مختارات من:

700 عام على الحروب الصليبية

المحرر

لكِ الله يا عكا
بقلم: الدكتور محمد المنسي قنديل


لم تكن مجرد مدينة، ولكنها بقعة من الأرض تلاقت فيها كل المصائر، وأصبحت شاهداً على أطول حرب عرفتها البشرية. استمرت على مدى قرنين من الزمن وسقط فيها خمسة ملايين قتيل وامتزجت فيها فورات الشجاعة بمشاعر الحنق، والخسة

ترددوا طويلا قبل أن يسوقوا الخبر إلى السلطان الناصر صلاح الدين. كان يجلس في خيمته وقد امتلأ وجهه بالتعب. حارب طويلا منذ أن أقبل صبيا صغيراً من قريته النائية في جبال الأكراد حتى عرش مصر. كان يحسب أنه بعد أن انتصر في حطين ودقت له القدس أجراسها قد وصل إلى نهاية المطاف، ولكنه اكتشف تحت أسوار عكا أن رحلة الجهاد مازالت طويلة.

تجرأ أخوه الملك العادل في الدخول إليه وهو يقول في لهجة باترة:
مات عيسى العوام.

رفع السلطان رأسه كمن تلقى ضربة مفاجئة، بدت في عينيه دمعة معلقة. ذلك المسيحي الطيب رفيق القتال كان هو رسوله إلى المدينة المحاصرة. في كل يوم كان يجالد البحر وهو يحمل الرسائل والأموال والتوجيهات إلى ساحل المدينة بعيداً عن أعين الفرنجة. كان موته بالنسبة له نذير شؤم لمعركة غامضة لا يدري كيف فرضت نفسها عليه. أضاف الملك العادل محاولا التعزية:
- لقد أدى أمانته حتى وهو ميت. جرفت الأمواج جثته إلى ساحل عكا وعثر معه على الرسائل والأموال.

قال السلطان: فلا حول ولا قوة إلا بالله.

فهل يمكن أن تقاوم عكا حتى تأتيها جثة أخرى؟..

السقوط..

كانت عكا في منتصف الصراع، أميرها ابن المشطوب وأهلها العرب خلف الأسوار يحاولون أن يبقوا صامدين تحت وطأة الضربات اليومية على الأسوار والحصار البحري لأسطول الفرنجة. كانت جيوش الفرنجة خارج الأسوار لا تكف عن التكاثر والسفن القادمة من كل بحار أوربا تلقي إليها مدداً من الرجال والمؤن والسلاح. منذ أن انتصر عليهم السلطان واسترد بيت المقدس والباباوات لا يكفون عن الصراخ من أجل الثأر وقطع أعناق كل المسلمين. جاء كونراد ملك أنطاكية بجيوشه الجائعة في البداية، ثم أقبل إمبراطور ألمانيا "بيربروس" ومعه مائة ألف مقاتل، ثم وصل "هنري دي شمبانيا" يحمل صناديق الذهب وصكوك الغفران المباركة، ثم وصل ملك فرنسا "فليب أوجست" على رأس جيش ضخم نصفه من القديسين ونصفه من اللصوص، فارتفعت التراتيل احتفالا بمقدمه. واكتمل الحشد بمجيء "ريتشارد قلب الأسد" ملك إنجلترا وأسطوله الضخم. ربع مليون جندي حشدتهم أوربا تحت أسوار عكا لأنها كانت طريقهم الوحيد إلى بيت المقدس الذي فقدوه..!

ولكن صلاح الدين كان يحاصرهم، يحيط بهم ويحاول أن يشق طريقه من خلالهم إلى داخل المدينة، ولكن هجومه كان أضعف من أن يجد ثغرة وسط هذا الحشد من الفرنجة.

أفاق صلاح الدين من حزنه وقال للعادل:
- أرسل إليهم الحمام الزاجل، أطلب منهم أن يصبروا حتى تأتي الإمدادات من الخليفة العباسي في بغداد، وسوف نفك الحصار.

وهذه المرة لم يجرؤ الملك العادل على إخباره بما حدث، فالخليفة الذي كان يعاني من شدة الحنق على انتصارات صلاح الدين لن يرسل أي إمدادات. كل ما فعله هو إرسال حملين من النفط وإذن منه أن يقترض من التجار عدة ألوف من الدنانير يستعين بها في الجهاد. كيف يمكن أن يقول له هذا؟ كيف يمكن أن يقول له إنهم ضبطوا رسولا موفداً من ابن المشطوب إلى ملوك الفرنجة يعرض عليهم تسليم المدينة مقابل أن يخرج هو وجنوده وأمواله سالمين؟. كان الأمر أسوأ بكثير مما يحسب صلاح الدين وقال الملك العادل في صوت مكتوم:
- الأمراء متذمرون، أمير الموصل وأمير سنجار يريدان العودة إلى ديارهما. كان السلطان يعرف أن أيام القتال قد استطالت على الجميع. قال:
- صبرا جميلا، ملوك الفرنجة كل واحد منهم يكره الآخر وتكفي هجمة جيدة نقوم بها حتى يغرق الجميع.

وبدأ يعد لهذه الهجمة بنفس دقة يوم حطين. كانت تضاريس أرض المعركة محفورة في أعماقه. ومهما كانت قوة الفرنجة مجتمعة فسوف تكون الطبيعة بجانبه ولكن يبدو أن الوقت كان قد فات. ارتفعت من خلف الأسوار صيحات عالية. وبدا الصليب عاليا وجليا فوق أسوار عكا. كانت صرخات الفرنجة مدوية تعلن انتصارها، لقد سلمت المدينة نفسها، أصابها اليأس وأصبح مصيرها محتوماً.

ارتعد صلاح الدين وهو يحس بالانكسار. أنشب الفرنجة أظافرهم في أولى المدن التي حررها. وغداً سوف تتساقط المدن. وبدلا من أن كان يطاردهم هو، فسوف يقومون هم بمطاردته. صعد إلى تل قريب، وراقب المدينة من فوق ظهر جواده، وشم رائحة البارود القادم من المدينة، وشاهد ألسنة النيران، وقال في حرقة:
- لك الله يا عكا..

الأسر..

في اليوم الأول من أيام الأسر قال ريتشارد قلب الأسد:
- ما أكثر ما لدينا من الأسرى، فلنفرغ المدينة منهم قليلا.

وهكذا تم قتل ألفين وسبعمائة أسير من الذين أسلموا أنفسهم في يوم واحد. وحاول كل ملك أن يثبت أنه أكثر شجاعة من قلب الأسد فأعمل سيفه في الأهالي العزل، كأن هناك سباقا محموما لزيادة عدد القتلى، تماما مثلما فعلوا في كل المدن التي دانت لهم.

"الرب يريدها.."

كانت هذه هي صيحة حربهم المقدسة، منذ أن خطب البابا "أريان الثاني" في مدينة لكيرمون الفرنسية كأنه يعطي الإذن لكل قوافل الحجاج المسالمين إلى بيت المقدس أن يصبحوا محاربين ولصوصا وسفاكي دماء يحملون علامة الصليب المباركة. حالة من السعار أصابت الجميع من النبلاء حتى أفقر الفلاحين، تركوا محاصيلهم دون جمع واندفعوا وراء راهب حافي القدمين يدعى "بطرس الحافي" عبر مدن أوربا. كانوا يهربون من ظلم نبلاء الإقطاع إلى حلم الثراء في الشرق الغامض، وإلى وعد الخلاص بالقرب من قبر المسيح. نهبوا كل المدن التي قابلتهم. وخربوا مدينة "بيزنطه" المسيحية دون رحمة. ثم اندفعوا عبر آسيا الصغرى إلى سوريا وفلسطين، إلى عالم إسلامي منقسم على نفسه لا يدري ماذا يحدث بالضبط. كانوا جوعى فاستطاعوا بسهولة أن يهزموا فرسان السلاجقة المتخمين. ولم يدر حكام بقية المدن الإسلامية الذين أحسوا بالشماتة في هزيمة السلاجقة أن الدائرة ستدور عليهم، وأن الفقراء العراة الذين اندفعوا من أوربا سوف يتبعهم الفرسان والنبلاء والملوك والقراصنة. سقطت "الرها" ثم سقطت "أنطاكية" وتكونت أول مملكة مسيحية قبل أن يستيقظ العالم الإسلامي من سباته. أدار الخليفة العباسي ظهره لما حدث. ولم يفق الخليفة الفاطمي في مصر لما حدث حتى سقطت بيت المقدس، وخرج الناس في الشوارع يصرخون في جزع على ضياع أولى القبلتين. أعد الخليفة جيشا سريعا ما لبث أن لقي هزيمة مروعة، وتخاذل كل الأمراء دفعة واحدة وبدأوا يخطبون الود ويرسلون الهدايا ويدفعون الجزية للفرنجة. ولكن الحملات الصليبية الجديدة لم تتوقف. اكتشف تجار جنوا والبندقية الجانب المربح في الحرب المقدسة فأخذوا يمولونها ويجنون أرباحها. وزادت شراهة فرسان الصليب فاستولوا على سروج وحيفا وقيسارية واللاذقية، وامتلأت السهول والوديان بأعداد الهاربين من مذابح الفرنجة. وطن هارب لا يجد من يغيثه. أدرك الحكام المتناحرون فجأة أن ما يحدث ليس مجرد غزوة عابرة ولكن الفرنجة قد جاءوا حتى يبقوا..

وبعد حوالي خمسين عاما كان الحال سيئا كما هو عليه. ثم ظهر في مدينة الموصل حاكم من نوع مختلف هو عماد الدين زنكي، كان أشبه بالشهاب وسط ظلمة حالكة، بداية لحلم الجهاد الإسلامي الذي طال انتظاره والاشتياق إليه، نموذج الملك المقاتل وليس الحاكم الرخو الذي سئم منه المسلمون. وعندما سار بجيوشه من الموصل إلى حلب لم يفطن الفرنجة أن القدر قد هيأ نوعا آخر من الرجال سوف يواجههم. استطاع أن يستعيد مدينة "الرها" أولى الممالك الصليبية، وأن يفتح جبهة القتال التي طال انتظارها، وأن يمهد الطريق لظهور صلاح الدين.

الخلاص..

كم عدد السنوات التي بقيت فيها عكا تحت الأسر؟.. مائة عام أم أكثر قليلا؟..

كم عدد الهجمات التي فشلت؟.. والمعارك التي انتهت إلى غير طائل؟..

لم يكن السلطان الأشرف خليل بن قلاوون مشغولا بذلك. كان ما يهمه أنه جلس أخيراً على عرش مصر. خضع له الأمراء المتنافسون وأقسموا يمين الولاء والطاعة أو على الأقل تظاهروا بذلك.

ولكن بقيت آخر المشاكل بالنسبة للسلطان.. "التقليدة".. أي الأمر بتقليده على العرش. وهي لم تكن أكثر من وثيقة يكتبها قضاة المذاهب الأربعة ثم يقدمونها للسلطان الذي يضع عليها ختمه ويكون بذلك قد حدد من سيتولى العرش من بعده حسماً لأي صراع. وكان القضاة يحفظون هذه الوثيقة حتى يموت السلطان ويأتي ولي عهده فيفتحوها ويقرأوا ما فيها حتى تكون سلطنته كاملة من كل الوجوه.

ولكن قاضي القضاة حين فتح "التقليدة" اكتشف الجميع أنها خالية من ختم السلطان الأب. زمجر الأشرف من الدهشة والغضب وأقسم القاضي أنه قدم الوثيقة للسلطان السابق ثلاث مرات وفي كل مرة كان يرفض ختمها وهو يقول:
- أيها القاضي أنا لا أولي خليلا على المسلمين.

لأمر ما لم يكن السلطان راضيا عن ترك العرش لابنه. ولكن كل الورثة كانوا قد ماتوا أو اغتيلوا أو أصيبوا بالجنون، ولم يبق إلا خليل الذي تناول التقليدة الخالية من الختم ومزقها وهو يقول:
- لقد امتنع السلطان عن أن يعطيني العرش ولكن الله أعطاني إياه.. وبدأ عهده..

ولكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فالتقليدة الناقصة جعلت سلطنته ناقصة. كان يحس بذلك في عيون الأمراء والأتابكة، وفي تفسيرات الفقهاء، وفي نكات العامة. قبض السلطان على القاضي ووضعه في أسفل السجون، وألغى نظام التقليدة، وقبض على معظم أمراء أبيه، ثم لم يجد بداً من أن يدعو الجميع للجهاد ضد الفرنجة.

كان الفرنجة ما زالوا رابضين كالأخطبوط القديم، جسده في عكا وأذرعته ممتدة إلى صور وصفد وأنطرطوس. أخطبوط عجوز قطع له صلاح الدين ذراعاً فنبتت عشر أذرع، وقطع السلطان بيبرس خمسا فنبتت عشرون. وعندما وقف السلطان فوق منبر الأزهر وطالب الناس بالخروج معه تذكروا جميعا أن السلاطين وحدهم لا يمكنهم قتل الأخطبوطات، وإنما يقدر على ذلك حرافيش المدن وصعاليك الشوارع وفلاحو الريف وصيادو السواحل. رغم مماليك الأشرف الكثيرة فقد كان المتطوعون من عامة الشعب هم الأغلب. ليم يبال أحد إن كان السلطان يريد أن يلفت الأنظار بعيداً عن بيعته الناقصة أم لا. المهم أنه يدعو الجميع إلى شيء جدير بالاستجابة.

صنع النجارون المنجنيقات الضخمة التي تستطيع أن تحمل طنا من الحجارة، وصب الحدادون دبابيس من الصلب قادرة على اختراق أي جدار، وجدل الصيادون الحبال الطويلة ووضعوا في أطرافها الخطاطيف، وحمل الفلاحون الفئوس وساروا جميعا إلى عكا.. فلك الله يا عكا.

كان الفرنجة على استعداد لأن يفقدوا كل شيء إلا هذه المدينة. تجمع خلف أسوارها كل فرنجة الشام بعد أن تناسوا خلافاتهم، وجاء إليها عبر البحر الملك هنري الثاني ملك قبرص، فاحتفلوا بقدومه وأشعلوا ناراً عالية لعل السلطان الأشرف يتراجع حين يراها، ولكن لم يكن لديه طريق آخر..

ولكن الملك هنري هو الذي أدرك - منذ أن صعد إلى الأسوار - أن المعركة خاسرة. أرسل يسأل السلطان عن شروط الصلح. وكانت بسيطة وواضحة: الاستسلام بدون قيد ولا شرط، على أن يؤمن خروجهم وأموالهم من عكا.. وكان الجواب هو الرفض، فبدأ السلطان القتال على الفور. ظل جيشه يرتطم بالأسوار كل يوم، يملؤها بالثقوب والنشابات، ويقذف المدينة بالأحجار وكريات النار، ويقترب منها بالأبراج، ويغرق كل السفن القادمة إليها. وأسرع الملك هنري بالفرار واقتحم جنود السلطان المدينة في يوم الجمعة.. الساعة الثالثة عصراً.. نفس اليوم والساعة التي سقطت المدينة فيها من قبل.

لم يكن هناك بعد ذلك ما يمكنه وقف الملك الأشرف. سار إلى مدينة "صور" المنيعة، لم يكن أحد قد تعرض لها منذ أن أخذها الصليبيون حتى ولا صلاح الدين. ولكن منظر الجيوش المهيبة وذكرى سقوط عكا جعل المدينة تسقط دون قتال. ثم سار إلى "صفد" فخرج ملك الفرنجة وهو يبكي من القهر. وهرب أهل "أنطرطوس" وألقت حاميتها بأنفسهم إلى البحر قبل أن يصل إليهم. انهار بناء الفرنجة الهش تحت قدميه، كأن قلاعهم رمال تذروها الريح. حتى صلاح الدين نفسه لم يفعل بهم كما فعل الأشرف في هذا العدد القليل من الشهود.

كان متعبا، منهكا من كثرة القتال. ورغم ذلك مازال خائفا من العودة إلى القاهرة حيث توجد مزق التقليدة الناقصة، فضل أن يتوجه إلى الشام.. دخل إلى دمشق في منتصف الليل ولكن ما أن ظهر من باب النصر حتى وجد أهلها جميعا في انتظاره. لم ينم منهم أحد حتى الأطفال والشيوخ والمرضى، جميعا خرجوا إليه كل واحد منهم يمسك شمعة ليضيء بها طريق السلطان المجهد وطريق جنوده الذين حاربوا بلا هوادة. خيم على المدينة جو من الجلال المهيب بعد صخب المعارك، أحاطتهم أضواء الشموع المرتعدة كأنها وجيب كل القلوب. كانت دروب المدينة كلها مضاءة من باب النصر حتى باب الوقيد، وألسنة اللهب ترسم في الظلام حروفاً مجهولة كأنها حروف تقليدة.. ولكنها هذه المرة بيعة جديدة وكاملة تتوجه سلطانا رغم أنف كل الأختام الناقصة.

المحرر مجلة العربي ديسمبر 1991

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016