مختارات من:

خالد الفيصل واستحضار البادية

لويزا بولبرس

قلة من الشعراء العرب من أمثال خالد الفيصل التي تقفز بها من حرف المقال لتغرق معها في الوارد والحال.

سمعت بقرب تنظيم جامعة مؤتة بالأردن, لأمسية شعرية يحييها صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل, فنازعتني إلى الحضور نفسي, وألحت علي في ذلك. وكنت قد اطلعت من قبل على دواوين الشاعر الثلاثة, وحضرت الأمسية الشعرية التي نظمت على شرفه بالرباط, ورأيت بعضا من الأشرطة التي توثق الأمسيات التي أحياها في كثير من العواصم العربية والغربية. غير أن مثل هذا الاهتمام لم أجده في تلك اللحظة كافيا لتوفير زاد معرفي, يشجع على طرح سؤال الاقتراب من عالم الشاعر. فآثرت الرحلة إليه لسماعه والسماع عنه.

كان وزن الشاعر الثقافي والسياسي والاجتماعي واضحا في تأثيث فضاء القاعة وتصميم مراسم اللقاء, غير أن طبع الشاعر نجح في اختراق الحواجز وبعث الدفء.

الشاعر خالد الفيصل وأنت تسمعه أو تقرؤه, تتراسل في عمقك حواس, وتتراءى في قلبك جروح ذاكرة موشومة بالحنين, إن الكتابة عند الشاعر خالد الفيصل لا تدعي الأبوة الكاملة, ولا الملكية الخاصة لها, إن للنص عنده كما هو شأن كل نص توجيها مزدوجا (يبرز الأول في كونه يميل نحو النسق الدال الذي ينتج فيه (اللسان واللغة في عصر ومجتمع معينين), ويتجلى الثاني في ميله نحو المسار الاجتماعي الذي يسهم فيهم باعتباره خطابا) من ثم وجب النظر إليه في إطار النص الاجتماعي والتاريخي العام, وفي إطار تجريب تداخل العامي بالخاص.

في هذه الدراسة المحدودة سنتناول نصوصا للشاعر في علاقاتها بنصوص شعراء آخرين, لا من باب تحديد الأصول, واقتناص المصادر, ولكن من باب الانطلاق من التفاعل النصي الطبيعي الذي هو قـدر كـل كـتابة فـ (النص لا ينشأ من فراغ. إنه يظهر في عالم مليء بالنصوص الأخرى, ومن ثم فإنه يحاول الحلول محل هذه النصوص, أو إزاحتها من مكانها. وخلال عملية الإحلال أو الإزاحة هذه, قد يقع النص في ظل نص أو نصوص أخرى. وقد يتصارع مع بعضها, وقد يتمكن من الإجهاز على بعضها الآخر. وتترك جدليات الإحلال والإزاحة هذه بصماتها على النص).

كما سنحاول من جهة أخرى, الاعتماد على ما اعتبرناه وحدة دلالية مركزية في شعر خالد الفيصل, اتخذت لها أشكالا وصيغا مختلفة يمكن أن ترتد إليها وتفسر على ضوئها. هذه الوحدة الدلالية أو التيمة الكبرى هي (التبدي) باعتبارها نزوعا ملحاحا إلى استحضار صورة البادية في أدق ملامحها وخصوصياتها. وسنعتمد في ذلك على متن الأمسية الذي ضم خمسا وعشرين قصيدة منها عشرون نشرت من قبل في الديوان.

أول ما يلفت الانتباه في النصوص الشعرية المختارة للقراءة في الأمسية, اندماجها في نص مواز نثري في صيغة حوار بين الشعر والشاعر يشكل عتبة تساهم في تشييد أفق انتظار للمتلقي, وتهيئته بما يحفزه على الاستجابة والتواصل.

لغة النص الموازي بيضاء تقريرية إلا فيما ندر. لا تشكل سوى الخلفية التي ينهض عليها النص الشعري بتوزعه المتميز على فضاء الصفحة, وانثيال رموزه وصوره. ولقد لمح هذا النص الموازي إلى الاعتقاد بالتداخل لدى الشاعر بين المؤلف التجريبي باعتباره منجزا للتلفظ, والمؤلف النموذجي باعتباره استراتيجية نصية.

الشعر.. سيرة حياة

يقول الشاعر: (يقال إن سيرة حياة الشاعر هي شعره.. وما عدا ذلك مجرد هوامش.. وإذا كان البعض يرى في هذا القول شيئا من المبالغة, فلا خلاف على أن الشعر كائن حي, يستتر داخل الشاعر يعيش أحاسيسه ويسمع دبيب أفكاره, وينطق أحيانا بما يدور في خلده).

ولعل البيت الأخير من قصيدة (قالت من أنت?) يؤكد وعيا بالفرق بينهما. يقول فيه:


إما عرفتيني فلاني بزعلان
حتى أنا تراني احترت فيني


وهذه الحيرة لا يمكن أن تفسر إلا بالتوتر الذي تعكسه المقدمة بين الشعر والشاعر أو لنقل بين الأمير والشاعر.

وعلى العموم فالمؤلف ( (أناه) في الكتابة غير (أنا) الفرد يشكله خارج هذه الكتابة) إنه موجود في كتاباته لكنه موجود فيها بوصفه كائنا من لغة فحسب, وبوصفها ذاتا مرجعها مغاير لها ومع ذلك فإن النقد عجز عن إيجاد سور حديدي بين الذات الحية, والذات اللغوية, بحكم وجود الرواسب المرجعية في نسيج كل شعرية, وإن تفاوتت نسبة الحضور.

إن النص الموازي باعتباره عتبة ذات وظيفة يجسد إصرار المتن الشعري على الانبناء بنسقية المفهوم المركزي الذي أشرنا إليه وهو مفهوم التبدي. يقول الشعر: (لقد جندتني يا صاحبي ـ كفتاة إعلان ـ لصحرائك, وخيمتك, وخيلك, وصقرك وصيدك ألا ترون أيها السيدات والسادة أن أنانية الشاعر هنا واضحة جدا? وأنا أقول: إنها تهمة تشرفني, فيها جعلت الفكر يحلق كما الصقر وتمتزج الطبيعة بإنسانها, وتصبح أنت أيها الشعر (حومة فكر)).

وقبل إيجاد تخريج لهذا الإصرار الدال, فإننا نشير إلى أن إمكان (فهـم العمـل الأدبي كتـكييف إلى ما لا نهاية لموضوعاتية واحدة) يمكن على ما في ذلك من اختزال, من تحديد البنية الثابتة, أو اللازمة المتكررة التي تتخذ لها أشكالا من اللبوس التي تحتاج إلى الكشف, وهذا ما يجعلنا نمسك بالتبدي باعتباره مفهوما مركزيا في متن الشاعر. إنه البذرة الأولى التي تختزل شجرة الإبداع لديه, والطاقة المولدة لحرارة العاطفة فيه. واعتماده أرضية يجعلنا نقترب من عالم خالد الفيصل المشرع على أفق من الوحدة النفسية لا يفصمها إلا اسفين واقع عربي حاد, أمض من ألم العمر المنسرب والأمل الخائب.

ولعل المرحلة التي شهدت ولادة الشعر والشاعر والتي كانت (بدايتها لحظة النطق بأول قصيدة) تمثل المنطلق الصحيح والطريق المعبدة لدخول متن الشاعر. وسنعتمد في مقاربة هذه المرحلة على قصيدة (يوم انا طالب) باعتبارها نصا ـ وان كتب في مرحلة لاحقة ـ فهو يستحضر بوضوح ملامح هذه المرحلة بقوتها وطموحها, وملامح مرحلة تالية بارتطامها وإحباطها, يقول في ذلك:


يوم أنا طالب هقيت أني عرفت
كل ما في الكون من سر الحياة

يوم أنا طالب تحمست ووعدت
أني أصلح ما تبين لي خطاه

يوم أنا طالب على الغيمة رسمت
ضحكة الدنيا على عذب الشفاه

يوم أنا طالب تخيلت وحلمت
أني ألبس من هدب شمسي عباه

وانكسر غصن الخيال اللي زرعت
والتوى صدري على تسعين آه

لكن اني رغم هذا ما انهزمت
واستمريت ادعس الشوك بحفاه

كلما زادت مواجيعي صبرت
بين ثلج وبين جمرات الغضاه

هذه القصيدة التي اقتطفنا منها هذه الأبيات الأكثر دلالة على ما نريد أن نصل إليه, تشكل في رأينا النص المفتاح للتجربة الإبداعية عند خالد الفيصل. إنها تعكس جدل رفض الواقع الحاضر والسعي إلى القبض عليه, وقبوله والرضا بالانقباض فيه, إنها تستعيد مرحلة الشباب, وهي بهذه الصفة تبوح لنا بسر البداية, بداية الشاعر بالنطق, وهو ما يعني بداية الكينونة والتحقق. وقد بدت ذات الشاعر من خلال القصيدة التي كونته, مرتبطة بذات العالم من خلال العناصر الأولى التي يقال إنها كونته, وهي الماء والنار والهواء والتراب. وهذا التوحد بين بداية تحقق ذات الشاعر, وتحقق ذات العالم في إطار الحلم, يؤكد ما ذهب اليه (باشلار) من ربط بين الصورة الشعرية باعتبارها إبداعا فرديا والحقيقة الحلمية التي تعيد جميع الأحلام البشرية الى عناصر العالم الأربعة, وهذا يعني ان (العناصر الأربعة اشبه ما تكون بالأكياس المليئة بالصور, والموضوعة في متناول الجميع, ولكن الشعراء يستطيعون استثمار هذه الصور أكثر من غيرهم بما اوتوا من قدرة متميزة على التحليل والربط). وقد ذهب (باشلار) إلى أن (احلام اليقظة التي ترجعنا الى المراحل الطفولية لها في الواقع من العمق ما يجعلها تتجاوز حياة الطفولة نفسها لتحيلنا إلى طفولة الإنسان في الكون).

وهذا النص بذلك يجسد أعمق منطقة من مناطق الوعي لدى الشاعر, وهي منطقة الاحتكاك البدئي بالعالم, وهو من ثم يشكل بالنسبة لنا معبرا لتأويل حضور مفهوم (التبدي) باعتباره كما قلنا صورة ملحة, ولازمة مركزية في متن الشاعر.

بدء الطبيعة

أليست البادية صورة تقريبية لبداية البدء الطبيعية?

أليست البادية تعكس الأصل من غير تحويل أو تطوير, أو تعمل أو اجتلاب?

أليس في استحضار الصحراء والظباء, والنجوم والسماء, والحصان والمهاة, والنخل والخزامى, والمرأة والفارس, والفخر والحماسة تغييب للتشيؤ ورفض للهجنة وقتل للاغتراب.

إننا نستطيع عن طريق هذه الآلية أن نعيد البهاء إلى العالم فـ (تتحرك الحياة منذ أقدم أجدادنا نحونا عبر الاشياء والنباتات والحيوانات) وحينما نجد الشاعر خالد الفيصل يحب الشعر, ويدافع عنه, فلأنه لغة الإنسان الأولى التي عبرت عن العالم في بدئه, وبه نستطيع إعاقة خطية الزمان فنعيش في الزمان الذي نريد. يقول الشاعر في شجن:


حلو الليالي توارى مثل الأحلام
مخطور عني عجاج الوقت يخفيها

اسري مع الهاجس اللي ما بعد نام
واصور الماضي لنفسي واسليها

أخالف العمر أراجع سالف أعوامي
وانوخ ركاب فكري عند داعيها

تدفا على جال ضوه بارد عظامي
والمايسوق بمعاليقي ويرويها

وبناء على ذلك فاننا يمكن أن ننظر إلى موضوع الصيد أيضا من خلال هذا المفهوم, فهو كما قلنا يستطيع أن يوجد الأطر والأشكال والصور والرموز, كما يستطيع استثمار المرجعيات الثقافية, وتفعيلها بالقدر الذي يخدم التجربة الخاصة. من ثم لا يعدو أن يشكل غرض الصيد على سبيل المثال فضاء لتجسيد نزوع الفكر إلى التسامي وبقاء الذات منبطحة على الأرض:


ستل جناحه ثم حام
يرقى على متن الهوا
يزفه بعيد وانا
محدود في حد النظر
له بالهوا شف ومرام
يلعب مع الغيمة سوا
ولا جناح لي واطير
والأرض صارت لي مقر

وهكذا بعد الوقوف على سبيل التجريب على كيفية اشتغال آلية التبدي مع الإشارة إلى غايتها من ذلك, نشير هنا إلى دورها الثاني في إمكان تفعيل الحوار بين أكثر من نص.

لقد فرضت هذه الآلية على الشاعر خالد الفيصل الدخول في علاقة متميزة مع التراث من خلال نصوص مركزية جمع بينها صياغة التراوح بين الاختراق والارتطام, مما ولد الحنين إلى الأصل غير المحرف المهدد بالاندثار.

وكما أشرنا إلى ذلك فإن التعالق النصي أو التحاور النصي أو التناص, خاصية ضرورية ولازمة, وإن خفيت هذه الحقيقة لفترة. فالنص اجتماعي الطبع. ومن ثم فإن (الكلمة وكذا كل النص ما هو الا حلقة بين سابق ولاحق وتقاطع بين كل هذه, بما يعني أن النص ما هو الا موزاليكية من التنصيصات, وذابت وتحولت آخذة من بعضها الآخر).

حوار مع الشعراء

وفي ضوء هذا التصور نذكر من بين الشعراء الذين دخل معهم خالد الفيصل في حوار مباشـر, امـرؤ القـيس, والمـتنبي, وأبوفراس الحمداني, والشريف الرضي. وأول ما يلاحظ على هؤلاء الشعراء أنهم جمعوا بين الشعر والسياسة. فامرؤ القيس, وأبوفراس, والشريف الرضي أمراء, أما المتنبي فقد سعى غير ما توان إلى الإمارة. ولقد جعلتهم هذه السمة المشتركة يعيشون في مرحلة النضج, تبعات الجمع بين الحق والواجب, والخيال والواقع, فتحملت أنفسهم ثقل التوتر والتضاد.

ولعل ما وحد في حياتهم بينهم, وطهر له فنيا نفس الأثر, هو السباحة ضد التيار, أي السباحة في اتجـاه المنـبع لا المصب. وسباحة في هذا الاتجاه أدل على القوة وإن كان أصعب على النفس. لقد جعلت امرأ القيس في الأخير يرضى من الغنيمة بالإياب, وجعلت خالد الفيصل ينكسر غصن خياله, وبين الاثنين شعراء على رأسهم الذين أشرنا إليهم شعروا بالإحساس نفسه.

ولعل الوقوف لرؤية جنازة الحياة المحمولة دائما على الآلة الحدباء, كان وراء التغني بالمكان الأول, والزمان الأول اللذين يتحولان في غير ما توقف. ولعل التبادي الفني نوع من الأكسير الذي يعيد الشباب إلى الوجود أو يؤخر شيخوخته في أسوأ الأحوال.

وإذا كان امرؤ القيس لا يحتاج إلى وقوفنا عنده في هذه العجالة بحكم عموم البيئة الصحراوية في عصره, فإن ظاهرة التبدي الشعري في القرن الرابع على الخصوص, حتى القرن الحالي تحتاج إلى فهم وتفسير. ولعلنا بتعليلنا الظاهرة عند خالد الفيصل بما أشرنا إليه نكون قد ساهمنا بما نطمئن إليه.

أما القدماء وكثير من المحدثين فقد ذهبوا إلى غير ما ذهبنا إليه. فقد رأى الصاحب بن عباد أن المتنبي كان يقصد إلى التبدي وكان (من أهم ما يتعاطاه التفاصح بالألفاظ النافرة, والكلمات الشاذة, حتى كأنه وليد خباء, وغذي لبن لم يطأ الحضر).أما المحدثون فنذكر منهم شوقي ضيف الذي علل التبدي عند المتنبي بسعيه إلى أن (يحقق لنفسه التفوق في أوساط اللغويين من أصحاب الغريب), كما علله عند مهيار بحرصه على التلفيق لعجزه عن التجديد.

إن العائلة الشعرية برجوعها إلى الصحراء التي انتشت بعذب الحديث بين السماء والأرض, أرهفت الإحساس, لاكتناه الأسرار. فكل شيء في شبه الجزيرة آية, وكل شيء في شبه الجزيرة رمز. ورص أماكنها ووديانها ونباتها في النص, يملكه قداسة الوحدة, قداسة البدء, فإذا:

(الطبيعة هيكل حيث تقوم أعمدة حيةتبث أحيانا عبارات مبهمةوالإنسان يمر فيها عبر غابات من الرموز)

مما سبق يظهر أننا لم نكن مستغربين لحضور التبادي الفني في المجتمع الحضري, ولم نكن نميل إلى تعليله بالتقليد كما درج على ذلك أصحاب الثنائيات وعلى رأسها ثنائية (التراث والحداثة) أو (الأصالة والمعاصرة).

إن المسألة أعمق من ذلك بكثير, والأدب من حيث هو أوديبي كما يذهب إلى ذلك البعض, لا يعني فيه قتل النص الابن للنص الأب عدم الحضور والاستمرار. إن (الكتاب الأقوياء لا يختارون سابقيهم الأساس, لأنهم اختيروا من قبل أولئك, لكنهم من الفطنة بحيث يحولون من هؤلاء السابقين مخلوقات متنوعة مؤتلفة ولهذا متخيلة جزئيا وما العبقرية المتحققة إلا نتيجة مخاض هذه العلاقة).

إن تيمة التبدي وهي تخلق لها سياقها الخاص, واحتمالها الدلالي, وأشخاصها المقتدرين, تجسد دائرية الأدب, حيث تكون البداية فيها النهاية, والنهاية البداية. وإذا كان العالم يتهجن كل يوم, فإن الفن قادر على الحفاظ على الجوهر, على الأصل, على الطفولة, على الطهر, على الحياة في امتلائها, وهذه الأسس وغيرها مما يدعمها, لها حضور في إبداع خالد الفيصل الفنان البدوي الحضري بامتياز.

لويزا بولبرس مجلة العربي يونيو 2000

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016