مختارات من:

مملكة النمل.. سيرة غير ذاتية.. وغير مكتملة

جمال أبو حمدان

في بلد لا يكف عن التفجع والنحيب; وجد الأطفال دموعاً متحجرة, وحبات قلب مبعثرة معفّرة, فجمعوها, ولعبوا بها فرحين. الأطفال الأشقياء المشاكسون ما عادوا جديرين إلاّ بالمنافي.

ما كنت طفلاً شقياً, ولا مشاكساً, فما جمعت دموعاً ولا حبات قلب, ولا لعبت بها فرحاً. بل كنت في طفولتي المبكرة, مغموراً بسكينة رضية, سببت لي عزلة عن الآخرين, وتوحداً مع نفسي.

لكن في ساعة النفي, وجدتني بين الأطفال الآخرين, وإن لم يكن ذنبي كذنبهم.

فبعد طفولتي المبكّرة, وفيما كنت أدرج نحو طفولتي الوسطى, وهي عتبة طفولتي المتأخرة (إذ عشت كل حياتي, وحتى الممات طفلاً) قرأت كتاباً عن مملكة النمل, جلبه لي أبي بتوصية من أمي.

ولم يعجبني الكتاب. فما عرفت ماذا أفعل به, إذ تحيرني الأشياء التي لا أريدها, أما الأشياء التي أريدها فلا أحتار في أمرها.

وظلّ الكتاب عندي طوال الصيف والخريف, إلى أن رأيت أمي في أمسية شتاء, توقد المدفأة, فأسرعت إلى الكتاب ورميته في النار. وكنت أظن أنني أقدّم خدمة لأمي بمساعدتها في تأجيج اللهيب, إلاّ أنها زعقت بي زعقة حادة, جاء على أثرها أبي راكضاً من الغرفة الأخرى, وسأل ما الأمر, فأخبرته أمي بما فعلت, فقال: (لم تجد غير كتاب مملكة النمل لتحرقه, وهو خير الكتب في كل زمان وكل مكان. أنت لا تستحق الكتب التي نحضرها لك).

وذهب إلى غرفتي, فجمع كل كتبي. حملها ورماها في النار, فالتهبت بألسنة مدّتها في وجه الشتاء, ففرحت بها لأنني لم أكن أحب الشتاء.

وراقب أبي وأمي احتراق الكتب حتى صارت رماداً, فالتفتا إليّ وقالا: ( أنت لا تُفيد فيك الكتب, وإذا كنت ستتعلّم, فمن الحياة نفسها).

وساعدهما على هذا النهج الذي وجداه ملائماً لتعليمي وتربيتي, أن مات في اليوم التالي صديق لأبي, فقال لأمي: ( ألبسيه ثياباً لائقة قاتمة, فسآخذه معي إلى بيت العزاء).

وسحبني من يدي إلى بيت الميت.

فدخلنا ووجدنا رجالاً كُثراً. جلسنا صامتين, أمام ملامحهم الكابية وغير الواضحة, بسبب إطراقتهم وبسبب الضوء الشحيح في المكان.

ولأنني لم أكن أعرف من هو الميت منهم, والذي جرني أبي إلى بيته لأتعّلم فيه عن الحياة, فقد أخذت أتفرّس في وجوه الجالسين, محاولاً أن أكتشف الميت بينهم. حتى أعيتني المحاولة, وفشلت, فملت على أذن أبي, وسألته: ( أبي, من هو الميت من بين هؤلاء?).

كشّر أبي ونهرني: ( تأدب يا ولد في حضرة الموت).

فتأدبت وصمت, لكني لم أكف عن محاولة معرفة الميت بنفسي.

إلى أن شغلني عن محاولتي أحد الجالسين, حين تنحنح وتحشرج صوته بخشوع وقال: ( الدايم هو الله. هذه الدنيا ممر عابر إلى مقر دائم. وما علينا إلاّ أن نحسن مرورنا فيها. ولو تعلمنا من مخلوقات الله وأخذنا العبرة, لوجدنا فيها سعادة الدنيا ونعيم الآخرة. وأصغر مخلوقات الله النمل. لو تعلّمنا من النمل لكفانا ذلك, فانظروا كيف يعيش النمل في مملكته وينظمها بنشاط ودأب).

هنا انفلتّ من جانب أبي, ووقفت وسط المكان, وصحت: (لن أتعلّم من النمل. النمل كله سيئات, ولا حسنات فيه.

نشاطه لا معنى له. وأنا لا أحب النمل. يظل طوال الصيف يحمل حبوباً أكبر منه,يكدّسها في وكره, ليأكلها طوال الشتاء. ما هذه الحياة المملّة! أنا أفضّل عليه الصرصار الذي يغني طوال الصيف ويجوع طوال الشتاء).

في البداية انشرح الموجودون, لطفل صغير له هذه الجرأة ليجادلهم, إلى أن قلت: ( لماذا تتعلمون من النمل, فأنتم مثله. ميزة النمل الوحيدة أنه يتكاثر بأعداد كبيرة, لتموت منه أعداد كبيرة).

هنا وجم الجميع (إذ انتقلت, كما فسّر لي أبي فيما بعد, من جرأتي المحببة إلى وقاحة منفرة), وقفز أبي من مكانه, وجرّني من يدي, وهو يقول: ( فضحتنا يا ولد, عظّم الله أجركم).

وجرّني إلى خارج بيت العزاء, دون أن أتعرّف على الميت.

وفي بيتنا أنبأني أبي, وأيّدته أمي ; بأنني لا أصلح حتى للتعلّم من الحياة, ولهذا لن يأخذني بعد الآن إلى أي بيت عزاء.

فظلت فكرتي, عن الموت مبهمة, بعد أن حُرمت من الكتب, إثر حرقي لكتاب مملكة النمل, وحرمت من دروس الحياة, إذ فضحت أبي في حضرة الموت.

وذات يوم, بينما كنت أستمتع بحرماني من الكتب, وحرماني من زيارة بيوت العزاء, فكّرت في نفسي, وقلت; لا يمكن أن أظل على هذه الحال.

وقبل أن أهتدي إلى طريقة أغيّرها فيه, وبينما كانا يظنان أنني نائم, سمعتهما يتهامسان:

(الحق عليكَ أنت. تأخذه في أول درس عن الحياة إلى ميت في بيت عزاء. حرام. الموت نهاية وليس بداية, فلماذا تبدأ له به)?!

أجاب أبي: ( ماذا أفعل, إن كان أصدقائي هم الذين يموتون, أما صديقاتك فهن اللواتي يلدن, فخذيه إذن ليشهد بداية الحياة).

وما إن أطل الصبح, حتى كانت أمي تلبسني ثياباً زاهية, وتمشّط لي شعري, وتقول برقة: ( تعال معي يا حبيبي. صديقتي ستنجب مولوداً جميلاً., تعال لأبارك لها, وتتفرّج أنت على المولود).

وذهبت معها سعيداً. فلا بدّ أن يكون مشهد طفل حديث الولادة جميلاً, ومبهجاً للنفس.

دخلنا وجلسنا ننتظر مع النساء, حول امرأة تصرخ بألم شديد, تحيط النساء بها ويحدّقن بذعر, إلى أن ولد المولود. وما إن شاهدته مقلوباً متدلي الرأس, حتى راح يزعق زعيقاً حاداً, وكأنه طائر صغير انقض عليه طائر كاسر من كبد السماء.

بينما كانت كل النساء حوله فرحات.

وحين سألت أمي: ( لماذا يزعق هذا المولود)!

همست لي: ( إنه بذلك يعلن عن ولادته ومجيئه إلى الحياة), قلت: (بالبكاء!?). ونفرت من الطفل.

فأجابت: ( يبكي لأنه خرج من الرحم الذي كان يعيش فيها مرتاحاً إلى دنيا أخافته). فنفرت من الأم التي أخرجته.

وحين أكملت أمي: ( أنت فعلت مثله حين ولدت). نفرت من نفسي. ورحت أتلهى بالتحديق في وجوه النسوة, ولم أعد أنظر إلى الطفل.

وحين أرضعت الأم الطفل ونام, راحت النسوة يتحدّثن, فأنصتُ إليهن دون أن أنطق بكلمة إلى أن قالت إحداهن: ( آه من هذه الحياة الشقية, نقضيها كلها بالعمل والشقاء, ثم يأتي عناء الحمل, وألم الولادة).

فضحكت واحدة, وقالت: ( لو كنا نعيش في مملكة النمل, لكانت حياتنا أريح).

هنا هببت, وقفزت من حضن أمي, ووقفت وسط الغرفة, وصرخت فيهن: ( لماذا تتمنين أن تكن مثل النمل? أنتن مثله ; تعملن, ثم يأتي الذكر يلقحكن, ويذهب عنكن. النمل غبي, ميزة النمل الوحيدة, أنه يبيض بيضاً).

جحظت العيون إليّ. أما أمي فهبت, وجرّتني من يدي وهي تقول: ( فضحتني يا ولد. مبروك, جعله الله من أبناء السلامة ), وخرجت بي.

وفي البيت تداولت أمي مع أبي في شأني, فقال أبي: ( لا أدري ما أفعل به. يبدو أنه لن يفيد من معرفة الحياة, لا في الولادة ولا في الموت).

هنا تدخلتُ في حديثهما عني, وقلت: (لا تكلفا خاطركما بالتفكير في حالي. أنا أعرف كيف أتدبّر أمري).

وركضت خارجاً من الدار, إلى أن وصلت إلى ساحة البلدة;

وكان كبار البلدة, حشدوا في الساحة, الأطفال الذين جمعوا الدموع المتحجرة, وحبات القلب المبعثرة ولعبوا بها.

وكانت أيدي الأطفال وأرجلهم ربطت إلى بعضها بخيوط رقيقة لامعة, ليصيروا كتلة واحدة, فوقفت بينهم, وجاء أحد الكبار ربط يدي ورجلي إلى أقرب طفل مني ووقفنا ننتظر, إلى أن قال قائل من الكبار: ( فإلى أين ننفيهم ?)! فأجابه قائل أكبر منه: (إلى مملكة النمل, لعلهم يتعلّمون شيئاً عن الحياة الحقيقية).

هنا أصابني الذعر, وحاولت أن أفك الخيط الذي يربطني إلى الآخرين, وأتخلّص منه وأعود إلى البيت.

إلاّ أن محاولتي فشلت, فهدأتُ, وتمنيتُ لو أنني لم أحرق كتاب مملكة النمل; لكنت الآن طفلاً سعيداً بين أبيه وأمه.

وأخرجني من هذه الأفكار, تحرك رهط الأطفال, فتحركت معهم.

مشينا نهاراً وليلة ونصف نهار آخر, على طريق نعرفها, إلى أن وصلنا في منتصف النهار التالي إلى مملكة النمل, هكذا أخبرنا الكبير الذي يقودنا, ووافقه الكبير الآخر الذي يحرسنا.

ولم أدهش حين وجدت أن كل النمل الذين رأيتهم في أطراف مملكة النمل, قبل وصولنا إلى مستقرنا فيها, كانوا يشبهوننا شبهاً كبيراً; برءوس فوق أكتافهم, وأيدٍ متدلية على جذوعهم وأرجل تسبق إحداها الأخرى فتلحقها هذه وتسبقها, هكذا دون توقف. إلاّ أنهم كانوا أكثر تأنقاً من أهل بلدنا, وكانت وجوههم طافحة بالبِشر والمسرة, وليست كوجوه أهل بلدنا الكابية الممعوسة بالشقاء.

ولم يلتفتوا إلينا, في مرورنا الجماعي بينهم.

وكانت مملكتهم, أجمل بلاد رأيتها في حياتي, مع أنني لم أر قبلها غير بلدتنا, لكن الفرق بينهما مذهل.

وفكّرت لوهلة ; كيف يكون النمل مثلنا, وفكرتي عنهم أنها حشرات سوداء أو شقراء أو بيضاء تدب على الأرض, وتلفي إلى أوكار حاملة حبوباً أكبر منها.

ففكرت ; ربما, لشدة ما تمنينا أن نصير مثلهم, صرنا. وربما لشدة ما تمنوا أن يصيروا مثلنا, صاروا. فاحترت من الذين صاروا مثل الآخرين ?!. وتمنيت لو أنني لم أحرق كتاب مملكة النمل, قبل أن تتكشف لي كل أسراره.

بتنا ليلتنا الأولى في مهجع أعدوه لنا.

وفي اليوم التالي وزعونا على مطارح كثيرة, وأودعونا لدى عائلات من النمل, لنتعلّم منها الحياة الحقيقية.

ولأنني طفل مختلف, فقد أودعوني مكاناً مختلفاً.

إذ لم تكن أسباب نفيي كغيري, فأنا لم ألعب بدموع وحبات قلب.

كما كان عليّ أن أخفي عن النمل, أنني أحرقت كتاب مملكتهم.

لكن في ليلة ما, وفيما كنت أهذي, أمام طفلة العائلة التي أودعت لديها, اعترفتُ بإحراق ذلك الكتاب. ولإحساسي بالندم على زلة لساني, كدت أبكي, لولا أن وجدتها تضحك, وتقول: (حسناً فعلت. فهذا كتاب عتيق, لا يمثلنا, ولا يليق بنا).

فارتحت.

ثم أخذتني من يدي, وقالت تعال نتفرج على مملكة النمل.

فعرفت أن المملكة كلها مدينة واحدة.

وأن المدينة كلها حي واحد.

وإن الحي كله بيت واحد.

وأن البيت كله غرفة واحدة, لكنها مكتظة بالنمل.

وأن عليّ أن أعيش بقية حياتي في تلك الغرفة.

وأن يمر عليّ زمن طويل قبل أن أجرؤ على القول هذه الغرفة بدل تلك الغرفة.

وليس للغرفة التي تتكون منها مملكة النمل, أبواب, فلا يدخل إليها أحد,ولا يخرج منها أحد.

وليس لها نوافذ, فلا يطل منها أحد من الداخل, ولا يطل عليها أحد من الخارج, فلا داخل إليها ولا خارج منها.

وسقفها شاهق العلو, بالنسبة لقامات النمل, والنمل لا يرفع نظره عن مستوى النظر, فيُظن أن لا سقف لها.

وارضها منبسطة واسعة, لكنها بلا تعرجات, وليس فيها ارتفاع ولا انخفاض, ولا سهل ولا وعر, وليس لها حدود بيّنة, فيُعتقد أن لا أرض لها.

ولم يبق منها ماثلاً, وحقيقي الوجود, إلاّ جدرانها الصلبة الشاهقة, لكنها متباعدة عن بعضها بعداً لا يدرك بالرؤية, ولا بالرؤيا, فصار يُعتقد أنها بلا جدران.

ويوماً شغلني أمر هذه المملكة الغريبة, فسألت صديقتي النملة, عن حدودها.

ابتسمت بعذوبة وقالت: ( لماذا يشغلك الأمر, وتفكّر بالحدود البعيدة, ولا تفكّر بما في داخلنا, نحن قسّمنا المملكة إلى ممالك صغيرة, وحدود كل مملكة منها, هي جلد صاحبها).

صرختُ بحدّة: ( هذا غير صحيح, النمل يتبع بعضه بعضاً, كأنه محشور في جلد واحد).

وندمت لصرختي, وكانت نفسي قد تطوعت على الندم بعد كل فعل.

أما هي فلم تقل شيئاً. صمتت بانكسار, وأمسكت مجلة للأطفال, وراحت تقرأ منها بصوت مسموع: كلما صغر الكائن الحي, ازداد خفقان قلبه, فقلب الذبابة يخفق ألف مرة في الدقيقة الواحدة, وقلب أكبر حوت لا يخفق إلاّ خمس مرات في الدقيقة, وأن لدودة الأرض عشرة قلوب.

هنا قاطعتها, وصحت: ( ربما أن قلب الديناصور لكبره وضخامته, لا يخفق أبداً. أو أنه خفق مرة واحدة خلال حياته, ولهذا انقرض).

وبعد صرختي, صمتُّ, إذ تركت المجلة, وراحت تحدّق في عيني, ففكرت ; كم مرة يا ترى يخفق قلب النملة وهي أصغر من الذبابة, وأشفقت على النمل من شدة وكثرة خفقان القلب.

في اليوم التالي, (وهذا تعبير حملته من بلدتنا, إذ ليس في مملكة النمل, أيام, وليس فيها أمس ولا يوم ولا غد, وليس الزمن إلاّ امتدادا ًوهمياً, غير مجزأ إلى مواقيت, وما فيه إلاّ اللحظة أو الهنيهة الراهنة, لكن تجاوزاً, من أجل ترتيب أفكاري, واسترجاع ذاكرتي, أقول في اليوم التالي) ; كنا, أنا وصديقتي النملة نتجوّل في مملكة النمل, حين وقفتْ فجأة, وسألتني: (هل ترغب في أن تزور كبيرنا?).

وكانت هذه أول حقيقة معرفيّة صعقتني في مملكة النمل, إذ عرفت أن فيهم صغيراً, وكبيراً.

أجبت بتسرع: ( لا, فأنا لا أحب الكبار وأنفر منهم), ورويت لها كيف صحبني أبي, لأتعلّم الحياة إلى بيت ميت, لا يعرف شيئاً عن موته. وكيف صحبتني أمي لأتعلّم عن الحياة إلى بيت مولود, يزعق مرعوباً من الحياة حين خروجه إليها.

وكررّت : (أنا لا أحب الكبار).

رمقتني بنظرة حادة, فندمت على ما قلت.

وإذ كنت منذ لحظة أن فكرت بشدة وكثرة خفق قلب النمل, شعرت بود تجاهها, فقد مشيت معها إلى حيث كبير النمل, الذي راح يرنو إلى وجهي بنظرات غريبة, ثم قال لي: (اسمع يا بني), فلم أسمع شيئاً إذ كنت أحدّق في وجهه وأتملى ملامحه الريقّة, الأنيسة.

وإذ لاحظ ذهولي عما يقول, نهرني: اسمع يا بني.

فرحت أنصت إليه, وكانت هي طوال الوقت تنظر إلى وجهي لترقب تأثر ملامحي بحديثه: (أنت لم تجمع حبات قلب, ولا لعبت بها, لكنك أقحمت نفسك في رهط الأطفال المنفيين, إنك منغمس في الواقع, والواقع مكتظ بالواقعية, ومزدحم بها, فلا يترك لنا مجالاً لحرية العيش.

الواقع يا بني, مزيف, ومخاتل, ومخادع, وهذه هي مفارقة الحياة المكربة.

أما الخيال, فهو وحده الذي لا يكذب. هو وحده الصادق, إذ لا كذب إلاّ بالمقارنة. والخيال لا يقارن بغيره, فهو قائم بذاته. مكتف بذاته, وكامل به. مرة واحدة تجرأتَ وخرجتَ على نفسك, حين أحرقت كتاب مملكة النمل, لتؤجج لهباً. ثم جبنت, فلم تفعل غيرها, وستظل طوال عمرك, مديناً تدفع الثمن).

كنت أنظر إليه,وكلما ازداد فزعي, ازددت تعلّقاً بكلماته, إلى أن قال: ( مشكلتك أنك منغمس في الواقع, حتى صرت تجهل نفسك, وأبواك أساءا تعليمك وتربيتك, وما إن تعد إليهما من هنا, حتى يدركا خطأهما).

فزعت من فكرة العودة, لكنني ما جرؤت على أن أناقشها مع كبير النمل,فيما كانت صديقتي النملة تحدّق في وجهي الهلع, دون أن تنفعل بما ينتاب أعماقي.

إلى أن انتشلني من بئر أعماقي بالقول: (اذهب يا بني الآن, وانضمّ إلى رهط الأطفال المنفيين, العائدين من المنفى. رفاقك تم تأهيلهم للعودة إلى بلدتهم وأهلهم, أنت لم تُفد شيئاً في طفولتك بين أهلك في بلدك, ولم تفد شيئاً في طفولتك التي قضيتها بيننا, ولن تفيدك طفولتك الباقية لحياتك, لكنك رغبت أن تكون مع الجماعة, فاذهب معهم).تململت في قعدتي, وكدت أسأله: كم بلغ من العمر, حتى امتلك كل هذه الحكمة!

لولا أن صديقتي النملة, رمقتني زاجرة, ثم اقتربت مني وهمست: (ألا تدرك أنه ميت, ولولا ذلك ما كان له أن يخاطبك هكذا).

فحاق بي لجملتها عجب صاعق, ردته عني ووقتني هوله, بأن أكملت: ( الحياة تستهلك العمر, وتستنفده, ولا يبقيه ويحفظه من النفاد, إلاّ الموت, فقم بنا).

فقمنا, وخرجنا من عنده.

ورافقتني صديقتي النملة إلى مشارف الساحة الكبرى, التي أُعد فيها احتفال كبير لوداعنا.

وافترقنا, دون أن أودعها, إذ أدركنا معاً لحظة الوداع, رغم العِشرة الطويلة بيننا في مملكة النمل, أن خفق قلبينا ليس متسقاً, فقد كان لي قلب طفل إنساني, قليل الخفق, واهٍ وبطيء.

فانفصلت عنها, وانضممت إلى أطفال بلدتنا, الذين تجمعوا لرحلة العودة إلى البلدة, في احتفال مهيب, حضره نفر من مملكة النمل.

وبعد إلقاء الكلمات المناسبة, اصطففنا بانتظام وسرنا, خارجين من مملكة النمل, داخلين بلدتنا.

ولحظت دون دهشة, وبخلاف ما كان عليه الأمر, عند قدومنا ; أنه ليس بين البلدة, ومملكة النمل مسافة, أو طريق, أو حدود, بل إن الساحة هي الساحة ذاتها, في البلدة, وفي مملكة النمل معاً. ويكفي أن نشعر بأنها للوداع, فنوُدع فيها, أو أنها للاستقبال, فنُستقبل فيها.

وبخلاف رحيلنا في المرة السابقة, لم تكن هناك خيطان رقيقة, أو حبال تقيّد أيدينا أو أرجلنا في عودتنا, بل كانت الألفة تجمعنا, واللهفة تقود وجهتنا إلى البلدة, حيث أُعد احتفال كبير لاستقبالنا.

وأخذت نفوسنا تبتهج, كلما شعرنا بقربنا من بلدتنا وأهالينا, حتى كادت البهجة تنسينا ثقل الأحمال على ظهورنا.إذ كان كل منا يحمل على ظهره حبة قمح أكبر من حجمه وأثقل من وزنه, وبها عدنا إلى البلدة من نفينا البعيد والطويل في مملكة النمل.

وكان أهل البلدة كلهم خرجوا إلينا, ولمحت بينهم أبي وأمي, فهتفت أعماقي بالغبطة, ولولا أنني كنت أمسك بحملي للوّحت لهما, ولولا أنني كنت خلال مكوثي في مملكة النمل نسيت لغة الأهل, لهتفت بهما.

وما أظن, إذ راقبت نظراتهما المتطلعة إلينا, أنهما عرفاني بين المجموع, فقد كنا كلنا يشبه بعضنا بعضًا شبهاً مطابقاً, وما كان لأحد أن يتميّز عن أحد.

وربما هذا ما أربك أهل البلدة ; فما لاحظنا أن أحداً منهم ذكراً أو أنثى, أبدى أي مشاعر خاصة تجاه أحد منا, وقد عدنا إليهم, فظلوا في انتصابهم صامتين, وكنا نحن أمامهم ذاهلين.

إلى أن بلغ زحفنا وسط الساحة.

وقد عجبنا, حين تفرسنا في قاماتهم ووجوههم, إنها ما زالت, كما كانت عليه في اليوم الذي غادرنا فيه البلدة, وكأن الزمن لم يمر عليهم قط, وما زال ساكناً عند تلك اللحظة, بينما كان الهرم قد أصابنا نحن, إذ مرّ علينا في مملكة النمل ثقيلاً بطيئاً ; فانحنت قاماتنا, حتى أوصل الانحناء أيدينا إلى مستوى أرجلنا, فصرنا نمشي على أطرافنا الأربعة, وهذا يساعدنا في حمل أشياء أكبر منا على ظهورنا المستقيمة بشكل أفقي على موازاة الأرض, وكنا لانزال أطفالاً.

وحين رفعنا وجوهنا, إلى أهل البلدة, وكانت حركة شاقة لأعناقنا القصيرة الثخينة, وجدناهم يحملقون فينا بنظرات ذعر بيّنة.

وما لمحنا في عيونهم أي لهفة, أو أشواق إلينا.

فانشغلنا بانزال أحمالنا عن ظهورنا, وكومناها في وسط الساحة.

ثم اندفعنا إلى أهالينا للسلام, فإذا بهم يرتدون إلى الوراء مذعورين, وأبقوا على مسافة بيننا وبينهم, إلى أن صاح صائحهم: (كيف تصبرون عليهم. النمل حشرات كريهة ومؤذية, وإذا أبقيناهم وسكتنا عنهم, سيدمرون بلدتنا الجميلة, التي حافظنا عليها طوال هذا الدهر?).

وما إن أتم الصائح, حتى أخرجوا أسلحة فتاكة لم نرها في البلدة من قبل, وراحوا يرشقوننا بها.

أما الذين لم يكن معهم مثل تلك الأسلحة, فراحوا يضربوننا بكل ما تقع عليه أيديهم, وداستنا الأقدام.

فقضوا علينا, قضاء كاملاً وناجزاً.

وفي لحظة موتي الأخيرة, نظرت إلى أبي وأمي نظرة لوم وعتاب, فما اكترثا لي, وما عرفاني.

ونظرت إلى الأحمال في وسط الساحة, فوجدت أن الساحة خلت منها تماماً. وكانت قد صارت في أيدي الأهل يتخاطفونها بينهم, ويبتعدون.

ولا أدري, لماذا تذكرت في لحظتي الأخيرة, كتاب (مملكة النمل), فندمت ندماً قاتلاً على إحراقه, وكدت أموت من الحسرة عليه.

إلاّ أنني حين سمعت أهل البلدة يغنون غناء شجياً, أثناء ابتعادهم بحبوب القمح, ليخزنوها في أوكار كبيرة أعدوها لخزن الحبوب طوال الصيف, أدركت أنهم كانوا أثناء غيابنا, يتعلمون أغنية الصرصار, حتى أتقنوها.

أصخت السمع إلى غنائهم الصرصاري وهم يحملون الحبوب التي أحضرناها من مملكة النمل, فارتاحت روحي, وسررت.


.. عن الكاتب


ولد جمال أبو حمدان عام 1944 في جبل العرب بسورية, على درب ارتحال عائلته من لبنان إلى الأردن. عاش في عمّان, وفيها وفي القاهرة وبيروت بدأ دراسته وأتمّها, حيث حصل على إجازة الحقوق, إلى جانب الكتابة التي بدأها في سن مبكرة, وواصلها في مختلف مجالات العمل الكتابي المقروء والمرئي, عمل مستشاراً قانونياً في الملكية الأردنية للطيران, ولكنّه تفرّغ خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة للكتابة, فأنجز, إضافة إلى الكتب, عدداً من المسلسلات الدرامية التي عرضت على معظم الشاشات العربية, من بينها: الصخر عندما ينطق, شهرزاد (الحكاية الأخيرة), ذي قار, امرؤ القيس (الثأر المر), الحجّاج, زمان الوصل, الطريق إلى كابول.

جمال أبو حمدان, إضافة إلى كونه كاتب قصة قصيرة وروائياً مميّزاً, كاتب مسرحي ذو باع طويل في هذا الفن, وقد شاركت أعماله المسرحية في المهرجانات العربية المختلفة, ولاقت العروض المعدّة عن أعماله المسرحية صدى كبيراً, ومنحت جوائز أردنية وعربية. كما شارك في لجان تحكيم عديدة في المهرجانات المسرحية العربية. صدر لجمال أبو حمدان: أحزان كثيرة وثلاثة غزلان (قصص), مكان أمام البحر (قصص), نصوص البتراء (قصص), مملكة النمل (قصص), البحث عن زيزياء (قصص), موت الرجل الميّت (قصص), كتاب الأيام والأنام (مختارات قصصية أعدّها فخري صالح), زمن البراءة (قصص), الموت الجميل (رواية), قطف الزهرة البريّة (رواية), خيط الدم (رواية), النهر (رواية للأطفال), حكاية شهرزاد الأخيرة (مسرح), ليلة دفن الممثلة جيم (مسرح), القضبان (مسرح), زمان آخر (مجموعة مسرحيات), كلام الحجر (نصوص مشتركة مع كتّاب عرب وفرنسيين), الخروج الثاني (دراسة في النزوح الفلسطيني).

يمثّل عمل جمال أبو حمدان علامة بارزة في الكتابة القصصية العربية خلال السنوات الثلاثين الأخيرة, وقد استطاع أن يرسّخ حضوره على خريطة القصة العربية من خلال مجموعته الأولى (أحزان كثيرة وثلاثة غزلان) التي نشرت طبعتها الأولى عن منشوات مجلة مواقف في بيروت عام 1970, ثم من خلال ما تابع نشره من قصص في الصحافة العربية السيّارة. ويمكن لقارئ هذه المختارات أن يلاحظ الطاقة السردية العالية, والكثافة اللغوية, التي توافرت عليهما قصص جمال أبو حمدان, وتقوم هذه القصص بعامة على تغريب الحدث القصصي والشخصيات والحالات التي يرسمها جمال أبو حمدان. كما أنّها تقوم على نزع الألفة عن عناصر عمله القصصي, ودفع القارئ باتجاه إدراك غرابة العالم الذي يصفه, والتعرّف على المأزق الذي تحياه شخصياته.

إنّ عالم جمال أبو حمدان هو عالم الشخصيات المنسحبة من سياقها الاجتماعي الضاغط, الشخصيات الباحثة عن خلاص وجودي في الفن أو التأمّل أو الانطلاق بعيداً عن الوجود الأرضي المكبّل للروح النبيلة. ويمكن القول إنّ قصصه تعبير مجازي عن الرغبات الوسواسية التي تتسلّط على شخصياته وتدفعها للهروب بعيداً عن الفساد الذي ينخر عالم البشر ويمزّق أواصر العلاقات الإنسانية بينهم. ويعمل القاص, للوصول إلى تعبير أمثل عن هذه الرغبات, على كتابة حكايات مجازية تضفي عليها لغته الشاعرية, وقدرته على تفجير الطاقات الإيحائية للغة, معاني عميقة تفسّر الوجود الإنساني وتكشف عن التصوّرات الفلسفية التي تغلّف عالمه القصصي. إنّ قصصه تقيم في فسحة بين الخيال والواقع, في تجاذب الحلم واليقظة.

جمال أبو حمدان مجلة العربي يوليو 2005

تقييم المقال: 1 ... 10

info@3rbi.info 2016