مختارات من:

نزار قباني وسعاد الصباح

سعاد الصباح

لو فقدت إيماني بالمرأة سأفقد إيماني بنفسي


- الشعر بدون حماقة هو موعظة كنيسة .. وبيان انتخابي لايقرؤه أحد!
- تتغير مدينة الشعر بطلاء جدرانها وتوسيع مساحاتها وإضاءة شوارعها.. لابنسفها
- أرفض استعمال "البلدوزر" لتحديث الشعر العربي
- الشعر بريء من هذه النفايات السياسية والغوغائية التي تحاصره

منذ صدور ديوانه الأول [ قالت لي السمراء] وكان طالبا بحقوق القاهرة عام 1944؟ وعبر تاريخه الشعري الذي قارب نصف القرن؛ وهو لا يخطو إلا على شوك ولا ينقل قدميه إلا بين الألغام..

هوجم بشراسة منذ ديوانه الأول، وكان لحمه- على حد تعبيره في سيرته الذاتية (قصتي مع الشعر)- يومئذ طرياً؛ وسكاكينهم حادة.. ومنذ ذلك التاريخ: (بدأت حفلة الرجم). ولم يبعد يديه عن الصلصال الساخن بل غمسهما حتى المرفقين.. وعرف قطاره الشعري محطات صاخبة: (خبز وحشيش وقمر) في وجه شرق الخمسينيات الغائب في البخور والتكايا.. (هوامش على دفتر النكسة) مع نهاية الستينيات وانكسار الحلم.. ثم توالت القصائد الحزيرانية المريرة.. التي نقلت همومه من: " شاعر يكتب الحب والحنين" "لشاعر يحفر بالسكين".. احترف الوقوف في وجه الشرعية.. فخرج بعالم المرأة الداخلي إلى رصيف الشاعر العربي.. يأتى بالوطن على طاولة التشريح.. وطاب له أن يسكن بين أنياب التنين.. وكان هذا المكان على حد تعبيره: " مكاني الطبيعي.. إذ لا يوجد شعر حقيقي خارج التحدي والمغامرة.. ".

قال عنه ناقد يوما ما .. ( لو سقطت هذه الأبيات في الطريق، وليس عليها أي توقيع؛ وعثر بها قارئ ما.. فسيذهب بها إليه.. وإليه وحده.. "

.. وكانت شهادة التفرد والخصوصية لشاعرنا الكبير نزار قباني..

حاورته الدكتورة الشاعرة سعاد الصباح.. وكانت شاعرة في مواجهة شاعر .. وامرأة تناوب جذب الخيوط الحريرية القاطعة مع شاعر المرأة.. وكان هذا الحوار وجها لوجه..

على كل المؤشرات تدل على أن الشعر، هو في طريقه إلى الانقراض، ماذا في تصورك سيحدث إذا انتهى الشعر في العالم؟

- أكيد أن العالم سوف ينتهي بانتهاء الشعر.

وإذا انتهت المرأة، كيف تتصور شكل الكوكب؟

- سيكون الخراب أكبر.. ولن يكون هناك كوكب قابل للسكنى بدونها..

إذا لم تكن هناك امرأة.. فلن يكون هناك شيء.. لا شمس، ولا قمر، ولا محيطات، ولا غابات. وإنما كوكب منطفى، وأرض مالحة، وبيئة ملوثة، ومستودع كبير لرمي النفايات.

ألهذا الحد أنت تؤمن بالمرأة؟

- لو فقدت إيماني بالمرأة فسأفقد إيماني بنفسي. لأنني ولدت منها، كما هي ولدت مني.. فأنا وهي أساس السلالات الأولى. فإذا انفصلت عنها، فسوف تتوقف حركة الكواكب، وحركة البحر، وحركة المد والجزر.. وحركة الثقافات والحضارات كلها.

هل المرأة ضرورية في صناعة القصيدة؟

- المرأة هي المادة الأساسية في صناعتها. وإذا غابت المرأة عن القصيدة فسوف تتحول إلى معادلة حسابية، أو تقرير طبي، أو بيان انتخابي، أو تعليق سياسي في جريدة يومية.

وهل كل النساء مصدر من مصادر الشعر؟.
- طبعا لا. فثمة نساء يحملن معهن الشعر، وثمة نساء يحملن معهن الصداع، كما أن ثمة نساء ينقلنك إلى مقاصير الجنة، وثمة نساء ينقلنك بلى مستشفى الأمراض العصبية.

من هي المرأة - الشعر إذن؟.

- هي التي إذا لامست يدي يتكهرب الكون، وتزداد سرعة الكرة الأرضية، ويتحول تراب الأرض إلى ذهب.

المرأة - الشعر لا تأتي بسهولة، ولا ندري متى تأتي ومن أين تأتي، ولكنها إذا جاءت قلبت قوانين الطبيعة، وغيرت أسماء الأيام والشهور، وجعلت الثلج يسقط في شهر تموز، وسنابل القمر تخرج من حقيبة الشتاء، والشمس تشرق من عيني حبيبتي..

الحب: طموح المعرفة

كتبت ألوف الصفحات عن الحب. ألا تعتقد أنك قلت كل شيء.. واكتشفت كل شيء؟.

- على العكس، فبعد كل ما كتبتة عن الحب، أشعر أنني لم أقل شيئا.. ولم أكتشف شيئا. وأنا سعيد بجهلي..

فالحب مثل غابات الأمازون، كلما تغلغل الإنسان فيها، ضاع. الحب ليس طبق فاكهة نأكله ونشبع..

ولا هو جريدة يومية نقرؤها ثم نرميها..

ولا هو فيلم سينمائي نراه، وينتهي الأمر.

الحب هو طموح نحو المعرفة، والاكتشاف، والتنبؤ. إنه مادة دائمة الاشتعال، وسفر بلا انتهاء.. وطرح مستمر للأسئلة.

نحن حين نحب، فإننا نخلق الشخص الآخر الذي نحبه، كما هو يخلقنا. وإذا كان الحب كبيرا وحقيقيا فإن عملية الخلق هذه لا تنتهي. أي أن الحب يتحول بين العاشقين فى نوع من الإبداع

إنني بعد خمسين عاما من الكتابة عن الحب، لا أشعر أبدا أنني استهلكت هذه المادة السحرية المشعة التي أشتغل عليها.

فما دام حبي، يتجدد، ويتغير، وبغير أشكاله، وأفكاره وحواره كل يوم فإنه لن يدخل منطقة الكسوف.

ومادام (الآخر) الذي نحبه، لا يتوقف عن إحداث الدهشة والمفاجأة لنا.. فإن الحب سيظل مشتعلاً، ومتفجرا، ونضيرا، وغير قابل لمرور الزمن.

المهم أن يبقى الحب دائما مصدر، من مصادر (الدهشة).. وألا يتحول مع الأيام إلى روتين وعادة يومية.

كتبت ذات يوم تقول: (إنك أسست إمبراطورية شعرية، أكثر مواطنيها من النساء..) هل النساء هن قارئاتك الوحيدات؟.

- لا.. النساء لسن قارئاتي الوحيدات، ولكنهن أفضل قرائي.. وأجمل قرائي.. وأكثرهم حساسية.. الرجل عندما يقرأ الشعر يقرؤه بعضلاته. أما المرأة فهي تقرأ الشعر بعيون أنوثتها..

الرجل يذهب إلى الأمسية الشعرية وهو مدجج بخشونته، وعجرفته.. وغلاظته..

والمرأة تذهب إلى الأمسية الشعرية، وهي مضرجة بابتسامتها، وعطرها، ورقتها، وإحساسها الحضاري..

أذكر أنني دعيت لأقدم أمسية شعرية في إحدى الدول الخليجية، وعندما اكتشفت أن الأمسية هي (للرجال فقط)، بدأت أتلعثم.. وآكل نصف حروفي.. وشعرت بأنني أقرأ شعري في غابة من الأشواك والمسامير..

كانت تلك الأمسية من أفشل أمسياتي الشعرية، أقسمت بعدها ألا أعود إلى هذه التجربة الذكورية المالحة أبدا.....

هذا كلام جميل يرفع معنويات النساء، فالمرأة العربية بحاجة إلى من يرفعها إلى الأعلى، ويؤكد لها أنها كائن شعري رقيق لا مجرد ماكينة لتفريخ الأطفال، وطهو الطعام، وغسيل الصحون.
- هذا كلام قلته منذ الخمسينيات، ولا أزال أقوله في التسعينيات.

فالمرأة حجر أساسي في بناء الحياة، وبناء الحضارات:

(لن ندخل إلى نادي المتحضرين ما لم تتحول المرأة لدينا من شريحة لحم .. إلى معرض أزهار..)

الخيار الصعب

كان شعر الحب المحطة الرئيسية في مسارك الشعري. وكنت سيدا من أسياد الشعر الغزلي على مدى خمسين عاما. ثم انتقلت إلى حقل مختلف تماما، وهو حقل الشعر السياسي، حتى صار الناس يتابعون شعرك السياسي بالحماس ذاته الذي كانوا يتابعون به شعرك الغزلي. إذا طلبنا منك أن تقول لنا بصراحة مع أي المرحلتين تتعاطف. فماذا تقول؟.

- بكل صدق أقول إننى متعاطف مع شعري الغزلي ضد شعري السياسي. والسبب هو أنني (جررت) إلى الشعر السياسي جرا بحكم الأحداث المتفجرة التي أشعلت المنطقة العربية.

أما شعر الحب، فقد ذهبت إليه باختياري.. ولم يجرني إليه أحد..

وبتعبير آخر، أشعر أنني في شعري الغزلي كنت سيدا على أوراقي، بينما كنت في شعري السياسي خاضعا لسلطة التاريخ السياسي علي، وضغط الأحداث على أصابعي وأعصابي.

ربما لم أقل هذا الكلام قبل الآن لأحد..

ولكنني اليوم أسجل هذا الاعتراف حتى أبرئ ذمتي أمام تاريخ الشعر...

ولكن هل هذا يعني أنك ستستقيل من الوطن، لتعود إلى المرأة.. مثلما استقلت من المرأة ذات يوم، لتتزوج الوطن؟.

- لا أحد يستطيع أن يستقيل من وطنه. فالوطن هو عشق من نوع آخر، وطبيعة مختلفة.

كل ما أستطيع أن أقوله هو أنني وصلت إلى معادلة شعرية يصبح فيها الوطن هو الحبيبة، وتصبح الحبيبة فيها وطنا. كما في قصيدتين جديدتين من قصائدي: (مع صديقة في كافيتيريا الشتات) و (فاطمة تشتري عصفور الحزن).

وأنا سعيد جدا بهذا الزواج الذي استطعت أن أعقده بين جسد الوطن، وجسد المرأة، وبين الياسمين المعرش على جدران مدينتي.. والياسمين المعرش على ضفائر حبيبتي.


(إني أحبك، كي أبقى على صلة
بالله، بالأرض، بالتاريخ، بالزمن
بالماء، بالزرع، بالأطفال إن ضحكوا
بالخبز، بالبحر، بالأصداف، بالسفن
بنجمة الليل، تهديني، أساورها
بالشعر أسكنه، والجرح يسكنني
أنت البلاد التي تغطي هويتها
من لا يحبك.. يبقى دونما وطن).


الشاعر وإشارات المرور

في سيرتك الذاتية القصيرة (خمسون عاما مع الشعر) تقول: ( لا تعذبوا أنفسكم في تصنيفي. إنني شاعر خارج التصنيف، وخارج الوصف والمواصفات. فلا أنا تقليدي، ولا أنا حداثوي، ولا أنا كلاسيكي، ولا أنا نيو- كلاسيكي، ولا أنا رومانسي، ولا أنا رمزى، ولا أنا ماضوي، ولا أنا مستقبلي.. ولا أنا انطباعي، أو تكعيبي، أو سريالي.. إنني خلطة حرية..) فالى أين تأخذك الحرية؟.

- إنني لا أناقش الحرية، ولا أطلب منها أن تعطيني خارطة الطريق. فالحرية تعرف دائما طريقها.
الحرية تحررني من كل الضغوط التي يمارسها التاريخ على أصابعي.

تحررني من كل أنظمة السير، ومن كل إشارات المرور.

الحرية تحميني من غباء آلات التسجيل، ومن السقوط بين أسنان الآلات الناسخة.

تحميني من ارتداء اللباس الموحد، والقماش الموحد، واللون الموحد. فالقصيدة ليست مجندة، ولا ممرضة، ولا مضيفة طيران.

الحرية تسمح لي بأن ألبس اللغة التي أشاء في الوقت الذي أشاء.

لا أسمح لأحد أن يتدخل في أشكالي.

فلقد أكتب المعلقة الطويلة، ولقد أكتب (التلكس) الشعري القصيدي، ولقد أكتب قصيدة التفعيلة، أو القصيدة الدائرية أو قصيدة النثر. ولقد أتزوج القافية ذات ليلة.. وأطفقها في اليوم التالي..

وقد أتصعلك كعروة بن الورد.

وقد أرتدي السموكن كاللوردات الإنكليز.

وقد أعزف الجاز، وأغني على طريقة (البيتلز).

إن حريتي تدفعني إلى ارتكاب حماقات كثيرة.. ولكنني لا أعتذر.. ولا أندم.. فالشعر بدون حماقة هو موعظة في كنيسة.. وبيان انتخابي لا يقرؤه أحد.

وهم الألقاب الشعرية

التقليديون لا يعتبرونك تقليديا، والأصوليون لا يعتبرونك أصوليا، والحداثيون لا يعتبرونك حداثيا.. فمن أنت إذن في زحمة الألقاب الشعرية؟.

- أنا نزار قباني فقط. دون إضافة أي حرف، ودون حذف أي حرف. أنا هذه الرائحة الخصوصية التي يشمها القراء العرب، ولو كنت مقيما فى الصين الشعبية، أو في جزر القمر..

أنا هذه البصمات الواضحة على الورق، والتي لا يمكن لأحد أن يقلدها أو يزورها.

أنا هذه اللغة التي اشتغلت في نحتها كالصائغ على مدى خمسين عاما، ولم يتمكن أي صائغ آخر من صياغة لغة تشبهها في بساطتها، وديناميكيتها، وديمقراطيتها.

إنني لست بحاجة إلى أي لقب سلطاني، أو إلى أي فرمان عثماني حتى أعرف من أنا.

فالألقاب الشعرية لا تصدر (من فوق).. بل تصدر (من تحت).. حيث الملايين تبحث عن كسرة خبز.. أو كسرة حرية.

من هذه الملايين استمد سلطتي الشعرية، ومن هذه الملايين أتسلم أوراق اعتمادي كسفير فوق العادة للطيبين، والبسطاء، والمعذبين في الأرض.

ومن هذه الملايين أنال أصواتي الانتخابية، لا من وزارات الثقافة، ولا من النقاد، ولا من أجهزة المباحث.

أنت تعتبر الجمهور المحكمة العليا التي تتولى الفصل فى قضايا الشعر. في حين تعتبر جماعة الحداثة أن التواصل مع الجمهور عمل مسيئ للشعر ومناقض له، وأن الشاعر الكبير هو شاعر لا جمهور له، لأن الجمهور يستمع إلى الشعر بغرائزه، وذاكرته التاريخية، وذوقه المتخلف.. فكيف تفسر كلامهم؟.

- القول إن (الشاعر الكبير هو شاعر لا جمهور له).. هو قول لا يصدر إلا عن الفاشلين، والمحبطين، والمعقدين..

إنه نكته سمجة لا تضحك أحدا.

الحداثيون يحتقرون الجمهور لأنهم لم يستطيعوا أن يصلوا إليه.. أو يلقوا القبض عليه ليستمع إلى شعرهم.

إن حكايتهم مع الجمهور، تذكرني بحكاية الثعلب الذي لم يستطع أن يطول عنقود العنب.. فقال عنه إنه حامض..

جنرالات بلا جنود

ما هي مشكلة جماعة الحداثة، وهل تتصور أنهم استطاعوا تغيير الحساسية الشعرية للشعب العربي، كما يزعمون؟.

- مشكلتهم أنهم يقفون على أرض لا وجود لها.. ويخاطبون بشرا لا وجود لهم..

إنهم معاصرون لا عصر لهم. ولغويون لا لغة لهم.. ومستقبليون لا مكان لهم في المستقبل..

إنهم منذ ثلاثين عاما أو أكثر، يحرثون البحر دون أن تطلع لهم الحنطة.. ودون أن يتمكنوا من تغيير سنتيمتر واحد في الحساسية الشعرية العربية.

إن مأزقهم الكبير هو أنهم يريدون أن يبنوا مدينة جديدة للشعر وليس معهم حجارة.. ويريدون أن يزرعوا الأشجار المثمرة، وليس معهم بذور.. ويريدون أن يصححوا التاريخ ولا تاريخ لهم...

إن الحداثة لم تستطع منذ ثلاثة عقود أن تسجل هدفا واحدا في ملعب الشعر... وبقيت تلعب وحدها دون كرة.. ودون أنصار.. ودون متفرجين...

هل أنت ضد الحداثة في الشعر؟.

- أنا ضد الفوضى.. وضد التخريب. وضد العدمية.

فالشعر هو قبل كل شيء نظام وانضباط، ومسئولية.

إنني أفتح قلبي لأي شعر جديد يقنعني بأنه شعر.. ولكنني لا أستطيع أن أكون مع هذه الهيستيريا اللغوية التي يسقها الحداثة.

إنني غير متمسك بالصياغات والأشكال القديمة أبدأ. ولا أنا متمسك (بالقصيدة العصماء)... و(المعلقات).. وتفاعيل الخليل بن أحمد الفراهيدي..

فالأشكال الشعرية لا تتمتع بالقداسة التاريخية والأزلية. وموسيقى الشعر العربي ليست موسيقى لا تقبل المراجعة أو التغيير.

فالشعر نهر يغير أمواجه في كل لحظة.. ولكنه يبقى نهرا.. وأنا أرفض أي دعوى حداثة تطالب بإلغاء النهر، وشطبه من أطلس الجغرافيا..

وكما تغيرت ملابسنا، وبيوتنا، وطعامنا، وعاداتنا، وأذواقنا وانتقلنا من مرحلة البادية إلى مرحلة المدنية، فإن شعرنا هو الآخر تغير، واختلف جذريا، عن الشعر الجاهلي والأموي والعباسي.

فلا الفرزدق له اليوم شعبيته، ولا النابغة الذبياني محبوب لدى أطفالنا، ولا عمرو بن كلثوم يشرب القهوة معنا في الكافيتيريا..

إن لغتنا الشعرية اختلفت 180 درجة عما كانت عليه في القرن الأول للهجرة.. وكذلك اختلفت صياغاتنا، وأفكارنا، وعاداتنا الشعرية...

وهذا يعني أننا نتطور، ونتغير، ونستجيب لمتطلبات العصر، دون أن نكون بحاجة إلى من ينسف بيوتنا بالديناميت.. ويحول تاريخنا الشعري إلى رماد...

إن مدينة الشعر تتغير بطلاء جدرانها، وتوسيع ساحاتها، وإضاءة شوارعها، وتجميل حدائقها..

أما استعمال (البولدوزر) لتحديث الشعر العربي.. فهو عمل إرهابي أرفضه رفضا قاطعا.

الملائكة لا يكتبون الشعر

هل يحتاج العرب إلى الشعر في وضعهم الراهن، أم هم بحاجة إلى العلوم الوضعية كالفيزياء، والكيمياء، وعلوم الذرة والأبحاث الفضائية؟ وبالتالي هل الشعر في رأيك هو نقطة ضعف العرب، أم نقطة قوتهم؟.

- هذه أسئلة تحمل الشعر فوق ما يحتمل، وتجعله مسئولا عن كل ما يعاني منه العرب من تخلف وتفكك وانحطاط.

والصحيح أن التردي العربي لم يكن سببه الشعر، بل له ألف سبب وسبب غير الشعر.

فالشعر ليس مسئولا عن هذا التلوث السياسي الرهيب الذي يسود المنطقة العربية، وليس مسئولا عن هذا السقوط القومي الكبير الذي وصلنا إليه بسبب تسلط المتسلطين، ومغامرة المغامرين، وليس مسئولا عن هذا التشرذم الذي يأكل الأخضر واليابس في جسد الأمة العربية.

الشعر بريء من كل هذه النفايات السياسية والماكيافيلية والغوغائية التي تحاصره.

إنه ليس سبب هذا البلاء الكبير، ولكنه ضحيته.

وإذا كان الشعر يعاني من العصاب، والشيزوفرانيا، والخبل والصرع، والكوابيس، فلأن المناخ العربي السائد نقل إليه عن طريق العدوى كل هذه الأمراض النفسية القاتلة.

إذن، فالشعر ليس نقطة ضعف العرب، ولا نقطة قوتهم، ولكنه مرآة عاكسة لكل ما يجري على المسرح العربي.

من أين يأتي الشعر، وإلي أين يذهب؟.

- يأتي من الإنسان، ويذهب إلى الإنسان.

الشعر هو إفراز إنساني مائة بالمائة.. أما الملائكة فلا يكتبون الشعر ولا يقرأونه..

لماذا لا يحكم الشعراء في العالم العربي ليقيموا أساسات " المدينة الفاضلة "! التي يبشرون بها؟.

أولا: لأنه لم يطلب منا أحد أن نحكم..

ثانيا: لأن جميع مقاعد الحكم مشغولة.

ثالثا: لأن أنبياء الديمقراطية في بلانا، أكثر من الهم على القلب، وليس هناك حاجة لأنبياء جدد..

رابعا: لأننا نخاف على زوجاتنا وأولادنا من الترمل.. واليتم..

خامسا: لأن القصيدة تخاف أن يخطفها رجال المباحث.. وتسجل القضية باسم مجهول..

شعراء المنافي

في قصائدك الأخيرة، تتجلى نبرة (المنفى) واضحة بين الحروف. هل تعتقد أن المنفى هو حالة استثنائية يمر بها الشعر العربي اليوم، أم أنها حالة مألوفة وكلاسيكية؟.

- أتصور أن الشعر العربي عبر تاريخه الطويل كان شعر منفى.. وأن الإبداع العربي الحقيقي والأصيل، لم يحدث في رحم الوطن، بل حدث خارج هذا الرحم..

الولادات الطبيعية التي تتم في المستشفيات الوطنية، وفي غرف الدرجة الأولى، لا تعطي أطفالا باهرين ومتفردين.

أما الولادات التي تتم في مراكب الشحن، وقطارات الدرجة الثالثة، وفوق أرصفة المقاهي، فهي الولادات التي أنجبت أهم شعراء العالم.

إن قائمة المنفيين من الشعراء العرب طويلة جدا، بدءا بنقيب المنفيين أبي الطيب المتنبي.. وانتهاء بأدونيس، ومحمود درويش، وسعدي يوسف، ومظفر النواب.

إن الحكمة القديمة التي تقول (لا مكان لنبي في وطنه) تثبت أن علاقة الأوطان بشعرائها كانت دائما علاقات قلقة، ومتوترة، وغير طيبة..

إن الشاعر مرتبط بسلطة الشعر فقط. وعندما يجد الشاعر أن سلطته تتناقض مع السلطات الأخرى، لا يبقى أمامه سوى الرحيل.

من يتابع أخبارك في المنفى، يلاحظ أنك أصبحت أكثر عطاء وتدفقا، وأصبح حزنك أكثر جمالا. هل نستطيع أن نقول إن الحزن يجملنا؟.

- نعم.. أستطيع أن أقول إن الحزن جملني، وثقفني، وعلمني مالا أعلم. المنفى حالة صحية، لأنه مناقض للاسترخاء والطمأنينة.

والشاعر لا يستطيع أن يكتب إلا وهو قلق، ومتوتر، ومتحفز كنمر إفريقي..

ثم إن المنفى ليس منفى جغرافيا فقط، لكنه منفى عقلي، ونفسي أيضا.. فليس ضروريا أن تكون خارج وطنك لتكون منفيا، فهناك منفيون داخل أوطانهم. وهذا هو المنفى الأشد فجيعة وإيلاما.


( يارب: إن لكل جرح ساحلاً
وأنا جراحاتي بغير سواحل..
كل المنافي لا تبدد وحشتي
ما دام منفاي الكبير بداخلي...).


جميع من قرأوا مجموعتك الشعرية الأخيرة (هل تسمعين صهيل أحزاني)، قالوا إنها من أفضل مجموعاتك، وإنك عدت فيها إلى زخمك الشعري القديم، ونضارتك الأولى، رغم مسحة الحزن الواضحة في أكثر قصائدها..

- أنا سعيد بأن يكون صهيل أحزاني قد وصل إلى قلوب الناس. الواقع أنه ليس لدي من طموح سوى السفر إلى وجدان الآخرين، والدخول في دورتهم الدموية..

هذا هو في نظري مجد الشاعر، وانتصاره الكبير.

أما الحزن في هذه المجموعة الشعرية فهو ليس حزني الخصوصي، بل هو حزن مائتي مليون عربي يذبحهم الحزن كل يوم، ولا يعرفون كيف يعبرون عنه.

سعاد الصباح مجلة العربي ابريل 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016