مختارات من:

حكاية اسمها المتر

عبدالقادر حمدو

لا شك أن المتر، وأجزاءه، هو وحدة القياس الطولية الأكثر استعمالا في العالم، ولكن قبل المتر، كيف قاس البشر الأطوال؟ وكيف أصبح المتر وحدة للقياس؟ ماذا يمثل، ولماذا اختير هذا الطول ليصبح مترا؟

تعرف الكمية بأنها كل ما هو قابل للزيادة أو للنقصان مثل: الطول، الوزن، القوة.. أما الكميات من نفس النوع، (أو من نفس الطبيعة) فهي ما يمكن مقارنته ببعض ومثل ذلك: طولان، حجمان، قوتان.

وهكذا فإننا نقيس كمية ما، بمقارنتها بكمية أخرى من نفس النوع، تؤخذ كمرجع وتسمى وحدة قياس، أما عملية القياس: فهي عملية أساسية لتقدم المعارف العلمية، التي تجعل وضع القوانين ممكنا، وهي أيضا عملية مهمة لحياة الإنسان اليومية. فمنذ قديم الزمان احتاج الإنسان إلى أن يقيس فحدد أطوال أرضه، ليعرف مساحتها، أو قاس وزنا أو حجما.

الذراع والقدم والإصبع

إن أجدادنا لم يبحثوا طويلا عن وحدة القياس فهم قد استعملوا ما أعطاهم الخالق، فمثلا للطول: استخدم المصريون الذراع (0.525 متر) وأجزاءه القدم والكف والإصبع، أما الكلدانيون والأشوريون فاستخدموا الشبر (0.270. متر) وأجزاءه الكف والإصبع، وأوجدوا الفرسخ (5820 مترا) كما ورد في الإنجيل ذكر الذراع المقدس (0.63566 متر).

أما حديثا: فإن علم القياس (الميترولوجيا) يضع - باستمرار- بين أيدي المختصين أجهزة أدق من سابقاتها، لمواكبة ركب التقدم العلمي، وهو يعتمد قبل كل شيء على اختيار مناسب لوحدة القياس التي يراد منها أن تكون أساسية وعالمية (ولنقل كونية).

علم القياس يحرص ويتحقق من عدم فقدان الكثير من الدقة في تجسيد هذه الوحدة على شكل وحدة قياس معيارية يرجع إليها العالم كله.

لذلك يشترط أن تكون وحدة القياس التي يحتاجها الإنسان - عالما كان أم لا - سهلة الاستخدام، مضاعفاتها أو أجزاؤها بسيطة الاستنتاج والحساب ومجسدة، فوق كل ذلك، بدقة.

كانت وحدات القياس - المستخدمة سابقا - تحتوي على العديد من السلبيات: اختلاف اسم الوحدة بين إقليم وآخر، نقص في الدقة في بعض الوحدات، غياب العلاقات البسيطة بين مختلف الوحدات، وبين هذه الوحدات وأجزائها، ناهيك عن التعقيدات المتعلقة بها.

الثورة الفرنسية والمقاييس

في أيام الثورة الفرنسية قامت أكاديمية العلوم في فرنسا عام (1790) بالبحث عن نظام بسيط موحد للمقاييس ليضع حدا لكل هذه الصعوبات، فعينت الأكاديمية لجنتين من العلماء للدراسة والتنفيذ.

قررت هاتان اللجنتان أن نظام القياس سيكون عشريا وأن الوحدة البدئية سيبحث عنها وتنتقى من الطبيعة كي يمكن إعادة صنعها واستخدامها، إن زالت لسبب ما. وتقرر أن تكون هذه الوحدة "وحدة طول" وأن طولها يجب أن يكون مساويا لعشر مليون ربع طول خط الطول - وهو الخط الواصل بين قطبي الكرة الأرضية - أي أنها تساوي (1/ 40000000) وسميت هذه الوحدة بالميتر لتحل محل "التواز" (الوحدة التي كانت مستخدمة من قبل).

بعد ذلك قام العالمان دولامبر وميشان بقياس القوس من خط الطول الواصل بين. مدينتي دنكرك بفرنسا وبرشلونة بإسبانيا بواسطة ما يسمى ب"التثليث" وهي مجموعة من العمليات تقوم على قياس مجموعة من المثلثات ثم تبدأ بحلها الواحدة تلو الأخرى، وهي عمليات تعتمد على علم دراسة شكل ومقياس الأرض وتمثيلها في المستوى وهو العلم المسمى ب "الجيوديزية".

وبمقارنة النتائج التي توصلا إليها بالنتائج التي حصل عليها في البيرو، وفي السويد وجد أن ربع طول خط الطول (هذا) والمار في مدينة باريس يساوي 5130740 "تواز" أي أن طول الميتر أصبح معروفا ويساوي (0.5130740 تواز).

متر من البلاتين

تأسس النظام المتري عام 1795 وأعطيت بذلك القيمة القانونية للنموذج المعياري المصنوع من البلاتين الخالص ومن ثم أودع خزائن الأرشيف الوطني في باريس، يعطي هذا النموذج طول المتر من البلاتين عند درجة الحرارة صفر مئوية. وهو النموذج الذي يستخدمه ويرجع إليه صانعو آلات القياس والمختصون لتدقيق الآلات والأجهزة التي نستخدمها.

وعندما اجتمع المؤتمر الأول للأوزان والقياسات بمشاركة عشرين دولة في باريس عام 1875 اعتمد النظام المتري كنظام عالمي (احتفظت بعض الدول كبريطانيا بأنظمة قياس خاصة بها)، وصنع النموذج العالمي للمتر من خليطة من البلاتين والأيريديوم وأودع خزائن المكتب العالمي للأوزان والمقاييس في فرنسا.

لكن لم تعد دقة هذا النموذج كافية بعدما حدث من تقدم علمي، فبينما كان - في نهاية القرن الثامن عشر - الجزء من فئة من الميلليمتر صعب المنال، أصبحنا في بداية القرن العشرين نميز الجزء من فئة من الميكرون.

متر عصر الذرة

استطاع هذا النموذج أن يفي بأغراض علم القياس بخطأ يقدر ببضعة أعشار الميكرون، حتى عام 1960. حيث إنه مع التقدم العلمي المطرد والحاجة إلى دقة تفوق الحدود التي يقدمها النموذج الميكانيكي للمتر، ومن أجل تعريف كوني له، قرر المؤتمر الحادى عشر للأوزان والقياسات إعطاء المتر تعريفا يعتمد على الخصائص الذرية للعناصر فجاء التعريف على النحو التالي: طول المتر يساوي 73.1650763 مرة طول موجة الإشعاع المنطلقة من نواة ذرة نظير الكريبتون 86 للانتقال بين المستويين . 2p10 & 5d5

إن هذا التقدم الذي طرأ على تعريف المتر ضروري، ولم يكن هناك بد منه إذ لولاه لما رأينا الكثير من الاختراعات والاكتشافات التي قام بها العلماء في الفيزياء، أو الفلك أو حتى في علم الأحياء.

عبدالقادر حمدو مجلة العربي اكتوبر 1992

تقييم المقال: 1 ... 10
سجل معنا الآن، واحصل على مقال جديد من اختيار محرري الموقع على بريدك الإلكتروني يومياً.

info@3rbi.info 2016