مختارات من:

الوسيلة تبرر الغاية: قراءة جديدة لماكيافيللي

جلال أمين

يوصف ماكيافيللي بأنه أول رجل عصري. لقد وضع الأساس الأول في كتابه "الأمير" لكيفية تحقيق الغاية دون النظر إلى الوسيلة. ولكن كاتب المقال يلقي نظرة جديدة على مفاهيم ماكيافللي ويعاود قراءتها.

أريد في هذا المقال أن أثير التساؤل عما إذا كان التفسير الشائع لكتاب "الأمير" لماكيافيللي بأنه رفع لواء الدعوة إلى أن الغاية تبرر الوسيلة، حتى ارتبط هذا الشعار ارتباطا وثيقا باسم ماكيافيللي، هو حقا التفسير الصحيح للرسالة التي حملها هذا الكتاب للأجيال اللاحقة. إنني على العكس أميل إلى الاعتقاد لدى إعادة قراءة كتاب "الأمير". بأن هذا المبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) لا هو بالمبدأ الجديد الذي كان مجهولا أو غير مطبق قبل ماكيافيللي، ولا هو (وهذا هو الأهم) بمضمون الرسالة الأساسية التي رفع ماكيافيللي لواءها. أما أن هذا المبدأ لم يكن جديدا فيكاد يكون بديهيا إذ إن التاريخ - قبل وبعد ماكيافيللي - مليء بالأبطال، وبالمجرمين أيضا، الذين تغاضوا عن قبح الوسيلة في سبيل غاية اعتبروها نبيلة أو مشروعة أو مفيدة للإنسانية أو لأمتهم أو لأشخاصهم، من حروب الإسكندر الأكبر، إلى الحروب الصليبية، إلى حروب نابليون، إلى حروب هتلر... إلخ.

الأهم من ذلك أن المضمون الأساسي والحقيقي لكتاب "الأمير" لا يبدو لي بالضبط أنه القول بأن (الغاية تبرر الوسيلة) بل القول بأن "طبيعة الغاية لا تهم في الحقيقة" الكتاب يريد أن يقول - فيما يبدو لي - إنه بصرف النظر عن الغاية التي نريد تحقيقها، فالمهم هو النجاح في تحقيقها، أي أن نتخذ من الوسائل ما هو كفيل بتحقيق هذه الغاية. وبعبارة أخرى، الكتاب يقول إنني لن أناقش الغاية، نبيلة هي أم غير نبيلة. بل سآخذها كمعطاة من المعطيات التي لا تقبل المناقشة، وسوف أقصر حديثي عن فاعلية وكفاءة الوسائل التي قد تتخذ لتحقيقها. إن هذا هو جوهر الكتاب في نظري وهو الخيط الممتد فيه بأكمله من البداية إلى النهاية. إن الكتاب يقول حقا إن كل هذه الأعمال التي قد تكون منفرة وقاسية يبررها أنها لازمة لتحقيق قوة الدولة واستقرارها وانتصارها على أعدائها، ولكن الكتاب لا يفرد فصلا ولا حتى جزءا من فصل لكي يشرح لنا مزايا قوة الدولة واستقرارها. إنه يعتبر هذا هدفا بديهيا، بل ويقول صراحة ما معناه "دعنا نعتبر هذا الغرض بديهيا ولا نناقش جدواه"، وينفق الكتاب كله في بيان ما إذا كانت هذه الوسيلة أو تلك ناجحة في الوصول إلى هذا الغرض. إن روح الكتاب كله تعكس إهمالا ولا مبالاة بطبيعة الهدف، وتمجد وتركز على النجاح في تحقيق الهدف.

تقدس الكفاءة وإهمال الهدف

الكتاب إذن مشغول بقضية الكفاءة، وليس بنبل الدافع. المهم أن تكون كفؤا ولا يهم كثيرا طبيعة الشيء الذي تؤديه بكفاءة، أو طبيعة الهدف الذي تريد الوصول إليه. ليس هذا هو مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، بل هو أقرب إلى أن يكون مبدأ "الوسيلة تبرر الغاية"، أي أنك إذا كنت على درجة عالية من الكفاءة في عمل معين أو في السعي إلى هدف ما، فلا تهم كثيرا طبيعة هذا العمل أو كنه ذلك الهدف.

ولكن أليس هذا هو بالضبط إحدى السمات المتميزة للحضارة الغربية الحديثة؟ تقديس الكفاءة مع إهمال الهدف النهائي منها، تمجيد السرعة بصرف النظر عن طبيعة العمل الذي تؤديه بسرعة، مضاعفة سرعة وسائل المواصلات بغض النظر عن جدوى الرحلة أصلا، وما إذا كان المكان المقصود جديرا أو غير جدير بالوصول إليه، مضاعفة كفاءة وسائل الاتصال ونقل المعلومات أيا كانت قيمة المعلومات أو محتوى الرسالة التي يجري توصيلها.

إن هذا التمجيد للوسيلة على حساب الغاية يذكر بما قاله أحد ناقدي الحضارة الغربية المحدثين عندما أشار إلى أن الإنسان العصري يسيطر عليه الوهم بأن كل ما أصبح ممكنا هو بالضرورة مرغوب فيه، فإذا كان عبور الأطلنطي في ساعتين بدلا من أربع ساعات قد أصبح ممكنا تكنولوجيا فلا بد أنه جدير بالتحقيق!

فكرة الكفاءة

لقد كان دائما يعتريني شيء من عدم الارتياح إزاء فكرة الكفاءة، وانبهار العصر الحديث بها، والمبالغة في التأكيد عليها. ولكني كنت دائما أصدم بالفكرة الآتية: أي عيب تجد في فكرة الكفاءة؟ أليس مقياس الكفاءة هو النسبة بين الناتج والتكاليف، أو بين المخرجات والمدخلات، أو بين الغايات والوسائل، وكلها تعبيرات مختلفة عن الفكرة نفسها؟ فما هو العيب في ذلك؟ أي ما العيب في أن نحاول تعظيم (أي الوصول إلى الحد الأقصى من) قيمة الكسر الآتي الناتج/ التكاليف، أي أن نحاول زيادة الناتج إلى أقصى حد مع بقاء التكاليف على ما هي عليه أو تخفيض التكاليف إلى أدنى حد مع بقاء الناتج على ما هو عليه؟ ما العيب في ذلك إذا كان الناتج مرغوبا فيه، أي إذا كانت الغاية مشروعة وشريفة ومحمودة أخلاقيا؟

ولكنني الآن وبعد أن قرأت ماكيافيللي مرة أخرى، أدركت سر نفوري من فكرة الكفاءة هذه التي تسيطر لا على علم الاقتصاد وحده بل على عصرنا بأكمله (ولعل هذا هو بالضبط سر المكانة العالية التي مازال يحتلها علم الاقتصاد من بين العلوم الاجتماعية). إن فكرة الكفاءة هذه التي تبدو بريئة ومحايدة يظهر خطرها كلما أخذت الغاية كمعطاة من المعطيات أو سلم بها كبدهية دون مناقشة، ووجه الاهتمام كله إلى كيفية تخفيض التكاليف أو تعظيم النسبة بين الناتج والتكاليف.

طبيعة الغاية

إن هذا هو في رأي ما يفعله ماكيافيللي في كتاب الأمير، وهو بالضبط ما يفعله علم الاقتصاد، وهو أيضا فيما يبدو لي إحدى السمات الأساسية للحضارة الغربية الحديثة. فماكيافللي كما سبق أن أشرت لا يناقش الغايات بل يكاد يقول إن طبيعة الغايات ومدى نبلها أو حقارتها لا تهمه وإنما يهمه فقط مدى النجاح في تحقيقها. وأول ما يقوله أستاذ الاقتصاد لطلبته، وهو يعرفهم بعلم الاقتصاد، إن الاقتصادي لا يتدخل بتقييم الغايات (أو الحاجات)، وإنما مهمته هي تحقيق أكبر كفاءة ممكنة في توزيع الموارد (أي الوسائل) المحدودة بين الحاجات (أي الغايات) غير المحدودة. يكفي أن يكون الهدف مطلوبا من بعض الناس وأن يكونوا مستعدين لدفع ثمن له ولا يهم بعد ذلك ما إذا كان جديرا أو غير جدير بالسعي من أجله. ومن الافتراضات المحببة في نظرية الاستهلاك أن المستهلك يفضل الأكثر على الأقل، بل إن النظرية كلها تسقط ولا تصبح ممكنة إذا لم نفترض أن المستهلك يريد دائما المزيد، بصرف النظر عن هذا الذي يريد مزيدا منه: مسرحيات لشكسبير أم أفلام بوليسية.

أليست هذه الفكرة أيضا، فكرة الكفاءة والوصول بالنسبة بين الغايات والوسائل إلى حجمها الأقصى، وبغض النظر عن طبيعة الغايات، هي الفكرة الأساسية وراء مبدأ المنفعة Utilitarianism الذي وضعه جيرمي بنثام وسار على دربه فيه جون ستيوارت ميل (J.S.Mill)؟ أو ليست إحدى السمات الأساسية لفكرة المنفعة (وهي هنا تقوم مقام الهدف أو الغاية أو الناتج)، إنها فكرة بالغة التجريد يمكن أن تظهر في ألف صورة وتتخذ ألف شكل؟ المهم تعظيم المنفعة ولتكن هذه المنفعة ما تكون: سعادة أو لذة حسية أو رضا عن النفس أو منتجات استهلاكية أو أفلاما إباحية أو حتى مسدسات لقتل الناس. أو ليست فكرة الكفاءة هذه القائمة على اتخاذ الهدف كمعطى من المعطيات، أيضا وراء فلسفة البراجماتية (Pragmatism) ووراء هذا التحليل الشهير باسم تحليل التكاليف والمنافع (Cost - Benefit Analysis) الذي يمكن أن يعتبر ما يحظى به من انتشار واحترام في العصر الحديث سمة من سمات هذا العصر؟ أو ليس المفهوم نفسه لفكرة الكفاءة أيضا وراء شيوع الافتتان بهدف النمو والتنمية مع إهمال طبيعة هذه الأشياء التي تجري تنميتها؟

سمة العصر الحديث

على أن بعض التفكير في الأمر يقودنا إلى اكتشاف أنه ليس هناك في كل هذا شيء غريب بالمرة. أليس هذا العصر الحديث الذي نتكلم عنه والذي اعتبر ماكيافيللي أول تجسيد له (أو من أوائل المجسدين له) له سمة أساسية تكاد تغلب على كل سماته الأخرى وهي التقدم التكنولوجي السريع؟ أليست التكنولوجيا إحدى الكلمات القليلة التي يمكن استخدامها للدلالة على هذا العصر ووصفه وتشخيصه؟ وما هي التكنولوجيا في نهاية الأمر؟ أليست هي فن تحقيق الهدف أو فن معرفة الطريق (Know - how) أو فن تطوير الوسائل، بصرف النظر عن طبيعة الهدف المقصود، وبصرف النظر عن طبيعة المكان الذي يؤدي إليه الطريق؟ هل من الغريب إذن أن تسود هذه النظر إلى الغاية والوسيلة، ويسود التركيز على الوسائل على حساب الغايات، في عصر مفتون إلى حد الخبل بالتقدم التكنولوجي؟ لقد وصف ماكيافيللي عن جدارة بأنه أول رجل عصري، ولكني لا أكتمك القول أيها القارئ العزيز، بأني في أشد الشوق إلى أن أرى آخر الرجال العصريين! إننا نعرف الآن كيف بدأ هذا "العصر الحديث" فياليتنا نشاهد قريبا نهايته!

جلال أمين مجلة العربي اكتوبر 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016