مختارات من:

شاكر عبدالحميد وسيد محمود: ثورات الربيع العربي أعادت الاعتبار للخيال

المحرر

يعرف المختصون في علم النفس الإبداعي المكانة التي يحظى بها الدكتور شاكر عبدالحميد وزير الثقافة المصري السابق في هذا الحقل على الصعيد العربي، فهو صاحب دراسات كثيرة كانت من أوائل الدراسات التي غيرت خريطة هذا التخصص في عالمنا العربي، وقبل توليه الوزارة في ديسمبر 2011، خططت مجلة «العربي» لإجراء هذا الحوار بحثا عن إجابات لأسئلة كثيرة يطرحها الواقع العربي بعد «ربيع ثوراته» التي ستعاني مخاضا طويلا قبل أن تظهر زهوره، وعبدالحميد عمل أستاذًا لعلم نفس الإبداع - أكاديمية الفنون المصرية، ومديرًا لبرنامج تربية الموهوبين بكلية الدراسات العليا بجامعة الخليج العربي (مملكة البحرين / 2005 - 2011). وعمل سابقًا نائبًا لرئيس الأكاديمية في الفترة من 2003 - 2005. شغل سابقا منصب عميد المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون بمصر. متخصص في دراسات الإبداع الفني والتذوق الفني لدى الأطفال والكبار، وله مساهمات في النقد الأدبي والتشكيلي أيضا.

حكامنا سعوا إلى مصادرة المستقبل بعد أن قتلوا الماضي.
أشباح الماضي تحاول السيطرة على الحاضر.
نعاني في العالم العربي من هدر الطاقات.
نال عنها عدة جوائز، أبرزها: جائزة شومان للعلماء العرب الشبان في العلوم الإنسانية والتي تقدمها مؤسسة عبدالحميد شومان بالمملكة الأردنية الهاشمية عام 1990، وجائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية بمصر عام 2003، وجائزة الشيخ زايد للكتاب هذا العام. تولى د.عبدالحميد رئاسة العديد من السلاسل الثقافية التي تصدرها وزارة الثقافة وخاصة سلسلة «الكتاب الأول» بالمجلس الأعلى للثقافة، وسلاسل «كتابات نقدية»، و«آفاق الترجمة»، «آفاق عربية»، بالهيئة العامة لقصور الثقافة. وله أدكثر من مائة بحث في مجالات النقد الأدبي والفني وعلم النفس الإبداعي منها، المرض العقلى والإبداع الأدبى، دراسة نشرت بمجلة عالم الفكر بالكويت المجلد الثامن عشر العدد الأول 1987، والفروق الارتقائية في أداء الأطفال على الرسم الموجه والرسم الحر.

وبخلاف بحوثه العلمية له ما يزيد على 20 مؤلفا، نشر غالبيتها في سلسلة عالم المعرفة التي تصدر من الكويت ومنها:العملية الإبداعية في التصوير الكويت، التفضيل الجمالى دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، الفكاهة والضحك،عصر الصورة، الإيجابيات والسلبيات. الخيال من الكهف إلى الواقع الإفتراضي، الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب الذي صدر في يناير الماضي، وترجم شاكر عبدالحميد عدة أعمال أساسية في الفكر الغربي، منها «الأسطورة والمعنى (تأليف: كلودليفى شتراوس)،بدايات علم النفس الحديث (تأليف: و.م.أونيل) العبقرية والإبداع والقيادة، دراسات في القياس التاريخي (من تأليف: د.ك. سيمونتون). سيكولوجية فنون الأداء (تأليف: جلين ويلسون،قبعة فيرمير، تأليف ثيموتي بروك. (تحت الطبع) ضمن مشروع كلمة للترجمة أبوظبي.

ومحاوره سيد محمود، محرر ثقافي مصري، يعمل بمؤسسة الأهرام،تولى مسئولية الصفحات الثقافية في عدة صحف مصرية، قومية ومستقلة، يكتب في الشئون الأدبية والتاريخية، ومجال النقد الثقافي، وله أربعة مؤلفات، إضافة إلى عدة دراسات عن السياسات الثقافية في العالم العربي، وله مقالات ودراسات منشورة في عدة صحف عربية أبرزها الأهرام، الحياة، والأخبار اللبنانية.

كنت جزءًا من جيل كبير هو جيل السبعينيات، هل أثر هذا في اختيار تخصصك، أم أن ارتباطك بالجيل جاء بعد اختيار التخصص؟
- لا؛ لم أفكر في هذا الأمر، كنت أعتبر نفسي خارج مسألة الجيل، الأجيال معروف أنها هي التي تبدع شعرا وقصة وغيرهما من الفنون، وكنت أشعر بأنني ضيف عليهم، كانوا يحسبوني ضمن جيل السبعينيات والنقاد الذين ظهروا في ذلك الوقت ولكني لم أفكر بأنني جزء من جيل ما، لأن من يرتبط بجيل يرتبط به ارتباطا وثيقا ولصيقا ويتبني قضاياه ولكني لا أعتقد أنني كنت جزءًا من الجيل بهذا المعني.

على مستوى خيارات التخصص، هل جئت من الصعيد وفي ذهنك التخصص في علم النفس الإبداعي، أم أنه أتى بعد ما عشته من تحولات داخل الجامعة أبرزها صعود الحركة الطلابية أوائل السبعينيات؟
- جئت من أسيوط إلى كلية الآداب جامعة القاهرة ولم تكن هناك مسألة توزيع جغرافي كان يمكن لأي طالب أن يلتحق بأي جامعة، ومن حسن الحظ أن كلية الآداب كانت لا تزال تحتفظ بكبار الأساتذة قبل موجات السفر والإعارة إلى خارج مصر، وفي كلية الآداب كان بإمكانك أن تتلقى العلم على يد أساتذة كبار منهم رشاد رشدي وشكري عياد وصبحي عبدالحكيم وحسين نصار.

وآنذاك كانت لدي رغبة في دراسة الصحافة أو اللغتين الإنجليزية أو العربية وآدابهما، ولم يكن في ذهني علم النفس على الإطلاق، وكانت هذه الأقسام تقبل درجات مرتفعة في السنة الأولى، ولم تكن درجاتي تسمح لي بالالتحاق بها، فتم إلحاقي بقسم الفلسفة، وكانت هذه خبرة جيدة بالنسبة لي حيث كان يضم معه قسم علم النفس، وكان يعلمنا بشكل مباشر العلامة الكبير الدكتور مصطفى سويف، وأعتقد أن أسلوبه وطريقته في الشرح كانا عاملا حاسما في اختياري لعلم النفس، فالرجل يعطي ولا يزال صورة للأستاذ الجامعي، كما ينبغي أن تتجلى في الذهن من حيث الدقة والنظام والوضوح والعلم الغزير، فضلا عن العلاقة مع الطلاب التي كان يشوبها حزم وحميمية في آن واحد، فدرست مواد علم النفس وبعض مواد الفلسفة، وكان من ضمن مواد الفلسفة، الفلسفة اليونانية وعلم الجمال، وكانت تدرس لنا المادتين د.أميرة حلمي مطر وهي من الناس الذين أثروا في تفكيري وتوجهاتي فيما بعد، حيث رغبت في دراسة تجمع بين علم الجمال وعلم النفس وانتهيت إلى اختيار علم النفس وأتتلمذ على يد د.سويف الذي حاورته في الباب نفسه بمجلة العربي قبل سنوات، وكان هذا القرار ذاتيا، حيث لم أكن أفكر في تعييني معيداً بالكلية.

كيف التحقت إذن بسلك التدريس الجامعي؟
- في عامي الجامعي الثالث، تخصصت في شعبة علم النفس، لم تكن هناك أقسام في ذلك الوقت أوائل السبعينيات كما قلت سابقًا، وكانت الحركة الطلابية نشطة جدًا، مظاهرات واعتصامات وكنت مشاركًا فيها، وفي سنة 1972 حين اقتحم الأمن الجامعة وكنت ضمن المقبوض عليهم، في الحادث الذي خلده الشاعر الراحل أمل دنقل بقصيدته «أغنية الكعكة الحجرية» وأمضيت وقتا في سجن طرة ولكن المعاملة كانت طيبة ولم يعذبنا أحد، وهذه ميزة من مميزات أيام السادات، وبعد أن عدت قررت التخصص في علم النفس وأعلنوا بعد تخرجي عن حاجتهم لمعيدين فتم تعييني أنا واثنين من زميلاتي، وبعد ذلك التحقت بالجيش لمدة سنة، وعدت لدراسة دبلومة علم النفس التطبيقي وسجلت للماجستير مع د. سويف، وأيامها كنت أكتب قصة قصيرة، وهي قصص قليلة توقفت عن كتابتها بعد فترة، لأنني بدأت أدرس كباحث، وشعرت بأنني لن أكون أكاديميا ومبدعا في الوقت نفسه، على الرغم من وجود حالات قليلة من هذا النوع، ولكن في معظم الأحوال لا يحرز الأكاديمي تميزًا في عالم الإبداع، لأن هذا عقل، وهذا عقل مختلف والجمع بينهما صعب من وجهة نظري. وخلال فترة البحث للعمل على رسالة الماجستير سألني د. سويف عن شغفي بالشعر وعن الطريق الذي أريد أن أكمل فيه، وطبعًا كنت قبل ذلك منذ المرحلة الإعدادية أقرأ بكثافة في الأدب، كنت قارئًا لمعظم الأدب العالمي، ودراستي كانت على هامش حياتي.

دعنا نتوقف عند هذه الخبرة، يعني رغم وجودك في الصعيد فإن مصادر المعرفة كانت متوافرة؟
- طفولتي ومراهقتي وصباي لم تكن كلها في الصعيد فبحكم عمل الوالد انتقلت الأسرة بين عدة مدن، منها بورسعيد والسويس، لكن الفترة التي قضيتها بالسويس كانت من أفضل الفترات في حياتي بسبب صديق مسيحي لي اسمه رجائي هو من علمني القراءة، بمعنى أنه أرشدني إلى ما يجب أن أقرأه وهو من فتح عيني على الأدب والثقافة والفكر رغم أننا كنا في فترة الدراسة الإعدادية إلا أنه كانت لديه مكتبة في بيته ولديه ذائقة مدربة أعانتني كثيرا، كما كان يصحبني إلى مكتبات عامة ويتيح لي روايات رخيصة الثمن، وسأحكي لك قصة.

بدأت القراءة في الصف الثاني الإعدادي، ساعتها كنت أسير في السويس في شارع واسع وقت الظهر، وجدت جنيهًا في الشارع، حوالي عام 1966 أو 67، أخذت الجنيه وفرحت به جدًا، وأول ما فكرت في أن أفعله بالجنيه كان شراء روايات، من كشك في شارع الأربعين مخصص لبيع الصحف والروايات العالمية الجديدة أو القديمة.

كانت الرواية التي اشتريتها تباع بقرشين، وتمكنت من تدبير مصروفي وشراء 50 رواية وقرأتها كلها في شهر ونصف الشهر ثم أعدتها للبائع بنصف الثمن واشتريت بثمنها 25 رواية أخرى وهكذا وهكذا قرأت أكثر من 80 رواية بجنيه واحد، ومن المؤكد أننا جيل محظوظ بفضل مجانية التعليم وسياسة الدولة آنذاك، فقد تعلمنا وتثقفنا ببلاش، ولاتزال في رأسي أسماء كتاب فرنسيين وإيطاليين لم تعد كتبهم متاحة الآن للبيع، والغريب أنني توقعت أن أصير كاتبًا مثلهم، ولأنني انطوائي بعض الشيء فكانت القراءة هي عالمي الخصب، وزاد من ذلك كون أسرتي عاشت في ترحال بسبب طبيعة عمل الأب الأمر الذي لم يتح لي تكوين صداقات مستقرة ووقتها أيضا لم يكن هناك تليفزيون أو إنترنت، ولكن كانت هناك سينمات في حدائق بقرش أو قرشين مكنتنا من رؤية أفلام إنجليزية وفرنسية وإيطالية وفي هذه الفترة تشكلت محبتي للقراءة وخبرتي الجمالية، وحسمت اختياري في مجالي الأكاديمي أيضًا.

لكن بعد كل هذه السنوات حدثت مصادفة من النوع الحاسم، فالدكتور سويف كان لديه مشروع لدراسة الأسس النفسية للإبداع، فقد درس الإبداع في الشعر في ما الدكتور نصر حنورة رحمه الله درس الإبداع في الرواية والمسرحية، ومن ثم اقترح علي د. سويف أن أعمل على الإبداع في القصة القصيرة، فقبلت هذا الاقتراح وبدأت العمل لجمع المادة ومن بينها مادة استبيان مع عدد مع المبدعين، كان على رأسهم الراحل الكبير نجيب محفوظ الذي ذهبت لمقابلته ككاتب قصة قصيرة، وأذكر أنني قابلته في كازينو قصر النيل وقال لي «أنت تعمل مع د. سويف وسألني عن حاله، ورحب بالإجابة عن أسئلتي » وفي الأسبوع التالي جاءني بإجابته مكتوبة.

بدأت بعدها في العمل على تأسيس التحليل الأسطوري في النقد الفني الذي يجمع بين التحليل النفسي وأعمال باشلار ونورثروب فراي وتطبيقه على مساءلة الأساطير وبعض الناس انتبهوا لتلك المناطق مثل أمجد ريان، وكتبوا فصولا عنها في رسائلهم، وأخذوني نموذجا له.

أريد أن نتوقف قليلًا عند د. مصطفى سويف لأن جيلكم شخصيًا متهم بأن تأثيره في المحيط الاجتماعي أقل من تأثير د. سويف، وجيله هو كان معروفا كمثقف عام لدى النخب، الجيل الجديد غير مؤثر بالقدر نفسه؟
- لا نحن مؤثرون ولا أفهم لماذا تظن أننا غير مؤثرين.

كيف؟
د. سويف باحث أكاديمي كان يوظف دراساته لخدمة المجتمع، لكنه لمع في سياق مختلف، وهو سنوات الخمسينيات والستينيات التي كانت تعترف بالإنجاز، أنا كتبت شخصيا كتبا كثيرة ولكن العديد لم يقرأوها، على سبيل المثال أنا كتبت كتبا في النقد والإبداع الأدبي أكثر من د. سويف وهذا ليس تقليلًا من قدره ولكنه في الوقت نفسهما تأكيد على حضور جيل آخر لم يقرأ بالأهمية نفسها.

هل تريد أن تقول إن هناك اختلافا في السياق والظرف السياسي والاجتماعي وهو سبب غياب الإحساس بالدور العام الذي لعبه جيلكم؟
- لا، لا أقصد هذا، الاختلاف جزء منه أن د. سويف ابن جيل مختلف، وبالنسبة لنا نحن لا نعطي أنفسنا أكثر مما نستحق لأننا سافرنا وعملنا بدول الخليج وهذه فترة مهمة قدمت فيها شخصيا غالبية أعمالي، ولكن سويف بالتأكيد حالة فريدة، رجل أسس نفسه وكان منضبطا جدًا وينجز ويتواصل مع الآخرين.

هل الغربة أو سنوات العمل في الخليج كانت سببًا في اغتراب جيلكم عن المجال العام في مصر؟
- أفضل أن أتحدث عن نفسي، وأقول عمري ما اغتربت خلال وجودي في الخليج، بالعكس كنت أشعر بأنني وسط أهلي وأن المناخ هناك كان أفضل من المناخ الذي كان متاحًا لي في مصر، وكان بإمكاني أن أستمر في الخليج بقية عمري، ولكني عدت بعد ثورة 25 يناير لأنني أحسست بأن مكاني في بلدي ولو هناك في العمر بقية يجب أن أقضيه في مصر . كنت أعتقد أن لدي فكرًا ما يجب أن أسهم في تقديمه في بلدي وأنا رجل تربيت في ظل الأفكار القومية ومن المؤمنين بعروبة مصر وأشعر أن ما هو في مصلحة مصر في مصلحة العرب، والعكس.

إذا عدنا لمسارك البحثي: كيف جاء تكوينك الخاص للاشتغال على مسائل متعلقة بالدراسات البينية المتعلقة بالفن التشكيلي والأدب والشعر، يعني ما شرحته يبين لنا خبرتك الأدبية، كيف جاءت خبرتك التشكيلية؟
- من الدكتوراة، بعدما انتهيت من الماجستير، كانت لدي فرصة للتعرف على معظم الأدباء في مصر، ومنهم محمد سلمان ومحمد مستجاب وغيرهما ويوسف القعيد وجمال الغيطاني وكل هؤلاء فتحوا لي أبواب التعرف على آخرين، تعرفت معهم على إبراهيم عبدالمجيد، عبده جبير ومحمود الورداني ومعظمهم من أصدقائي المقربين.

ومع العمل على الدكتوراة اقترح د. سويف علي العمل على فن التصوير وكان له صديق هو الفنان الراحل محمد حامد عويس، وكان عميدا لكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية وأصبح مشرفا مشاركا على رسالتي ووجدت لي فرصة جادة للتعرف على الفن التشكيلي وأصبحت في ألفة ما بالمجال الفني، تكونت لدي ثقافة الكلمة والصورة، وفي دراستنا في الصورة كنا ندرس علم النفس الفسيولوجي وبدأت أهتم بالوظائف المعرفية، كيف يعمل الخيال والإبداع في المخ، وهي مجالات ليست حاسمة ولكن تقريبية، ووجدت أنه ليست هناك ثقافة منفصلة، المعرفة مترابطة.

من هنا وجدت أن كل موضوع سأعمل عليه سيكون بالطبيعة بينياً، وكما يقول أرسطو إن الوجود يتجلى على أنحاء شتى وهكذا المعرفة أيضًا تتجلى على أنحاء شتى والفن والفكاهة والإبداع كل يتجلى على أنحاء شتى، وهكذا فكل ظاهرة تتبدى على أنحاء شتى فلكي أدرس الضحك مثلًا أدرس دراسات بينية.

وكيف أخذت علم النفس لدراسة الظواهر الاجتماعية، مثل الضحك والفكاهة، وهل هذا له علاقة بالتطور الحاصل في الدراسات الثقافية في الغرب منذ ما يقرب من ربع قرن؟
- لم أكن على وعي بأن ما أفعله يمكن أن يكون نقدا ثقافيا، أنا كتبت هذه الكتابات حتى من قبل أن توجد كتابات في النقد الثقافي، فكتاب التفضيل الجمالي، أول كتاب عن التذوق الجمالي من منظور تكاملي، وفي كل كتبي حاولت أن تكون هناك رؤية جامعة، فلا يمكن دراسة الظواهر من منظور واحد. أنا مؤمن بأن التربية عن طريق الفن والإبداع خطوة أساسية على طريق تقدم الأمم والشعوب والأفراد.

ما الذي يفرق هذا عن كلام هربرت ريد في الستينيات عن التربية؟
- هربرت ريد كان مهتمًا بالعرض التاريخي عن التربية وتقديم رؤية مختلفة خاصة بالفن التشكيلي فقط، أنا أحاول أن أقدم رؤية أكثر اتساعًا وشمولًا، فنحن لا نربي فقط عن طريق التربية بل تضم السينما واللغة ضمن أشياء أخرى أيضًا.

التفافك المبكر حول فكرة الصورة جاء في وقت له علاقة بتأثير الميديا، ما الفرق في تصوراتك عن موضوع حضارة الصورة بين نهاية التسعينيات والآن؟
- اهتمامي بهذه المسألة ليس مجرد اهتمام بالميديا ولكن كبعد ثقافي بالمعنى العام، أنا أشعر بأن اللغة مهيمنة علينا في تاريخنا، لأن القرآن الكريم هو النص المركزي لدينا، ومن ثم هو معجزة تمت باللغة، أما الصورة فكانت غائبة لأسباب تتعلق بشبهات التحريم الديني من جهة، والاحتلال العثماني من جهة أخرى حيث عانت الفنون كلها ركودا لافتا، وأعتقد أيضا أن هناك إفقارا في التفكير البصري الذي هو أساس الخيال، فالإبداع في الشعر الذي هو لغة بصرية، والصورة لدى الطفل أسبق من اللغة، و90 في المائة من مدخلاتنا الحسية طوال اليوم بصرية، فكيف نهمل دراسة نصف عقلنا؟! لذلك اهتممت بالصورة وثقافة الصورة، اهتممت بهذا لكي أفهم هذا الجانب الذي فتح لي مجال الميديا والصورة وارتباط الصورة بالفنون، فلا يوجد فني غير بصري، أنا تخصصي تربوي وأتمنى إشاعة الثقافة البصرية.

لماذا لم تعمل كمعالج نفسي وفضلت العمل الأكاديمي؟
- لأن علم النفس فيه تخصصات هناك علم نفس إكلينيكي وهذا هو الذي يصبح معالجًا نفسيًا، أنا اهتممت بالإبداع، وفضلت العمل عليه، على أساس أن الإبداع ظاهرة إيجابية ومستقبلية وتنقل الأفراد والجماعات للأمام، وأنا رأيي أن مشكلتنا في مصر والوطن العربي هي مشكلة الإبداع، لدينا طاقات ولا نعرف كيف نوظفها، لدينا قوانين بيروقراطية تعوق الإبداع، أنا أعرف الإبداع بأنه تفكير أو إنتاج جديد مفيد، بالنسبة للفرد والجماعة، ومن ثم نحن نحتاج إلى إشاعة ثقافة الإبداع بالشكل الذي يوظف إمكاناتنا البشرية والمادية بشكل جديد ومفيد.

من خلال موقعك كوزير وكنت مسئولا عن ثقافة بلد بحجم مصر كيف نقوّم الهدر الموجود في مجتمعنا العربي؟
- مع الأسف لدينا لوائح وعقليات وممارسات قديمة ينبغي إعادة النظر فيها عن طريق التربية الإبداعية وخلق عقول إبداعية من خلال عمليات التربية ليس على مستوى الفرد بل على مستوى الجماعة، فالإبداع يكون في السلوك الاجتماعي وليس ظاهرة فردية فقط، ونحتاج إلى زيادة الجوائز الخاصة بالإبداع ومن ثم فأنا أرى أن المجتمعات العربية تحتاج إلى إعادة تأسيس عن طريق إشاعة ثقافة الإبداع وهذا لن يأتي بين يوم وليلة.

لقد كنت صاحب قرار في منصبك الجديد كوزير سابق للثقافة، وكنت تقود مؤسسة لها دورها الاجتماعي، هل يمكن أن يكون هذا أولوية في عمل الوزارة بمعنى أنك انتقلت من مرحلة التنظير إلى مرحلة القرار، كيف يمكن أن تقوم المؤسسة بتلك النقلة؟
- يمكن أن نفكر في هذا الأمر ولكن لا توجد لدي إجابة جاهزة، ويجب أن نشيع تلك الثقافة لأننا لا نكتب كتبا وفقط، بل يجب أن نشيع تلك الثقافة الإبداعية لأن المجتمع لن يستمر بهذا الشكل الذي يتمركز فيه كل فرد حول ذاته وينفي الآخر، وهذا لن يتم سوى بثقافة إبداعية تنقلنا للتفكير بطريقة جديدة وأساليب معرفية جديدة.

والأساليب المعرفية لكي أشرحها سأعطي لك مثالا بطفلين في مدرسة؛ الأول طفل متأمل والثاني طفل مندفع، الأول إذا طرحت عليه مسألة سيسمع ثم يفكر ثم يعطيك الإجابة، الثاني سيسمع ويجيب في اللحظة نفسها، وهذا هو المندفع، الذي يشبه شعوبنا العربية، لا نعطي وقتًا للتفكير قبل الحوار.

كانت مؤسسات وزارة الثقافة المصرية تضع دائما في اعتبارها الدور القومي لمصر، هل أنت حريص على استمرار هذا الدور؟
- كما شرحت لك، أنا ابن جيل آمن بالقومية العربية، ومن ثم اعتبر هذا الأمر من أولوياتي بالطبع، ولا أستطيع التخلي عن فكرة أننا أمة واحدة، تختلف نظمنا ولهجاتنا ولكننا أمة واحدة، وهذه قد تصبح فكرة مثالية، ولكنني مؤمن بأن مستقبل هذه المنطقة لا يمكن أن يكون إلا من خلال أشكال من الوحدة الثقافة والاقتصادية العربية، ربما لم تعد كلمة الوحدة ملائمة، ولكن ربما مزيد من الصلات العربية قد يفيد.

أعتقد أن المجلس الأعلي للثقافة والوزارة كلها يمكن أن يلعبا دورًا كبيرًا في استعادة مصر إلى العرب واستعادة العرب إلى مصر بشكل أكثر وأفضل، وأعتقد أن الفترة المقبلة ستشهد مزيدًا من الصلات.

هل تجديد دماء النخبة المصرية أولوية بالنسبة لك؟
- بالتأكيد، إذا استطعت، أنت تعلم أنني لا أملك الكثير من الوقت في هذا المنصب، ولكني أعمل بصرف النظر عن الوظائف وأنا لدي شغل ومشروعات وأفكار كثيرة.

لننقل نقلة إلى ما يحدث حولنا في المنطقة من ثورات عربية، وجزء كبير منها هو ثورة في الخيال، وجزء منها عمل إبداعي، كيف تتأمل هذا المشهد في عمق تأثيره على مدارس علم النفس؟
- واضح أن هناك لدى الحكام إجمالا عجزا عن إدراك المستقبل بشكل جيد، وهذا دليل على عجز ونقص في الخيال والإبداع، لأن جزءا من جوهر الإبداع والخيال هو التوقع للمستقبل، والحكام العرب الذين سقطوا والذين سيسقطون كانوا بلا شك يفتقدون للخيال السياسي، لأنهم لم يتوقعوا التغيير أو يستبقوه، المجتمع كان يمر بالمشكلات ولا يمكنني أنفصل عنه وإلا دخلت في حالة الموت، يجب أن يكون عندي مرونة وقدرة على تغيير وجهة النظر والأساليب والممارسات بأشكال جديدة ومفيدة تناسب الموقع المتغير في البلاد وخارج البلاد، وهذا لم يحدث، كان هناك تصلب فالمكان والزمان العربيان كانا في حالة ثبات بالنسبة لهم وهو أمر مناف للواقع، عندما يكون الشخص ذا وعي بالإبداع ولديه خيال سياسي كان يمكن أن يغير وأن يكون لديه هذا الوعي ويغير ولكن مع الأسف الشديد نحن نفتقد للإبداع بجوانبه المختلفة.

على مستوى الفعل الثوري نفسه، كان جزء منه خيالًا بدءًا من استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، كيف رأيت هذا؟
- هناك آليات جديدة ومفيدة واستخدام لها بأشكال مرنة، تعكس طلاقة وأصالة وحساسية للمشكلات، الطلاقة تعني أنه كانت هناك كثرة وتنوع في الأساليب التي تفرزها هذه الثورات للتكيف مع الواقع الجديد، وردود الفعل من السلطة، فكانت هناك طلاقة في الأساليب التعبيرية والأساليب الموجهة والتعامل مع هذا الظرف، يمكنك أن تجد شعارات وأغاني واتصالات وصحفا.

هناك أصالة في الفعل، فالفعل نفسه جديد، أن تظهر الثورات بهذا الشكل الجماعي الهائل، الثورات لم تكن هكذا، كانت تظهر الثورات من فوق ولكن هذه ثورات من أسفل وبلا قائد وبلا مفكر، فلا يوجد زعيم سياسي أو منظر للثورة.

هل هذه ميزة أم عيب؟
- هذه ميزة لأن هذه ظاهرة جماعية تتفق مع فكرة «عصر الجماهير»، تلك الجماهير التي تنادي بمطالبها انطلاقًا من احساس جماعي وليس فرديا، وهذا جيد لأن الانطلاق من إحساس فردي يوصلنا في النهاية للديكتاتورية، ولكن هنا الجماهير التي تحتشد يذوب فيها الفرد وتتعدد المراكز، في مصر وتونس لم يكن مركز الثورة في مدينة واحدة، وسقطت هنا فكرة المركز الواحد، لم يعد هناك الواحد الذي تتجه إليه الجماهير ويوجهها شمالًا ويمينًا، القيادات الكاريزمية انتهت، ومعظم تلك القيادات الكاريزمية انتهت نهايات مأساوية بشعوبها، هتلر وعبدالناصر وموسوليني إلى آخره، هنا القيادة جماعية ولا رأس واحدة. القيادات التي تظهر الآن ليست قيادات ولكنها أشخاص قفزت على الثورة كشياطين.

لأعود إلى نقطتي، فهناك مرونة وحساسية للمشكلات حيث تم تكوين شعور بأن هذا الحال لا يمكن أن يستمر والحل يكون بالثورة، وأنا أعتبر ذلك في حد ذاته إبداعا جماعيا جديدا ومفيدا نأمل في أن ينقل المجتمع نقلة حضارية وثقافية جديدة.

على صعيد خبرة عالم النفس، هل أنت متفائل أم متشائم؟
- أنا متفائل جدًا، نحن نعيش الآن في فترة الغرابة لأن البيت (الوطن) الذي كان ينبغي أن يكون مألوفًا لم يعد مألوفًا، ليس هذا هو الوطن الذي حلم به من قاموا بالثورة أو من لم يقوموا بها، ليس هذا هو البيت، هو بيت غريب لأن هناك ظواهر كثيرة ترتبط بالماضي، الماضي يعود ويحاول أن يهيمن، أشباح الماضي لا تعني فقط النظام السابق ولكن الأصولية أيضًا، وأنا أقول هذا دائمًا ولا يهمني، هناك خلل واضطراب، «ثمة شيء سيئ في مملكة الدنمارك» كما كان يقول هاملت، هناك عفن أيضًا الآن، لأن الماضي يحاول أن يسيطر على الحاضر ويستبعد الآخرين، وأن يصبح صاحب الدور.

الأشياء التي كان ينبغي أن تكون مألوفة بعد الثورة أصبحت غير مألوفة وغير مبهجة وتثير الخوف الذي هو عنصر أساسي في الغرابة، كما شرحت في كتابي الأخيرين والبيت يجب أن يعود مألوفا مرة أخرى، وهذا لن يتم إلا بالإبداع والديمقراطية.

كيف تبني تفاؤلك في سياق له علاقة بالغرابة؟
- الغرابة عندما تزيد تؤدي إلي الإبداع الذي يخرج الناس أفرادًا وجماعات من الإحساس بالغرابة، المجتمع ينتج آليات للتفكير ويفرض مبدعين ومفكرين جددا يقومون بأخذ المجتمع بعيدًا عن هذه الغرابة التي ستسود لفترة أثق في أنها ستكون قصيرة اتفاقًا مع روح العصر، خاصة أن الماضي الذي يريد أن يهمين لا توجد لديه آليات الحاضر.

على صعيد عملك كمترجم، كيف توازن بين عملك كمفكر وباحث وطبيعة شغلك كمترجم؟
- لا، أنا أفضل التأليف أكثر من الترجمة، الترجمة عملية قاسية للغاية، لذا أحب أن أكتب من ذاتي، وأقدم أفكارا جديدة.

المحرر مجلة العربي يوليو 2012

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016