مختارات من:

«واقع الثقافة العربية لا يعالج بالقمم» للدكتور عبدالعزيز المقالح

صالح محمد التومي

- الانقياد للخلفيات
- تراكمية السلبي والإيجابي

هل استفزّك د. عبدالعزيز المقالح في مقاله حول القمة الثقافية العربية استفزازًا إيجابيًا كما فعل بي؟ لقد قرأته بارعًا في توليد الأفكار في نفس المتلقي بمحاورته إياه عن بعد، فدفع بتلك السطور كثيرًا من الأسئلة إلى الإلحاح، لتتداعي الخواطر ببعض من هموم المثقف العربي، فلم نجد بدّا من التساؤل:

هل الوضع الثقافي العربي الراهن هو الذي دفع بالقمة الثقافية إلى الانعقاد؟ أم أن حركة الثقافة هي التي صارت شديدة الارتباط بالسياسي، فلا تكون إلا بقرارات ناتجة عن قمّة؟ وهل انقلاب السياسي على الثقافي قرينة على أن الكيانين منفصلان انفصال الهياكل الرامزة في الأنظمة الإدارية؟ وإذا كانت الثقافة لا تعالج بالقمم كما قال د.المقالح، فبماذا نفسّر ارتداء الهياكل السياسية - من وزارات ومندوبيات - العباءة الثقافية (وزارة الثقافة، مندوبية الثقافة)؟ أليس من الإيجابي أن تعقد قمّة من أجل بند وحيد هو دراسة الوضع الثقافي في الوطن العربي؟ لكن هل القمة المعلنة هي فعلاً ما أنتجته الكواليس؟ أم أن البيانات والقرارات الصادرة لا تعدو أن تكون غطاء يواري الخلفيات السياسية التي تحوّل الثقافة من هدف إلى وسيلة؟

لو تناولنا الثقافة من المنظور الفلسفي، لوجدنا أن لها من الاتساع والمرونة ما يجعلها في حاجة إلى قمم ترسم شكلها المراد لها، فهي كما يعرّفها د.نبيل علي متعددة المقومات، تكون نسقًا اجتماعيًا قوامه المعتقدات والقيم والتقاليد الحاملة للهوية، وهي إيديولوجيا من حيث هي منظار الفرد الذي يرى العالم من خلاله، وهي ضرب من الانتماء الذي يعبّر عن التراث والهوية، وشفرة تحمل مقوّمات الحياة الدالّة على جماعة ما. وهي ضرب من التواصل في ربطها الصلة بين حامليها عن طريق خاصية التثاقف لتكوين أرضية تلتقي حولها الثقافات، بعيدًا عن الاستبداد والهيمنة.

وإذا سلمنا بهذه المقومات في الثقافة العربية، فإنها تصبح على حدّ قول د.عبدالسلام المسدّي ثقافة إنسانية أصيلة وشاملة للمادة والروح، وضاربة في التاريخ بما تتميز به من مقومات خالدة، كالحق والعدل والمساواة وتمثل الثقافات الأخرى بعيدًا عن التماهي والذوبان.

انطلاقًا من هذه المقومات، تنهض الثقافة بوظيفتين جوهريتين، الأولى أن تكسب أعضاءها حسن الانتماء المشترك، والثانية أن تعمل على التمايز عن كل ما لا ينتمي إليها.

وبقدر ما كانت هذه التوطئة النظرية جزءًا من الإجابة عن التساؤلات المطروحة آنفًا، فهي أيضًا إطارنا النظري في قراءتنا لمقال د.المقالح دون التقيّد بتقسيمات متكلّسة، كثيرًا ما تحيل المتلقي على أوضاع محددة لا تنسجم مع إطلاقيّة الثقافة.

إن المتتبع للتاريخ الثقافي يرى أن السياسي كثيرًا ما كان عاملًا إيجابيًا لا سيما إذا كان مستقلاً، ولم تبرز الهيمنة الحالية إلا حين تخلت الثقافة عن كيانها وعوّضته بآليات سياسية، لأنها بذلك استبدلت آليات وهياكل كانت من صميم إنتاجها بأخرى طابعها الأساسي الانقياد للخلفيات.

وتعقد القمم عادة للتنسيق بين سياسات ومواقف مختلفة، وكثيرًا ما تكون ظرفية، وهذه الصيغة بالذات لا تنسجم مع طبيعة الثقافي لأنه لا يتحرك تبعًا للمواقف. فهل الثقافة العربية «مجموعة ثقافات» تحتاج إلى قمة تنسيق؟ أم أن الخصوصيات المحلية طغت على المشترك، فصارت أعمق من الحدود الحضارية لتصبح القمة دليلاً على التنافر - على غرار السياسي الذي يحتاج إلى قمة كلما كان على أبواب أزمة ما -؟ وهل القمة السياسية دليل على التشظي، أم هي درء له؟

يُقسّم د. المقالح الثقافة العربية في مقاله إلى أربع ثقافات «ثقافة متقدمة، ثقافة وسطية توفيقية، ثقافة سلفية عقيمة، ثقافة التماهي والذوبان في الآخر». وفي هذا التصنيف يبدو الترتيب التفاضلي مشفوعًا ببعض الأحكام المعيارية، هي للأخلاقية أقرب منها للموضوعية. ولا أظن د.المقالح فعل ذلك عن قصد، بل هو انجرار طبيعي وراء منهج التحليل الذي اشتغل عليه، إذ اقترب كثيرًا من آليات «ويل كيميلكا» في قراءاته للثقافات الأوربية لمّا سعى وبعض من زملائه إلى إيجاد ديناميكية تحفز الثقافات الأوربية ذات التاريخ المختلف، والمرجعيات المتباينة، على التعايش والسعي إلى تكوين ثقافة أوربية واحدة تجمع بين أجزائها بعض نقاط الالتقاط، فاستطاعت أن تتعايش وتتلاقح بفضل غياب علاقات الاضطهاد والإذلال بين مختلف الجماعات، وتجلّت صدقية القول بتعدد الثقافات في الكيان الواحد.

أما في قضية الحال، فالأمر مختلف لأننا بصدد دراسة ثقافة واحدة، هي الثقافة العربية التي لم تعرف في تاريخها أي عملية تجميع، فهي تتميز بوحدة المولد والتاريخ والمصير. وما أطلق عليه د.المقالح «ثقافات» لا يتعدى كونه أوجهًا مختلفة لثقافة واحدة. وهذا هو أصل اللبس الواقع اليوم في جل القراءات الثقافية.

وقد تشكّلت هذه الأوجه، في رأينا، على غير الصورة التي عرضها د.المقالح، فلو نظر إليها في شكلها الدائري لرأى أن الوجوه الأربعة التي ذكرها تتفاعل، لتشكّل الثقافة العربية الواقعية والطامحة وغير المنبتة والضاربة في التاريخ. وبذلك يكون في غنى عن إصدار الأحكام المعيارية التي رسم بها خط سير محددًا، وجّهه وِجهة ارتآها، وفضّل بها ثقافة (وجها) عن أخرى، وحكم على إحداها بالجهل والعقم (السلفية)، وعلى أخرى بالتماهي والذوبان، وبذلك ألقى نوعًا من الضبابية على علامات الطريق الذي نروم. فلو استبدلنا هذا الخط التفاضلي الذي رسمه د.المقالح بتصنيفه «الثقافات العربية» بشكل دائري تتسم فيه المصطلحات بالدقة، وتشحن بمعاني التجميع بعيدًا عن المعيارية لكان باستدارته أقدر على الاحتواء. ففي إقصائنا لوجه ثقافي محدد استبطان لمصادرة الآخر. وحتى نمتلك ناصية التقدم، لابد أن يكون تصوّرنا له شديد الوضوح. ولا يكون ذلك إلا برسم الأهداف، واستبعاد الإعجاب بالذات، والقدرة على استيعاب كل مكوّنات هذا الواقع الصالح منها والطالح، واعتبار أوجهه الثقافية مثل لفيف الأبناء في الأسرة الواحدة، التي لا تتخلى عن أي فرد منهم بغض النظر عن برّه وعقوقه، بل تبذل قصارى جهدها في احتواء العاق وتثمين بذرة الخير فيه بإبراز مواطن الالتقاء معه ووجوهه الإيجابية، فتنقده دون تجريح، وتتفادى محاصرته بإصدار الأحكام عليه. بل يعطَى مكانته كمكوّن من مكوناتها دون اتهامه بالدونية. ومثل هذا يعوزنا في ثقافتنا العربية، فكثيرًا ما ترانا نتهم قطرًا ما بالتغريب، ونعيّر طرفًا آخر بلونه السياسي، وننعت ذاك بالاغتراب الثقافي، متجاهلين كل نقاط الالتقاء مهما عظمت، ومقزّمين ما بذله كل طرف من فعل ثقافي جادّ. وقد نُلبس أحيانًا أخرى مثقفًا فاعلاً لونًا إيديولوجيًا معيّنًا، فنؤوّل كل إنتاجه على ذاك المحمل. هكذا ترانا نفتقد حسّا دائريًا قد يساعدنا على احتواء الآخر دون السير عبر خطوط لا تأخذ من المجال غير منفذها. وهذا القصور على مستوى تصوّر الذات يُحدث التقوقع والخوف من الآخر. فواحدية الاتجاه تغطّي ملامح الهدف بضيق مجال النظر.

وقد تجانب القمم الثقافية الصواب - وربما انعدمت إفاداتها أصلاً - إذا ما حاولت أن تجعل نقطة محددة لانطلاقة الثقافة تحاول من خلالها التنكّر لمرحلة تاريخية معينة، فعجلة التقدم لا تدور على فراغ، بل تراكمية السلبي والإيجابي في ثقافة ما هي وقود تواصلها. فللوجهين الفعل الثقافي نفسه، والإيجابية ذاتها إذا اعتبرناهما وجهين من وجوه الثقافة الواحدة، وذات السلبية إذا كانا نقطتين تقف الواحدة منهما على مسافة من الأخرى يستحيل معها الالتقاء لاستقامة خط المجال - كما حددها الدكتور صاحب المقال - إذ نضع بذلك أسّا للتشظي دون قصد منا.

وحتى لو سلمنا جدلاً بهذه الثقافات التي حددها د.المقالح على النهج «الكيميلكي» (نسبة إلى ويل كيميلكا)، واستبدلنا «تعايش الثقافات» بتفاعل الأوجه الثقافية ذات النسق الثقافي الواحد، فإن نجاح ذلك يكون رهن وقوف هذه الأجنحة على أرضية صلبة، يُضبط فيها شكل التعامل بالاتفاق على تجميد الخوض في القضايا الخلافية الكبرى بدواعي الاستقرار وإتاحة المجال لاكتمال الوعي لدى بعض التيارات. فيصبح المثقف قادرًا على اكتساب ميزان ثقافي يتمكن باعتداله من تبنّي خيار من بين الخيارات المتاحة. فيتخّذ بحرية قراره في ترجيح وجه دون آخر من الوجوه الثقافية. وفي ذلك تحفيز لأصحاب الخيارات على الدفع بخياراتهم أكثر نحو الاكتمال، وإتاحة للفرد بإمكانية تغيير اختياراته وتعديلها. وبالتالي اقتناعه بأن آراءه غير معصومة من الخطأ وقد يكون الصواب عند غيره.

صالح محمد التومي مجلة العربي يونيو 2011

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016