مختارات من:

ملف المخزنجي: قصة البحث عن محمد المخزنجي

إبراهيم فرغلي

مازلت أذكر اللحظة التي كنت أقرأ فيها كتابا، أوراقه مصفرة قليلا، مأخوذا ومبهورا بحساسية كاتب الكتاب ونصوصه المعنونة بـ«الموت يضحك»، وعندما انتهيت من قصة بعنوان «البلاد البعيدة»، منتشيا بتفاصيل علاقة بطل القصة؛ الرواي الصغير والفتاة نوارة في رحلتهما التي تتنقل بين الواقع والأحلام وتنتهي بكابوس، وهتفت لنفسي «هذا الكاتب يكتب روحي».

كان ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أما الكاتب فهو محمد المخزنجي، وبالرغم من أنها لم تكن المرة الأولى التي أقرأ فيها للمخزنجي، إلا أنها المرة الأولى التي أقرأ له فيها كتابا مكتملا.

كنت تعرفت على كتابة المخزنجي من أعداد مجلة «القاهرة» في عهد الناقد الراحل د.عبدالقادر القط، حين كانت آنذاك منبرا حرا للإبداع الشاب، وفيها تعرفت، إضافة للمخزنجي، على كتابات قصصية لفاروق خورشيد وإدوار الخراط، ورضا البهات وربيع الصبروت، ومنتصر القفاش وسواهم.

لكن المخزنجي بدا لافتا منذ أولى القصص التي قرأتها له؛ بداية لأن توقيعه على القصص كانت تجاوره كلمة «المنصورة»، التي كانت تعني اشتراكنا في الانتماء لنفس المدينة، بالإضافة، بل وبالأساس، لأن تلك النصوص المكثفة الباهرة تعبر عن موهبة لافتة، ومهارة سردية، وحساسية خاصة في التوغل في باطن النفس البشرية برهافة، وبانحياز إنساني وروحي، وإحكام لغوي ودقة لافتة في اختيار المفردات اللغوية، كان مدار حوارات ونقاشات مطولة بيني وبين اصدقاء ممن اجتمعوا على الإعجاب بالمخزنجي.

ومازلت أذكر نقاشا حول إحكام الجملة الختامية لقصة «هذه المزرعة» التي كان المخزنجي فيها يبدي رصدا واستنكارا فنيا من حالة الانصياع للقهر في المجتمع، فيما أذكر حتى هذه اللحظة جملة «يفتح يفتح يفتح.. ويهتز بجنون وهو يفتح.. ابدا لم تقفز خارجة من قفصها، ولا تقلقلت دجاجة». ورحنا بانبهار نبحث عن مرادفة كلمة «تقلقلت» في المعجم، وكيفية استخدامه للكلمة في الجملة.

كما أذكر نقاشا آخر حول التحول الدرامي الرهيب في حال الفتية المراهقين الذين اجتمعوا على قتل الفتاة «زمزم» التي كانت تسقي الرجال «أمام بوابات القمح»، في القصة التي تحمل ذلك العنوان، فإذا بتعطشهم للقتل يكشف عن رغبتهم جميعا فيها ويمسي جوهر جسدها بالنسبة إليهم، في لحظة تحول باهرة، مركز السحر والافتتان والرغبات المكبوتة والأحلام بديلا لكونه هدفا للانتقام.

كنت آنذاك أصدر مجلة دورية باسم أسرة من أسر كلية التجارة بجامعة المنصورة «صوت الكرنك»، مع مجموعة من الأصدقاء أذكر منهم أشرف بلاط وخالد المرسي وخالد بكر، كانت لهم تجارب شعرية وكانوا مهتمين بالأدب، لكن لم يبد منهم لاحقا اهتماما مستمرا بالأدب سوى الأخير الذي نشر ديوانا جميلا بعنوان «كرحم غابة»، بالإضافة إلى أحمد وفيق الذي كان يرسم لنا الكاريكاتير، ولاحقا تحول للمسرح والآن احترف التمثيل الدرامي والسينمائي.

اقترحت عليهم أن نجري حوارا مع المخزنجي طالما أنه من أبناء المنصورة، وأبدى الجميع ترحيبا بالاقتراح، ومن اليوم التالي بدأت رحلة البحث عن المخزنجي.

ولم يكن الأمر هينا كما تصورت، ففي المحيط القريب لم يكن هناك من يعرف عنه شيئا، انقطعت أخباره، وانشغل كل فيما أخذته إليه الحياة. وفكرت أن أذهب إلى القسم النفسي بمستشفى جيهان في المنصورة، حيث سمعت أنه يعمل هناك، وبالفعل ذهبت إلى هناك صباح احد الأيام وسألت عنه، لكنهم أخبروني انهم لا يعرفون أحدا على قوة الأطباء بهذا الاسم.

سألت في دائرة المهتمين بالأدب، وعرفت أن منزل العائلة الذي يعيش فيه يقع في حي «الثلاجة» المتفرع من شارع بورسعيد، وهو أحد الشوارع الشهيرة في المنصورة، ليس فقط لأنه يضم دار ابن لقمان الشهيرة التي أسر بها من قبل لويس التاسع عشر قبل ان ينتصر المصريون على قوات الحملة الفرنسية، بل أيضا بوصفه امتداد الجسر الذي يصل بين ضفتي المنصورة المتواجهتين حول نهر النيل والمعروفتين باسم «طلخا» و«المنصورة».

لكن المعلومات الشحيحة عن موقع منزل المخزنجي في النهاية لم تكن دقيقة وكافية للوصول إليه بطبيعة الحال. وفي النهاية أكد بعض المقربين منهم وبينهم الطبيب الكاتب رضا البهات، الذي تعرفت إليه آنذاك وكنا نسهر في بيته سهرات ثقافية مطولة، أن المخزنجي لا يعيش في مصر بل في روسيا.

وهكذا أجلنا فكرة الحوار، وقررنا أن ننشر بديلا له موضوعا خاصا عن أعمال المخزنجي القصصية، والتي تتبعتها لاحقا حيث نشرت هيئة الكتاب له خلال تلك الفترة كتاب «سفر» الذي ضمنه قصصا عن تجربته الروسية. كما وجدت بالصدفة كتابا لمجموعة من مجموعاته الأولى وهي «رشق السكين»، وبعد كل قراءة لعمل من أعماله كان تعلقي به يشتد، وأتأكد من شعوري بأنه الكاتب الذي يكتب روحي.

وبصدفة غريبة كنت قررت أن أعمل في الصحافة في القاهرة، ولم تكن لدي أي فكرة عن كيفية البدء في مشروع كهذا خصوصا وأنني مازلت أدرس في جامعة المنصورة، ولما كنت أعرف أن أحد اخوالي واسمه ثروت أبو سعدة لديه مجموعة من العلاقات الواسعة بالوسط الصحفي والأدبي فقد استشرته في الموضوع واقترح أن يعرفني إلى أيمن نور.

في الوقت نفسه، ذكرت اسم المخزنجي أمامه صدفة فوجدته يبتسم بسعادة ويقول «المُخّ»؟ ده حبيبي. ثم حكى لي انه كان قد تعرض للاعتقال معه عقب مظاهرات 1977 في المنصورة، وحكى لي عن شخصيته في المعتقل كيساري يحظى بحب جميع المعتقلين من الاتجاهات السياسية الأخرى، وبالشخصيات الأخرى ممن كانوا يقضون فترة عقوبتهم في السجن في جرائم مختلفة. وكيف انه كان يجمع بين الرقة والحلم وبين القوة والشراسة لو اقتضى الأمر. كما أخبرني، بسعادة، أن «المُخ» استلهم شخصيته في إحدى قصصه التي كتبها عن فترة السجن وأنه وصفه فيها بطالب الحقوق ذو الشعر الثقيل الناعم أو شيئا من هذا القبيل. وكنت قرأت القصة بالفعل في مجموعة «الموت يضحك» فادركت أن خالي لا يدّعي كما كنت أتصور في البداية، لأسباب تتعلق بأن أغلب شعره كان قد تساقط!

في تلك الفترة قررت أن أبدأ بالعمل في الصحافة والانتقال للقاهرة رغم أنني لم اكن تحصلت على شهادتي الجامعية بعد، وقررت ان أعمل في الصحافة على أن أحضر للمنصورة قبل شهرواحد فقط من امتحانات نهاية العام.

عملت مع أيمن نور في مكتب جريدة «المدينة» السعودية لفترة قبل أن أنتقل، بفضل إبراهيم عيسى، إلى روزاليوسف، في عهدها الذهبي بقيادة عادل حمودة. وفي إحدى إجازات نهاية الأسبوع التي عادة ما كنت أقضيها في المنصورة، اقترح عليَّ خالي ان يصطحبني إلى بيت عائلة المخزنجي لنسأل عنه، وبالفعل ذهبنا إلى منزل صغير، في زقاق مترب وضيق في حي الثلاجة، يتفرع من نهاية شارع بورسعيد، ووصلنا للشقة التي تقع في الطابق العلوي الأول، وطرقنا الباب فخرج إلينا شاب أسمر عرفت أنه شقيق المخزنجي الصغير «علي»، طبيب الأسنان، الذي اتخذ من غرفته في الشقة عيادة للأسنان وجهزها.

رحب بنا مبتسما وتبادل حديثا وديا مع خالي، وأخبرنا أن شقيقه قد عاد بالفعل إلى مصر وانه قرر أن يستقر في القاهرة وأنه التحق بمستشفى الطب النفسي بالعباسية.

في الأسبوع اللاحق في القاهرة ذهبت لعمل تغطية صحفية للقاء مفتوح مع الكاتب الراحل يوسف إدريس، في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ولما كنت أعرف أن المخزنجي من الشخصيات المقربة من إدريس، فقد وجهت له سؤالا عن المخزنجي ورأيه في أعماله القصصية.

كان يوسف إدريس قد قرر كسر القواعد وبدأ يدخن في قاعة إيوارت، بعد ان أعلن اعتذارا متكلفا مؤكدا أنه، بالتدخين في قاعة محاضرات جامعية، يعلم أنه يكسر القواعد لكنه، كعادته كشخص يحمل شيئا، وربما كثيرا، من تمرد المبدعين، ويعلم في قرارة نفسه أن رصيده لدى محبيه يسمح لهم بالغفران، تدلل وهو يفرض امرا واقعا، قبل ان يشرع في قراءة الأسئلة من الأوراق التي قدمت له من الحضور.

عندما قرأ إدريس سؤالي له عن المخزنجي ابتسم بسعادة ثم قال: «المخزنجي ده بالنسبة لي لوحده في كوم وباقي الكتّاب في كوم آخر». . وأضاف: «أنا بصراحة لا اعرف كيف خلق الله المخزنجي؟ فهو شخص بالغ الحساسية بشكل مدهش». وأضاف انه موهوب بشكل لافت جدا، وأنه يشعر بالأسف لأنه لم يسبق ان قدمه أو كتب عنه حتى الآن لكنه سيفعل.

ولا أظنه قد فعل، فقد توفي يوسف إدريس في أغسطس من نفس ذلك العام على ما أذكر.

عندما أخبرت المخزنجي عن هذا الحوار في أول لقاءاتي به ابتسم بسعادة وهدوء، وقال لي إنه ظل على علاقة وثيقة جدا بيوسف إدريس، ولسنوات، دون أن يخطر له أن يخبره أنه يكتب القصة، وأضاف: كنت أشعر أنه من الصعب إن لم يكن مستحيلا أن أجتمع مع عملاق مثل يوسف إدريس في الكتابة.

والحقيقة انني ضمنيا أشعر أن كلا من المخزنجي ويوسف إدريس قد تواطآ على ذلك، فالمخزنجي ككاتب موهوب كان يعرف في دواخله انه لا يحتاج، أو ربما يفضل، ان يقدم نفسه لعالم السرد بنفسه وبموهبته دون استعانة بأحد، وهو بالفعل لم يكن يحتاج إلى تقديم من أحد. واظن أيضا أن إدريس من جهته كان يعلم ان شخصا حساسا وموهوبا مثل المخزنجي أكبر من أن يقدمه أحد، حتى لو كان يوسف إدريس نفسه.

المهم أنني منذ سمعت ما قاله إدريس عن المخزنجي اصابتني حالة لا أعرف كيف اصفها؛ أصبحت ممتلئا بفكرة لقاء المخزنجي بأي ثمن، وأي وسيلة، اعود إلى المتاح من أعماله لدي أقرأها وأتأكد مرة بعد أخرى، من جمال القصص، وأتأمل لغتها وغرابتها وكثافتها وإنسانيتها. وهكذا وفي صباح اليوم التالي اتجهت من فوري إلى العباسية.

وصلت إلى بوابة المستشفى الشهير، وتوقفت أرقب المكان في حذر. كانت تلك زيارتي الأولى إلى أي مستشفى نفسي، فما بالك وهذه قلعة قلاع المشافي النفسية في مصر!

على الأقل هذا ما كان قد استقر في وجداني من الإعلام الذي اعتاد التكريس للكلاشيهات بلا تمحيص أو اقتراب من الواقعية، وكانت الكلاشيهات التي قدمت لنا في الدراما والسينما المصرية عن نماذج المرضى النفسيين قد جعلتني أشعر بالوجل، إضافة إلى إحساس غامض كان يناوشني بأنه قد يكون مكانا من تلك الأماكن التي تدخلها بالصدفة وقد لا تخرج منها بالصدفة أيضا!

تشجعت حين رأيت طريقا طويلة مسفلتة بالأسفلت تفيض على جانبيها الأشجار الفارهة، ودلفت للمستشفى، وسرت بحذر ارقب المارة من زوار المستشفى الداخلين إليها معي أو الخارجين.

كانت الطريق الملتوية تنتهي بمبنى صغير متهالك مطلي باللون الأصفر، دخلته مترددا فوجدت ممرضة قلت لها إنني أسأل عن طبيب يدعى محمد المخزنجي، فأشارت باتجاه شخص يجلس على مكتب صغير. تأملت شخصا خفيف الشعر يضع نظارة طبية موضوعة على طرف أنفه، حدق في وجهي بعينيه الرماديتين من أعلى النظارة دون ان يقول شيئا. أعدت عليه سؤالي فنظر لي بطريقة أوقعت الوجل في قلبي، إذ اوحى لي أنه «صائد المجانين» الذي اشتبه بي منذ أن رآني. ولم يرد فأعدت سؤالي مرتبكا، فهز رأسه نفيا وهو ينظر لي كأنه غاضب من شيء ما، فاعتبرتها إشارة الفرار من المكان بسرعة. وقبل خروجي أوقفتني الممرضة ثم قالت: ممكن تسأل عنه في سكن الأطباء وأشارت بيدها إلى مبنى كنت مررت عليه في أثناء دخولي ولم أنتبه له. شكرتها وتوجهت إلى حيث أشارت.

كنت أقاوم رغبتي في الفرار من المكان، لكني تعلقت بالأمل، واتجهت إلى المبنى الصغير العتيق الكابي الواقع قريبا من بوابة الخروج. دلفت من بوابة خشبية فوجدت نفسي في بهو خال إضاءته شاحبة لا يوجد به أحد أو شيء.

أطلقت تحية «سلامو عليكم» أكثر من مرة بلا مجيب، لكني سمعت صوتا في الطابق العلوي لم استطع تحديد هوية صاحبه، ووجدت سلما عتيقا يقود للأعلى فاتجهت إليه. لا اذكر الآن إلا غرفة صغيرة استبدلت الباب بستارة رمادية غيرت لونها السنون والاهمال، أزحتها لأجد سيدة عجوزًا نحيفة ترتدي جلابية سوداء، شمرت كميها، جالسة على الأرض وأمامها «طشت» أو وعاء غسيل ضخم ممتلئ بمياه منقوع بها ما بدا ثيابا.

سددت لي نظرة تشبه نظرة الطبيب «صائد المجانين» الذي كنت التقيته، فقلت لها إنني أسأل عن طبيب اسمه «محمد المخزنجي». نظرت لي فوجدت عينيها تلتمعان ببريق غريب وهي تسألني: «مين؟! محمد فرغلي؟». لم أجب عليها، بل انطلقت أعدو على السلم ركضا خارجا من المكان وأنا أهذي في نفسي بما لا يسمعه غيري عن المجانين والجنون ولعنة هذا المكان.

الاسم الذي نطقَتْ به السيدة هو اسم والدي، وكنت أنا قد تركت لتوي أهلي وبيت العائلة رغما عنهم، رغم مباركة أبي في النهاية، طلبا للاستقلال، فإذا بي أجد نفسي في مواجهة اسم أبي مرة اخرى مطاردِا لي هنا في معقل الجنون!

قلت لنفسي: إنسى المخزنجي..انتهى الأمر..إطو هذه الصفحة للأبد.. تكفيك علاقتك بكتاباته.

***

لكن ربما بعد اسابيع قليلة من تلك الواقعة كنت كالعادة اقضي إجازة نهاية الأسبوع في المنصورة، وبينما كنت جالسا في «مقهى أندريا»؛ الذي كان مكانا معتادا للقراءة والكتابة، خطر المخزنجي في بالي، وألحّت عليّ فكرة المرور على منزله مرة اخرى لأُطلع شقيقه «علي المخزنجي» على تفاصيل زيارتي لمستشفى العباسية وافهم منه مدى صحة انتقاله للعمل هناك.

بعد سنوات عديدة حين ذكرت اسم المخزنجي وحكيت هذه القصة لطبيبة نفسية لازمت المخزنجي في العمل بالعباسية قالت مبتسمة إنها أحست أنه لن يستمر طويلا في المستشفى. ووضحت قائلة إنه في تلك الفترة بدا غير قادر على مواجهة عيون المرضى. كان نظره معلقا بالأشجار طول الوقت!

انطلقت إلى المنزل وطرقت الباب، لكن لم يفتح لي «علي» الباب هذه المرة، بل فوجئت بشخص آخر: ربعة، كان ابرز ما لفتني منه العينان الطيبتان اللتان أطلتا من الوجه المربع دقيق الملامح، وأدركت فورا أنه المخزنجي رغم أنني لم أكن رأيته من قبل. ابتسمت بانشداه، ومددت له يدي أسلم عليه بحرارة شديدة «حضرتك الدكتور المخزنجي؟».

«أيوه أهلا»..

فعدت أسلم عليه بشدة، ومودة وسعادة، أكثر من ذي قبل حتى أنه شك في سلامة ذاكرته وقال لي: «أنا آسف جدًا، بس الذاكرة مش مساعداني، إحنا اتقابلنا فين قبل كده؟».

«لا يا دكتور الحقيقة إحنا ماتقابلناش قبل كده..بس أنا بقالي زمن بادور عليك».

رحب بي المخزنجي واستقبلني في غرفة علي أو عيادته المؤقتة، ورحت أحكي له حكاية بحثي عنه وظل هو ينصت لي بابتسامة وهدوء وصفاء روح جعلني اردد وحتى اليوم أن المخزنجي هو الكاتب الوحيد بين كتاب العالم الذين تتطابق كتابته مع روحه وشخصيته.

حكيت له عن خالي وابتسم لتذكره، وذكره بلون من الحبور، وبدا يسأل عني وعن اهتماماتي، وشجعني عندما عرف أنني انتقلت للقاهرة للعمل في الصحافة مؤكدا ان القاهرة قاتلة صحيح، لكن مادامت هي رغبتك فلا بد أن تستجيب لها وأن تنتبه لكي لا تلتهم الصحافة وقت الكتابة او موهبتها.

تنقل الحوار من الصحافة إلى يوسف إدريس وعلاقته به، وعن رؤيته هو لإدريس ككاتب عملاق وكشخص، توقف طويلا، فيما أذكر ليحكي رؤاه حول كتابة إدريس وقدراته في التقاط ملامح الشخصيات الإنسانية. ثم امتد الحوار إلى رحلته في روسيا كيف بدأت وطبيعة حياته فيها، وكيف انه كان ينتوي الزواج من روسية، وأظنه ذكر لي انه اصطحبها في مرة إلى مصر بالفعل، ولكني لم اعد أذكر الأسباب التي ذكرها لي لعدم اكتمال العلاقة، ولم يكن قد تزوج آنذاك. حدثني أيضا عن روسيا والحياة فيها وعن الأدب الروسي وتعلقه بقصص تشيكوف.

سألني عن اسمي وردده قائلا انه اسم يناسب كاتبا، ثم ضحك قائلا ان أسماء بعض الكتاب أحيانا تبدو غريبة ومتناقضة مع هوياتهم. ثم أضاف «انت بتفكرني بشخص لطيف، ابن أخت صلاح جاهين»، وأظنه كان ناسيًا الاسم أو أنني نسيته، ولم أعرف من يقصد المخزنجي إلا حين تعرفت، بعد سنوات طويلة في القاهرة، على الكاتب المقيم في نيويورك؛ وكبير المترجمين الفوريين في الأمم المتحدة الآن «حسام فخر»، ولم انتبه لأنه الشخص الذي كان المخزنجي يقصده، إلا عندما عرفت أنه ابن أخت صلاح جاهين.

في ذلك اليوم انتهت حكاية «قصة البحث عن المخزنجي» نهاية سعيدة، فقد كان هذا اللقاء، ولايزال، أحد أحلام حياتي، وكلما استعدته أشعر بالحبور والسعادة بشكل لا يمكنني وصفه. لكن في نفس الوقت بدأت قصة جديدة هي قصة علاقتي بالمخزنجي.

في ذلك الوقت كان المخزنجي بالفعل قد بدأ يفكر في أن يترك الطب النفسي لأجل العمل في الصحافة، كما أظنها الفترة التي سبقت سفره إلى سورية لفترة حيث تعرف إلى السيدة زوجته وزواجه منها. وكنت التقيت بهما صدفة في فترة خطبتهما أو أول زواجهما في ليلة باردة في المنصورة حيث سمعت صوتا، كالحلم، يناديني قريبا من الميدان المجاور للهابي لاند، والتفت لأجد المخزنجي وفي صحبته السيدة زوجته، التي عرفني إليها.

التقيته بصدف عديدة لاحقا بينها مرة في معرض الكتاب وكان مدعوا ليقول محاضرة، وكان آنذاك، ولعله بالطبع لايزال، كارها للضوء والظهور، ورأيته قريبا من المقهى الثقافي فاقترب مني ثم دعاني للهروب من تلك الأجواء، فقد كان مضطربا من فكرة وجوده على المنصة.

على أي حال انتقل المخزنجي بالفعل لاحقا من العمل في الطب النفسي إلى العمل الصحفي في مجلة «العربي» في مكتبها في القاهرة عقب التحرير، ثم انتقل في فترة لاحقة إلى الكويت وأظن أن إسهاماته في استطلاعات «العربي» من أبدع ما كتب في العربي في أدب الرحلة، وحين بدأت العمل في «العربي» كنت أقرأ استطلاعاته بتأمل لفهم طبيعة فكرة الاستطلاع كفن أدبي رفيع، يمزج الريبورتاج بالأدب، والتاريخ بالتفاصيل اليومية المعيشة، والانتباه إلى كل تفصيلة في الثقافة التي يتم زيارتها لأنها ستقود إلى معلومة مهمة أو فكرة ما يمكن أن تقدم جديدا للقارئ، وتكشف للمستطلع سرا قد لا يجد له تفسيرا في الكثير حتى مما قد يقرأه عن الثقافة التي يستطلعها.

وبعد عودته من الكويت عدت لألتقي به بين الفينة والأخرى إما في مكتب «العربي» بالقاهرة أو في نادي القاهرة حيث يقضي وقت فراغه متفرغا لعائلته أو لكتابته.

صحيح أن الزمن تغير، وأخذت المخزنجي الحياة كما أخذتني، لكن خيط الود والعلاقة الإنسانية لم ينقطع أبدا، ولا زلت أؤمن أن المخزنجي هو الكاتب الذي تتسق كتابته مع روحه، وأنه تشيخوف القصة المصرية، وأنه واحد من أخلص كتاب القصة العربية في مصر بعد يوسف إدريس، وبلا منازع، وأن رحلة البحث عنه كانت تستحق، ولعلها من أبدع ما مررت به من خبرات حياتي.

إبراهيم فرغلي مجلة العربي سبتمبر 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016