مختارات من:

رسالة إلي

يحيى الجمل

هذه مجموعة من الرسائل كتبتها ولم يقدر لها أن تصل إلى أصحابها والحمد لله.

سيدي....

ما أظن أحدا يستطيع أن يطاولك أو أن يجاريك في أدبك الجم وتواضعك النادر ولسانك العف، وما أظن أحدا يستطيع أن يقول إنك ابتدرته يوما بإهانة أو إنك زجرته بعنف أو إنك أفحشت في لفظ أو تصرف. إنك يا سيدي مثال للرجل المهذب الودود الرقيق الذي لا يعرف الكلمة النابية ولا تعرفه.

وقد كان من حسن حظي أنني عرفتك عن قرب فلم أعرف عنك شيئا غير ذلك كله وأكثر منه في باب الرقة والمجاملة واللفظ الذي يقطر أدبا.

وقد حملك أدبك الجم إلى أعلى مراتب العمل فلم يتغير منك شيء. يكاد صوتك لا يرتفع أبدا. وتكاد عينك لا تترك نظرتها تلك الوادعة الهادئة أبدا. ويكاد المحيطون بك ألا يشعروا بوجودك إلا في النادر من الأحيان. وما أظن أن رؤساءنا وجدوا مرءوسا خيرا منك قط، فما خالفت لهم عن أمر ولا عارضت لهم رأيا ولا هموا بشيء إلا وجدوك سباقا إلى ما يريدون. أنت مرءوس متميز من كل المرءوسين رغم أن المرءوسين في بلادنا يحسنون هذا الأمر ويتقنونه إتقانا، إلا أنك بززتهم جميعا وتفوقت عليهم جميعا وجعلتهم جميعا يشعرون في بعض الأحيان أنهم ليسوا وفاء شرط "المرءوسية" في بلد مثل بلدنا العزيز.

وقد بلغ من طاعتك لرؤسائك وحرصك على رضاهم وعدم مخالفتك عن أمرهم أن طلبوا منك يوما أن تبلغ بعض أصحابك الأقربين بأمر هو أقسى ما يكون على نفوسهم، وهو أبعد ما يكون عن الحق والعدل، وهو أدخل الأشياء في باب الظلم والعدوان والجور، وهو أكثر الأمور خرقا للقانون وخروجا على الأخلاق، وقد تردد رؤساؤك بضع لحظات ظنا منهم أنها قسوة بالغة أن يطلبوا منك أنت بالذات بكل وداعتك ورقتك أن تبلغ هؤلاء الرفاق بهذا القرار وأن ينسب إليك ذلك القرار الذي هو من أسوأ ما صدر عن الإدارة في بلادنا من قرارات ولكنك تلقيت قرار الرؤساء هادئا وادعا كشأنك دائما وحملت وزر توقيعه وإبلاغه وإنفاذه هادئا وادعا أيضا وصدعت بالأمر كأنه لا يعنيك من قريب أو من بعيد.

وتلقيت - وكنت واحدا من هؤلاء الأصحاب - هذا القرار وقرأته وقرأت توقيعك عليه، وصدقني - وما أنا في حاجة إلى أن أقسم لك غير حانث - أنني وأنا المجني عليه أشفقت عليك إشفاقا وحزنت لك حزنا وعجبت لهذه الدنيا أشد العجب. فما كان يخطر ببالي قط أنني سأتلقى هذا الخطاب منك أنت دون الناس أجمعين في يوم من الأيام.

ومضت الأيام وعاد الحق إلى أهله، وعاد الصحاب إلى حيث يحبون ومازالت أوراق المرحلة كلها في وعي الناس وفي أدراجهم أيضا، ومازلت كلما عدت إلى تلك الأوراق ورأيت توقيعك على هذه الورقة بالذات أحس إحساسا صادقا بها ذكرت لك من إشفاق عليك وألم لك وعجب عجيب من هذه الدنيا.

ولعلك تذكر كيف التقينا في أعقاب ذلك الأمر- وكانت الدنيا قد تغيرت بعض الشيء وذهب من ذهب وجاء من جاء وأذنت الأمور ببعض التغيير- لعلك تذكر كيفا التقينا. أما أنا فقد أقبلت عليك وفي نفسي بعض الحيرة وبعض الألم وبعض الخجل أيضا وودت في أعماقي أنني لم ألقك إشفاقا عليك. وكم كانت دهشتي بالغة عندما وجدتك كما أنت بذات الهدوء وذات النبرات الخفيضة وذات العبارات المهذبة وذات النظرات الزائغة التي توشك ألا تقول شيئا ولا تعبر عن شيء وتمتمت ببعض ألفاظ لم أسمعها وأكاد أثق أنك لم تقصد بها غير مجرد "التمتمة"، ولم أستطع أن أقبل عليك كما كنت أقبل، ولم أستطع أن أظهر لك ما كنت أظهر من ود وإعزاز، ولكني حرصت الحرص كله على ألا أشعرك بشيء من تلك الأحاسيس المتناقضة المختلطة التي اعتملت في نفسي وفي وجداني وأنا أسترجع تلك السنوات التي عملنا فيها معا والتقينا فيها كثيرا وأفاض كل منا على الآخر مشاعر صادقة وودا ودودا. حرصت الحرص كله على ألا أشعرك بما كان يختلط في نفسي من مشاعر فيها الألم وفيها الاغتراب وفيها الإشفاق الذي يختلط بقدر من الاستهانة، وأظن أنني وفقت في أن أخفي عنك ذلك كله، فما أبعدني عن أن أسيء إليك حتى في مشاعري نفسها، فمازلت موقنا أنك لا تضمر شرا لأحد قط ولا تسعى بسوء نحو أحد قط. ولكنك يا صاحبي لا تملك من أمر نفسك شيئا ولا تملك من أمر إرادتك شيئا - إن جاز أن تكون لك إرادة - إلا ما يريده منك ولك ولاة أمرك ورؤساؤك ومن تظن أنهم أصحاب نعمتك.

وقد كنت أسمع من بعض الصحاب أنك كالماء لا أين لك ولا طعم ولا رائحة، وأنك لا تقدم ولا تؤخر وكنت أنكر عليهم - وما زلت - ذلك إنكارا شديدا.

وكنت أسمع من بعض الصحاب أنك بقيت حيث كنت ردحا من الزمن طال أكثر مما ينبغي، ومع ذلك فإن هؤلاء الصحاب يقولون إنك لم تترك في هذا المكان أثرا يذكر وإنك تركته أكثر ضعفا وأكثر تخلفا وأكثر بلادة مما كان. وكنت أعارضهم وأجادلهم، فما أحب أن أسمع عنك هذا الذي يقال.

وظن أناس أنك قد انتهى أمرك. ولكنني كنت أعلم أنك من أفضل من يصلحون لبعض مراحل التاريخ. تلك المراحل التي تحتاج إلى مرءوسين من أمثالك فيهم أدب شديد ورقة رقيقة وطاعة لا تعرف المراجعة.

وكان ما كان وجيء بك إلى حيث أنت تمارس دورا خلق لك وخلقت له. دورا لا ينتج شيئا قط، ولا يثمر شيئا قط، ولا يغضب أحدا ويرضي كل الرؤساء بل أوشك أن أقول وكل المرءوسين. ودته في خلقه شئون.

يحيى الجمل مجلة العربي فبراير 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016