مختارات من:

أمين معلوف

فاروق عبدالقادر

أمين معلوف الرواية التاريخية.. بامتياز...



الملاحظات التالية مقصورة على أعمال أمين معلوف المترجمة إلى العربية، وهي - فيما أعلم حتى الآن: "الحروب الصليبية كما رآها العرب، 1983"، و"ليون الإفريقي، 1986" ثم "سمرقند، 1988 " ومن ثم فهي لا تعرض لأعماله التالية، والتي لم يتح لي أن أقرأها في أصولها الفرنسية.

ومترجم الأعمال الثلاثة هو نفس المترجم: د. عفيف دمشقية ولا شك في أن ألفة المترجم بعالم صاحبه، وطرائقه في التعبير، وقاموسه المفضل.. إلى آخره، تعينه على إجادة عمله، ولا شك أيضا في أن الدكتور دمشقية قد بذل جهدا كبيرا في هذا العمل، يجد القارئ بعض آثاره في رد المقتطفات المتضمنة في النصوص إلى أصحابها من المؤرخين والإخباريين العرب "في الحروب الصليبية"، وتدقيقه في رد رباعيات الخيام إلى أصولها "في سمرقند"، فضلا عن نصاعة أسلوب العربية، وعنايته باختيار اللفظة المناسبة، لهذا نال أعظم جائزة ينالها المترجم، وهي ألا يشعر قارئه بأنه يقرأ نصا مكتوبا بلغة أخرى.

يبدو أمين معلوف مولعا - بوجه خاص - بتاريخ العرب والمسلمين فيما أسمي بالعصور الوسطى، فروايته للحروب الصليبية تستغرق قرنين كاملين: من تسعينيات القرن الحادي عشر إلى تسعينيات الثالث عشر، أو منذ سقوط القدس للمرة الأولى في 1099 حتى انتهاء الوجود الصليبي في المنطقة بأسرها في 1291. أما "سمرقند" فتشمل تاريخين، أو هي تاريخ ينطوي على تاريخ: فهذا الأمريكي الذي يطارد مخطوطة الخيام يعيش تاريخ المنطقة: فارس وتركيا بوجه خاص، نهاية القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، واللؤلؤة داخل هذه المحارة هي حياة الخيام نفسه، ما بين سمرقند وأصفهان ونيسابور، ما بين بداية ظهوره وهو في الرابعة والعشرين، سنة 1072، حتى موته، وهو في الرابعة والثمانين، في 1131. وتأتي "ليون الإفريقي" تالية عليهما من حيث الفترة التاريخية التي تتناولها، وهي التي عاشها حسن بن محمد الوزان، أو ليون - يوحنا دو ميدتيشى منذ مولده في 1488 حتى انتهاء مغامرته في روما في 1526.

العلاقة بين الشرق والغرب

ولعل هذه الاختيارات تحقق للروائي أكثر من هدف واحد. هو الذي يعيش في باريس منذ 1976، والذي اختار - حسبما قرأت في حديث له - أن يكتب بالفرنسية، لا نفورا من الكتابة بالعربية أو عجزا عنها، بل لأن الكتابة بالفرنسية تتيح له أن يحيا متفرغا لأعماله الأدبية أفضل مما تتيحه له الكتابة بالعربية. هو - إذن - ليس مثل محمد ديب وكاتب ياسين ومن إليهما من كتاب المغرب العربي الذين كانت الفرنسية وسيلتهم الوحيدة للتعبير، ومن ثم كانوا يعانون- بدرجة أو أخرى- إحساس المنفى في اللغة، والمنفى عن اللغة.

في هذا السياق، بدهي أن ينشغل بالعلاقة بين الشرق والغرب، أو بين الحضارة العربية- الإسلامية من ناحية، وحضارة أوربا من الناحية الأخرى، وهو يقول بوضوح في تقديم روايته للحروب الصليبية إنه لا يقدم كتابا آخر في التاريخ قدر ما هو "رواية حقيقية عن الحروب الصليبية، وعن هذين القرنين المضطربين اللذين صنعا الغرب والعالم العربي، ولا يزالان يحددان، حتى اليوم، علاقاتهما.."، وفى هذه الرواية ترد كثير من الحقائق التي يعني الغربيين أن يعرفوها. وأسوق أمثلة قليلة: في ديسمبر كانون الأول 1098 اجتاح الصليبيون بلدة أبي العلاء: معرة النعمان وأعملوا السيف في أهلها، وأثبت المؤرخ الفرنجي راول دي كين: "كان جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور، ويشكون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين.."، أما المؤرخ العربي أسامة بن منقذ- الذي ولد في مدينة قريبة قبل ثلاث سنوات من هذه الأحداث - فقد عاش تلك الفترة كاملة وأرّخ لها، وحدث في أثنائها لون من ألوان التعاون بين إمارة عربية في دمشق، وأخرى صليبية في القدس، وكان أسامة سفير الأولى إلى الثانية، فعرف الفرنج حق المعرفة، وهو يتحدث حديثا طويلا عن جهلهم بالطب وهمجيتهم، ويشمئز من كثير من مسالكهم ويكتب: "وليس عندهم شيء من النخوة والغيرة، يكون الرجل منهم يمشي هو وامرأته يلقاه رجل آخر يأخذ المرأة ويعتزل بها ويتحدث معها والزوج واقف ناحية ينتظر فراغها من الحديث، فإذا طولت عليه خلاها مع المتحدث ومشى.." والمؤرخ الأمير منزعج: "فانظروا إلى هذا الاختلاف العظيم.."، ثم يوجز خبرته بهم: "إذا خبر الإنسان أمور الإفرنج ".." رأى بهائم فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير، كما في البهائم فضيلة القوة والحمل."!

وحسن بن محمد الوزان، أو ليون الإفريقي، يكون مولده قبل سقوط غرناطة، ونحن نتلقى أيام العرب الأخيرة في الأندلس عن طريق حكايات الكبار: الأم والأب والخال، ثم تهاجر العائلة إلى فاس حيث يتفتح وعيه عليها، ويحفظ القرآن ثم يدرس في جامع القرويين، ويعاني حلو الحياة ومرها: يخرج مع خاله في سفارة - باسم سلطان فاس - إلى تمبكتو في وسط إفريقيا (والحقيقة أنه سجل رحلته هذه كلها في كتاب "وصف إفريقيا")، ويعمل بالتجارة فيصيب ثراء عظيما، لكنه يفقد ثروته كلها في عاصفة عاتية، ويدخل مصر، وقد خلف كل شيء وراءه، وحيدا شبه مفلس!.

وما أعجب ما لقي في مصر! شهد الطاعون ثم اشتبكت حياته بحياة الأميرة الجركسية الجميلة نور: أرملة علاء الدين ابن أخي السلطان سليم، وكانت تعد ابنها منه: بايزيد ليستعيد السلطنة من سليم، فتزوجها وتبنى ولدها وحلمها المستحيل معا، ولما كان مرتبطا - عن طريق صهره هارون - بتمرد "عروج" أو "ذي اللحية الحمراء" وهو قرصان متمرد كان يهاجم البرتغاليين الذي يقضمون الساحل المغربي قضمة بعد الأخرى، وأرسله هذا في سفارة إلى القسطنطينية، ومنها عاد إلى مصر وهو موقن أن السلطان سيغزوها، وكان من نصيبه أن يشهد الغزو: "كيف السبيل إلى وصف ما فعله العثمانيون عندما تمكنوا من النفاذ مجددا إلى أحياء القاهرة؟، (..) انتشر جنود السلطان العثماني في الشوارع حاملين أمرا بقتل كل ما يتنفس، ولم يكن في وسع أحد مغادرة المدينة الملعونة لأن جميع الطرق كانت مقطوعة، ولا كان في وسع أحد أن يجد ملاذا لأن المقابر نفسها والجوامع تحولت إلى ساحات قتال. وقد أرغم الناس على الاختباء في منازلهم ريثما يهدأ الإعصار، وسقط في ذلك اليوم من الفجر إلى الهزيع الأخير من الليل أكثر من ثمانية آلاف قتيل، وكانت الشوارع ملأى بجثث الرجال والنساء والأطفال والخيول والحمير مختلطة في موكب دموي لا نهاية له.."، ثم يشهد شنق آخر سلاطين المماليك على باب زويلة، ويشيد به، فقد قضى أبسل من حكم وادي النيل مشنوقا كأنه لص خيول وضيع!.

وكأنما كان مقدراً له أن يمشي وسط الزوابع. فأعجب ما لقيه كان لم يأت بعد: ذهب بامرأته وابنهما للحج، ولدى عودته إلى المغرب نزل على شط جزيرة "جربة" في مواجهة ساحل تونس، وهناك أسر واسترق، ثم حمل ليقدم هدية إلى بابا روما، ليون العاشر، الذي منحه الحماية، ثم منحه اسمه بعد أن عُمّد في حفل مهيب، وحق له أن يقول: "خُتنت بيد مزين.. وعمدت بيد أحد البابوات.."، وعاش حسن بن محمد الوزان - ليون يوحنا دي ميدتيشي صراع البابوات ضد "الهراطقة" اللوثريين الذين اجتاحوا مقر البابوات في قصر القديس بطرس: "وأقسم بالله الذي جعلني أجوب الدنيا الواسعة، بالله الذي جعلني أعيش عذاب القاهرة كما عشت عذاب غرناطة، أنني لم أقارب قط هذا القدر من الوحشية، هذا القدر من الحقد، هذا القدر من الاندفاع الدموي، هذا القدر من المتعة في الذبح والتدمير والتدنيس! فهل أصدّق إذا قلت إن راهبات قد اغتصبهن على مذابح الكنائس مرتزقة يضجون بالضحك قبل أن يخنقوهن؟ هل أصدق إذا قلت إن الأديرة قد خربت، وإن الرهبان قد خلعت عنهم ملابسهم وأجبروا تحت التهديد بالسوط على دوس الصليب وإعلان أنهم يعبدون الشيطان الرجيم؟. (..) وإن ثمانية آلاف مدني، ولا سيما من الفقراء، قضوا، فيما أخذ الأغنياء رهائن حتى يدفعوا جزية؟..".

وها هو أخيراً، وهو في عامه الأربعين، يركب البحر نحو المغرب، يتحدث برحلة حياته العاصفة إلى ابنه الذي أنجبه من "مادالينا" المرتدة اليهودية الغرناطية التي تزوجها وهو في خدمة البابا.

تلك هي الخطوط العامة لحياة الرحالة الغرناطي - الفاسي - القاهري - الروماني حسن الوزان. لكن تلك العظام العارية قد اكتست لحما ونبضا وأفكارا ومشاعر، ودبت فيها حياة كاملة بإبداع الفن الجميل. بعبارة أخرى: إذا كان التاريخ قد أبقى لنا تلك الخطوط العامة، فإن الروائي قد استند إليها ليصوغ عالما روائياً كاملاً لا يتجاوز شروط الفترة التاريخية التي يدور فيها. وستبقى شخصيات الأب والأم والخال، ووردة ومريم، وهارون المنقب والشيخ "أستغفر الله" والطبيب "أبي خمر" والزروالي، والجارية الإفريقية هبة والأميرة الجركسية نور، ويوحنا "العصابات السوداء" وهانز وغويتشارديني وما دلينا، وسواهم، شخصيات كاملة الاستدارة، نابضة بالحياة، لكنها لا تتجاوز معطيات الواقع التاريخي الذي تضطرب فيه أو تبدو نابية عنه. وذلك أعظم نجاح يحققه كاتب الرواية التاريخية.

ثلاثة أصدقاء من سمرقند

وهذا ما تحقق أيضا في عمله التالي "سمرقند". جاء فيها: "تدور في الكتب أسطورة تتحدث عن ثلاثة أصدقاء من الفرس، طبع كل منهم بطريقته بدايات أعوامنا الألف: عمر الخيام الذي رصد العالم، ونظام الملك الذي حكمه، وحسن الصباح الذي أرهبه. ويقال إنهم طلبوا العلم معاً في نيسابور، وهذا مالا يمكن أن يكون صحيحاً، فنظام الملك أكبر من عمر بثلاثين عاماً، وحسن درس في الري، ربما طلب بعض العلم أيضا في مسقط رأسه "قم". ولم يكن ذلك بالتأكيد في نيسابور..".

تلك الشخوص الثلاثة هي ما يشغل قلب الرواية الداخلية في "سمرقند". وكلها لها وجودها الموضوعي في التاريخ، لكن هذا الوجود تختلط فيه الحقائق بالأساطير، وهذا ما يتيح للروائي المبدع فرصة ثمينة لإعادة صياغة شروط وجودها بحيث لا تتنافر والمعطيات التاريخية للفترة التي عاشوا فيها.

وثمة منطقة مشتركة بين رواية "الحروب الصليبية" من ناحية، و "سمرقند" من الناحية الثانية، خاصة فيما يتعلق بحسن الصباح وفرقته الرهيبة "الحشاشين". جاء في رواية الحروب الصليبية، وقد التزم فيها المؤلف حقائق التاريخ التزاماً صارماً، ولم يعمل خياله المبدع إلا في تقديم تلك الدراما الهائلة في سياق روائي، لكنه لم يهمل، أبداً، قواعد التاريخ الأكاديمي من حيث تحقيق الروايات والمقابلة بينها وتحليل المعلومات وإثبات المصادر والمراجع: "والرجل الذي أنشأ في عام 1090 م هذه الفرقة التي طالما كانت مرهوبة الجانب أكثر من كل الفرق في جميع الأزمنة، واسع الثقافة، محب للشعر، طلعة يتابع آخر المكتشفات في ميدان العلوم. إنه حسن الصباح المولود حوالي عام 1048 م في مدينة الري.. (..) فهل كان كما تريد له الأسطورة الترب الذي لا ينفصل عن الشاعر عمر الخيام المولع هو الآخر بالرياضيات والفلك؟ ليس يدري على وجه الدقة.." ثم يتابع - بعد ذلك - نشاط الفرقة التي أسسها، وممالأتها للإفرنج في المنطقة التي دارت فيها الحروب الصليبية.

لكن للإبداع الروائي منطقه الخاص، هكذا عمل الروائي في "سمرقند" على نسج علاقة وثيقة بين الخيام والصباح، فقد التقيا - مصادفة - في خان بواحة "قاشان" وهما في الطريق إلى أصفهان عاصمة السلاجقة، حيث يقيم وزيرهم القوي نظام الملك. كان الخيام قادماً من سمرقند بناء على طلب من الوزير الخطير، أما الصباح فقد كان يطمح في أن يجد عملاً إلى جواره (سيكشف عن نواياه الحقيقية وراء هذا المسعى فيما بعد)، ويعرض الوزير على الخيام أن يعمل معه في وظيفة "صاحب الخبر" أو رئيس مخابرات الإمبراطورية. ولم يكن هذا مما يلائم الخيام: الشاعر المولع بالعلوم والنجوم والعشق والشراب، العزوف عن السلطة، النافر أبدا من مكائد السياسة ودناءاتها، ولكي يخلص من هذا المأزق رشح للوزير رفيقه الذي قضى معه أسبوعاً كاملاً في نقاش وجدل، وبهر الخيام بصاحبه الذي قال له في لقائهما الأول: "لست أدعي مجدا غير أنني أتممت في السابعة عشرة قراءة جميع ما يخص علوم الدين والفلسفة والتاريخ والنجوم.."، وبعد مناقشاتهما الطويلة اضطر الخيام لأن يعترف: " لم يسبق لي أن قابلت رجلا يعرف كل هذا القدر من الأمور..".

وما أسرع ما تم الاتفاق، ونما التواطؤ بين نظام الملك والصباح، وأصبح هذا الأخير معاوناً لا غنى عنه للوزير الخطير "فقد نجح في إقامة شبكة غنية النسيج من العملاء، من التجار المزيفين والدراويش المزيفين والحجاج المزيفين، يرودون الإمبراطورية السلجوقية، غير غافلين عن سماع ما يجري في أي قصر أو أي بيت أو أي ركن من أركان السوق، فجميع المؤامرات والشائعات والنمائم كان يخبر بها وتحبط بطريقة سرية أو بشكل تكون معه عبرة لمن يعتبر..".

غير أن طموح الصباح لا يقف عند حد، وها هو يزاحم نظام الملك الحظوة لدى السلطان "ملكشاه " الذي كان يقاربه في العمر ثم يتحداه، وينتصر نظام الملك في هذا الصراع بمؤامرة صغيرة، فيقرر السلطان قتل الصباح، لكن الخيام يتدخل طالبا العفو عنه، فيكتفي بطرده من العاصمة والإمبراطورية كلها.

الصراع مع الحشاشين

ومن الثابت تاريخيا أن نظام الملك مات مقتولاً في 1092، وأن قاتله كان واحدا من "الحشاشين"، تلك الحقيقة التاريخية يغزلها الروائي في نسيج الصراع على السلطة في عاصمة السلاجقة بين "تركين خاتون" امرأة السلطان القوية ووزيره نظام الملك، وفي هذا الصراع تستعين تركين بالصباح الذي يبادر لتلبية مطلبها. إنه لا يحقق انتقامه الشخصي (فقط) قدر ما كان يسعى لتقويض سلطان الأتراك السلاجقة الذين أذلوا الفرس وجعلوا من الخلفاء العباسيين دمي يتلاعبون بمصائرها، وابتعدوا بالإسلام ابتعادا كبيراً عن مبادئه "الأساسية". ويقدم أمين معلوف تفسيرا جديدا - فيما أعرف - لتسمية فرقة الصباح: "ولقد صدق الناس الرأي القائل بأنهم إنما كانوا يفعلون ما يفعلون بسلطان من الحشيش. ولقد أشاع ماركو بولو هذه الفكرة لدى عامة الناس في الغرب، فلقد أطلق عليهم أعداؤهم في ديار الإسلام أحيانا اسم "الحشيشيين" (مدخني الحشيش) للتقليل من اعتبارهم، وتوّهم بعض المستشرقين في هذا التعبير أصل كلمة "assassin" التي أصبحت في عدة لغات أوربية مرادفة لكلمة قاتل.. (..) وأما الحقيقة فكانت غير ذلك، فإن حسنا كان يحلو له أن يدعو مريديه "الأساسيين" أي المتمسكين ب "الأساس" أساس العقيدة..".

وعلى أي حال، فقد كان مصرع نظام الملك - ثم الموت الغامض للسلطان ملكشاه بعد أسابيع - بداية تفكك الدولة السلجوقية القوية إلى دويلات صغيرة متناثرة، يدور الصراع الضاري بين أمرائها، وكان مصرعه كذلك بداية سلسلة رهيبة من عمليات الاغتيال التي رَوّعت العالم الإسلامي كله. ويتابع الروائي - في الكتاب الثاني من روايته وعنوانه "فردوس الحشاشين" - صعود هذه الفرقة إلى ذروة القوة، ثم بدء تحولها عن تعاليم مؤسسها على يدي القيّم الرابع، حفيد الرجل الذي عيّنه حسن الصبّاح لخلافته، فقد أعلن هذا القيم الجديد إبطال الشريعة "وكل ما كان محرما أصبح محللا، وكل ما كان فرضا أصبح محرما"، وكان هذا رد فعل مفرطا على التدابير الصارمة التي مارسها الصبّاح باسم الشريعة "وسوف يتحول الإسماعيليون، أشد الفرق رسوخ معتقد، إلى طائفة يضرب المثل بتسامحها". وكان مصرع نظام الملك - أخيرا - ثم انتقام أنصاره "النظاميين" له، وصراع السلطة الذي قتلت فيه تركين خاتون، ووصيفتها جيهان: شاعرة البلاط في سمرقند التي أحبها وتزوجها في أصفهان، هي بداية مرحلة جديدة في حياة الخيام، قضاها هاربا ومنبوذا، مبجلا وملعونا، رافضا - في كل الأحوال - دعوة صاحبه الصباح للحياة في قلعته البعيدة المنيعة: "ما الذي بيني وبين هذا الرجل من أمور مشتركة؟ أنا متعبد للحياة وهو عابد للموت، أنا أهتف: "إن كنت لا تعرف الحب فما يجديك شروق الشمس أو غروبها؟.." وحسن يطالب الناس بتجاهل الحب والموسيقى والشعر والخمر والشمس. إنه يحتقر أجمل ما في "الخليقة" ويجرؤ على التلفظ باسم "الخالق" يجرؤ على الوعد بالجنة!..".

وكما كانت نيسابور المحطة الأولى في حياة الخيام، فستكون الأخيرة كذلك، وإليها سيعود ليقضي أيامه الأخيرة، حتى يغمض عينيه عن هذا العالم الذي أحبه في 1048، وهو في الرابعة والثمانين، وسيكون قبره - كما تمنى وتنبأ - في مكان تنثر فيه ريح الصَبّا الأزهار في كل ربيع.

مصائر الأصحاب الثلاثة الذين جمعت بينهم الأسطورة هو موضوع الرواية الداخلية في "سمرقند". الرواية الخارجية - لو صح التعبير - بطلها أمريكي واقع في أسر الخيام، فهو يبحث عن مخطوطة الرباعيات حتى يعثر عليها، لكنها تغرق في كارثة الباخرة "تيتانيك" في أبريل 1912. وهذه الرواية - بدورها - تنويع آخر على موضوع العلاقة بالغرب، إنها نضال فارس من أجل التحرر من سيطرة الشاه المستبد، من ناحية، وهيمنة القوى الغربية: روسيا وبريطانيا بوجه خاص، من الناحية الأخرى. وهنا أيضا يلتزم الروائي صحة الوقائع التاريخية (اغتيال الشاه ناصرالدين - ثورة تبريز من أجل الدستور - التدخل الروسي - محاولات الإصلاح المالي على يدي الخبير الأمريكي شوستر... وغير ذلك)، لكنه ينطلق في إبداعه الحر يكسوها لحما ودما، ويخلق من حولها شخصيات ووقائع لا تخرج عن الشروط الموضوعية للفترة التاريخية ذاتها.

الاختيار الذكي للتاريخ

تلك هي الخطوط العامة لأعمال أمين معلوف الثلاثة الأولى: إن ولعه بتاريخ هذه المنطقة من العالم في القرون الوسطى (من الحادي عشر إلى السادس عشر، على وجه التقريب) يكشف عن اختيار ذكي من أجل الإحالة إلى الحاضر: سقطت غرناطة - وقبلها كل مدن الأندلس - لتنازع ملوك الطوائف ودبيب الفساد والخور والجبن فيهم، واستعانة بعضهم بالأعداء على منافسيهم، وقامت ممالك الصليبيين في المشرق للسبب ذاته: تناحر الأمراء، واستعانة بعضهم بالفرنجة على بعضهم الآخر، وتفككت دولة السلاجقة القوية، التي أظلمت آسيا المسلمة كلها حين بدأ أمراؤها يتصارعون بعد موت ملكشاه الغامض.

أما الشعوب هنا وهناك: في الأندلس والمغرب ومصر والشام، فهي ضحايا حكامها في المقام الأول، ثم هي - في الوقت ذاته - وريثة حضارة عظيمة، تألقت يوما فبهرت العالم وعلمته، وما أشد بسالة تلك الشعوب المقهورة في مواجهة المحتل والغاصب.. إن الجيوش التي حققت الانتصارات، أو حتى منيت بالهزائم بعد قتال مشرف، كان أبناء الشعوب - لا الجنود المحترفون - لحمتها وسداها.

واختيارات المؤلف لتلك اللحظات المثقلة في التاريخ تكاد توحي بحقيقة مترددة: إن توحد أمراء هذا العالم وحكامه في ظل حلم يتجاوز حدودهم الضيقة انتصروا واستقامت أمورهم، لكن قوى الغرب تبقى لهم بالمرصاد!.

فمتى - إذن - تلتئم الجراح وتنهض أمة قوية قادرة؟. سؤال يتركه الروائي - مثل نهايات أعماله - مفتوحا على المستقبل الذي يعي أخطاء الماضي ويتفهم دروسه. ولعل تلك أعظم الفائدة التي يحققها أمين معلوف: كاتب الرواية التاريخية بامتياز.

فاروق عبدالقادر مجلة العربي فبراير 1994

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016