مختارات من:

السهم الملتهب .. حومو كينياتا .. !

المحرر

" لقد كرست كل حياتى لخدمة شعبى .. وعندى من الارادة ما يجعلنى أقضى في السجن أى فترة يريدها أى مخلوق ، إذا كان ذلك هو الطريق الصحيح لخدمة شعبى " .

هكذا قالها جوموكينياتا وهم يقودونه موثق اليدين إلى المعتقل في أكتوبر 1952 ليحكموا عليه بالسجن لمدة سبع سنوات .. وكانت تهمته هى الاشتراك في نشاط جماعة الماوماو التي أقضت مضاجع الإمبراطورية البريطانية التي لا تغرب عنها الشمس ..!

فى ذلك العام الذي قادوه فيه إلى " سجن بوكيتنج " كان قد بلغ من العمر واحدا وستين عاما . ففى يوم 20 أكتوبر 1891 أيضا وفى إقليم كيابو وسط كينيا خرج إلى الحياة ذلك الطفل الذي أطلق صيحته الأولى .

ولم يكن أحد في ذلك اليوم يتكهن بالتاريخ الحافل العظيم الذي سيحمله كينياتا فوق كتفيه .

ابن الكيكويو

الحقيقة أن جوموكينياتا كان شخصية مثيرة . نشأ يتيما وتعلم في مدرسة اكتلندية للتبشير بالقرب من نيروبى . وأطلقوا عليه اسم جونستون إذ لم يكن يعرف اسمه الحقيقى . وقد عمل في صباه مساعدا لطاهى المطبخ ، ثم نجارا ، ثم مفتشا في شركة المياه بنيروبى . ولكن هذه الأعمال كلها لم تكن تناسب ذكاءه وشخصيته القوية ... فقد التحق " باتحاد كينيا الإفريقى " حسن أنشئ عام 1922 . وفى سنوات قلائل أصبح هو نفسه رئيسا للاتحاد . وفى عام 1928 أصدر صحيفة في نيروبى بلغة الكيكويو . وبعد سنة سافر إلى أوربا وعاش خارج إفريقيا طيلة السنوات السبع عشرة التالية .

التحق الفتى في لندن بمدرسة الاقتصاديات ، وأصدر كتاب أشاد فيه بقبيلته " الكيكوبو " المواجهة لجبل كينيا ، وأطلق على نفسه اسم كينياتا ، وهناك عاش حياة صعبة مرهقة ، فقيرا يعانى من الذلة والتفرقة العنصرية المهينة .

ومع ذلك فقد وجد كثيرا من الأصدقاء يعيشون مثله في لندن بينهم كوامى نكروما الذي أصبح بعد ذلك رئيسا لجمهورية غانا والذي ساعده على تكوين جمعية إفريقية في مانشستر عام 1945 . وبعد عام آخر في دراسة الأنثروبولوجى بجامعة موسكو عاد إلى كينيا وأصبح المحرك الرئيسى " لاتحاد مدارس الكيكويو المستقلة " . وما لبث أن أصبح تأثيره على أبناء قبيلته أشبه بالسحر .

الماوما ضد الإنجليز

اندلعت حركة الماوما في كينيا ضد المستعمرين .وأسرع الأنجليز يلتمسون من كينيا مساعدتهم في إنها هذه الحركة . ويقول البريطانيون إنه خدعهم خدعة ضخمة . ذلك أن السلطات البريطانية جمعت له يوما عددا هائلا من أبناء كينيا في نيروبى لكى يطلب منهم " الهدوء " . وكانت فرصة الكينياتا ، فبينما كان يخطب في الجمع الحاشد يناشدهم الهدوء والسكينة ، كان يقوم في نفس الوقت بإشارات معينة يعرفها أبناء قبيلته معناها " إنى أقصد عكس ما أقول " ؟

وبدأ جو موكينياتا يعبئ الشعور الوطنى في نفوس أبناء البلاد . دعاهم إلى عدم شرب البيرة البريطانية حتى أفلست الشركة التي تنتجها . أمرهم بعدم ارتداء القبعات البريطانية فامتنعوا عن ارتدائها . وحين ألقى القبض عليه بتهمة تزعمه لحركة الماوما المناهضة للأنجليز كانوا هم أنفسهم يدركون أنها لن تتوقف إلا بتعليمات من كينياتا الذي سموه " السهم الملتهب " . وحين قددموه للمحاكمة لم تجر محاكمته في نيروبى حيث انتشار الثوار ولكنها تمت في قرية كابو نجويوريا في منطقة الحدود الشمالية في مدرسة أخليت لهذا الغرض . وبعد سجنه سبع سنوات وضع تحت الحراسة في منفاه بالشمال لمدة ثلاث سنوات أخرى .

كانت كينيا في ذلك الوقت هى المنبع الواسع الذي يستورد منه الإنجليز " قطعانا بشرية سوداء " يضربون بها الحركات الوطنية في مختلف المستعمرات ، ,هى نفسها القطعان البشرية التي يسوقونها إلى الحقول والغابات ومنابع البترول حيث تسكب هناك حياتها لتطعم السيد الأبيض وتتيح له حياة باهرة من الخمر والنساء .

وكان الأهالى يفلحون الأرض ويزرعونها ولكنهم لا يستطيعون أن يملكوها فليس من حق رجل أسود أن يضع يده على قيراط من الأرض التي اختلطت بعظام أجداده ، ومطالبة الكيني بملكية جزء من أرضه يعتبر عند السلطات مروقا وثورة ومحاولة لقلب النظام بالقوة ، وهو في الجملة مجرم شديد الخطر يرتكب جرائم تفتح لها السجون أبوابها منذ سقطت كينيا في أيدى الاستعمار عام 1895 حيث بدأت سياسة الاستيلاء على الأرض والغابات واستثمار الااضى الكبر لصالح البيض .

وبدأت انتفاضة كينياتا

هكذا انتفض جوموكيناتا وهو يرى كل ذلك الذي يجرى في بلاده . فالقوانين شرعت لتحمى مصالح المستعمرين . والتاج يملك الأراضى الزراعية والمناجم ويطرد منها الأهالى كلما اكتشف منجم جديد .. صنعوا ذلك مع قبيلة كافريدو فطردوها وأرادوا أن يفعلوها مع قبيلة الكيكويو . ولم يكن بد من أن يقوم زعيم منهم يقود حركة الماوما وليلعب دورا وطنيا في الكفاج ويهتف في وجه الأعداء : " إفريقيا للافريقيين .. خيرات إفريقيا لشعوب إفريقيا . أرض كينيا للرجال والنساء والأطفال والأجيال القادمة " . وشكل كينياتا حزب الاتحاد الإفريقى حاملا مبدأ أن أرض السود للسود لا للبيض " وأعلن قادة الماوماو الوقوف بكل شدة في وجه المستعمرين . وبرز ذلك العملاق الأسود لكى يقود أبناء وطنه في كفاحهم من أجل الحرية ووسيلتهم الوحيدة للتفاهم مع المستعمر هى الكفاح المسلح في ثورة لا تبقى ولا تذر . وانطلق الثائر الأسود يمرغ كبرياء الامبراطورية في الوحل ، ويجعل- جتى وهو داخل السجن- كلمة ماوماو مصدر الفزع والرعب لأعداء بلاده .. أعداء كينيا .

ومضت الأيام

واضطر المستعمرون في 14 أغسطس 1961 إلى اطلاق سراج جوموكينياتا . وانتخبه الشعب الكيني عضوا بالمجلس التشريعى . وبعد نجاح حزبه في الانتخابات ألف وزارته الأولى في ديسمبر 1964 حيث أعلن استقلال كينيا . واستمر السهم الملتهب رئيسا لجمهورية كينيا حتى قضى نحبه في ممباسا في 22 أغسطس 1978 بعد أن قضى في زعامة بلاده أكثر من خمسة عشر عاما.

المحرر مجلة العربي سبتمبر 1998

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016