممالك كوريا القديمة التي قامت على طريق الحرير جعلت من فنونها تتحاور مع جيرانها، ولذلك لم تتطور حرفها التقليدية وعاداتها الشعبية بل وحكاياتها بعزلة عن هذا الجوار. ربما نذهب إلى أبعد من ذلك، حيث إن التأثير كثيرا ما تخطى الصين إلى بقاع على طول طريق الحرير. ففي قبور جوكوريو يمكن الحديث عن نمط معماري عثر علماء الآثار على مثيله في أفغانستان، شيدت خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين، خاصة في مقابر مملكة باختريا بهضبة تيليا تيبي شمال أفغانستان.

الحقيقة أن براعة التنفيذ سافرت مع الحرفيين أنفسهم، الباحثين عن فرص عمل أفضل بطول اليابسة الآسيوية، لينتهي بها المطاف في شبه الجزيرة الكورية، ولعل ذلك سر العثور على أقراط مماثلة هنا وهناك، بمقابر شيلا الملكية. ولا يكشف هذه الرحلات العمالية الحرفية التي يوجد مثيل لها في كل العصور أكثر من اللوحات التي وجدت في قبور جوكوريو لصور خيول تحلق، وقد وُجد مثيل لها كذلك في غرب آسيا، وتشير إلى أن الترفيه والرياضة أصبحا لاحقا جزءا من الكورية واليابانية بعد أن نشأت تقاليدهما في أراض أجنبية.

التأثيرات لم تكن من العمال المهاجرين إلى كوريا، وحسب، بل كانت هناك تأثيرات من زيارات الرهبان البوذيين الكوريين إلى الهند مما جعل من شبه القارة الهندية وفنونها البوذية مصدر إلهام للنقوش الصخرية التي يمكن العثور عليها في منطقة كيونج جو، مثلما تم العثور على صور الرهبان الكوريين في لوحة جدارية بمدينة سمرقند «بأوزبكستان».

سافر البشر، ومعهم المقتنيات الثمينة، وكثير منها انتهى به المطاف في كوريا، هكذا عثر العلماء المنقبون على أباريق وكئوس زجاجية صنعت ربما في كولونيا أو سورية.

هناك حكاية تقول إن الملك تايجو المؤسس لسلالة كوريو، قال وهو على فراش الموت: «ليست هناك حاجة للكوريين في اتباع الأذواق الصينية بخنوع». من هنا بدأ تنظيم ورش عمل في كايسونج الاقتصادية لتعرض منتجاتها بفخر أنها «صنع في كوريا». رغم أن هناك تصاميم لبعض هذه السلع الفاخرة مثل زخرفة المرايا تحمل شبها ملحوظا لتلك الموجودة في الصين.

أقراط للرجال والنساء

لكن التفرد الكوري الذي دعا إليه الملك يأتي في القرطين اللذين يحملان الرقم (90) بين الكنوز الكورية في المتحف الوطني، وهما أكثر ما في المجموعة التصاقًا بفنون مملكة شيلا، التي قدمت من الأقراط أكثر من أية مقابر أخرى في العالم. وهذان القرطان جنبا إلى جنب مع ذلك التاج الذهبي الشهير نموذجان من آلاف القلائد والخواتم والأحزمة والأحذية التي دفنت مع ملوك وملكات شيلا في كيونج جو، عاصمة المملكة (استمرت مملكة شيلا من عام 57 قبل الميلاد إلى 935 ميلادية). الجزء العلوي يمثل حلقة، ويتشكل الجزء الخلفي من هيئة السلاحف، التي كانت رمزا لطول العمر. معلق بهذين القرطين 27 حلية، وهو نحو ضعف الرقم من الحلي الذي يوضع بالأقراط المماثلة لتلك الفترة. ولعل وفرة الأقراط تتضح إذا علمنا أنها كانت ترتدى من قبل الرجال والنساء. لم يكن للملوك والملكات أقراط، ولكن ولي العهد كان يرتديها. ترتدي النساء أقراطا أسمك مما يرتديه الرجال. هذان يعودان إلى القرن السادس الميلادي، وطولهما 8،7 سم.

لنعد للحياة قبل الموت، وليس بعده، حيث يمكن أن تكشف مخطوطة واحدة حياة عهد بأكمله. هذا هو لسان حالي وأنا أقرأ ترجمة تلك الوثيقة التي تؤرخ بالعام 1401م، وفيها يوصي الملك تايجو لابنته، الأميرة سوسكين ببيت. أسس الملك تايجو مملكة جوسون، وبعد تنازله عن العرش، أوصى لابنة له من خليلته بمنزل وقطعة أرض. كانت الترتيبات تقضي بأن تشتري الابنة منزل رئيس وزرائه، وأن يؤمر العبيد بقطع الخشب اللازم لإصلاح المنزل، الذي تمنى أن يكون لابنته وأحفادها في المستقبل، وإلى الأبد!

يذكر أن كثيرًا من المخطوطات الكورية قد أخذت خلال الحروب المعاصرة إلى متاحف خارج كوريا، مثل اليابان وفرنسا، وبدأت الحكومة الكورية بإصرارها تستعيد بعضها، ومنها كتاب «يوجوي» الذي يصور يوميات بروتوكولات واحتفالات ملوك أسرة جوسون الحاكمة (1392 - 1910م) المعاد إلى كوريا من فرنسا هذا العام.

للشعر نصيب من كنوز كوريا

ليست وحدها مخطوطات وصايا البيع والشراء، ومراسيم البلاط الملكي هي ما في المتحف، فللشعر نصيب من كنوزه أيضا. يذكر أنه في العام 1450م (العام الثاني والثلاثون من حكم الملك سيجونج)، أرسلت أسرة مينج في الصين بسفراء لها للإعلان عن اعتلاء الإمبراطور جنج دي العرش.

على رأس البعثة كان السفير الصيني ني جيان، الذي بادل القصائد مع علماء أسرة جويسون الحاكمة، ومن بينهم إن - جي، ويعرض المتحف لفافة تضم 35 قصيدة يمكن لفها لتحفظ في خزانة معدة لها. وقد كتب الوزير الصيني وانج شوان مقدمة للقصائد المهداة.

لكن كل ما في المتحف شيء، وما يخص بوذا شيء آخر. فجأة تكتشف أن الحياة كلها.. بوذا. في غرفة متوسطة المساحة تحلقنا جميعًا حول صندوق زجاجي يقدم صورة «أنثوية» تتجسد في تمثال بوذيستافا المتأمل. دخلت الديانة البوذية شبه الجزيرة الكورية في القرن الميلادي الرابع، وقد أضافت للفنون المحلية الشيء الكثير، مثلما طوَّرت من ثقافة البلاد. عندما يتعلق الأمر بدراسات الفن البوذي، يجب البحث عن أصول منحوتاته لفترة الممالك الثلاث (57 ق.م 668م) وفترة مملكة شيلا الموحدة (668-935 م). ولذلك تعد منحوتات بوذا إحدى أهم المناطق الرئيسية للفن الكوري، الذي قدم بعضا من أرقى قطع النحت من الناحية الفنية في منطقة شرق آسيا والعالم. قبل دخول البوذية لم تكن كوريا تدين بما يُذكر لتشير إليه المراجع التاريخية، لذلك كعهد الفن دائما قدم الدين تكئة لازدهار الفن. كانت صورة لبوذا المستوردة قد جاءت بداية مع الرهبان القادمين من الصين، كما كانت هناك صور بوذية أخرى لنماذج نشأت في الهند وآسيا الوسطى. وكأن التأثير الكوري قد صهر تلك المصادر جميعًا ليظهر بوذا الكوري بأذواق الحرفيين الكوريين التي شكلتها التقاليد الفنية المحلية.

أتأمل في بوذا المتأمل بدوره، فأجد أن الوجه الكوري الصِّرف يعلوه تاج يتماثل مع تيجان الساسانيين في فارس، بطوله وزخارفه التي تجمع القمر والشمس! لكن الابتسامة المُلغزة، والجلسة الطبيعية، والجسد المتناسق، والثياب المتسقة كأن نصفها مرآة للنصف الآخر، يجعل من بوذا المتأمل قطعة استثنائية.

كلما خرجنا من قاعة، نسير في ممر عصري، بشرفة عملاقة، تشرف على بهو يتسع للباجودا الشاهقة الارتفاع (10 طبقات تعلو 1350 سم)، وهو بناء معماري يشبه المئذنة. وكحال المتحف الذي يضمها الآن تنقلت الباجودا نفسها. فقد نصبت بادئ الأمر في دير جيونج تشونسا في العام الرابع من حكم ملك جوكوريو: تشونج موك (سنة 1348م). وفي العام 1907م تم تهريبها سرا وبشكل غير قانوني إلى اليابان بواسطة رجل البلاط الياباني تاناكا كوكن.

ولكن في العام 1918م أعيدت إلى كوريا بفضل جهود صحفيين، هما إي بيتهل (بريطاني) وإتش هلبرت (أمريكي). في العام 1960 تم وضعها في قصر جيونج تشونسا مجددا، ولكن اكتشف علماء الآثار صعوبة الإبقاء عليها سليمة جراء عوامل الطقس والأمطار الحمضية، لذلك تم فكها مرة أخرى في سنة 1995م، وحين افتتح متحف كوريا الوطني في هيئته الأخيرة أقيمت هناك، في ما أسموه «درب التاريخ».

بوذا.. في انتظاري

يبدو أنه لكثرة ما سمعت عن بوذا في جولتي من المرشدة الكورية، تخيلت كل شيء حولي مثل بوذا. حتى حين تطلعت من الشرفة الشاهقة إلى بانوراما سيئول، التي يمكن أن ترى فيها بعض القصور التاريخية بحدائقها الغناء وسط البنايات العصرية بسقفها الأخضر. ولدهشتي، كان هناك بوذا ينتظرني، حيث وضعت إدارة الفندق (تعاليم بوذا) في درج المكتب، وهو نسخة أنيقة، في نحو 850 صفحة مذهبة الصفحات، باللغات الكورية والصينية والإنجليزية، له شريطان ذهبي وأحمر، يبدأ ويختتم بمواقع تماثيل بوذا. كلمات بوذا كما يقول الكتاب في مقدمته مسجلة في أكثر من 5000 مجموعة، حفظتها الأيدي وتناقلتها لأكثر من ألفين وخمسمائة عام، منذ اعتزل بيته في القرن الخامس قبل الميلاد ليبدأ طريق الحكمة، حتى عمَّت كلماته وحكمته وتعاليمه بلاد الهند خلال حكم الملك آشوكا (268 - 232 ق.م). تحت ضوء مصباح عصري أتصفح كلمات شمعة آسيا، كما يلقب:

«كان هناك ملك يحكم بنجاح مملكته، وبفضل حكمته سُمي ملك الضوء الأكبر. يشرح الملك سر نجاحه فيقول: أفضل سبيل للملك كي يحكم بلاده أن يبدأ أولا بحكم نفسه. على الحاكم أن يظهر لشعبه بقلب ملؤه الحب. وعليه أن يعلم أفراد أمته، بل ويقودهم كي ينزعوا كل الشرور من عقولهم. إن السعادة التي تعم بفضل الوصايا الطيبة أفضل كثيرًا من المتع التي تُجنى من أشياء مادية يقدمها العالم. لذلك تكون وصايا الحاكم الخيِّرة لبلاده حافظة السلام والسكينة لعقولهم وأجسادهم. حين يأتيه البائس, عليه أن يفتح خزائنه ليأخذ منها ما يشاء. وينتهز الفرصة كي يعلم الشعب فضيلة التخلص مما لا حاجة بهم إليه، ومعها يتخلصون من الجشع والطمع.. من لديهم التعاليم الطيبة يرون في الأشجار كل ضوء جميل. أما الجشعون فلا يملكون فضيلة التحكم بالعقول, وهم أكِفَّاء حتى أمام أضواء قصر ذهبي».

كانت بي رغبة في أن أعود في الصباح مجددا إلى متحف كوريا الوطني، كنت أريد أن أشكر بوذا وكل الخيرين في هذا العالم. نحتاج أن يخرج من قلب المتحف كل الكلام الطيب، أن يصبح نمط حياة، وأسلوب عيش، وشرعة تسامح مع الآخر. تلك هي الرحلة تبدأ بالكلمات الطيبة وتنتهي بها، تلتحم الأساطير والتواريخ، ويبقى السعي من أجل إنسان يعمر الكون، فيترك في متحف الذاكرة للأجيال القادمة ما تعده من كنوز الحروف.

أشرف أبواليزيد مجلة العربي اكتوبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016